Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 11–20 of 99

11

وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And no messenger would come to them except that they ridiculed him.

﴿وما يَأْتِيهِمْ﴾؛ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ تَصْوِيرًا لِلْحالِ؛ إيذانًا بِما يُوجِبُ مِنَ الغَضَبِ؛ فَإنَّ ”ما“ تَجْعَلُ المُضارِعَ حالًا؛ والماضِيَ قَرِيبًا مِنهُ؛ وأكَّدَ النَّفْيَ؛ فَقالَ: ﴿مِن رَسُولٍ﴾؛ أيْ: عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ؛ ﴿إلا كانُوا بِهِ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ مُكَرِّرِينَ لِذَلِكَ دائِمًا؛ فَكَأنَّهم تَواصَوْا بِمِثْلِ هَذا؛ ولَمْ يَنْقُصْ هَذا مِن عَظَمَتِنا شَيْئًا؛ فَلا تَبْتَئِسْ بِما يَفْعَلُونَ بِكَ؛ و”الِاسْتِهْزاءُ“؛ في الأصْلِ: طَلَبُ الهُزُؤِ؛ والمُرادُ بِهِ هُنا - واللَّهُ أعْلَمُ - الهُزْءُ؛ وهو إظْهارُ ما يُقْصَدُ بِهِ العَيْبُ؛ عَلى إيهامِ المَدْحِ؛ كاللَّعِبِ؛ والسُّخْرِيَةِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالسِّينِ المُفْهِمَةِ لِلطَّلَبِ؛ إشارَةً إلى أنَّ رَغْبَتَهم فِيهِ لا تَنْقَضِي؛ كَما هو شَأْنُ الطّالِبِ لِلشَّيْءِ؛ مَعَ أنَّهم لا يَقَعُونَ عَلى مُرادِهِمْ في حَقِّ أهْلِ اللَّهِ أصْلًا؛ لِأنَّهم لا يَفْعَلُونَ مِن ذَلِكَ فِعْلًا إلّا كانَ ظاهِرَ البُعْدِ عَمّا يُرِيدُونَ؛ لِظُهُورِ ما يَدْعُو إلَيْهِ حِزْبُ اللَّهِ؛ وثَباتُهُ؛ فَكانُوا لِذَلِكَ كَطالِبِ ما لَمْ يَقَعْ؛ وإنَّما كانَ النّاسُ إلى ما يُوجِبُهُ الجَهْلُ مِنَ الاسْتِهْزاءِ ونَحْوِهِ أسْرَعُ مِنهم إلى ما يُوجِبُهُ العِلْمُ مِنَ الأخْذِ بِالحَزْمِ؛ والنَّظَرِ في العَواقِبِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن تَعَجُّلِ الرّاحَةِ؛ واللَّذَّةِ؛ وإسْقاطِ الكُلْفَةِ بِإلْزامِ النَّفْسِ الِانْتِقالَ مِن حالٍ إلى حالٍ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ.

12

كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُۥ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ

Thus do We insert denial into the hearts of the criminals.

ولَمّا كانَتْ قُلُوبُ أهْلِ الضَّلالِ مَوْصُوفَةً بِالضِّيقِ؛ والحَرَجِ؛ كانَ الدّاخِلُ إلَيْها لا يَدْخُلُ إلّا بِغايَةِ العُسْرِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: أهَذا خاصٌّ بِهَؤُلاءِ؟ فَقِيلَ: لا؛ بَلْ - ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلُ هَذا السَّلْكِ العَجِيبِ الشَّأْنِ؛ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ مَعَ التَّجَدُّدِ عَلى الِاسْتِمْرارِ؛ لِاقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ؛ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِها؛ فَقالَ: ﴿نَسْلُكُهُ﴾؛ أيْ: الذِّكْرَ؛ ﴿فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في الإجْرامِ في كُلِّ زَمَنٍ؛ كَما يُسْلَكُ الخَيْطُ والرُّمْحُ ونَحْوُهُ؛ فِيما يُنْظَمُ فِيهِ؛ مِن مَخِيطٍ وغَيْرِهِ؛ بِغايَةِ العُسْرِ؛ فَلا يَتَّسِعُ لَهُ المَحَلُّ؛ فَلا يَنْفَعُ؛ حالَ كَوْنِهِمْ؛

13

لَا يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ

They will not believe in it, while there has already occurred the precedent of the former peoples.

﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ لِأنَّ صُدُورَهم لا تَنْشَرِحُ لَهُ؛ كَما رَأيْتَ سُنَّتَنا بِذَلِكَ في قَوْمِكَ؛ ﴿وقَدْ خَلَتْ﴾؛ أيْ: مَضَتْ مِن قَبْلِ هَذا؛ ﴿سُنَّةُ﴾؛ أيْ: طَرِيقَةُ؛ ﴿الأوَّلِينَ﴾ بِذَلِكَ؛ ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى فِعْلِ ما نُرِيدُ مِن تِلْكَ السُّنَّةِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ مِن إهْلاكٍ؛ وتَيْسِيرِ إيمانٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]؛ والغَرَضُ بَيانُ أنَّهُ (تَعالى) يُعْمِي بَعْضَ الأبْصارِ عَنِ الجَلْيِ؛ ويُبَصِّرُ بَعْضَها بِالخَفِيِّ؛ إظْهارًا لِلْقُدْرَةِ والِاخْتِيارِ؛ بِإنْفاذِ الأمْرِ عَلى خِلافِ القِياسِ.

14

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ

And [even] if We opened to them a gate from the heaven and they continued therein to ascend,

ولَمّا أخْبَرَهُ بِهَذِهِ الأسْرارِ؛ مُنْبِئَةً عَنْ أحْوالِهِمْ؛ وكانَتِ النَّفْسُ أشَدَّ شَيْءٍ طَلَبًا لِقَطْعِ حُجَّةِ المُتَعَنِّتِ بِإجابَةِ سُؤْلِهِ؛ قالَ (تَعالى) - مُخْبِرًا بِتَحْقِيقِ ما خَتَمَ بِهِ مِن أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ لِلْخَوارِقِ؛ ولَوْ رَأوْا أعْجَبَ مِنَ الإتْيانِ بِالمَلائِكَةِ -: ﴿ولَوْ فَتَحْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: عَلى مَن قالَ: لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ؛ ﴿بابًا﴾؛ يُناسِبُ عَظَمَتَنا؛ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾؛ وأشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ حالُهم - ولَوْ كانُوا في أجْلى الأوْقاتَ؛ وهو النَّهارُ - بِقَوْلِهِ: ﴿فَظَلُّوا﴾؛ أيْ: الكُفّارُ؛ ﴿فِيهِ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ البابِ العالِي؛ ﴿يَعْرُجُونَ﴾؛ أيْ: يَصْعَدُونَ ماشِينَ في الصُّعُودِ؛ مِشْيَةَ الفَرَحِ؛

15

لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌۭ مَّسْحُورُونَ

They would say, "Our eyes have only been dazzled. Rather, we are a people affected by magic."

﴿لَقالُوا﴾ عِنادًا؛ وإبْعادًا عَنِ الإيمانِ: ﴿إنَّما سُكِّرَتْ﴾؛ أيْ: سُدَّتْ؛ وغُشِيَتْ؛ ﴿أبْصارُنا﴾؛ أيْ: حَتّى ظَنَنّا ما لَيْسَ بِواقِعٍ واقِعًا؛ ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ﴾؛ أيْ: وإنْ كانَ لَنا غايَةُ القُوَّةِ عَلى ما نُرِيدُ مُحاوَلَتَهُ؛ ﴿مَسْحُورُونَ﴾؛ أيْ: ثابِتٌ وُقُوعُ السِّحْرِ عَلَيْنا؛ حَتّى صِرْنا نَرى الأشْياءَ عَلى خِلافِ ما هي عَلَيْهِ؛ ونُثْبِتُ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ و”السَّكْرُ“: السَّدُّ؛ بِإدْخالِ اللَّطِيفِ في المَسامِّ؛ فَيَمْنَعُ الشَّيْءَ كَمالَ ما كانَ عَلَيْهِ؛ ومِنهُ السُّكْرُ بِالشَّرابِ؛ و”السِّحْرُ“: حِيلَةٌ خَفِيَّةٌ؛ تُوهِمُ مَعْنى المُعْجِزَةِ مِن غَيْرِ حَقِيقَةٍ.

16

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًۭا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ

And We have placed within the heaven great stars and have beautified it for the observers.

ولَمّا كانَ ذِكْرُ هَذِهِ الآيَةِ السَّماوِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ في الجَوابِ عَنْ إنْكارِهِمُ النُّبُوَّةَ؛ دَلِيلًا عَلى مُرُودِهِمْ عَلى الكُفْرِ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ثُبُوتَ النُّبُوَّةِ مُتَرَتِّبٌ عَلى ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ؛ تَوَقَّعَ السّامِعُ الفَهِمُ الإخْبارَ عَمّا لَهُ (تَعالى) مِنَ الآياتِ المُحَقَّقَةِ الوُجُودِ؛ المُشاهَدَةِ؛ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ؛ فَأتْبَعَها بِذَلِكَ اسْتِدْلالًا عَلى وحْدانِيَّتِهِ؛ بِما لَهُ مِنَ المَصْنُوعاتِ؛ شَرْحًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [إبراهيم: ٥٢]؛ ودَلِيلًا عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ بِالخَوارِقِ؛ وابْتَدَأ بِالسَّماوِيّاتِ؛ لِظُهُورِها لِكُلِّ أحَدٍ؛ وشَرَفِها؛ وظُهُورِ أنَّها مِنَ الخَوارِقِ بِعَدَمِ مُلابَسَتِها؛ والوُصُولِ إلَيْها؛ فَقالَ - مُفْتَتِحًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ -: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِوانا؛ مِمّا هو مُغْنٍ عَنْ فَتْحِ بابٍ ونَحْوِهِ؛ ﴿فِي السَّماءِ بُرُوجًا﴾؛ أيْ: مَنازِلَ لِلْقَمَرِ؛ جَمْعُ ”بُرْجٌ“؛ وهو في الأصْلِ القَصْرُ العالِي؛ أوَّلُها الحَمَلُ؛ وآخِرُها الحُوتُ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها لِلْكَواكِبِ السَّيّارَةِ كالمَنازِلِ لِسُكّانِها؛ وهي مُخْتَلِفَةُ الطَّبائِعِ؛ فَسَيْرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِكُلٍّ مِنها يُؤَثِّرُ ما لا يُوَثِّرُهُ الآخَرُ؛ فاخْتِلافُها في ذَلِكَ - مَعَ أنَّ نِسْبَتَها إلى السَّماءِ واحِدَةٌ - دَلِيلٌ عَلى الفاعِلِ المُخْتارِ الواحِدِ؛ والعَرَبُ أعْرَفُ النّاسِ بِها؛ وبِاخْتِلافِها؛ ومادَّةُ ”بَرَجَ“؛ بِكُلِّ تَقْلِيبٍ؛ تَدُورُ عَلى الظُّهُورِ المَلْزُومِ لِلْعُلُوِّ؛ المَلْزُومِ لِلْقُوَّةِ؛ وقَدْ يُفَرِّطُ فَيَلْزَمُهُ الضَّعْفُ؛ فَمِن مُطْلَقِ الظُّهُورِ: ”بُرُوجُ السَّماءِ“؛ قالَ القَزّازُ: سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِأنَّها بُيُوتُ الكَواكِبِ؛ فَكَأنَّها بِمَنزِلَةِ الحُصُونِ لَها؛ وقِيلَ: سُمِّيَتْ لِارْتِفاعِها؛ وكُلُّ حِصْنٍ مُرْتَفِعٍ فَهو بُرْجٌ؛ و”البَرَجُ“؛ أيْ: مُحَرَّكًا: سَعَةُ بَياضِ العَيْنِ؛ وصَفاءُ سَوادِها؛ وقِيلَ: ”البَرَجُ“؛ في العَيْنِ؛ هو أنْ يَكُونَ البَياضُ مُحْدِقًا بِالسَّوادِ؛ يَظْهَرُ في نَظَرِ الإنْسانِ؛ فَلا يَغِيبُ مِن سَوادِ العَيْنِ شَيْءٌ؛ و”تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ“: أبْدَتْ مَحاسِنَها؛ و”الجِرْبِياءُ“: الشَّمالُ؛ لِعُلُوِّها؛ و”الجَرِيبُ“: الوادِي؛ لِظُهُورِهِ؛ و”الجَرِيبُ“: مِكْيالُ أرْبَعَةِ أقْفِزَةٍ؛ و”جَرِيبُ الأرْضِ“؛ مَعْرُوفٌ؛ وهو ساحَةٌ مُرَبَّعَةٌ؛ كُلُّ جانِبٍ مِنها سِتُّونَ ذِراعًا؛ ومِنهُ ”الجِرابُ“؛ لِوِعاءٍ مِن جُلُودٍ؛ و”الجَوْرَبُ“؛ لِلِفافَةِ الرِّجْلِ؛ لِأنَّهُما ظاهِرانِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما فِيهِما؛ وكَذا ”الجُرُبّانُ“؛ لِغِلافِ السَّيْفِ؛ و”جِرابُ البِئْرِ“: جَوْفُها؛ و”الأرْجابُ“: الأمْعاءُ؛ شَبَهًا بِالجِرابِ؛ و”البارِجَةُ“: سَفِينَةٌ مِن سُفُنِ البَحْرِ تُتَّخَذُ لِلْقِتالِ؛ و”البُجْرَةُ“: كُلُّ عُقْدَةٍ في البَطْنِ؛ و”العُجْرَةُ“: كُلُّ عُقْدَةٍ في الجَسَدِ؛ و”البُجْرَةُ“: السُّرَّةُ النّاتِئَةُ؛ وسُرَّةُ البَعِيرِ؛ عَظُمَتْ؛ أوْ لا؛ و”البُجْرُ“؛ و”البُجْرِيُّ“: الأمْرُ العَظِيمُ؛ و”جاءَ فُلانٌ بِالبُجارَةِ“؛ وهي الدّاهِيَةُ؛ وفِيهِ ما جَمَعَ إلى الظُّهُورِ القُوَّةَ؛ ومِن ذَلِكَ ”رَجَبٌ“: اسْمُ شَهْرٍ؛ و”رَجِبْتُ الرَّجُلَ“: عَظَّمْتُهُ؛ و”الرُّجْبَةُ“؛ مِن وصْفِ الأدْوِيَةِ؛ و”الرَّجْبُ“: الحَياءُ؛ والعَفْوُ؛ و”الرَّجْبُ“: الهَيْبَةُ؛ و”المُجَرِّبُ“: الَّذِي بُلِيَ بِالشَّدائِدِ؛ و”رَجَبْتُ النَّخْلَ تَرْجِيبًا“: بَنَيْتُ مِن جانِبِها بِناءً لِئَلّا يَسْقُطَ؛ و”الجَبْرُ“: خِلافَ الكَسْرِ؛ …

17

وَحَفِظْنَٰهَا مِن كُلِّ شَيْطَٰنٍۢ رَّجِيمٍ

And We have protected it from every devil expelled [from the mercy of Allah]

﴿وحَفِظْناها﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ﴾؛ أيْ: بَعِيدٍ مِنَ الخَيْرِ؛ مُحْتَرِقٍ؛ ﴿رَجِيمٍ﴾ مُسْتَحِقٍّ لِلرَّجْمِ - وهو رَمْيُ الشَّيْءِ بِالِاعْتِمادِ؛ مِن غَيْرِ آلَةٍ مُهَيَّأةٍ لِلْإصابَةِ؛ كالقَوْسِ؛ فَإنَّها لِلرَّمْيِ؛ لا لِلرَّجْمِ - ومُسْتَحِقٍّ لِلشَّتْمِ؛ لِأنَّهُ قَوّالٌ بِالظَّنِّ؛ وما لا حَقِيقَةَ لَهُ؛

18

إِلَّا مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ مُّبِينٌۭ

Except one who steals a hearing and is pursued by a clear burning flame.

﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾؛ مِنهُمْ؛ فَإنّا لَمْ نُرِدْ تَمامَ الحِفْظِ مِنهُ؛ ﴿فَأتْبَعَهُ﴾؛ أيْ: تَبِعَهُ تَبَعَ مَن هو حاثٌّ لِنَفْسِهِ؛ سائِقٌ لَها؛ ﴿شِهابٌ﴾؛ وهو عَمُودٌ مِن نُورٍ؛ يَمْتَدُّ بِشِدَّةِ ضِيائِهِ؛ كالنّارِ؛ ﴿مُبِينٌ﴾؛ يَراهُ مَن فِيهِ أهْلِيَّةُ الرُّؤْيَةِ حِينَ يُرْجَمُ بِهِ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «”إذا قُضِيَ الأمْرُ في السَّماءِ؛ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ؛ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ؛ يَنْفُذُهم ذَلِكَ؛ فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا لِلَّذِي قالَ: الحَقَّ؛ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ؛ فَيَسْمَعُها مُسْتَرِقُو السَّمْعِ؛ ومُسْتَرِقُو السَّمْعِ؛ هَكَذا واحِدٌ فَوْقَ آخَرَ - ووَصَفَ سُفْيانُ بِيَدِهِ؛ فَفَرَّجَ بَيْنَ أصابِعِهِ اليُمْنى؛ نَصَبَها بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ - فَرُبَّما أدْرَكَ الشِّهابُ المُسْتَمِعَ قَبْلَ أنْ يَرْمِيَ بِها إلى صاحِبِهِ؛ فَيُحْرِقَهُ؛ ورُبَّما لَمْ يُدْرِكْهُ حَتّى يَرْمِيَ بِها إلى الَّذِي يَلِيهِ؛ إلى الَّذِي هو أسْفَلَ مِنهُ؛ حَتّى يُلْقُوها إلى الأرْضِ - ورُبَّما قالَ سُفْيانُ: حَتّى يَنْتَهِيَ إلى الأرْضِ -؛ فَتُلْقى عَلى فَمِ السّاحِرِ؛ فَيَكْذِبُ مَعَها مِائَةَ كَذْبَةٍ؛ فَيَصْدُقُ؛ فَيَقُولُونَ: ألَمْ يُخْبِرْنا يَوْمَ كَذا وكَذا يَكُونُ كَذا وكَذا؛ فَوَجَدْناهُ حَقًّا؟ لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّماءِ“».

قالَ المُفَسِّرُونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: كانَتِ الشَّياطِينُ لا تُحْجَبُ عَنِ السَّماواتِ؛ فَيُلْقُونَ ما يَسْمَعُونَ مِنها إلى الكَهَنَةِ؛ فَلَمّا وُلِدَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُنِعُوا مِن ثَلاثِ سَماواتٍ؛ فَلَمّا وُلِدَ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - مُنِعُوا مِنَ السَّماواتِ كُلِّها؛ هَكَذا رَأيْتُ ”وُلِدَ“؛ ولَعَلَّهُ ”بُعِثَ“؛ فَإنَّ في الصَّحِيحِ أنَّ الَّذِي مَنَعَهم نُزُولُ القُرْآنِ.

19

وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْزُونٍۢ

And the earth - We have spread it and cast therein firmly set mountains and caused to grow therein [something] of every well-balanced thing.

ولَمّا ذَكَرَ آيَةَ السَّماءِ؛ ثَنّى بِآيَةِ الأرْضِ؛ فَقالَ: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ في الأبْعادِ الثَّلاثَةِ: الطُّولِ؛ والعَرْضِ؛ والعُمْقِ؛ عَلى الماءِ؛ ﴿وألْقَيْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿فِيها﴾؛ أيْ: الأرْضِ؛ جِبالًا؛ ﴿رَواسِيَ﴾؛ أيْ: ثَوابِتَ؛ لِئَلّا تَمِيلَ بِأهْلِها؛ ولِتَكُونَ لَهم عَلاماتٍ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى إحْياءِ المَوْتى بِما أنْعَمَ بِهِ في الأرْضِ؛ بِقِياسٍ جَلِيٍّ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها﴾؛ أيْ: الأرْضِ؛ ولا سِيَّما الجِبالَ؛ بِقُوَّتِنا الباهِرَةِ؛ ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ: مُقَدَّرٍ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ؛ مِنَ المَعادِنِ والنَّباتِ؛

20

وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ

And We have made for you therein means of living and [for] those for whom you are not providers.

﴿وجَعَلْنا لَكُمْ﴾؛ أيْ: إنْعامًا مِنّا عَلَيْكُمْ؛ ﴿فِيها مَعايِشَ﴾؛ وهي بِياءٍ صَرِيحَةٍ؛ مِن غَيْرِ مَدٍّ؛ جَمْعُ ”مَعِيشَةٌ“؛ وهي ما يَحْصُلُ بِهِ العَيْشُ مِنَ المَطاعِمِ؛ والمَلابِسِ؛ والمَعادِنِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿ومَن لَسْتُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها الأقْوِياءُ الرُّؤَساءُ؛ ﴿لَهُ بِرازِقِينَ﴾؛ مِثْلُكم في ذَلِكَ؛ جَعَلْنا لَهُ فِيها مَعايِشَ؛ مِنَ العِيالِ؛ والخَدَمِ؛ وسائِرِ الحَيَواناتِ الَّتِي تَنْتَفِعُونَ بِها؛ وإنْ ظَنَنْتُمْ أنَّكم تَرْزُقُونَهُمْ؛ فَإنَّ ذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّكم لا تَقْدِرُونَ عَلى رِزْقِ أنْفُسِكُمْ؛ فَكَيْفَ بِغَيْرِكُمْ؟! فَلَمّا ظَهَرَ كالشَّمْسِ كَمالُ قُدْرَتِهِ؛ وأنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ؛ بَيَّنَ أنَّهُ - كَما كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عِنْدَهُ بِحِسابٍ؛ قَدَّرَهُ عَلى حِكْمَةٍ دَبَّرَها - كانَ غَيْرُها كَذَلِكَ؛ فَذَلِكَ هو المانِعُ مِن مُعاجَلَتِهِمْ بِما يَهْزَؤُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ؛ فَقالَ:

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.