Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 41–50 of 52

41

رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ

Our Lord, forgive me and my parents and the believers the Day the account is established."

﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ مُعْدِلًا لَها مُواظِبًا عَلَيْها. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ عُطِفَ عَلى المَنصُوبِ في ﴿اجْعَلْنِي﴾، والتَّبْعِيضُ لِعِلْمِهِ بِإعْلامِ اللَّهِ أوِ اسْتِقْراءِ عادَتِهِ في الأُمَمِ الماضِيَةِ أنْ يَكُونَ في ذُرِّيَّتِهِ كُفّارٌ. ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ واسْتَجِبْ دُعائِي أوْ وتَقَبَّلْ عِبادَتِي.

﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ وقُرِئَ « ولِأبَوَيَّ»، وقَدْ تَقَدَّمَ عُذْرُ اسْتِغْفارِهِ لَهُما. وقِيلَ أرادَ بِهِما آدَمَ وحَوّاءَ.

﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ يَثْبُتُ مُسْتَعارٌ مِنَ القِيامِ عَلى الرَّجُلِ كَقَوْلِهِمْ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أوْ يَقُومُ إلَيْهِ أهْلُهُ فَحُذِفَ المُضافُ أوْ أُسْنِدَ إلَيْهِ قِيامُهم مَجازًا.

42

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍۢ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَٰرُ

And never think that Allah is unaware of what the wrongdoers do. He only delays them for a Day when eyes will stare [in horror].

﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمُرادُ بِهِ تَثْبِيتُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن أنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى أحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، والوَعِيدُ بِأنَّهُ مُعاقِبُهم عَلى قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ لا مَحالَةَ، أوْ لِكُلِّ مَن تَوَهَّمَ غَفْلَتَهُ جَهْلًا بِصِفاتِهِ واغْتِرارًا بِإمْهالِهِ. وقِيلَ إنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وتَهْدِيدٌ لِلظّالِمِ. ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يُؤَخِّرُ عَذابَهم وعَنْ أبِي عَمْرٍو بِالنُّونِ. ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم فَلا تَقَرُّ في أماكِنِها مِن هَوْلِ ما تَرى.

﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، أوْ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ لا يَطْرِفُونَ هَيْبَةً وخَوْفًا، وأصْلُ الكَلِمَةِ هو الإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ. ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ رافِعِيها. ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ بَلْ تَثْبُتُ عُيُونُهم شاخِصَةً لا تَطْرِفُ، أوْ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ نَظَرُهم فَيَنْظُرُوا إلى أنْفُسِهِمْ. ﴿وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ خَلاءٌ أيْ خالِيَةٌ عَنِ الفَهْمِ لِفَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْأحْمَقِ ولِلْجَبانِ قَلْبُهُ هَواءٌ أيْ لا رَأْيَ فِيهِ ولا قُوَّةَ قالَ زُهَيْرٌ:

؎ مِنَ الظُّلْمانِ جُؤْجُؤُهُ هَواءٌ

وَقِيلَ خالِيَةٌ عَنِ الخَيْرِ خاوِيَةٌ عَنِ الحَقِّ.

43

مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْـِٔدَتُهُمْ هَوَآءٌۭ

Racing ahead, their heads raised up, their glance does not come back to them, and their hearts are void.

﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والمُرادُ بِهِ تَثْبِيتُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن أنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى أحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، والوَعِيدُ بِأنَّهُ مُعاقِبُهم عَلى قَلِيلِهِ وكَثِيرِهِ لا مَحالَةَ، أوْ لِكُلِّ مَن تَوَهَّمَ غَفْلَتَهُ جَهْلًا بِصِفاتِهِ واغْتِرارًا بِإمْهالِهِ. وقِيلَ إنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وتَهْدِيدٌ لِلظّالِمِ. ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يُؤَخِّرُ عَذابَهم وعَنْ أبِي عَمْرٍو بِالنُّونِ. ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم فَلا تَقَرُّ في أماكِنِها مِن هَوْلِ ما تَرى.

﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ إلى الدّاعِي، أوْ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ لا يَطْرِفُونَ هَيْبَةً وخَوْفًا، وأصْلُ الكَلِمَةِ هو الإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ. ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ رافِعِيها. ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ بَلْ تَثْبُتُ عُيُونُهم شاخِصَةً لا تَطْرِفُ، أوْ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ نَظَرُهم فَيَنْظُرُوا إلى أنْفُسِهِمْ. ﴿وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ خَلاءٌ أيْ خالِيَةٌ عَنِ الفَهْمِ لِفَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْأحْمَقِ ولِلْجَبانِ قَلْبُهُ هَواءٌ أيْ لا رَأْيَ فِيهِ ولا قُوَّةَ قالَ زُهَيْرٌ:

؎ مِنَ الظُّلْمانِ جُؤْجُؤُهُ هَواءٌ

وَقِيلَ خالِيَةٌ عَنِ الخَيْرِ خاوِيَةٌ عَنِ الحَقِّ.

44

وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوٓا۟ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍۢ

And, [O Muhammad], warn the people of a Day when the punishment will come to them and those who did wrong will say, "Our Lord, delay us for a short term; we will answer Your call and follow the messengers." [But it will be said], "Had you not sworn, before, that for you there would be no cessation?

﴿وَأنْذِرِ النّاسَ﴾ يا مُحَمَّدُ. ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يَوْمَ المَوْتِ فَإنَّهُ أوَّلُ أيّامِ عَذابِهِمْ، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (أنْذِرِ) . ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِالشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ. ﴿رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أخِّرِ العَذابَ عَنّا أوْ رُدَّنا إلى الدُّنْيا وأمْهِلْنا إلى حَدٍّ مِنَ الزَّمانِ قَرِيبٍ، أوْ أخِّرْ آجالَنا وأبْقِنا مِقْدارَ ما نُؤْمِنُ بِكَ ونَجِيبُ دَعْوَتَكَ. ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ ونَظِيرُهُ ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ و ﴿ما لَكُمْ﴾ جَوابُ القَسَمِ جاءَ بِلَفْظِ الخِطابِ عَلى المُطابَقَةِ دُونَ الحِكايَةِ، والمَعْنى أقْسَمْتُمْ أنَّكم باقُونَ في الدُّنْيا لا تُزالُونَ بِالمَوْتِ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا بَطَرًا وغُرُورًا أوْ دَلَّ عَلَيْهِ حالُهم حَيْثُ بَنَوْا شَدِيدًا وأمَّلُوا بَعِيدًا. وقِيلَ أقْسَمُوا أنَّهم لا يَنْتَقِلُونَ إلى دارٍ أُخْرى وأنَّهم إذا ماتُوا لا يُزالُونَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ إلى حالَةٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ .

45

وَسَكَنتُمْ فِى مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلْأَمْثَالَ

And you lived among the dwellings of those who wronged themselves, and it had become clear to you how We dealt with them. And We presented for you [many] examples."

﴿وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي كَعادٍ وثَمُودَ، وأصْلُ سَكَنَ أنْ يُعَدّى بِفي كَقَرَّ وغَنِيَ وأقامَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى التَّبْوِيءِ فَيَجْرِي مَجْراهُ كَقَوْلِكَ سَكَنْتُ الدّارَ.﴿وَتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ بِما تُشاهِدُونَهُ في مَنازِلِهِمْ مِن آثارِ ما نَزَلَ بِهِمْ وما تَواتَرَ عِنْدَكم مِن أخْبارِهِمْ. ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ مِن أحْوالِهِمْ أيْ بَيَّنّا لَكم أنَّكم مِثْلُهم في الكُفْرِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ، أوْ صِفاتِ ما فَعَلُوا وفُعِلَ بِهِمُ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ المَضْرُوبَةِ.

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ المُسْتَفْرَغَ فِيهِ جُهْدُهم لِإبْطالِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ الباطِلِ. ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ ومَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فِعْلُهم فَهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، أوْ عِنْدَهُ ما يُمْكِرُهم بِهِ جَزاءً لِمَكْرِهِمْ وإبْطالًا لَهُ. ﴿وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ في العِظَمِ والشِّدَّةِ. ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ مُسَوّى لِإزالَةِ الجِبالِ. وقِيلَ إنْ نافِيَةٌ واللّامُ مُؤَكِّدَةٌ لَها كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ عَلى أنَّ الجِبالَ مَثَلٌ لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ونَحْوِهِ. وقِيلَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ والمَعْنى أنَّهم مَكَرُوا لِيُزِيلُوا ما هو كالجِبالِ الرّاسِيَةِ ثَباتًا وتَمَكُّنًا مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ (لَتَزُولُ) بِالفَتْحِ والرَّفْعِ عَلى أنَّها المُخَفَّفَةُ واللّامُ هي الفاصِلَةُ، ومَعْناهُ تَعْظِيمُ مَكْرِهِمْ. وقُرِئَ بِالفَتْحِ والنَّصْبِ عَلى لُغَةِ مَن يَفْتَحُ لامَ كَيْ وقُرِئَ و « إنْ كادَ مَكْرُهم» .

46

وَقَدْ مَكَرُوا۟ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ

And they had planned their plan, but with Allah is [recorded] their plan, even if their plan had been [sufficient] to do away with the mountains.

﴿وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي كَعادٍ وثَمُودَ، وأصْلُ سَكَنَ أنْ يُعَدّى بِفي كَقَرَّ وغَنِيَ وأقامَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى التَّبْوِيءِ فَيَجْرِي مَجْراهُ كَقَوْلِكَ سَكَنْتُ الدّارَ.﴿وَتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ بِما تُشاهِدُونَهُ في مَنازِلِهِمْ مِن آثارِ ما نَزَلَ بِهِمْ وما تَواتَرَ عِنْدَكم مِن أخْبارِهِمْ. ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ مِن أحْوالِهِمْ أيْ بَيَّنّا لَكم أنَّكم مِثْلُهم في الكُفْرِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ، أوْ صِفاتِ ما فَعَلُوا وفُعِلَ بِهِمُ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالأمْثالِ المَضْرُوبَةِ.

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ المُسْتَفْرَغَ فِيهِ جُهْدُهم لِإبْطالِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ الباطِلِ. ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ ومَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فِعْلُهم فَهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، أوْ عِنْدَهُ ما يُمْكِرُهم بِهِ جَزاءً لِمَكْرِهِمْ وإبْطالًا لَهُ. ﴿وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ في العِظَمِ والشِّدَّةِ. ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ مُسَوّى لِإزالَةِ الجِبالِ. وقِيلَ إنْ نافِيَةٌ واللّامُ مُؤَكِّدَةٌ لَها كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ عَلى أنَّ الجِبالَ مَثَلٌ لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ونَحْوِهِ. وقِيلَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ والمَعْنى أنَّهم مَكَرُوا لِيُزِيلُوا ما هو كالجِبالِ الرّاسِيَةِ ثَباتًا وتَمَكُّنًا مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ (لَتَزُولُ) بِالفَتْحِ والرَّفْعِ عَلى أنَّها المُخَفَّفَةُ واللّامُ هي الفاصِلَةُ، ومَعْناهُ تَعْظِيمُ مَكْرِهِمْ. وقُرِئَ بِالفَتْحِ والنَّصْبِ عَلى لُغَةِ مَن يَفْتَحُ لامَ كَيْ وقُرِئَ و « إنْ كادَ مَكْرُهم» .

47

فَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِۦ رُسُلَهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍۢ

So never think that Allah will fail in His promise to His messengers. Indeed, Allah is Exalted in Might and Owner of Retribution.

﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ وأصْلُهُ مُخْلِفٌ رُسُلَهُ وعْدَهُ فَقَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ إيذانًا بِأنَّهُ لا يُخْلِفُ الوَعْدَ أصْلًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ وإذا لَمْ يُخْلِفْ وعْدَهُ أحَدًا فَكَيْفَ يُخْلِفُ رُسُلَهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُماكَرُ قادِرٌ لا يُدافَعُ. ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ لِأوْلِيائِهِ مِن أعْدائِهِ.

48

يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ

[It will be] on the Day the earth will be replaced by another earth, and the heavens [as well], and all creatures will come out before Allah, the One, the Prevailing.

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ أوْ ظَرْفٌ لِلِانْتِقامِ، أوْ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أوْ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ. ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُخْلِفٍ لِأنَّ ما قَبْلَ أنْ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَهُ. ﴿والسَّماواتُ﴾ عُطِفَ عَلى الأرْضِ وتَقْدِيرُهُ والسَّمَواتُ غَيْرَ السَّمَواتِ، والتَّبْدِيلُ يَكُونُ في الذّاتِ كَقَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ وفي الصِّفَةِ كَقَوْلِكَ بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا إذا أذَبْتَها وغَيَّرْتَ شَكْلَها، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ والآيَةُ تَحْتَمِلُهُما، فَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: تُبَدَّلُ أرْضًا مِن فِضَّةٍ وسَمَواتٍ مِن ذَهَبٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: يُحْشَرُ النّاسُ عَلى أرْضٍ بَيْضاءَ لَمْ يُخْطِئْ عَلَيْها أحَدٌ خَطِيئَةً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هي تِلْكَ الأرْضُ وإنَّما تُغَيَّرُ صِفاتُها. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ فَتُبْسَطُ وتُمَدُّ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ» ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لا يَلْزَمُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ الحاصِلُ بِالتَّبْدِيلِ أرْضًا وسَماءً عَلى الحَقِيقَةِ، ولا يَبْعُدُ عَلى الثّانِي أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ الأرْضَ جَهَنَّمَ والسَّمَواتِ الجَنَّةَ عَلى ما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ . ﴿وَبَرَزُوا﴾ مِن أجْداثِهِمْ ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ لِمُحاسَبَتِهِ ومَجازاتِهِ، وتَوْصِيفُهُ بِالوَصْفَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَإنَّ الأمْرَ إذا كانَ لِواحِدٍ غَلّابٍ لا يُغالَبُ فَلا مُسْتَغاثَ لِأحَدٍ إلى غَيْرِهِ ولا مُسْتَجارَ.

49

وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍۢ مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ

And you will see the criminals that Day bound together in shackles,

﴿وَتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ﴾ قُرِنَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ بِحَسَبِ مُشارَكَتِهِمْ في العَقائِدِ والأعْمالِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أوْ قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ أوْ مَعَ ما اكْتَسَبُوا مِنَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ والمَلَكاتِ الباطِلَةِ، أوْ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إلى رِقابِهِمْ بِالأغْلالِ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِمُؤاخَذَتِهِمْ عَلى ما اقْتَرَفَتْهُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم. ﴿فِي الأصْفادِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، والصَّفَدُ القَيْدُ. وقِيلَ الغِلُّ قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:

؎ وزَيْدُ الخَيْلِ قَدْ لاقى صِفادًا. . . يَعَضُّ بِساعِدٍ وبِعَظْمِ ساقٍ

وَأصْلُهُ الشَّدُّ.

﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ قُمْصانُهم. ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ وجاءَ قَطْرانٌ لُغَتَيْنِ فِيهِ، وهو ما يُتَحَلَّبُ مِنَ الأبْهَلِ فَيُطْبَخُ فَتُهْنَأُ بِهِ الإبِلُ الجَرْبى فَيَحْرُقُ الجَرَبَ بِحِدَّتِهِ، وهو أسْوَدُ مُنْتِنٌ تَشْتَعِلُ فِيهِ النّارُ بِسُرْعَةٍ تُطْلى بِهِ جُلُودُ أهْلِ النّارِ حَتّى يَكُونَ طِلاؤُهُ لَهم كالقُمُصِ، لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِمْ لَذْعُ القَطِرانِ ووَحْشَةُ لَوْنِهِ ونَتَنُ رِيحِهِ مَعَ إسْراعِ النّارِ في جُلُودِهِمْ، عَلى أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ القَطْرانَيْنِ كالتَّفاوُتِ بَيْنَ النّارَيْنِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِما يُحِيطُ بِجَوْهَرِ النَّفْسِ مِنَ المَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ والهَيْئاتِ الوَحْشِيَّةِ فَيَجْلِبُ إلَيْها أنْواعًا مِنَ الغُمُومِ والآلامِ، وعَنْ يَعْقُوبَ ﴿قَطِرانٍ﴾ والقُطْرُ النُّحاسُ أوِ الصُّفْرُ المُذابُ والآنِي المُتَناهِي حَرُّهُ، والجُمْلَةُ حالٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ .

﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ وتَتَغَشّاها لِأنَّهم لَمْ يَتَوَجَّهُوا بِها إلى الحَقِّ ولَمْ يَسْتَعْمِلُوا في تَدَبُّرِهِ مَشاعِرَهم وحَواسَّهُمُ الَّتِي خُلِقَتْ فِيها لِأجْلِهِ، كَما تَطَّلِعُ عَلى أفْئِدَتِهِمْ لِأنَّها فارِغَةٌ عَنِ المَعْرِفَةِ مَمْلُوءَةٌ بِالجَهالاتِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ .

50

سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍۢ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ

Their garments of liquid pitch and their faces covered by the Fire.

﴿وَتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ﴾ قُرِنَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ بِحَسَبِ مُشارَكَتِهِمْ في العَقائِدِ والأعْمالِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أوْ قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ أوْ مَعَ ما اكْتَسَبُوا مِنَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ والمَلَكاتِ الباطِلَةِ، أوْ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إلى رِقابِهِمْ بِالأغْلالِ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِمُؤاخَذَتِهِمْ عَلى ما اقْتَرَفَتْهُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم. ﴿فِي الأصْفادِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، والصَّفَدُ القَيْدُ. وقِيلَ الغِلُّ قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:

؎ وزَيْدُ الخَيْلِ قَدْ لاقى صِفادًا. . . يَعَضُّ بِساعِدٍ وبِعَظْمِ ساقٍ

وَأصْلُهُ الشَّدُّ.

﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ قُمْصانُهم. ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ وجاءَ قَطْرانٌ لُغَتَيْنِ فِيهِ، وهو ما يُتَحَلَّبُ مِنَ الأبْهَلِ فَيُطْبَخُ فَتُهْنَأُ بِهِ الإبِلُ الجَرْبى فَيَحْرُقُ الجَرَبَ بِحِدَّتِهِ، وهو أسْوَدُ مُنْتِنٌ تَشْتَعِلُ فِيهِ النّارُ بِسُرْعَةٍ تُطْلى بِهِ جُلُودُ أهْلِ النّارِ حَتّى يَكُونَ طِلاؤُهُ لَهم كالقُمُصِ، لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِمْ لَذْعُ القَطِرانِ ووَحْشَةُ لَوْنِهِ ونَتَنُ رِيحِهِ مَعَ إسْراعِ النّارِ في جُلُودِهِمْ، عَلى أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ القَطْرانَيْنِ كالتَّفاوُتِ بَيْنَ النّارَيْنِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِما يُحِيطُ بِجَوْهَرِ النَّفْسِ مِنَ المَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ والهَيْئاتِ الوَحْشِيَّةِ فَيَجْلِبُ إلَيْها أنْواعًا مِنَ الغُمُومِ والآلامِ، وعَنْ يَعْقُوبَ ﴿قَطِرانٍ﴾ والقُطْرُ النُّحاسُ أوِ الصُّفْرُ المُذابُ والآنِي المُتَناهِي حَرُّهُ، والجُمْلَةُ حالٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ .

﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ وتَتَغَشّاها لِأنَّهم لَمْ يَتَوَجَّهُوا بِها إلى الحَقِّ ولَمْ يَسْتَعْمِلُوا في تَدَبُّرِهِ مَشاعِرَهم وحَواسَّهُمُ الَّتِي خُلِقَتْ فِيها لِأجْلِهِ، كَما تَطَّلِعُ عَلى أفْئِدَتِهِمْ لِأنَّها فارِغَةٌ عَنِ المَعْرِفَةِ مَمْلُوءَةٌ بِالجَهالاتِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ .

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.