Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 21–30 of 99

21

وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٍۢ مَّعْلُومٍۢ

And there is not a thing but that with Us are its depositories, and We do not send it down except according to a known measure.

﴿وإنْ﴾؛ أيْ: وما؛ ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِمّا ذُكِرَ؛ وغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ المُمْكِنَةِ؛ وهي لا نِهايَةَ لَها؛ ﴿إلا عِنْدَنا﴾؛ أيْ: لِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ الغالِبَةِ؛ ﴿خَزائِنُهُ﴾؛ أيْ: كَما هو مُقَرَّرٌ عِنْدَكُمْ؛ لا تُنازَعُونَ فِيهِ؛ قالَ في الكَشّافِ: ذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ؛ ﴿وما نُنَـزِّلُهُ﴾؛ أيْ: مُطْلَقَ ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ لا بِقَيْدِ عَدَمِ التَّناهِي؛ فَإنَّ كُلَّ ما يُبْرَزُ إلى الوُجُودِ مُتَناهٍ؛ فَهو اسْتِخْدامُ ﴿إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾؛ عَلى حَسَبِ التَّدْرِيجِ؛ كَما تَرَوْنَهُ؛ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ -: لَيْسَ عامٌ بِأمْطَرَ مِن عامٍ؛ ولَكِنَّ اللَّهَ يُقَسِّمُهُ؛ ويُقَدِّرُهُ في الأرْضِ كَيْفَ يَشاءُ؛ عامًا هَهُنا؛ وعامًا هَهُنا؛ ورُبَّما كانَ في البَحْرِ؛ فَهَذا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلى أنَّ الفاعِلَ المُخَصِّصَ لَهُ بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ؛ وأرْضٍ دُونَ أُخْرى؛ فاعِلٌ واحِدٌ مُخْتارٌ.

22

وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَسْقَيْنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمْ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ

And We have sent the fertilizing winds and sent down water from the sky and given you drink from it. And you are not its retainers.

فَلَمّا تَمَّ ما أرادَ مِن آيَتَيِ السَّماءِ؛ والأرْضِ؛ وخَتَمَهُ بِشُمُولِ قُدْرَتِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ أتْبَعَهُ ما يَنْشَأُ عَنْهُما مِمّا هو بَيْنَهُما مُودَعًا في خَزائِنِ قُدْرَتِهِ؛ فَقالَ: ﴿وأرْسَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ التَّصْرِيفِ الباهِرِ؛ ﴿الرِّياحَ﴾؛ جَمْعُ ”رِيحٌ“؛ وهي جِسْمٌ لَطِيفٌ؛ مُنْبَثٌّ في الجَوِّ؛ سَرِيعُ المَرِّ؛ ﴿لَواقِحَ﴾؛ أيْ: حَوامِلَ؛ تَحْمِلُ النَّدى؛ ثُمَّ تَمُجُّهُ في السَّحابِ الَّتِي تُنْشِئُها؛ فَهي حَوامِلُ لِلْماءِ؛ لَواحِقُ بِالجَوِّ؛ قُوَّتُهُ عَلى ذَلِكَ عالِيَةٌ حِسًّا؛ ومَعْنًى؛ و”الرِّيحُ“: هَواءٌ مُتَحَرِّكٌ؛ وحَرَكَتُهُ بَعْدَ أنْ كانَ ساكِنًا لا بُدَّ لَها مِن سَبَبٍ؛ ولَيْسَ هو نَفْسَ كَوْنِهِ هَواءً؛ ولا شَيْئًا مِن لَوازِمِ ذاتِهِ؛ وإلّا دامَتْ حَرَكَتُهُ؛ فَلَيْسَتْ إلّا بِتَحْرِيكِ الفاعِلِ الواحِدِ المُخْتارِ؛ ﴿فَأنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ بِسَبَبِ تِلْكَ السَّحائِبِ الَّتِي حَمَلَتْها الرِّياحُ؛ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾؛ أيْ: الحَقِيقِيَّةِ؛ أوْ جِهَتِها؛ أوِ السَّحابِ؛ لِأنَّ الأسْبابَ المُتَراقِيَةَ بِسَنَدِ الشَّيْءِ تارَةً إلى القَرِيبِ مِنها؛ وتارَةً إلى البَعِيدِ؛ وأُخْرى إلى الأبْعَدِ؛ ﴿ماءً﴾؛ وهو جِسْمٌ مائِعٌ سَيّالٌ؛ بِهِ حَياةُ كُلِّ حَيَوانٍ مِن شَأْنِهِ الِاغْتِذاءُ؛ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾؛ جَعَلْناهُ لَكم سَقْيًا؛ يُقالُ: ”سَقَيْتُهُ ماءً“؛ أيْ: لِيَشْرَبَهُ؛ و”أسْقَيْتُهُ“؛ أيْ: مَكَّنْتُهُ مِنهُ لِيَسْقِيَ بِهِ ماشِيَتَهُ؛ ومَن يُرِيدُ؛ ونَفى - سُبْحانَهُ - عَنْ غَيْرِهِ ما أثْبَتَهُ أوَّلًا لِنَفْسِهِ؛ فَقالَ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الماءِ؛ ﴿بِخازِنِينَ﴾؛ و”الخَزْنُ“: وضْعُ الشَّيْءِ في مَكانٍ مُهَيَّإٍ لِلْحِفْظِ؛ فَثَبَتَ أنَّ القادِرَ عَلَيْهِ واحِدٌ مُخْتارٌ.

ومادَّةُ ”لَقَحَ“؛ بِتَقالِيبِها السِّتِّ؛ تَدُورُ عَلى اللَّحاقِ؛ وتُلْزِمُهُ القُوَّةَ؛ والعُلُوَّ؛ حِسًّا؛ أوْ مَعْنًى؛ فَـ ”اللِّقاحُ“: اسْمُ ماءِ الفَحْلِ؛ لِأنَّهُ يَلْحَقُ الأُنْثى فَتَحَمِلَهُ؛ و”قَدْ ألْقَحَ الفَحْلُ النّاقَةَ“؛ و”لَقُحَتْ لِقاحًا“: حَمَلَتْ؛ و”المَلْقُوحُ“: ما لَقَحَتْهُ مِنَ الفَحْلِ؛ أيْ: أخَذَتْهُ؛ وهي المَلاقِيحُ؛ يَعْنِي: الأجِنَّةُ؛ و”اللِّقْحَةُ“: النّاقَةُ الحَلُوبُ؛ لِأنَّها أهْلٌ لِأنْ يَلْحَقَها جائِعٌ؛ و”ألْقَحَ القَوْمُ النَّخْلَ“؛ و”لَقَّحُوها“؛ إذا ألْحَقُوها بِالفِحالَةِ؛ فَعَلَّقُوها عَلَيْها.

و”القاحِلُ“: اليابِسُ مِنَ الجُلُودِ؛ لِأنَّ أجْزاءَهُ تَلاحَقَ بَعْضُها بِبَعْضٍ؛ فَضَمُرَتْ؛ ومِنهُ ”شَيْخٌ قاحِلٌ“؛ و”اللَّحَقُ“: كُلُّ شَيْءٍ لَحِقَ شَيْئًا؛ أيْ: أدْرَكَهُ؛ و”المُلْحَقُ“: الدَّعِيُّ؛ لِأنَّهُ مُتَهَيِّئٌ لِأنَّهُ يَسْتَلْحِقُهُ كُلُّ مَن يُرِيدُهُ؛ و”المِلْحاقُ“: النّاقَةُ الَّتِي لا يَفُوتُها الإبِلُ: قالَ الزُّبَيْدِيُّ في ”مُخْتَصَرُ العَيْنِ“: وفي القُنُوتِ: ”إنَّ عَذابَكَ بِالكُفّارِ مُلْحِقٌ“؛ بِالكَسْرِ؛ أيْ: لاحِقٌ؛ لُغَةٌ.

و”الحَقْلُ“: القِراحُ الطَّيِّبُ؛ لِتَهَيُّئِها لِمَن يَلْحَقُ بِها؛ وقِيلَ: هو الزَّرْعُ إذا تَشَعَّبَ ورَقُهُ؛ وهو مِن ذَلِكَ أيْضًا؛ ومِن لُحُوقِهِ بِالحَصادِ؛ فَيَصِيرُ كالمَحْلُوقِ؛ و”الحَقِيلُ“: نَبْتٌ؛ و”الحَقِيلَةُ“: الماءُ الرَّطْبُ؛ أيْ: الأخْضَرُ مِنَ البَقْلِ؛ والشَّجَرِ؛ في الأمْعاءِ مِنهُ؛ و”الحَقِيلَةُ“: حُشافَةُ التَّمْرِ؛ لِلَحاقِ كُلِّ مَن أرْداهُ بِهِ؛ و”الحَوْقَلَةُ“: الغُرْمُولُ اللِّيِّنُ؛ كَأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالنَّبْتِ الأخْضَرِ؛ أوْ لِإمْكانِ تَثَنِّيهِ كُلَّ وقْتٍ؛ ولُحُوقِ بَعْضِ أجْزائِهِ بِبَعْضٍ؛ و”الحَوْقَلُ“: الشَّيْخُ الضَّعِيفُ النِّكاحِ؛ كَأنَّهُ مِنهُ؛ و”الحَوْقَلَةُ“: سُرْعَةُ المَشْيِ؛ …

23

وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْىِۦ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَٰرِثُونَ

And indeed, it is We who give life and cause death, and We are the Inheritor.

فَلَمّا تَقَرَّرَ تَفْصِيلُ الخَبَرِ عَمّا هو سَبَبٌ لِلْإحْياءِ في الجُمْلَةِ؛ فَتَهَيَّأتِ النَّفْسُ لِلِانْتِقالِ مِنهُ إلى الإحْياءِ الحَقِيقِيِّ قِياسًا؛ قالَ (تَعالى): ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾؛ أيْ: لَنا هَذِهِ الصِّفَةُ عَلى وجْهِ العَظَمَةِ؛ فَنُحْيِي بِها ما نَشاءُ مِنَ الحَيَوانِ؛ بِرُوحِ البَدَنِ؛ ومِنَ الرُّوحِ بِالمَعارِفِ؛ ومِنَ النَّباتِ بِالنُّمُوِّ؛ وإنْ كانَ أحَدُها حَقِيقَةً؛ والآخَرانِ مَجازًا؛ إلّا أنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُما جائِزٌ؛ ﴿ونُمِيتُ﴾؛ أيْ: لَنا هَذِهِ الصِّفَةُ؛ فَنُبْرِزُ بِها مِن عَظَمَتِنا ما نَشاءُ؛ ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾؛ أيْ: الإرْثَ التّامَّ؛ إذا ماتَ الخَلائِقُ؛ الباقُونَ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ؛ كَما كُنّا ولا شَيْءَ؛ لَيْسَ لِأحَدٍ فِينا تَصَرُّفٌ بِإماتَةٍ؛ ولا إحْياءٍ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ الوَحْدانِيَّةُ والفِعْلُ بِالِاخْتِيارِ؛

24

وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـْٔخِرِينَ

And We have already known the preceding [generations] among you, and We have already known the later [ones to come].

فَلَمّا ثَبَتَ بِهَذا كَمالُ قُدْرَتِهِ؛ وكانَتْ آثارُ القُدْرَةِ لا تَكُونُ مُحْكَمَةً إلّا بِالعِلْمِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ الإحاطَةِ المُعْجِزَةِ؛ ﴿المُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ﴾؛ وهم مَن قَضَيْنا بِمَوْتِهِ أوَّلًا؛ فَيَكُونُ في مَوْتِهِ كَأنَّهُ يُسارِعُ إلى التَّقَدُّمِ إلَيْهِ؛ وإنْ كانَ هو - وكُلٌّ مِن أهْلِهِ - مُجْتَهِدًا بِالعِلاجِ في تَأْخِيرِهِ؛ ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا﴾؛ بِعَظَمَتِنا؛ ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ نَمُدُّ في أعْمارِهِمْ؛ فَنُؤَخِّرُ مَوْتَهم حَتّى يَكُونُوا كَأنَّهم يُسابِقُونَ إلى ذَلِكَ؛ وإنْ عالَجُوا المَوْتَ بِشُرْبِ سُمٍّ؛ وغَيْرِهِ؛ أوْ عالَجَهُ لَهم غَيْرُهم بِضَرْبِهِمْ بِالسَّيْفِ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ فَعُرِفَ بِذَلِكَ قَطْعًا أنَّ الفاعِلَ واحِدٌ مُخْتارٌ؛ وكَذا كُلُّ مُتَقَدِّمٍ ومُتَأخِّرٍ؛ في وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ غَيْرِ المَوْتِ؛ والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: فَنَحْنُ لا نُمِيتُ أحَدًا قَبْلَ أجَلِهِ؛ فَلا تَسْتَعْجِلُونا بِالوَعِيدِ؛ وتَهَيَّؤُوا لِدِفاعِهِ إنْ كُنْتُمْ رِجالًا؛ فَإنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَأْتِيَ؛ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلَ لَدَيَّ.

25

وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And indeed, your Lord will gather them; indeed, He is Wise and Knowing.

ولَمّا تَمَّ الدَّلِيلُ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ وشُمُولِ العِلْمِ؛ ثَبَتَ قَطْعًا إحْياءُ المَوْتى؛ لِانْتِفاءِ المانِعِ مِن جِهَةِ القُدْرَةِ؛ واقْتِضاءِ الحِكْمَةِ لَهُ مِن جِهَةِ العِلْمِ؛ لِلْعَدْلِ بَيْنَ العِبادِ بِالمُقابَلَةِ عَلى الصَّلاحِ؛ والفَسادِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ -: ﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِالِانْتِقامِ لَكَ مِمَّنْ يُعادِيكَ؛ وإقْرارِ عَيْنِكَ مِن مُخالِفِيكَ؛ ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾؛ أيْ: يَجْمَعُهم إلى أرْضِ القِيامَةِ بَعْدَ إعادَتِهِمْ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وأصْلُهُ جَمْعُ الحَيَوانِ إلى مَكانٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ اعْتِقادِهِمْ ما يَسْتَلْزِمُ الإنْكارَ -: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ﴾؛ أيْ: يَفْعَلُ الأشْياءَ في أتَمِّ مَواضِعِها؛ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِها؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ بالِغُ العِلْمِ؛ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ وهو يُرِيدُ أنْ تُرى حِكْمَتُهُ بِكَشْفِ الغِطاءِ؛ عِنْدَ تَمْيِيزِ أهْلِ السَّعادَةِ؛ والشَّقاءِ؛ و”الحِكْمَةُ“: العِلْمُ الَّذِي يَصْرِفُ عَمّا لا يَنْبَغِي؛ وأصْلُها المَنعُ.

26

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن صَلْصَٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ

And We did certainly create man out of clay from an altered black mud.

ولَمّا جَرَتْ سُنَّتُهُ الإلَهِيَّةُ أنَّهُ يَذْكُرُ ابْتِداءَ الخَلْقِ دَلِيلًا عَلى الإعادَةِ؛ سابِقًا ولاحِقًا؛ وابْتَدَأ هُنا بِذِكْرِ الحَشْرِ؛ لِما قامَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلِيلِ بِإحْياءِ الأرْضِ؛ تَوَقَّعَ السّامِعُ تَفْصِيلَ ابْتِداءِ الخَلْقِ؛ الَّذِي هو أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى البَعْثِ؛ بَعْدَ إجْمالِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾ [الحجر: ٢٣]؛ فَقالَ - مُفْتَتِحًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ -: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا﴾؛ أيْ: بِالعَظَمَةِ الباهِرَةِ؛ ﴿الإنْسانَ﴾؛ أيْ: الآنِسَ بِنَفْسِهِ؛ النّاسِي لِغَيْرِهِ؛ ﴿مِن صَلْصالٍ﴾؛ أيْ: طِينٍ يابِسٍ؛ لَهُ عِنْدَ النَّقْرِ صَلْصَلَةٌ؛ أيْ: صَوْتٌ شَدِيدٌ مُتَرَدِّدٌ في الهَواءِ؛ فَإنْ كانَ فِيهِ مَدٌّ مِن غَيْرِ تَرْجِيعٍ فَهو ”صَلَلٌ“؛ فالمُرادُ: شَدِيدٌ يَبَسُهُ؛ ولَكِنَّهُ غَيْرُ مَطْبُوخٍ؛ وأمّا المَطْبُوخُ فَهو فَخّارٌ: ثُمَّ بَيَّنَ أصْلَ الصَّلْصالِ؛ فَقالَ: ﴿مِن حَمَإٍ﴾؛ أيْ: طِينٍ أسْوَدَ؛ مُنْتِنٍ؛ ﴿مَسْنُونٍ﴾؛ أيْ: مَصْبُوبٍ مُهَيَّإٍ لِعَمَلِ ما يُرادُ مِنهُ بِالدَّلْكِ؛ والتَّحْسِينِ؛ مِنَ الذَّهابِ؛ والِاضْطِرابِ؛ والجَعْلِ عَلى طَبْعٍ وطَرِيقَةٍ مُسْتَوِيَةٍ؛ وكُلُّ ذَلِكَ عَلى غايَةِ السُّهُولَةِ؛ والطَّواعِيَةِ؛ والهَوانِ؛ فَذَكَرَ أصْلَ الإنْسانِ؛ وما وقَعَ لَهُ مِن إبْلِيسَ - الَّذِي هو أصْلُ الجِنِّ؛ كَما أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أبُو البَشَرِ - مِنَ الكَيْدِ؛ حَتّى أخْرَجَهُ مِن دارِ الصَّفاءِ إلى دارِ الكَدَرِ؛ لِيَحْذَرَهُ العُقَلاءُ مِن بَنِي آدَمَ؛ وفي التَّنْبِيهِ بِابْتِداءِ الخَلْقِ عَلى وُصُولِ البَشَرِ إلى أصْلٍ - كانَ بِمَحْضِ القُدْرَةِ - مُخالِفٍ لَهم في التَّكْوِينِ بَيْنَ أبَوَيْنِ؛ وانْتِهاءُ الجِنِّ إلى أصْلٍ لَيْسَ خَلْقُهُ كَخَلْقِهِمْ تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلى انْتِهاءِ المَوْجُوداتِ إلى مَوْجُودٍ لا يُجانِسُهُمْ؛ بَلْ هو خالِقٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ؛ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ؛ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ؛ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ - سُبْحانَهُ -؛ وفي خَلْقِهِ مِنَ الماءِ - الَّذِي هو كالأبِ - والطِّينِ - الَّذِي هو كالأُمِّ - بِمُساعَدَةِ النّارِ؛ والهَواءِ؛ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يَكُونَ مُلائِمًا لِما في هَذا العالَمِ؛ فَيَكُونَ بَقاؤُهُ بِذَلِكَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ؛ في مَأْكَلِهِ ومَشْرَبِهِ؛ ومَلْبَسِهِ؛ وسائِرِ أُمُورِهِ؛ وذَلِكَ أدَلُّ عَلى حِكْمَةِ الخالِقِ؛ وعِلْمِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ. ومادَّةُ ”صَلَلَ“؛ تَدُورُ عَلى الصَّلْصالِ؛ الَّذِي هو الطِّينُ مُطْلَقًا؛ أوِ الطِّينُ الحُرُّ يُخْلَطُ بِالرَّمْلِ؛ أوِ الطِّينُ ما لَمْ يُجْعَلْ خَزَفًا؛ ويَتَفَرَّعُ جَمِيعُ مَعانِي المادَّةِ مِنهُ؛ لِأنَّ مِن لَوازِمِهِ في أوَّلِهِ الماءُ؛ واللِّينُ بِنَداوَتِهِ؛ وسُهُولَةِ خَلْطِهِ لِغَيْرِهِ؛ فَيَأْتِي الخَفاءُ لِأنَّهُ يُغْرَزُ فِيهِ بِغَيْرِ صَوْتٍ؛ ومِنها قَبُولُ التَّصْفِيَةِ مِنَ الغِشِّ؛ ومِنها في آخِرِهِ الصَّلابَةُ لِشِدَّةِ اليُبْسِ؛ فَيَلْزَمُ تَضامُّ الأجْزاءِ؛ وتَضايُقُها عَلى انْتِظامٍ؛ أوْ غَيْرِ انْتِظامٍ؛ والصَّوْتُ؛ وشِدَّةُ الِانْفِصالِ بِالتَّشَقُّقِ؛ ومِن لَوازِمِهِ التَّغَيُّرُ بِالنُّتْنِ؛ فَيَأْتِي الخُبْثُ والفَسادُ؛ ومِن لَوازِمِهِ شِدَّةُ الِاخْتِلاطِ؛ بِحَيْثُ إذا نَشِبَ فِيهِ شَيْءٌ عَسِرَ خَلاصُهُ؛ ومِن لَوازِمِهِ تَمَيُّزُهُ عَمّا عَداهُ؛ ومَحَلٌّ يُصْنَعُ فِيهِ؛ فَمِنَ الصَّوْتِ واليُبْسِ: صَلِيلُ الحَدِيدِ؛ والإبِلِ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ يُقالُ: ”صَلَّ الحَدِيدُ؛ واللِّجامُ“: امْتَدَّ صَوْتُهُ؛ فَإنْ تُوُهِّمَ تَرْجِيعُ الصَّوْتِ قِيلَ: ”صَلْصَلَ“؛ و”صَلَّ البَيْضُ“: سُمِعَ لَهُ طَنِينٌ عِنْدَ القِراعِ؛ و”المِسْمارُ …

27

وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ

And the jinn We created before from scorching fire.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ الإنْسانِ؛ أتْبَعَهُ ذِكْرَ ما خَلَقَهُ قَبْلَهُ مِنَ الجانِّ؛ فَقالَ: ﴿والجانَّ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو لِلْجِنِّ كَآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلنّاسِ: وقِيلَ: هو إبْلِيسُ؛ ﴿خَلَقْناهُ﴾؛ وعَبَّرَ عَنْ تَقْلِيلِ زَمانِ سَبْقِ خَلْقِهِ؛ وتَقْرِيبِهِ؛ بِإثْباتِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: قَبْلَ خَلْقِ الإنْسانِ؛ ﴿مِن نارِ السَّمُومِ﴾؛ أيْ: الحَرِّ الشَّدِيدِ؛ قِيلَ: هي نارٌ لا دُخانَ لَها؛ يَكُونُ مِنها الصَّواعِقُ؛ وهي بَيْنَ السَّماءِ؛ وبَيْنَ الحِجابِ؛ فَإذا أرادَ اللَّهُ (تَعالى) خَرَقَتِ الحِجابَ؛ فَهَدَّتْ إلى ما أُمِرَتْ بِهِ؛ فالهَدَّةُ الَّتِي يَسْمَعُها النّاسُ هي خَرْقُ ذَلِكَ الحِجابِ؛ وقالَ الرّازِيُّ في ”اللَّوامِعُ“: نارٌ لَطِيفَةٌ؛ تَناهَتْ في الغَلَيانِ في أُفُقِ الهَواءِ؛ وهي بِالإضافَةِ إلى النّارِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ (تَعالى) مَتاعًا كالجَمَدِ إلى الماءِ؛ والحَجَرِ إلى التُّرابِ؛ انْتَهى؛ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ السَّمُومُ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ السَّمُومِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ مِنها الجانَّ؛ وهي مَأْخُوذَةٌ مِن دُخُولِها بِلُطْفِها في مَسامِّ البَدَنِ؛ ومِنهُ السُّمُّ القاتِلُ؛ انْتَهى.

28

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًۭا مِّن صَلْصَٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ

And [mention, O Muhammad], when your Lord said to the angels, "I will create a human being out of clay from an altered black mud.

ولَمّا كانَتْ نِعْمَةُ الإيجادِ كافِيَةً في إخْلاصِ العِبادَةِ لِلْمُوجِدِ؛ ثُمَّ لَمْ يَعْتَبِرْها أهْلُ الضَّلالِ؛ أشارَ (تَعالى) إلى نِعْمَةٍ هي أكْبَرُ مِنها؛ وهي التَّفْضِيلُ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ عَلى وجْهٍ مُبَيِّنٍ لِسَبَبِ الضَّلالِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”اذْكُرْ هَذا فَإنَّهُ كافٍ في المُرادِ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ“ -: ﴿وإذْ﴾؛ أيْ: واذْكُرْ قَوْلَ رَبِّكَ إذْ؛ ﴿قالَ رَبُّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِتَشْرِيفِ أبِيكَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتَشْرِيفِكَ؛ ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾؛ ولَمّا كانَ مِمّا يُتَوَقَّفُ فِيهِ؛ أكَّدَهُ؛ فَقالَ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾؛ أيْ: حَيَوانًا غَيْرَ مُلْبَسِ البَشَرَةِ بِما جَعَلَهُ عَلَيْهِ مِنَ الطَّبِيعَةِ عَلى الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ؛ ﴿مِن صَلْصالٍ﴾؛ أيْ: طِينٍ شَدِيدِ اليُبْسِ؛ ﴿مِن حَمَإٍ﴾؛ أيْ: طِينٍ أسْوَدَ مُنْتِنٍ؛ ﴿مَسْنُونٍ﴾؛ أيْ: مُصَوَّرٍ بِصُورَةِ الآدَمِيِّ في تَجْوِيفِهِ؛ وأعْضائِهِ؛ كَأنَّهُ مَصْبُوبٌ في قالَبٍ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وأصْلُهُ الِاسْتِمْرارُ في جِهَةٍ مِن قَوْلِهِمْ: ”عَلى سَنَنٍ واحِدٍ“؛

29

فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ

And when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul, then fall down to him in prostration."

﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾؛ أيْ: عَدَّلْتُهُ؛ وأتْمَمْتُهُ؛ وهَيَّأْتُهُ لِنَفْخِ الرُّوحِ تَهْيِئَةً قَرِيبَةً مِنَ الفِعْلِ؛ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾؛ أيْ: خَلَقْتُ الحَياةَ فِيهِ؛ كَما تَعْلَقُ النّارُ بِالفَتِيلَةِ بِالنَّفْخِ؛ وهو تَمْثِيلٌ؛ وأضافَ الرُّوحَ إلَيْهِ تَشْرِيفًا؛ وهو ما يَصِيرُ بِهِ الجِسْمُ حَيًّا؛ وأشْرَفُ مِنهُ ما يَصِيرُ بِهِ الرُّوحُ عالِمًا؛ وأشْرَفُ مِنهُ ما يَصِيرُ بِهِ العالِمُ عامِلًا خاشِعًا؛ ﴿فَقَعُوا لَهُ﴾؛ أيْ: تَعْظِيمًا؛ حالَ كَوْنِكُمْ؛ ﴿ساجِدِينَ﴾؛ أيْ: اسْجُدُوا لَهُ سُجُودَ مَن كانَ في مُبادَرَتِهِ بِهِ؛ وسُهُولَةِ انْقِيادِهِ؛ كَأنَّهُ وقَعَ مِن غَيْرِ اخْتِيارِهِ؛

30

فَسَجَدَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ

So the angels prostrated - all of them entirely,

﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ هَذا الأمْرِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ؛ لَمّا جاءَ الوَقْتُ الَّذِي أمَرْتُهم فِيهِ لِذَلِكَ البَشَرِ؛ وهو أبُوكم آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وأنْتُمْ في صُلْبِهِ ﴿كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.