Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 1–10 of 99

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ وَقُرْءَانٍۢ مُّبِينٍۢ

Alif, Lam, Ra. These are the verses of the Book and a clear Qur'an.

سُورَةُ الحِجْرِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها مِن غَيْرِ خِلافٍ نَعْلَمُهُ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [يُونُسَ:١] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ القُرْآنَ: هو الكِتابُ، جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الاسْمَيْنِ.

والثّانِي: أنَّ الكِتابَ: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، والقُرْآنَ: كِتابُنا. وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ يُوسُفَ مَعْنى المُبِينِ.

2

رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ كَانُوا۟ مُسْلِمِينَ

Perhaps those who disbelieve will wish that they had been Muslims.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُبَما﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " رُبَّما " مُشَدَّدَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وعَبْدُ الوارِثِ " رُبَما " بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الفَرّاءُ: أسَدٌ وتَمِيمٌ يَقُولُونَ: " رُبَّما " بِالتَّشْدِيدِ، وأهْلُ الحِجازِ وكَثِيرٌ مِن قَيْسٍ يَقُولُونَ: " رُبَّما " بِالتَّخْفِيفِ. وتَيْمُ الرَّبابِ يَقُولُونَ: " رَبَّما " بِفَتْحِ الرّاءِ. وقِيلَ: إنَّما قُرِئَتْ بِالتَّخْفِيفِ، لِما فِيها مِنَ التَّضْعِيفِ، والحُرُوفُ المُضاعَفَةُ قَدْ تُحْذَفُ، نَحْوُ " إنَّ " و " لَكِنَّ " فَإنَّهم قَدْ خَفَّفُوها. قالَ الزَّجّاجُ: يَقُولُونَ: رُبَّ رَجُلٍ جاءَنِي، ورُبَ رَجُلٍ جاءَنِي، وأنْشَدَ:

؎ أزُهَيْرُ إنْ يَشِبِ القَذالُ فَإنِنِي رُبَ هَيْضَلٍ مَرْسٍ لَفَفْتُ بِهَيْضَلِ

هَذا البَيْتُ لِأبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ، وفي دِيوانِهِ:

رُبَ هَيْضَلٍ لَجِبٍ لَفَفْتُ بِهَيْضَلِ

والهَيْضَلُ: جَمْعُ هَيْضَلَةٍ، وهي الجَماعَةُ يُغْزى بِهِمْ، يَقُولُ: لَفَفْتُهم بِأعْدائِهِمْ في القِتالِ. و " رُبَّ " كَلِمَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّقْلِيلِ، كَما أنَّ " كَمْ " لِلتَّكْثِيرِ، وإنَّما زِيدَتْ " ما " مَعَ " رُبَّ " لِيَلِيَها الفِعْلُ، تَقُولُ: رُبَّ رَجُلٍ جاءَنِي، ورُبَّما جاءَنِي زَيْدٌ. وقالَ الأخْفَشُ: أُدْخِلَ مَعَ " رُبَّ " ما، لِيُتَكَلَّمَ بِالفِعْلِ بَعْدَها، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ " ما " بِمَنزِلَةِ " شَيْءٍ "، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: رُبَّ شَيْءٍ، أيْ: رُبَّ ودٍّ يَوَدُّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: " ما " هاهُنا بِمَعْنى " حِينٍ " فالمَعْنى: رُبَّ حِينٍ يَوَدُّونَ فِيهِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ مَتى يَقَعُ هَذا مِنَ الكُفّارِ، عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ في الآخِرَةِ. ومَتى يَكُونُ ذَلِكَ ؟ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ أهْلُ النّارِ في النّارِ ومَعَهم مَن شاءَ اللَّهُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، قالَ الكُفّارُ لِلْمُسْلِمِينَ: ألَمْ تَكُونُوا مُسْلِمِينَ ؟ قالُوا: بَلى، قالُوا: فَما أغْنى عَنْكم إسْلامُكم، وقَدْ صِرْتُمْ مَعَنا في النّارِ ؟ قالُوا: كانَتْ لَنا ذُنُوبٌ فَأُخِذْنا بِها؛ فَسَمِعَ اللَّهُ ما قالُوا، فَأمَرَ بِمَن كانَ في النّارِ مِن أهْلِ القِبْلَةِ فَأُخْرِجُوا، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ الكَفّارُ، قالُوا: يا لَيْتَنا كُنّا مُسْلِمِينَ فَنُخْرَجَ كَما أُخْرِجُوا، رَواهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ، وإبْراهِيمُ. والثّانِي: أنَّهُ ما يَزالُ اللَّهُ يَرْحَمُ ويَشْفَعُ حَتّى يَقُولَ: مَن كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، فَذَلِكَ حِينَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ الكُفّارَ إذا عايَنُوا القِيامَةَ، ودُّوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: أنَّهُ كُلَّما رَأى أهْلُ الكُفْرِ حالًا مِن أحْوالِ القِيامَةِ يُعَذَّبُ فِيها الكافِرُ ويَسْلَمُ مِن مَكْرُوهِها المُؤْمِنُ، ودُّوا ذَلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ في الدُّنْيا، إذا عايَنُوا وتَبَيَّنَ لَهُمُ الضَّلالُ مِنَ الهُدى وعَلِمُوا مَصِيرَهم، ودُّوا ذَلِكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

فَإنْ قِيلَ: إذا قُلْتُمْ: إنَّ " رُبَّ " لِلتَّقْلِيلِ، وهَذِهِ الآيَةُ خارِجَةٌ مُخْرَجَ الوَعِيدِ، فَإنَّما يُناسِبُ الوَعِيدَ تَكْثِيرُ ما يُتَواعَدُ بِهِ، فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ:

أحَدُهُنَّ: أنَّ " رُبَّما " تَقَعُ عَلى …

3

ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا۟ وَيَتَمَتَّعُوا۟ وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

Let them eat and enjoy themselves and be diverted by [false] hope, for they are going to know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا﴾ أيْ: دَعِ الكُفّارَ يَأْخُذُوا حُظُوظَهم في الدُّنْيا، ﴿وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ﴾ أيْ: ويَشْغَلُهم ما يَأْمُلُونَ في الدُّنْيا عَنْ أخْذِ حَظِّهِمْ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا ورَدُوا القِيامَةَ وبالَ ما صَنَعُوا، وهَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

4

وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌۭ مَّعْلُومٌۭ

And We did not destroy any city but that for it was a known decree.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ: ما عَذَّبْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ ﴿إلا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ: أجَلٌ مُؤَقَّتٌ لا يُتَقَدَّمُ ولا يُتَأخَّرُ عَنْهُ. ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ " مِن " صِلَةٌ، والمَعْنى: ما تَتَقَدَّمُ وقْتَها الَّذِي قُدِّرَ لَها بُلُوغُهُ، ولا تَسْتَأْخِرُ عَنْهُ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ: " أجَلَها " لِأنَّ الأُمَّةَ لَفْظُها مُؤَنَّثٌ، وإنَّما قالَ: ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ إخْراجًا لَهُ عَلى مَعْنى الرِّجالِ.

5

مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ

No nation will precede its term, nor will they remain thereafter.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ: ما عَذَّبْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ ﴿إلا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ: أجَلٌ مُؤَقَّتٌ لا يُتَقَدَّمُ ولا يُتَأخَّرُ عَنْهُ. ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ " مِن " صِلَةٌ، والمَعْنى: ما تَتَقَدَّمُ وقْتَها الَّذِي قُدِّرَ لَها بُلُوغُهُ، ولا تَسْتَأْخِرُ عَنْهُ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ: " أجَلَها " لِأنَّ الأُمَّةَ لَفْظُها مُؤَنَّثٌ، وإنَّما قالَ: ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ إخْراجًا لَهُ عَلى مَعْنى الرِّجالِ.

6

وَقَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌۭ

And they say, "O you upon whom the message has been sent down, indeed you are mad.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ، والنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، ونَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والذِّكْرُ: القُرْآنُ. وإنَّما قالُوا هَذا اسْتِهْزاءً، لَوْ أيْقَنُوا أنَّهُ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، ما قالُوا: ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ . قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وجَوابُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القَلَمِ:٢] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا﴾ قالَ الفَرّاءُ: " لَوْما " و " لَوْلا " لُغَتانِ مَعْناهُما: هَلّا، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنْشَدَ لِابْنِ مُقْبِلٍ:

؎ لَوْما الحَياءُ ولَوْما الدِّينُ عِبْتُكُما بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما سَألُوا المَلائِكَةَ لِيَشْهَدُوا لَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما نُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ إلا بِالحَقِّ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " ما تَنَـزَّلُ " بِالتّاءِ المَفْتُوحَةِ " المَلائِكَةُ " بِالرَّفْعِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " ما تُنَـزَّلُ " بِضَمِّ التّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ " ما نُنَـزِّلُ " بِالنُّونِ والزّايِ المُشَدَّدَةِ " المَلائِكَةَ " نَصْبًا.

وَفِي المُرادِ بِالحَقِّ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ العَذابُ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: الرِّسالَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: قَبْضُ الأرْواحِ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والرّابِعُ: أنَّهُ القُرْآنُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ ﴿إذًا مُنْظَرِينَ﴾ أيْ: عِنْدَ نُزُولِ المَلائِكَةِ إذا نَزَلَتْ.

7

لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

Why do you not bring us the angels, if you should be among the truthful?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ، والنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، ونَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والذِّكْرُ: القُرْآنُ. وإنَّما قالُوا هَذا اسْتِهْزاءً، لَوْ أيْقَنُوا أنَّهُ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، ما قالُوا: ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ . قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وجَوابُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القَلَمِ:٢] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا﴾ قالَ الفَرّاءُ: " لَوْما " و " لَوْلا " لُغَتانِ مَعْناهُما: هَلّا، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنْشَدَ لِابْنِ مُقْبِلٍ:

؎ لَوْما الحَياءُ ولَوْما الدِّينُ عِبْتُكُما بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما سَألُوا المَلائِكَةَ لِيَشْهَدُوا لَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما نُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ إلا بِالحَقِّ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " ما تَنَـزَّلُ " بِالتّاءِ المَفْتُوحَةِ " المَلائِكَةُ " بِالرَّفْعِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " ما تُنَـزَّلُ " بِضَمِّ التّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ " ما نُنَـزِّلُ " بِالنُّونِ والزّايِ المُشَدَّدَةِ " المَلائِكَةَ " نَصْبًا.

وَفِي المُرادِ بِالحَقِّ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ العَذابُ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: الرِّسالَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: قَبْضُ الأرْواحِ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والرّابِعُ: أنَّهُ القُرْآنُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ ﴿إذًا مُنْظَرِينَ﴾ أيْ: عِنْدَ نُزُولِ المَلائِكَةِ إذا نَزَلَتْ.

8

مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَمَا كَانُوٓا۟ إِذًۭا مُّنظَرِينَ

We do not send down the angels except with truth; and the disbelievers would not then be reprieved.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ، والنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، ونَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والذِّكْرُ: القُرْآنُ. وإنَّما قالُوا هَذا اسْتِهْزاءً، لَوْ أيْقَنُوا أنَّهُ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، ما قالُوا: ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ . قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وجَوابُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القَلَمِ:٢] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا﴾ قالَ الفَرّاءُ: " لَوْما " و " لَوْلا " لُغَتانِ مَعْناهُما: هَلّا، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنْشَدَ لِابْنِ مُقْبِلٍ:

؎ لَوْما الحَياءُ ولَوْما الدِّينُ عِبْتُكُما بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما سَألُوا المَلائِكَةَ لِيَشْهَدُوا لَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما نُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ إلا بِالحَقِّ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " ما تَنَـزَّلُ " بِالتّاءِ المَفْتُوحَةِ " المَلائِكَةُ " بِالرَّفْعِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " ما تُنَـزَّلُ " بِضَمِّ التّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ " ما نُنَـزِّلُ " بِالنُّونِ والزّايِ المُشَدَّدَةِ " المَلائِكَةَ " نَصْبًا.

وَفِي المُرادِ بِالحَقِّ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ العَذابُ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: الرِّسالَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: قَبْضُ الأرْواحِ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والرّابِعُ: أنَّهُ القُرْآنُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ ﴿إذًا مُنْظَرِينَ﴾ أيْ: عِنْدَ نُزُولِ المَلائِكَةِ إذا نَزَلَتْ.

9

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

Indeed, it is We who sent down the Qur'an and indeed, We will be its guardian.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ مِن عادَةِ المُلُوكِ إذا فَعَلُوا شَيْئًا، قالَ أحَدُهم: نَحْنُ فَعَلْنا، يُرِيدُ نَفْسَهُ وأتْباعَهُ، ثُمَّ صارَ هَذا عادَةً لِلْمَلِكِ في خِطابِهِ، وإنِ انْفَرَدَ بِفِعْلِ الشَّيْءِ، فَخُوطِبَتِ العَرَبُ بِما تَعْقِلُ مِن كَلامِها. والذِّكْرُ: القُرْآنُ، في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ.

وَفِي هاءِ " لَهُ " قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الذِّكْرِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. قالَ قَتادَةُ: أنْزَلَهُ اللَّهُ ثُمَّ حَفَظَهُ، فَلا يَسْتَطِيعُ إبْلِيسٌ أنْ يَزِيدَ فِيهِ باطِلًا، ولا يُنْقِصَ مِنهُ حَقًّا.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فالمَعْنى: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ مِنَ الشَّياطِينِ والأعْداءِ، لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾، هَذا قَوْلُ ابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ.

10

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ ٱلْأَوَّلِينَ

And We had certainly sent [messengers] before you, [O Muhammad], among the sects of the former peoples.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ﴾ يَعْنِي: رُسُلًا فَحُذِفَ المَفْعُولُ، لِدَلالَةِ الإرْسالِ عَلَيْهِ. والشِّيَعُ: الفِرَقُ، وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: الشِّيعَةُ: الأُمَّةُ المُتابِعَةُ بَعْضُها بَعْضًا فِيما يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِن أمْرٍ.

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.