Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 11–20 of 99

11

وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And no messenger would come to them except that they ridiculed him.

قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِم} قال الزمخشري «حكايةُ حالٍ ماضيةٍ؛ لأنَّ» ما «لا تدخُل على مضارعٍ إلا وهو في موضع الحال، ولا على ماضٍ إلا وهو قريبٌ من الحال» . وهذا الذي ذكرَه هو الأكثرُ في لسانِهم، لكنه قد جاءَتْ مقارِنَةً للمضارعِ المرادِ به الاستقبالُ كقولِه تعالى: {قُلْ مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي} [يونس: 15] ، وأنشدوا للأعشى يمدح النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

293 - 3- له صَدَقاتٌ ما يَغِبُّ نَوالُها ... وليس عطاءُ اليومِ مانِعَه غَدا

وقولَ أبي ذؤيب:

293 - 4- أودَى بَنِيَّ وأَوْدَعُونيْ حَسْرة ... عند الرُّقَادِ وعَبْرةً ما تُقْلِعً

قوله: {إِلاَّ كَانُواْ} هذه الجملةُ يجوز أن تكونَ حالاً من مفعولِ «يَأتِيهمْ» . ويجوزُ أن تكونَ صفةً ل «رسول» فيكونَ في محلِّها وجهان: الجرُّ باعتبارِ اللفظ، والرفعُ باعتبارِ الموضعِ، وإذا كانت حالاً فهي حالٌ مقدرةٌ.

12

كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُۥ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ

Thus do We insert denial into the hearts of the criminals.

قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ} يجوز في الكافِ أن تكونَ مرفوعةَ المحلِّ على أنها خبرُ مبتدأ مضمر، أي: الأمرُ كذلك، و «نَسْلُكُه» مستأنفٌ. ويجوز أن تكونَ منصوبةَ المحلِّ: إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوف، أي: مثلَ ذلك السَّلْكِ ونحوِه نَسْلُكُه، أي: نَسْلُكُ الذِّكْرَ، وإمَّا حالاً من المصدرِ المقدَّرِ.

والهاءُ في «نَسْلُكُه» يجوز عَوْدُها للذِّكْر، وهو الظاهر. وقيل: يعودُ للاستهزاء. وقيل: على الشِّرك.!

13

لَا يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ

They will not believe in it, while there has already occurred the precedent of the former peoples.

والهاء في: {بِهِ} يجوز عَوْدُها على ما تقدَّم من الثلاثة، ويكون تأويلُ عَوْدِها على الاستهزاءِ والشِّرْكِ، أي: لا يؤمنون بسببِه. وقيل: للرسولِ، وقيل: للقرآن. وقال أبو البقاء: «ويجوز أن يكونَ حالاً، أي: لا يؤمنون مُسْتهزئين» قلت: كأنه جعل «به» متعلقاً بالحالِ المحذوفةِ قائماً مَقامَها، وهو مردودٌ؛ لأن الجارَّ إذا وقع حالاً أو نعتاً أو صلةً أو خبراً تعلَّق بكونٍ مطلقٍ لا خاصٍ، وكذا الظرفُ.

ومحلُّ {لاَ يُؤْمِنُونَ} النصبُ على الحال، ويجوز أَنْ لا يكونَ لها محلَّ، لأنها بيانٌ لقوله {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ} .

وقوله {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين} استئناف.

والسَّلْكُ: الإِدخال. يقال: سَلَكْتُ الخيطَ في الإبْرة، ومنه {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42] يُقال: سَلَكَه وأَسْلكه، أي: نَظَمَه، قال الشاعر:

293 - 5- وكنتُ لِزازَ خَصْمِك لم أُعَرِّدْ ... وقد سَلَكُوكَ في أَمْرٍ عَصِيْبِ

وقال الآخر في «أَسَلَكَ» :

293 - 6- حتى إذا أَسْلَكُوهمْ في قُتائِدَةٍ ... شَلاًّ كما تَطْرُدُ الجَمَّالةُ الشُّرُدا

14

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ

And [even] if We opened to them a gate from the heaven and they continued therein to ascend,

قوله تعالى: {فَظَلُّواْ} : هي الناقصةُ، والضميرُ في «فظلُّوا» عائدٌ على الكفارِ المُفَتَّحِ لهم البابُ. وقيل: يعودُ على الملائكة. وقرأ الأعمشُ وأبو حَيْوة «يَعْرِجون» بكسر الراء، وهي في لغةُ هُذَيْلٍ في عَرَج يَعْرِج، أي: صَعِد.

15

لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌۭ مَّسْحُورُونَ

They would say, "Our eyes have only been dazzled. Rather, we are a people affected by magic."

قوله تعالى: {سُكِّرَتْ} : قرأ ابن كثير «سُكِرَتْ» مبنياً للمفعول مخففَ الكاف، وباقي السبعة كذلك، إلا أنهم شدَّدُوا الكاف. والزهري «سَكِرَتْ» بفتح السين وكسرِ الكاف خفيفةً مبنياًَ للفاعل.

فأمَّا القراءةُ الأولى فيجوز أن تكونَ بمعنى المشددة، فإنَّ التخفيفَ يَصْلُح للقليلِ والكثير، وهما مأخوذتان من «السِّكْر» بكسرِ السينِ وهو السَّدُّ، فالمعنى: حُبِسَتْ أبصارنا وسُدَّت. وقيل: بمعنى عُطِبَتْ. وقيل: بمعنى أُخِذَتْ. وقيل: بمعنى سُحِرَتْ. وقيل: المشدَّدُ مِنْ سِكْرِ الماء، والمخفَّفُ بمعنى سُحِرَتْ. / وقيل: المشدَّدُ مِنْ سِكْر الماءِ بالكسرِ، والمخفَّفُ مِنْ سُكْرِ الشَّراب بالضم.

والمشهورُ أنَّ «سَكَر» لا يتعدَّى فكيف بُني للمفعول. فقال أبو علي: «ويجوز أن يكونَ سُمِع متعدَّياً في البصر» والذي قاله المحققون مِنْ أهل اللغة أنَّ «سَكَرَ» : إنْ كان مَنْ سَكِرَ الشرابِ، أو مِنْ سَكَرِ الريح، فالتضعيفُ فيه للتعدية، وإن كان مِنْ سَكَرِ الماءِ فالتضعيفُ للتكثيرِ لأنه متعدًّ مخففاً، وذلك أنه يُقال: سَكَرَتْ الريح تَسْكُرُ سَكَراً إذا رَكَدَتْ، وسَكِر الرجلُ من الشراب سَكَراً إذا رَكَد ولم يَنْفُذْ لحاجته، فهذان قاصران، فالتضعيفُ فيهما للتعدية. ويقال: سَكَرْتُ الماءَ في مجارِيْه: إذا مَنَعْتَه من الجَرْيِ، فهذا متعدٍّ، قالتضعيفُ فيه للتكثير.

وأمَّا قراءةُ ابنِ كثير فإن كانت مِنْ سَكَر الماءِ فواضحةٌ لأنه متعدٍّ، وإن كانَتْ مِنْ سَكَرِ الشَّرابِ أو سَكَر الريحِ فيجوز أن يكون الفعلُ استُعْمل لازماً تارةً ومتعدياً أخرى، نحو: رَجَع زيدٌ، ورَجَعَه غيرُه، وسَعَدَ وسَعَدَه غيرُه.

وقال الزمخشري: «وسُكِّرت: حُيِّرَتْ، أو حُبِسَتْ من السَّكَر أو السَّكْر، وقُرئ» سُكِرَتْ «بالتخفيف، أي: حُبِسَتْ كما يُحْبَسُ النهرُ مِنَ الجَرْيِ» فجعل قراءة التشديدِ محتملةً لمعنيين، وقراءةَ التخفيفِ لمعنىً واحدٍ.

وأمَّا قراءةُ الزُّهريِّ فواضِحَةٌ، أي: عُطِبَتْ. وقيل: هي مطاوعُ أَسْكَرْتُ المكانَ فسَكِرَ، أي: سَدَدْتُه فانْسَدَّ.

16

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًۭا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ

And We have placed within the heaven great stars and have beautified it for the observers.

قوله تعالى: {جَعَلْنَا} : يجوز أن يكونَ بمعنى خَلَقْنا، فيتعلَّقَ به الجارُّ، وأن يكونَ بمعنى صَيَّرنا، فيكون مفعولُه الأول «بُروجاً» ، ومفعولُه الثاني الجارَّ، فيتعلَّقُ بمحذوف.

و «للناظرين» متعلِّقٌ ب «زيَّنَاها» . والضميرُ للسماء. وقيل: للبروجِ، وهي الكواكبُ، زَيَّنها بالضوء. والنظر عينيٌّ. وقيل: قلبيٌّ. وحُذِف متعلِّقُه لِيَعُمَّ.

17

وَحَفِظْنَٰهَا مِن كُلِّ شَيْطَٰنٍۢ رَّجِيمٍ

And We have protected it from every devil expelled [from the mercy of Allah]

Explained together with ayah 16

18

إِلَّا مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ مُّبِينٌۭ

Except one who steals a hearing and is pursued by a clear burning flame.

قوله تعالى: {إِلاَّ مَنِ استرق} : فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: في محلِّ نصب على الاستثناءِ المتصلِ، والمعنى: فإنها لم تُحْفَظْ منه، قاله غيرُ واحدٍ. والثاني: منقطع، ومحلُّه النصبُ أيضاً. الثالث: أنه بدلٌ مِنْ {كُلِّ شَيْطَانٍ} فيكون محلُّه الجرَّ، قاله الحوفي وأبو البقاء. وفيه نظر؛ لأن الكلامَ موجَبٌ. الرابع: أنه نعتٌ ل {كُلِّ شَيْطَانٍ} ، فيكونُ محلُّه الجرَّ على خلافٍ في هذه المسألة. الخامس: أنه في محلِّ رفعٍ بالابتداء، وخبرُه الجملةُ مِنْ قولِه «فأَتْبعه» . وإنما دَخَلَتِ الفاءُ لأنَّ «مَنْ» : إمَّا شرطيةٌ، وإمَّا موصولةٌ مُشَبَّهَةٌ بالشرطية، قاله أبو البقاء، وحينئذ يكونُ من بابِ الاستثناء المنقطع.

والشِّهاب: الشٌُّعْلَةُ من النار، وسُمِّي بها الكوكبُ لِشِدَّة ضوئِه وبَرِيْقِهِ، ويُجمع على شُهُب في الكثرة، وأَشْهِبَة. والشُّهْبَةُ: بياضٌ مختلِط بسوادٍ تشبيهاً بالشهاب لاختلاطِه بالدخان، ومنه كتيبةٌ شَهْباءُ لسوادِ القوم وبياضِ الحديد، ومِنْ ثَمَّ غَلِط الناسُ في إطلاقهم الشُّهْبَةَ على البياضِ الخالِص.

19

وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْزُونٍۢ

And the earth - We have spread it and cast therein firmly set mountains and caused to grow therein [something] of every well-balanced thing.

قوله تعالى: {والأرض مَدَدْنَاهَا} : «الأرض» نصبٌ على الاشتغالِ، ولم يُقرأ بغيرِه؛ لأنه راجحٌ مِنْ حيث العطفُ على جملةٍ فعليةٍ قبلها، وهي قوله {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجاً} [الحجر: 16] .

قال الشيخ: «ولمَّا كانَتْ هذه الجملةُ بعدها جملةً فعليةً كان النصبُ ارجحَ مِنَ الرفع» قلت: لم يَعُدُّوا هذا من القرائن المرجَّحة للنصب، إنما عَدُّوا عطفَها على جملةٍ فعليةٍ قبلَها لا عطفَ جملةٍ فعليةٍ عليها، ولكنه القياسُ، إذ تُعْطَفُ فيه فعليةٌ على مثلِها بخلافِ ما لو رَفَعْتَ، إذ تَعْطِفُ فعليةً على اسميةٍ، لكنهم لم يعتبروا ذلك والضميرُ في «فيها» للأرض. وقيل: للرواسي. وقيل: لهما.

قوله: {مِن كُلِّ شَيْءٍ} يجوز في «مَنْ» أن تكونَ تبعيضيةً وهو الصحيحُ، وأن تكونَ مزيدةً عند الكوفيين والأخفش.

20

وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ

And We have made for you therein means of living and [for] those for whom you are not providers.

قوله تعالى: {وَمَن لَّسْتُمْ} : يجوز في «مَنْ» خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: - وهو قول الزجاج - أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ تقديرُه: وأَعَشْنا مَنْ لستم لهم برازقين، كالعبيد والدوابِّ/ والوحوشِ. الثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على «معايش» ، أي: وجعلنا لكم فيها مَنْ لستم له برازقين من الدوابِّ المنتفعِ بها. الثالث: أنه منصوبٌ عطفاً على محلِّ «لكم. الرابع: أنه مجرورٌ عطفاً على» كم «المجرورِ باللام، وجاز ذلك مِنْ غيرِ إعادةِ الجارِّ على رأيِ الكوفيين وبعضِ البصريين، وقد تقدَّم تحقيقُه في سورة البقرة، عند قوله {وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد} [البقرة: 217] . الخامس: أنه مرفوعٌ بالابتداء، وخبرُه محذوفٌ. أي: ومَنْ لستم له برازقين جَعَلْنا له فيها معايشَ، وسُمِع من العرب» ضربْتُ زيداً وعمروٌ «برفع» عمرٌو «مبتدأً، محذوفَ الخبر، أي: وعمرٌو ضربْتُه.

و» مَنْ «يجوز أن يُرادَ بها العقلاءُ، أي: ومَنْ لستُمْ له برازقين مِنْ مواليكم الذين تزعمون أنَّكم ترزقونه من وأن يُرادَ بها غيرُهم، أي: ومَنْ لَسْتُمْ له برازقين من الدوابِّ، وإن كنتم تزعمون أنكم ترزقونهم، وإليه ذهب جماعةٌ من المفسِّرين. ويجوز أن يُراد بها النوعان، وهو حَسَنٌ لفظاً ومعنى.

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.