Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Al-Nukat wa al-'Uyun by Al-Mawardi

Ayahs 11–20 of 52

11

قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

Their messengers said to them, "We are only men like you, but Allah confers favor upon whom He wills of His servants. It has never been for us to bring you evidence except by permission of Allah. And upon Allah let the believers rely.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أفِي تَوْحِيدِ اللَّهِ شَكٌّ؟ قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أفِي طاعَةِ اللَّهِ شَكٌّ؟ ويَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أفِي قُدْرَةِ اللَّهِ شَكٌّ؟ لِأنَّهم مُتَّفِقُونَ عَلَيْها ومُخْتَلِفُونَ فِيما عَداها.

﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ خالِقُهُما، لِسَهْوِهِمْ عَنْ قُدْرَتِهِ.

﴿يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ يَدْعُوكم إلى التَّوْبَةِ لِيَغْفِرَ ما تَقَدَّمَها مِن مَعْصِيَةٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ﴿مِن﴾ زائِدَةٌ، وتَقْدِيرُهُ، لِيَغْفِرَ لَكم ذُنُوبَكُمْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: لَيْسَتْ زائِدَةً، ومَعْناهُ أنْ تَكُونَ المَغْفِرَةُ بَدَلًا مِن ذُنُوبِكم، فَخَرَجَتْ مَخْرَجَ البَدَلِ.

﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ يَعْنِي إلى المَوْتِ فَلا يُعَذِّبُكم في الدُّنْيا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُنْكِرَ قَوْمُهم أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم وهم رُسُلُ اللَّهِ إلَيْهِمْ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْمُهم سَألُوهم مُعْجِزاتٍ اقْتَرَحُوها.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالنُّبُوَّةِ.

الثّانِي: بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ.

الثّالِثُ: بِتِلاوَةِ القُرْآنِ وفَهْمِ ما فِيهِ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

﴿وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِكِتابٍ.

الثّانِي: بِحُجَّةٍ.

الثّالِثُ: بِمُعْجِزَةٍ.

12

وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ

And why should we not rely upon Allah while He has guided us to our [good] ways. And we will surely be patient against whatever harm you should cause us. And upon Allah let those who would rely [indeed] rely."

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أفِي تَوْحِيدِ اللَّهِ شَكٌّ؟ قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أفِي طاعَةِ اللَّهِ شَكٌّ؟ ويَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أفِي قُدْرَةِ اللَّهِ شَكٌّ؟ لِأنَّهم مُتَّفِقُونَ عَلَيْها ومُخْتَلِفُونَ فِيما عَداها.

﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ خالِقُهُما، لِسَهْوِهِمْ عَنْ قُدْرَتِهِ.

﴿يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ يَدْعُوكم إلى التَّوْبَةِ لِيَغْفِرَ ما تَقَدَّمَها مِن مَعْصِيَةٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ﴿مِن﴾ زائِدَةٌ، وتَقْدِيرُهُ، لِيَغْفِرَ لَكم ذُنُوبَكُمْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: لَيْسَتْ زائِدَةً، ومَعْناهُ أنْ تَكُونَ المَغْفِرَةُ بَدَلًا مِن ذُنُوبِكم، فَخَرَجَتْ مَخْرَجَ البَدَلِ.

﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ يَعْنِي إلى المَوْتِ فَلا يُعَذِّبُكم في الدُّنْيا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُنْكِرَ قَوْمُهم أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم وهم رُسُلُ اللَّهِ إلَيْهِمْ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْمُهم سَألُوهم مُعْجِزاتٍ اقْتَرَحُوها.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالنُّبُوَّةِ.

الثّانِي: بِالتَّوْفِيقِ والهِدايَةِ.

الثّالِثُ: بِتِلاوَةِ القُرْآنِ وفَهْمِ ما فِيهِ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

﴿وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِكِتابٍ.

الثّانِي: بِحُجَّةٍ.

الثّالِثُ: بِمُعْجِزَةٍ.

13

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ

And those who disbelieved said to their messengers, "We will surely drive you out of our land, or you must return to our religion." So their Lord inspired to them, "We will surely destroy the wrongdoers.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيِ المَقامَ بَيْنَ يَدَيَّ، وأضافَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ، والفَرْقُ بَيْنَ المَقامِ بِالفَتْحِ وبَيْنَ المُقامِ بِالضَّمِّ أنَّهُ إذا ضُمَّ فَهو فِعْلُ الإقامَةِ، وإذا فُتِحَ فَهو مَكانُ الإقامَةِ.

﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ.

والثّانِي: أنَّهُ ما في القُرْآنِ مِن زَواجِرَ.

﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرُّسُلَ اسْتَفْتَحُوا بِطَلَبِ النَّصْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ اسْتَفْتَحُوا بِالبَلاءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَفي الِاسْتِفْتاحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الِابْتِداءِ.

الثّانِي: أنَّهُ الدُّعاءُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ في " خابَ " وجْهانِ: أحَدُهُما: خَسِرَ عَمَلُهُ.

الثّانِي: بَطَلَ أمَلُهُ.

وَفي ﴿جَبّارٍ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنْتَقِمُ.

الثّانِي: المُتَكَبِّرُ بَطَرًا.

وَفي ﴿عَنِيدٍ﴾ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المُعانِدُ لِلْحَقِّ.

الثّانِي: أنَّهُ المُتَباعِدُ عَنِ الحَقِّ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ ولَسْتُ إذا تَشاجَرَ أمْرُ قَوْمٍ بِأوَّلِ مَن يُخالِفُهم عَنِيدًا

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مِن خَلْفِهِ جَهَنَّمُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وراءَ مِنَ الأضْدادِ وتَقَعُ عَلى خَلْفَ وقُدّامَ جَمِيعًا.

الثّانِي: مَعْناهُ أمامَهُ جَهَنَّمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ ومِن ورائِكَ يَوْمٌ أنْتَ بالِغُهُ ∗∗∗ لا حاضِرٌ مُعْجِزٌ عَنْهُ ولا بادِي

الثّالِثُ: أنَّ جَهَنَّمَ تَتَوارى ولا تَظْهَرُ، فَصارَتْ مِن وراءٍ لِأنَّها لا تُرى حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

الرّابِعُ: مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ مَعْناهُ مِن بَعْدِ هَلاكِهِ جَهَنَّمُ، كَما قالَ النّابِغَةُ:

؎ حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ

أرادَ: ولَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ.

﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن ماءٍ مِثْلِ الصَّدِيدِ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ الشُّجاعِ أسَدٌ، أيْ مِثْلُ الأسَدِ.

الثّانِي: مِن ماءٍ كَرِهْتَهُ تَصُدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ الصَّدِيدُ مَأْخُوذًا مِنَ الصَّدِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، لِلْآلامِ الَّتِي في كُلِّ مَوْضِعٍ مِن جَسَدِهِ.

الثّانِي: تَأْتِيهِ أسْبابُ المَوْتِ مِن كُلِّ جِهَةٍ، عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، ومِن فَوْقِهِ وتَحْتِهِ، ومِن قُدّامِهِ وخَلْفِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: تَأْتِيهِ شَدائِدُ المَوْتِ مِن كُلِّ مَكانٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ بِهِ وامْتِدادِ سَكَراتِهِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيادَةً في عَذابِهِ.

﴿وَمِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ فِيهِ الوُجُوهُ الأرْبَعَةُ الماضِيَةُ.

والعَذابُ الغَلِيظُ هو الخُلُودُ في جَهَنَّمَ.

14

وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ

And We will surely cause you to dwell in the land after them. That is for he who fears My position and fears My threat."

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيِ المَقامَ بَيْنَ يَدَيَّ، وأضافَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ، والفَرْقُ بَيْنَ المَقامِ بِالفَتْحِ وبَيْنَ المُقامِ بِالضَّمِّ أنَّهُ إذا ضُمَّ فَهو فِعْلُ الإقامَةِ، وإذا فُتِحَ فَهو مَكانُ الإقامَةِ.

﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ.

والثّانِي: أنَّهُ ما في القُرْآنِ مِن زَواجِرَ.

﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرُّسُلَ اسْتَفْتَحُوا بِطَلَبِ النَّصْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ اسْتَفْتَحُوا بِالبَلاءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَفي الِاسْتِفْتاحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الِابْتِداءِ.

الثّانِي: أنَّهُ الدُّعاءُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ في " خابَ " وجْهانِ: أحَدُهُما: خَسِرَ عَمَلُهُ.

الثّانِي: بَطَلَ أمَلُهُ.

وَفي ﴿جَبّارٍ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنْتَقِمُ.

الثّانِي: المُتَكَبِّرُ بَطَرًا.

وَفي ﴿عَنِيدٍ﴾ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المُعانِدُ لِلْحَقِّ.

الثّانِي: أنَّهُ المُتَباعِدُ عَنِ الحَقِّ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ ولَسْتُ إذا تَشاجَرَ أمْرُ قَوْمٍ بِأوَّلِ مَن يُخالِفُهم عَنِيدًا

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مِن خَلْفِهِ جَهَنَّمُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وراءَ مِنَ الأضْدادِ وتَقَعُ عَلى خَلْفَ وقُدّامَ جَمِيعًا.

الثّانِي: مَعْناهُ أمامَهُ جَهَنَّمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ ومِن ورائِكَ يَوْمٌ أنْتَ بالِغُهُ ∗∗∗ لا حاضِرٌ مُعْجِزٌ عَنْهُ ولا بادِي

الثّالِثُ: أنَّ جَهَنَّمَ تَتَوارى ولا تَظْهَرُ، فَصارَتْ مِن وراءٍ لِأنَّها لا تُرى حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

الرّابِعُ: مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ مَعْناهُ مِن بَعْدِ هَلاكِهِ جَهَنَّمُ، كَما قالَ النّابِغَةُ:

؎ حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ

أرادَ: ولَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ.

﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن ماءٍ مِثْلِ الصَّدِيدِ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ الشُّجاعِ أسَدٌ، أيْ مِثْلُ الأسَدِ.

الثّانِي: مِن ماءٍ كَرِهْتَهُ تَصُدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ الصَّدِيدُ مَأْخُوذًا مِنَ الصَّدِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، لِلْآلامِ الَّتِي في كُلِّ مَوْضِعٍ مِن جَسَدِهِ.

الثّانِي: تَأْتِيهِ أسْبابُ المَوْتِ مِن كُلِّ جِهَةٍ، عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، ومِن فَوْقِهِ وتَحْتِهِ، ومِن قُدّامِهِ وخَلْفِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: تَأْتِيهِ شَدائِدُ المَوْتِ مِن كُلِّ مَكانٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ بِهِ وامْتِدادِ سَكَراتِهِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيادَةً في عَذابِهِ.

﴿وَمِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ فِيهِ الوُجُوهُ الأرْبَعَةُ الماضِيَةُ.

والعَذابُ الغَلِيظُ هو الخُلُودُ في جَهَنَّمَ.

15

وَٱسْتَفْتَحُوا۟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ

And they requested victory from Allah, and disappointed, [therefore], was every obstinate tyrant.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيِ المَقامَ بَيْنَ يَدَيَّ، وأضافَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ، والفَرْقُ بَيْنَ المَقامِ بِالفَتْحِ وبَيْنَ المُقامِ بِالضَّمِّ أنَّهُ إذا ضُمَّ فَهو فِعْلُ الإقامَةِ، وإذا فُتِحَ فَهو مَكانُ الإقامَةِ.

﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ.

والثّانِي: أنَّهُ ما في القُرْآنِ مِن زَواجِرَ.

﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرُّسُلَ اسْتَفْتَحُوا بِطَلَبِ النَّصْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ اسْتَفْتَحُوا بِالبَلاءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَفي الِاسْتِفْتاحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الِابْتِداءِ.

الثّانِي: أنَّهُ الدُّعاءُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ في " خابَ " وجْهانِ: أحَدُهُما: خَسِرَ عَمَلُهُ.

الثّانِي: بَطَلَ أمَلُهُ.

وَفي ﴿جَبّارٍ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنْتَقِمُ.

الثّانِي: المُتَكَبِّرُ بَطَرًا.

وَفي ﴿عَنِيدٍ﴾ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المُعانِدُ لِلْحَقِّ.

الثّانِي: أنَّهُ المُتَباعِدُ عَنِ الحَقِّ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ ولَسْتُ إذا تَشاجَرَ أمْرُ قَوْمٍ بِأوَّلِ مَن يُخالِفُهم عَنِيدًا

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مِن خَلْفِهِ جَهَنَّمُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وراءَ مِنَ الأضْدادِ وتَقَعُ عَلى خَلْفَ وقُدّامَ جَمِيعًا.

الثّانِي: مَعْناهُ أمامَهُ جَهَنَّمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ ومِن ورائِكَ يَوْمٌ أنْتَ بالِغُهُ ∗∗∗ لا حاضِرٌ مُعْجِزٌ عَنْهُ ولا بادِي

الثّالِثُ: أنَّ جَهَنَّمَ تَتَوارى ولا تَظْهَرُ، فَصارَتْ مِن وراءٍ لِأنَّها لا تُرى حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

الرّابِعُ: مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ مَعْناهُ مِن بَعْدِ هَلاكِهِ جَهَنَّمُ، كَما قالَ النّابِغَةُ:

؎ حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ

أرادَ: ولَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ.

﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن ماءٍ مِثْلِ الصَّدِيدِ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ الشُّجاعِ أسَدٌ، أيْ مِثْلُ الأسَدِ.

الثّانِي: مِن ماءٍ كَرِهْتَهُ تَصُدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ الصَّدِيدُ مَأْخُوذًا مِنَ الصَّدِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، لِلْآلامِ الَّتِي في كُلِّ مَوْضِعٍ مِن جَسَدِهِ.

الثّانِي: تَأْتِيهِ أسْبابُ المَوْتِ مِن كُلِّ جِهَةٍ، عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، ومِن فَوْقِهِ وتَحْتِهِ، ومِن قُدّامِهِ وخَلْفِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: تَأْتِيهِ شَدائِدُ المَوْتِ مِن كُلِّ مَكانٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ بِهِ وامْتِدادِ سَكَراتِهِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيادَةً في عَذابِهِ.

﴿وَمِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ فِيهِ الوُجُوهُ الأرْبَعَةُ الماضِيَةُ.

والعَذابُ الغَلِيظُ هو الخُلُودُ في جَهَنَّمَ.

16

مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍۢ صَدِيدٍۢ

Before him is Hell, and he will be given a drink of purulent water.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيِ المَقامَ بَيْنَ يَدَيَّ، وأضافَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ، والفَرْقُ بَيْنَ المَقامِ بِالفَتْحِ وبَيْنَ المُقامِ بِالضَّمِّ أنَّهُ إذا ضُمَّ فَهو فِعْلُ الإقامَةِ، وإذا فُتِحَ فَهو مَكانُ الإقامَةِ.

﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ.

والثّانِي: أنَّهُ ما في القُرْآنِ مِن زَواجِرَ.

﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرُّسُلَ اسْتَفْتَحُوا بِطَلَبِ النَّصْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ اسْتَفْتَحُوا بِالبَلاءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَفي الِاسْتِفْتاحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الِابْتِداءِ.

الثّانِي: أنَّهُ الدُّعاءُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ في " خابَ " وجْهانِ: أحَدُهُما: خَسِرَ عَمَلُهُ.

الثّانِي: بَطَلَ أمَلُهُ.

وَفي ﴿جَبّارٍ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنْتَقِمُ.

الثّانِي: المُتَكَبِّرُ بَطَرًا.

وَفي ﴿عَنِيدٍ﴾ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المُعانِدُ لِلْحَقِّ.

الثّانِي: أنَّهُ المُتَباعِدُ عَنِ الحَقِّ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ ولَسْتُ إذا تَشاجَرَ أمْرُ قَوْمٍ بِأوَّلِ مَن يُخالِفُهم عَنِيدًا

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مِن خَلْفِهِ جَهَنَّمُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وراءَ مِنَ الأضْدادِ وتَقَعُ عَلى خَلْفَ وقُدّامَ جَمِيعًا.

الثّانِي: مَعْناهُ أمامَهُ جَهَنَّمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ ومِن ورائِكَ يَوْمٌ أنْتَ بالِغُهُ ∗∗∗ لا حاضِرٌ مُعْجِزٌ عَنْهُ ولا بادِي

الثّالِثُ: أنَّ جَهَنَّمَ تَتَوارى ولا تَظْهَرُ، فَصارَتْ مِن وراءٍ لِأنَّها لا تُرى حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

الرّابِعُ: مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ مَعْناهُ مِن بَعْدِ هَلاكِهِ جَهَنَّمُ، كَما قالَ النّابِغَةُ:

؎ حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ

أرادَ: ولَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ.

﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن ماءٍ مِثْلِ الصَّدِيدِ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ الشُّجاعِ أسَدٌ، أيْ مِثْلُ الأسَدِ.

الثّانِي: مِن ماءٍ كَرِهْتَهُ تَصُدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ الصَّدِيدُ مَأْخُوذًا مِنَ الصَّدِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، لِلْآلامِ الَّتِي في كُلِّ مَوْضِعٍ مِن جَسَدِهِ.

الثّانِي: تَأْتِيهِ أسْبابُ المَوْتِ مِن كُلِّ جِهَةٍ، عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، ومِن فَوْقِهِ وتَحْتِهِ، ومِن قُدّامِهِ وخَلْفِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: تَأْتِيهِ شَدائِدُ المَوْتِ مِن كُلِّ مَكانٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ بِهِ وامْتِدادِ سَكَراتِهِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيادَةً في عَذابِهِ.

﴿وَمِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ فِيهِ الوُجُوهُ الأرْبَعَةُ الماضِيَةُ.

والعَذابُ الغَلِيظُ هو الخُلُودُ في جَهَنَّمَ.

17

يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍۢ ۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌۭ

He will gulp it but will hardly [be able to] swallow it. And death will come to him from everywhere, but he is not to die. And before him is a massive punishment.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيِ المَقامَ بَيْنَ يَدَيَّ، وأضافَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ، والفَرْقُ بَيْنَ المَقامِ بِالفَتْحِ وبَيْنَ المُقامِ بِالضَّمِّ أنَّهُ إذا ضُمَّ فَهو فِعْلُ الإقامَةِ، وإذا فُتِحَ فَهو مَكانُ الإقامَةِ.

﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ.

والثّانِي: أنَّهُ ما في القُرْآنِ مِن زَواجِرَ.

﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرُّسُلَ اسْتَفْتَحُوا بِطَلَبِ النَّصْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ اسْتَفْتَحُوا بِالبَلاءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَفي الِاسْتِفْتاحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الِابْتِداءِ.

الثّانِي: أنَّهُ الدُّعاءُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿وَخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ في " خابَ " وجْهانِ: أحَدُهُما: خَسِرَ عَمَلُهُ.

الثّانِي: بَطَلَ أمَلُهُ.

وَفي ﴿جَبّارٍ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُنْتَقِمُ.

الثّانِي: المُتَكَبِّرُ بَطَرًا.

وَفي ﴿عَنِيدٍ﴾ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المُعانِدُ لِلْحَقِّ.

الثّانِي: أنَّهُ المُتَباعِدُ عَنِ الحَقِّ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ ولَسْتُ إذا تَشاجَرَ أمْرُ قَوْمٍ بِأوَّلِ مَن يُخالِفُهم عَنِيدًا

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مِن خَلْفِهِ جَهَنَّمُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وراءَ مِنَ الأضْدادِ وتَقَعُ عَلى خَلْفَ وقُدّامَ جَمِيعًا.

الثّانِي: مَعْناهُ أمامَهُ جَهَنَّمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ ومِن ورائِكَ يَوْمٌ أنْتَ بالِغُهُ ∗∗∗ لا حاضِرٌ مُعْجِزٌ عَنْهُ ولا بادِي

الثّالِثُ: أنَّ جَهَنَّمَ تَتَوارى ولا تَظْهَرُ، فَصارَتْ مِن وراءٍ لِأنَّها لا تُرى حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

الرّابِعُ: مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ مَعْناهُ مِن بَعْدِ هَلاكِهِ جَهَنَّمُ، كَما قالَ النّابِغَةُ:

؎ حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ

أرادَ: ولَيْسَ بَعْدَ اللَّهِ مَذْهَبٌ.

﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن ماءٍ مِثْلِ الصَّدِيدِ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ الشُّجاعِ أسَدٌ، أيْ مِثْلُ الأسَدِ.

الثّانِي: مِن ماءٍ كَرِهْتَهُ تَصُدُّ عَنْهُ، فَيَكُونُ الصَّدِيدُ مَأْخُوذًا مِنَ الصَّدِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ حَتّى مِن أطْرافِ شَعْرِهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، لِلْآلامِ الَّتِي في كُلِّ مَوْضِعٍ مِن جَسَدِهِ.

الثّانِي: تَأْتِيهِ أسْبابُ المَوْتِ مِن كُلِّ جِهَةٍ، عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، ومِن فَوْقِهِ وتَحْتِهِ، ومِن قُدّامِهِ وخَلْفِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: تَأْتِيهِ شَدائِدُ المَوْتِ مِن كُلِّ مَكانٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾ لِتَطاوُلِ شَدائِدِ المَوْتِ بِهِ وامْتِدادِ سَكَراتِهِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيادَةً في عَذابِهِ.

﴿وَمِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ فِيهِ الوُجُوهُ الأرْبَعَةُ الماضِيَةُ.

والعَذابُ الغَلِيظُ هو الخُلُودُ في جَهَنَّمَ.

18

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍۢ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلْبَعِيدُ

The example of those who disbelieve in their Lord is [that] their deeds are like ashes which the wind blows forcefully on a stormy day; they are unable [to keep] from what they earned a [single] thing. That is what is extreme error.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِأعْمالِ الكافِرِ في أنَّهُ لا يَحْصُلُ عَلى شَيْءٍ مِنها، بِالرَّمادِ الَّذِي هو بَقِيَّةُ النّارِ الذّاهِبَةِ لا يَنْفَعُهُ، فَإذا اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ العاصِفُ: وهِيَ

الشَّدِيدَةُ: فَأطارَتْهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى جَمْعِهِ، كَذَلِكَ الكافِرُ في عَمَلِهِ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ وصَفَ اليَوْمَ بِالعُصُوفِ وهو مِن صِفَةِ الرِّيحِ؛ لِأنَّ الرِّيحَ تَكُونُ فِيهِ، كَما يُقالُ يَوْمٌ بارِدٌ، ويَوْمٌ حارٌّ؛ لِأنَّ البَرْدَ والحَرَّ يَكُونانِ فِيهِ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ في يَوْمٍ عاصِفِ الرِّيحِ، فَحَذَفَ الرِّيحَ لِأنَّها قَدْ ذُكِرَتْ قَبْلَ ذَلِكَ.

الثّالِثُ: أنَّ العُصُوفَ مِن صِفَةِ الرِّيحِ المُقَدَّمِ ذِكْرُها، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا جاءَ بَعْدَ اليَوْمِ اتَّبَعَ إعْرابَهُ.

﴿لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَقْدِرُونَ في الآخِرَةِ عَلى شَيْءٍ مِن ثَوابِ ما عَمِلُوا مِنَ البِرِّ في الدُّنْيا لِإحْباطِهِ بِالكُفْرِ.

الثّانِي: لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوهُ مِن عَرُوضِ الدُّنْيا، بِالمَعاصِي الَّتِي اقْتَرَفُوها، أنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ في الآخِرَةِ.

﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ وإنَّما جَعَلَهُ بَعِيدًا لِفَواتِ اسْتِدْراكِهِ بِالمَوْتِ.

19

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ

Have you not seen that Allah created the heavens and the earth in truth? If He wills, He can do away with you and produce a new creation.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ ظَهَرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ تَعالى في القِيامَةِ.

﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ وهُمُ الأتْباعُ.

﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهْمُ القادَةُ المَتْبُوعُونَ.

﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ يَعْنِي في الكُفْرِ بِالإجابَةِ لَكم.

﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ دافِعُونَ عَنّا، يُقالُ أغْنى عَنْهُ

إذا دَفَعَ عَنْهُ الأذى، وأغْناهُ إذا أوْصَلَ إلَيْهِ النَّفْعَ.

﴿قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ أحَدُها: لَوْ هَدانا اللَّهُ إلى الإيمانِ لَهَدَيْناكم إلَيْهِ.

الثّانِي: لَوْ هَدانا اللَّهُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ لَهَدَيْناكم إلَيْها.

الثّالِثُ: لَوْ نَجّانا اللَّهُ مِنَ العَذابِ لَنَجَّيْناكم مِنهُ.

﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ مِن مَنجى أوْ مَلْجَأٍ، قِيلَ إنَّ أهْلَ النّارِ يَقُولُونَ: يا أهْلَ النّارِ إنَّ قَوْمًا جَزِعُوا في الدُّنْيا وبَكَوْا فَفازُوا، فَيَجْزَعُونَ ويَبْكُونَ.

ثُمَّ يَقُولُونَ: يا أهْلَ النّارِ إنَّ قَوْمًا صَبَرُوا في الدُّنْيا فَفازُوا، فَيَصْبِرُونَ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾

20

وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍۢ

And that is not difficult for Allah.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ ظَهَرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ تَعالى في القِيامَةِ.

﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ وهُمُ الأتْباعُ.

﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهْمُ القادَةُ المَتْبُوعُونَ.

﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ يَعْنِي في الكُفْرِ بِالإجابَةِ لَكم.

﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ دافِعُونَ عَنّا، يُقالُ أغْنى عَنْهُ

إذا دَفَعَ عَنْهُ الأذى، وأغْناهُ إذا أوْصَلَ إلَيْهِ النَّفْعَ.

﴿قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ أحَدُها: لَوْ هَدانا اللَّهُ إلى الإيمانِ لَهَدَيْناكم إلَيْهِ.

الثّانِي: لَوْ هَدانا اللَّهُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ لَهَدَيْناكم إلَيْها.

الثّالِثُ: لَوْ نَجّانا اللَّهُ مِنَ العَذابِ لَنَجَّيْناكم مِنهُ.

﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ مِن مَنجى أوْ مَلْجَأٍ، قِيلَ إنَّ أهْلَ النّارِ يَقُولُونَ: يا أهْلَ النّارِ إنَّ قَوْمًا جَزِعُوا في الدُّنْيا وبَكَوْا فَفازُوا، فَيَجْزَعُونَ ويَبْكُونَ.

ثُمَّ يَقُولُونَ: يا أهْلَ النّارِ إنَّ قَوْمًا صَبَرُوا في الدُّنْيا فَفازُوا، فَيَصْبِرُونَ.

فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾

Commentary: Al-Nukat wa al-'Uyun by Al-Mawardi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.