Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 41–50 of 52

41

رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ

Our Lord, forgive me and my parents and the believers the Day the account is established."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤١] ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ .

﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ أيْ: مُجازاةِ اَلْعِبادِ عَلى أعْمالِهِمْ. قُرِئَ {ولِوالِدِي } بِالإفْرادِ، وكَأنَّ هَذا قَبْلَ تَبَيُّنِ أمْرِهِ لَهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ.

42

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍۢ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَٰرُ

And never think that Allah is unaware of what the wrongdoers do. He only delays them for a Day when eyes will stare [in horror].

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٢] ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ .

﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ. أيْ: لا تَحْسَبُهُ، إذا أنْظَرَهم وأجَّلَهم، أنَّهُ غافِلٌ عَنْهم، مُهْمِلٌ لَهم، لا يُعاقِبُهم عَلى عَمَلِهِمْ، بَلْ هو يُحْصِيهِ عَلَيْهِمْ ويَعُدُّهُ عَلَيْهِمْ عَدًّا. وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ، ووَعْدٌ لَهُ أكِيدٌ، ووَعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ وسائِرِ اَلظّالِمِينَ شَدِيدٌ.

﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أيْ: بِإمْهالِهِمْ مُتَمَتِّعِينَ بِشَهَواتِهِمْ، ولا يُعَجِّلُ عُقُوبَتَهم: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ: تَرْتَفِعُ فِيهِ أبْصارُ أهْلِ اَلْمَوْقِفِ، لِهَوْلِ ما يَرَوْنَ. فَلا تَقَرُّ أعْيُنُهم في أماكِنِها ولا تَطْرِفُ.

43

مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْـِٔدَتُهُمْ هَوَآءٌۭ

Racing ahead, their heads raised up, their glance does not come back to them, and their hearts are void.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٣] ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ .

﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ: مُسْرِعِينَ إلى اَلدّاعِي اَلَّذِي يَدْعُوهم إلى اَلْمَحْشَرِ. وهَذا بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ قِيامِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ، وعَجَلَتِهِمْ إلى اَلْمَحْشَرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ﴾ [القمر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا﴾ [المعارج: ٤٣]

﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ: رافِعِيها إلى اَلسَّماءِ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أيْ: لا يَطْرِفُونَ، ولَكِنَّ عُيُونَهم مَفْتُوحَةٌ مَمْدُودَةٌ مِن غَيْرِ تَحْرِيكٍ لِلْأجْفانِ: ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ أيْ: لا قُوَّةَ فِيها ولا ثَباتَ؛ لِشِدَّةِ اَلْفَزَعِ.

قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: اَلْهَواءُ: اَلْخَلاءُ اَلَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ اَلْأجْرامُ، فَوُصِفَ بِهِ. فَقِيلَ: قَلْبُ فُلانٍ هَواءٌ، إذا كانَ جَبانًا لا قُوَّةَ في قَلْبِهِ ولا جَراءَةَ. ويُقالُ لِلْأحْمَقِ أيْضًا: قَلْبُهُ هَواءٌ. والمَعْنى: أنَّ اَلْقُلُوبَ يَوْمَئِذٍ زائِلَةٌ عَنْ أماكِنِها والأبْصارَ شاخِصَةٌ، والرُّؤُوسَ مَرْفُوعَةٌ إلى اَلسَّماءِ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اَلْيَوْمِ وشِدَّتِهِ وخَوْفِ ما يَقَعُ فِيهِ.

44

وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوٓا۟ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍۢ

And, [O Muhammad], warn the people of a Day when the punishment will come to them and those who did wrong will say, "Our Lord, delay us for a short term; we will answer Your call and follow the messengers." [But it will be said], "Had you not sworn, before, that for you there would be no cessation?

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٤] ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَعْنِي يَوْمَ اَلْقِيامَةِ: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا﴾ أيْ: رُدَّنا إلى اَلدُّنْيا وأمْهِلْنا: ﴿إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أيْ: أمَدٍ مِنَ اَلزَّمانِ قَرِيبٍ: ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أيْ: إلى اَلْإقْرارِ بِتَوْحِيدِكَ وأسْمائِكَ اَلْحُسْنى: ﴿ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ أيْ: دَعَوْنا إلَيْهِ مِنَ اَلشَّرائِعِ.

﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ﴾ عَلى إضْمارِ اَلْقَوْلِ. أيْ: فَيُقالُ لَهم تَوْبِيخًا وتَبْكِيتًا تَكُونُوا تَحْلِفُونَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي في اَلدُّنْيا: ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ أيْ: مِن دارِ اَلدُّنْيا إلى دارٍ أُخْرى لِلْجَزاءِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]

45

وَسَكَنتُمْ فِى مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلْأَمْثَالَ

And you lived among the dwellings of those who wronged themselves, and it had become clear to you how We dealt with them. And We presented for you [many] examples."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٥] ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ .

﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ كَعادٍ وثَمُودَ: ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ أيْ: بِما تُشاهِدُونَهُ في مَنازِلِهِمْ مِن آثارِ ما نَزَلَ بِهِمْ، وما تَواتَرَ عِنْدَكم مِن أخْبارِهِمْ: ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ أيْ: صِفاتِ ما فَعَلُوا وما فُعِلَ بِهِمْ. أيْ: ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لَكم فِيهِمْ مُعْتَبَرٌ ولا مُزْدَجَرٌ.

46

وَقَدْ مَكَرُوا۟ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ

And they had planned their plan, but with Allah is [recorded] their plan, even if their plan had been [sufficient] to do away with the mountains.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٦] ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ .

﴿وقَدْ مَكَرُوا﴾ أيْ: بِالنَّبِيِّ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ: ﴿مَكْرَهُمْ﴾ أيِ: اَلْعَظِيمَ، أيِ: اَلَّذِي اِسْتَفْرَغُوا فِيهِ جُهْدَهم لِإبْطالِ اَلْحَقِّ وتَقْرِيرِ اَلْباطِلِ: ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ: جَزاءُ مَكْرِهِمْ: ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ أيْ: في اَلْعِظَمِ والشِّدَّةِ: ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ أيْ: مُسَوًّى ومُعَدًّا لِإزالَةِ اَلْجِبالِ عَنْ مَقارِّها، لِتَناهِي شِدَّتِهِ.

وجُوِّزَ في {إنْ} كَوْنُها نافِيَةً واللّامُ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ. والمَعْنى: ومَحالٌّ أنْ تَزُولَ اَلْجِبالُ بِمَكْرِهِمْ، عَلى أنَّ اَلْجِبالَ مَثَلٌ (أيِ: اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ) لِآياتِ اَللَّهِ وشَرائِعِهِ؛ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ اَلْجِبالِ اَلرّاسِيَةِ ثَباتًا وتَمَكُّنًا. ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ اِبْنِ مَسْعُودٍ: {وما كانَ مَكْرُهم } وقُرِئَ {لَتَزُولُ} بِلامِ اَلِابْتِداءِ أيْ: هو مِنَ اَلشِّدَّةِ بِحَيْثُ تَزُولُ مِنهُ اَلْجِبالُ وتَنْقَلِعُ مِن أماكِنِها.

47

فَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِۦ رُسُلَهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍۢ

So never think that Allah will fail in His promise to His messengers. Indeed, Allah is Exalted in Might and Owner of Retribution.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٧] ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ .

﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أيْ: مِن نَصْرِهِمُ اَلْمُبَيَّنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] اَلْآيَةَ.

واسْتَظْهَرَ أبُو اَلسُّعُودِ: أنَّ اَلْمَعْنى بِالوَعْدِ هُنا عَذابُهُمُ اَلْأُخْرَوِيُّ اَلْمُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ﴾ [إبراهيم: ٤٢] إلخ، ولا يَخْفى أنَّ اَلْوَعْدَ قَدْ بُيِّنَ في مِثْلِ اَلْآيَةِ اَلْأخِيرَةِ والأُولَيَيْنِ في مَعْناها. والبَيانُ يَرْفَعُ اَللَّبْسَ. وإنَّما أُوثِرَ تَقْدِيمُ اَلْمَفْعُولِ اَلثّانِي، أعْنِي (وعْدَهُ ) عَلى اَلْأوَّلِ وهو (رُسُلَهُ) لِلْإيذانِ بِالعِنايَةِ بِهِ. فَإنَّ اَلْآيَةَ في سِياقِ اَلْإنْذارِ والتَّهْدِيدِ لِلظّالِمِينَ بِما تَوَعَّدَهُمُ اَللَّهُ بِهِ عَلى ألْسِنَةِ اَلرُّسُلِ. فالمُهِمُّ في اَلتَّهْدِيدِ ذِكْرُ اَلْوَعِيدِ. كَذا في (اَلِانْتِصافِ) .

وفِي (اَلْكَشْفِ) تَقْدِيمُهُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ وكَوْنِهِ اَلْمَقْصُودَ بِالإفادَةِ. وما ذَكَرَهُ مِمَّنْ وقَعَ اَلْوَعْدُ عَلى لِسانِهِ، إنَّما ذُكِرَ بِطْرِيقِ اَلتَّبَعِ لِلْإيضاحِ، والتَّفْصِيلِ بَعْدَ اَلْإجْمالِ. وهو مِن أُسْلُوبِ اَلتَّرَقِّي كَما في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] و: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أيْ: غالِبٌ لا يُماكَرُ: ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ مِن أعْدائِهِ، نَصْرًا لِأوْلِيائِهِ.

48

يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ

[It will be] on the Day the earth will be replaced by another earth, and the heavens [as well], and all creatures will come out before Allah, the One, the Prevailing.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٨] ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ .

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ تَسِيرُ عَنِ اَلْأرْضِ جِبالُها وتُفَجَّرُ بِحارُها وتُسَوّى، فَلا يُرى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ. وتُبَدَّلُ اَلسَّماواتُ بِانْتِثارِ كَواكِبِها، وكُسُوفِ شَمْسِها، وخُسُوفِ قَمَرِها، وانْشِقاقِها، وكَوْنِها أبْوابًا و(يَوْمَ) بَدَلٌ مِن (يَوْمَ يَأْتِيهِمْ ) أوْ ظَرْفٌ لِلِانْتِقامِ أوْ مُقَدَّرٌ بِـ (اُذْكُرْ) أوْ ( لا يُخْلِفُ وعْدَهُ) .

﴿وبَرَزُوا﴾ أيِ: اَلْخَلائِقُ أوِ اَلظّالِمُونَ مِن أجْداثِهِمْ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ أيْ: لِحِسابِهِ وجَزائِهِ.

قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: والتَّعَرُّضُ لِلْوَصْفَيْنِ لِتَهْوِيلِ اَلْخَطْبِ وتَرْبِيَةِ اَلْمَهابَةِ وإظْهارِ بُطْلانِ اَلشِّرْكِ وتَحْقِيقِ اَلِانْتِقامِ في ذَلِكَ اَلْيَوْمِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ ظَرْفًا لَهُ. وتَحْقِيقُ إتْيانِ اَلْعَذابِ اَلْمَوْعُودِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بَدَلًا مِن (يَوْمَ يَأْتِيهِمُ اَلْعَذابُ ) فَإنَّ اَلْأمْرَ إذا كانَ لِواحِدٍ غَلّابٌ؛ كانَ في غايَةِ اَلشِّدَّةِ والصُّعُوبَةِ.

49

وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍۢ مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ

And you will see the criminals that Day bound together in shackles,

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٩] ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ .

﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ جَمْعُ (مُقَرَّنٍ) وهو مَن جُمِعَ في قَرَنٍ (بِفَتْحَتَيْنِ) اَلْوِثاقِ اَلَّذِي يُرْبَطُ بِهِ. أيْ: قَرَنَ بَعْضَهم مَعَ بَعْضٍ حَسْبَ اِقْتِرانِهِمْ في اَلْجَرائِمِ والفَسادِ. فَيَجْمَعُ بَيْنَ اَلنُّظَراءِ والأشْكالِ مِنهم، كُلَّ صِنْفٍ إلى صِنْفٍ. كَما قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] وقالَ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أوْ: قَرَنُوا مَعَ اَلشَّياطِينِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ﴾ [مريم: ٦٨] أوْ قُرِّنَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم إلى رِقابِهِمْ بِالأغْلالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الأصْفادِ﴾ [ص: ٣٨] أيِ: اَلْقُيُودِ أوِ اَلْأغْلالِ، جَمْعُ صَفَدٍ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنى اَلْقَيْدِ أوِ اَلْغُلِّ. والقَيْدُ هو اَلَّذِي يُوضَعُ في اَلرِّجْلِ. والغُلُّ * بِالضَّمِّ * ما في اَلْيَدِ والعُنُقِ وما يُضَمُّ بِهِ اَلْيَدُ والرِّجْلُ إلى اَلْعُنُقِ. والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ: { مُقَرَّنِينَ } أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: مُصَفَّدِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى:

50

سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍۢ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ

Their garments of liquid pitch and their faces covered by the Fire.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٠] ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ .

﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ تَشْبِيهٌ لَهم بِأكْرِهِ ما يُوجَدُ مَنظَرًا عِنْدَ اَلْعَرَبِ، وهو اَلْإبِلُ اَلْجَرْبى اَلَّتِي تُطْلى بِالقَطِرانِ. وإعْلامٌ بِأنَّ لَهم أعْظَمَ ما يَنالُ اَلْجِلْدَ داءٌ وهو تَقَرُّحُهُ بِالجَرَبِ. وأخْبَثُ ما يَكُونُ دَواءً لِقُبْحِهِ لَوْنًا ورِيحًا، وهو اَلْقَطِرانُ، فَإنَّهُ أسْوَدُ مُنْتِنُ اَلرِّيحِ.

قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: تُطْلى بِهِ جُلُودُ أهْلِ اَلنّارِ حَتّى يَعُودَ طِلاؤُهُ لَهم كالسَّرابِيلِ، وهي اَلْقُمَّصُ لِتَجْتَمِعَ عَلَيْهِمُ اَلْأرْبَعُ: لُذَعُ اَلْقَطِرانِ، وحُرْقَتُهُ، وإسْراعُ اَلنّارِ في جُلُودِهِمْ، واللَّوْنُ اَلْوَحْشُ، ونَتْنُ اَلرِّيحِ، عَلى أنَّ اَلتَّفاوُتَ بَيْنَ القَطْرانَيْنِ كالتَّفاوُتِ بَيْنَ اَلنّارَيْنِ. وكُلُّ ما وعَدَهُ اَللَّهُ وأوْعَدَ بِهِ في اَلْآخِرَةِ فَبَيْنَهُ وبَيْنَ ما نُشاهِدُهُ مِن جِنْسِهِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وكَأنَّهُ ما عِنْدَنا مِنهُ إلّا اَلْأسامِي والمُسَمَّياتُ ثَمَّةَ. فَبِكَرَمِهِ اَلْواسِعِ نَعُوذُ مِن سُخْطِهِ. ونَسْألُهُ اَلتَّوْفِيقَ فِيما يُنْجِينا مِن عَذابِهِ. اِنْتَهى.

ويُؤَيِّدُ ما بَيَّناهُ مِن أنَّ في اَلْآيَةِ إشارَةً إلى اِبْتِلائِهِمْ بِجَرَبِ جَهَنَّمَ: ما رَواهُ اَلْإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي مالِكٍ اَلْأشْعَرِيِّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أرْبَعٌ في أُمَّتِي مِن أمْرِ اَلْجاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُوهُنَّ: اَلْفَخْرُ بِالأحْسابِ، والطَّعْنُ في اَلْأنْسابِ، والِاسْتِسْقاءُ بِالنُّجُومِ، والنِّياحَةُ عَلى اَلْمَيِّتِ، والنّائِحَةُ إذا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِها، تُقامُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ وعَلَيْها سِرْبالٌ مِن قَطِرانٍ ودِرْعٌ مِن جَرَبٍ»» .

وقَدْ وقَفْتُ عَلى رِسالَةٍ لِشَمْسِ اَلْبُلَغاءِ اَلْخَوارِزْمِيِّ أنْفَذَها لِمَن شَكا إلَيْهِ داءَ اَلْجَرَبِ، جاءَ مِنها قَوْلُهُ: اَلْجَرَبُ حَكَّةٌ مادَّتُها يُبُوسَةٌ وحَرارَةٌ، ووَقُودٌ والتِهابٌ، وعَسْكَرٌ مِن عَساكِرِ اَلْبَلاءِ تَمُدُّهُ اَلْقَذارَةُ، كَما تَزِيدُ فِيهِ اَلْيُبُوسَةُ والحَرارَةُ، وعِلَّةٌ تَدُلُّ عَلى تَضْيِيعِ واجِبِ اَلنَّفْسِ مِنَ اَلتَّعَهُّدِ، وعَلى اَلتَّفْرِيطِ في اَلْعِلاجِ والتَّفَقُّدِ، تَنْطِقُ بِأنَّ صاحِبَها ضَعِيفُ اَلْمِنَّةِ في اَلتَّوَقِّي، أسِيرٌ في يَدِ اَلْحِرْصِ والتَّشَهِّي، غاشٌّ لِنَفْسِهِ، قَلِيلُ اَلْبُقْيا عَلى رُوحِهِ. وهَذِهِ اَلْعِلَّةُ تَكْسِبُ صاحِبَها خِزْيًا وحَياءً، وتُورِثُهُ خَجَلًا واسْتِرْخاءً، يَنْظُرُ إلى اَلنّاسِ بِعَيْنِ اَلْمُرِيبِ، ويَتَسَتَّرُ عَنْهم كَتَسَتُّرِ اَلْمَعِيبِ. تَنْفِرُ عَنْهُ اَلطِّباعُ، وتَسْتَقْذِرُهُ اَلنُّفُوسُ، وتَنْبُو عَنْ مُواكَلَتِهِ اَلْعُيُونُ. وأقَلُّ ما يُصِيبُهُ أنَّهُ يُحْرَمُ آلَةَ اَلْمَطاعِمِ وهي يَداهُ، وآلَةَ اَللِّقاءِ والزِّيارَةِ وهي رِجْلاهُ. ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن دَقائِقِ آفاتِها ومِن عَجِيبِ هِباتِها. إلّا أنَّها تَشِيخُ اَلْفِتْيانَ، وتَمْسَخُ اَلْإنْسانَ، وتَجْعَلُهُ أُمِّيًّا بَعْدَ أنْ كانَ غَيْرَ أُمِّيٍّ، وأعْجَمِيًّا ولَيْسَ بِأعْجَمِيٍّ. تَنْفِرُ عَنْ نَفْسِهِ نَفْسُهُ، وتَهْرُبُ مِن فِراشِهِ عُرْسُهُ، ويَتَباعَدُ عَنْهُ أقْرَبُ اَلنّاسِ مِنهُ. ثُمَّ هي رُبْعٌ مِن أرْباعِ اَلْخِذْلانِ وقِسْمٌ مِن أقْسامِ اَلْحِرْمانِ. قالَ اَلشّاعِرُ:

؎أعاذَكَ اَللَّهُ مِن أشْياءَ أرْبَعَةٍ: اَلْمَوْتُ والعِشْقُ والإفْلاسُ والجَرَبُ

وما اَلظَّنُّ بِداءٍ قَدْ سارَتْ بِهِ اَلْأمْثالُ وقِيلَتْ فِيهِ دُونَ سائِرِ …

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.