Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 31–40 of 52

31

قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ

[O Muhammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange, nor any friendships.

﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خَصَّهم بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَنْوِيهًا لَهُمْ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُمُ المُقِيمُونَ لِوَظائِفِ العُبُودِيَّةِ المُوفُونَ بِحُقُوقِها. وتَرْكُ العاطِفِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِلْإيذانِ بِتَبايُنِ حالِهِما بِاعْتِبارِ المَقُولِ تَهْدِيدًا، وتَشْرِيفًا. والمَقُولُ هَهُنا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ، أيْ: قُلْ لَهم أقِيمُوا، وأنْفِقُوا ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ: يُداوِمُوا عَلى ذَلِكَ، وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ مُطاوَعَتِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ، وغايَةُ مُسارَعَتِهِمْ إلى الِامْتِثالِ بِأوامِرِهِ، وقَدْ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ المَقُولُ يُقِيمُوا، ويُنْفِقُوا بِحَذْفِ لامِ الأمْرِ عَنْهُما. وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ دُونَ الحَذْفِ في قَوْلِهِ:

؎ مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالا

. لِدَلالَةِ (قُلْ) عَلَيْهِ. وقِيلَ: هُما جَوابا أقِيمُوا، وأنْفِقُوا قَدْ أُقِيما مَقامَهُما، ولَيْسَ بِذاكَ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِنَ الأمْرِ المُقَدَّرِ، لا مِن جَوابِ الأمْرِ المَذْكُورِ، أيْ: أنْفِقُوا إنْفاقَ سِرٍّ وعَلانِيَةٍ. والأحَبُّ في الإنْفاقِ إخْفاءُ المُتَطَوَّعِ بِهِ، وإعْلانُ الواجِبِ. والمُرادُ: حَثُّ المُؤْمِنِينَ عَلى الشُّكْرِ لِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ البَدَنِيَّةِ، والمالِيَّةِ، وتَرْكِ التَّمَتُّعِ بِمَتاعِ الدُّنْيا، والرُّكُونِ إلَيْها، كَما هو صَنِيعُ الكُفْرِ.

﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فَيَبْتاعُ المُقَصِّرُ ما يَتَلافى بِهِ تَقْصِيرَهُ، أوْ يَفْتَدِي بِهِ نَفْسَهُ؛ والمَقْصُودُ: نَفِيُ عَقْدِ المُعاوَضَةِ بِالمَرَّةِ، وتَخْصِيصُ البَيْعِ بِالذِّكْرِ، لِلْإيجازِ مَعَ المُبالَغَةِ في نَفْيِ العَقْدِ إذِ انْتِفاءُ البَيْعِ المُسْتَلْزِمِ انْتِفاءَ الشِّراءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وانْتِفاؤُهُ بِما يُتَصَوَّرُ مَعَ تَحَقُّقِ الإيجابِ مِن قِبَلِ البائِعِ، ﴿وَلا خِلالٌ﴾ ولا مُخالَّةٌ فَيَشْفَعَ لَهُ خَلِيلٌ، أوْ يُسامِحَهُ بِمالٍ يَفْتَدِي بِهِ نَفْسَهُ، أوْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا أثَرَ فِيهِ لِما لَهَجَوا بِتَعاطِيهِ مِنَ البَيْعِ والمُخالَّةِ، ولا انْتِفاعَ بِذَلِكَ. وإنَّما الِانْتِفاعُ، والِارْتِفاقُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. والظّاهِرُ أنَّ "مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أنْفِقُوا"، وتَذْكِيرُ إتْيانِ ذَلِكَ اليَوْمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِهِ كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ. مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِن فُقْدانِ الشَّفاعَةِ، وما يُتَدارَكُ بِهِ التَّقْصِيرُ مُعاوَضَةً، وتَبَرُّعًا، وانْقِطاعُ آثارِ البَيْعِ، والخِلالِ الواقِعَيْنِ في الدُّنْيا، وعَدَمُ الِانْتِفاعِ بِهِما: مِن أقْوى الدَّواعِي إلى الإتْيانِ بِما تَبْقى عَوائِدُهُ، وتَدُومُ فَوائِدُهُ مِنَ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ مِن حَيْثُ إنَّ ادِّخارَ المالِ وتَرْكَ إنْفاقِهِ، إنَّما يَقَعُ غالِبًا لِلتِّجاراتِ، والمُهاداةِ، فَحَيْثُ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، فَلا وجْهَ لِادِّخارِهِ إلى وقْتِ المَوْتِ، وتَخْصِيصُ التَّأْكِيدِ بِذَلِكَ لِمَيْلِ الطِّباعِ إلى المالِ، وكَوْنِها مَجْبُولَةً عَلى حُبِّهِ، والضِّنَّةِ بِهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ الأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ أيْضًا مِن حَيْثُ إنَّ تَرْكَها كَثِيرًا ما يَكُونُ بِالِاشْتِغالِ بِالبِياعاتِ، والمُخالّاتِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ وقُرِئَ: بِالفَتْحِ فِيهِما عَلى إرادَةِ النَّفْيِ العامِّ، ودَلالَةِ الرَّفْعِ عَلى ذَلِكَ بِاعْتِبارٍ خِطابِيٍّ هو …

32

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَٰرَ

It is Allah who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.

﴿اللَّهُ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ وما فِيها مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ ﴿والأرْضَ﴾ وما فِيها مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ، لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الكافِرِينَ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِإقامَةِ مَراسِمِ الطّاعَةِ شُكْرًا لِنِعَمِهِ شَرَعَ في تَفْصِيلِ ما يَسْتَوْجِبُ عَلى كافَّةِ الأنامِ المُثابَرَةَ عَلى الشُّكْرِ، والطّاعَةِ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ، والمِنَنِ الجِسامِ حَثًّا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْها، وتَقْرِيعًا لِلْكَفَرَةِ المُخِلِّينَ بِها الواضِعِينَ مَوْضِعَها الكُفْرَ، والمَعاصِيَ. وفي جَعْلِ المُبْتَدَأِ الِاسْمَ الجَلِيلَ، والخَبَرَ الِاسْمَ المَوْصُولَ بِتِلْكَ الأفاعِيلِ العَظِيمَةِ مِن خَلْقِ هَذِهِ الأجْرامِ العِظامِ، وإنْزالِ الأمْطارِ، وإخْراجِ الثَّمَراتِ، وما يَتْلُوها مِنَ الآثارِ العَجِيبَةِ، ما لا يَخْفى مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ السُّلْطانِ.

﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: السَّحابِ. فَإنَّ كُلَّ ما عَلاكَ سَماءٌ، أوْ مِنَ الفَلَكِ، فَإنَّ المَطَرَ مِنهُ يَبْتَدِئُ إلى السَّحابِ، ومِنهُ إلى الأرْضِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ ظَواهِرُ النُّصُوصِ، أوْ مِن أسْبابٍ سَماوِيَّةٍ تُثِيرُ الأجْزاءَ الرَّطْبَةَ مِن أعْماقِ الأرْضِ إلى الجَوِّ فَيَنْعَقِدُ سَحابًا ماطِرًا، وأيًّا ما كانَ فَـ "مِنِ" ابْتِدائِيَّةٌ.

﴿ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنهُ هو المَطَرُ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ، إمّا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَبْدَأً لِنُزُولِهِ، أوْ لِتَشْرِيفِهِ، كَما في قَوْلِكَ: أعْطاهُ السُّلْطانُ مِن خِزانَتِهِ مالًا، أوْ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ ﴿فَأخْرَجَ بِهِ﴾ بِذَلِكَ الماءِ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ، إمّا لِأنَّ صِيَغَ الجُمُوعِ يَتَعاوَرُ بَعْضُها مَوْضِعَ بَعْضٍ، وإمّا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِمُفْرَدِها جَماعَةُ الثَّمَرَةِ الَّتِي في قَوْلِكَ: أُدْرِكَتْ ثَمَرَةُ بُسْتانِ فُلانٍ.

﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ تَعِيشُونَ لَهُ، وهو بِمَعْنى المَرْزُوقِ شامِلٌ لِلْمَطْعُومِ، والمَلْبُوسِ. مَفْعُولًا لِأخْرَجَ. و "مِن" لِلتَّبْيِينِ، كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ مِنَ الدَّراهِمِ ألْفًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الثَّمَراتِ مَفْعُولًا، ورِزْقًا حالًا مِنهُ. أوْ مَصْدَرًا مِن أخْرَجَ بِمَعْنى: رَزَقَ. أوْ لِلتَّبْعِيضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ بَعْضَ الماءِ، فَأخْرَجَ بِهِ بَعْضَ الثَّمَراتِ، لِيَكُونَ بَعْضَ رِزْقِكم. إذْ لَمْ يُنْزِلْ مِنَ السَّماءِ كُلَّ الماءِ، ولا أخْرَجَ بِالمَطَرِ كُلَّ الثِّمارِ، ولا جَعَلَ كُلَّ الرِّزْقِ ثَمَرًا. وخُرُوجُ الثَّمَراتِ، وإنْ كانَ بِمَشِيئَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقدرته، لَكِنْ جَرَتْ عادَتُهُ تَعالى بِإضافَةِ صُوَرِها، وكَيْفِيّاتِها عَلى المَوادِّ المُمْتَزِجَةِ مِنَ الماءِ والتُّرابِ، أوْ أوْدَعَ في الماءِ قُوَّةً فاعِلَةً، وفي الأرْضِ قُوَّةً قابِلَةً يَتَوَلَّدُ مِنِ اجْتِماعِهِما أنْواعُ الثِّمارِ. وهو قادِرٌ عَلى إيجادِ الأشْياءِ بِلا أسْبابٍ، ومَوادَّ. كَما أبْدَعَ نُفُوسَ الأسْبابِ كَذَلِكَ لِما أنَّ لَهُ تَعالى في إنْشائِها مُدَرِّجًا مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ صَنائِعَ، وحِكَمًا يُجَدِّدُ فِيها لِأُولِي الأبْصارِ عِبَرًا، وسُكُونًا إلى عَظِيمِ قدرته لَيْسَ ذَلِكَ في إبْداعِها دَفْعَةً، وقَوْلُهُ: "لَكُمْ" صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: "رِزْقًا" إنْ أُرِيدَ بِهِ المَرْزُوقُ. ومَفْعُولٌ بِهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ المَصْدَرُ، كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا إيّاكم.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ﴾ بِأنْ أقْدَرَكم عَلى صَنْعَتِها، واسْتِعْمالِها بِما ألْهَمَكم …

33

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ

And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما، وإنارَتِهِما أصالَةً، وخِلافَةً، وإصْلاحِهِما لِما نِيطَ بِهِما صَلاحُهُ مِنَ المُكَوِّناتِ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ يَتَعاقَبانِ خِلْفَةً لِمَنامِكُمْ، ومَعاشِكُمْ، ولِعَقْدِ الثِّمارِ، وإنْضاجِها، ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْواعَ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ، وأبْرَزَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها في جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ تَنْوِيهًا لِشَأْنِها، وتَنْبِيهًا عَلى رِفْعَةِ مَكانِها، وتَنْصِيصًا عَلى كَوْنِ كُلٍّ مِنها نِعْمَةً جَلِيلَةً مُسْتَوْجِبَةً لِلشُّكْرِ. وفي التَّعْبِيرِ عَنِ التَّصْرِيفِ المُتَعَلِّقِ بِما ذُكِرَ مِنَ الفُلْكِ، والأنْهارِ، والشَّمْسِ، والقَمَرِ، واللَّيْلِ، والنَّهارِ بِالتَّسْخِيرِ مِنَ الإشْعارِ بِما فِيها مِن صُعُوبَةِ المَأْخَذِ، وعِزَّةِ المَنالِ، والدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ السُّلْطانِ، وشِدَّةِ المِحالِ ما لا يَخْفى، وتَأْخِيرُ تَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَنْ تَسْخِيرِ ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ مَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِ السَّمَواتِ مِنَ المُناسَبَةِ الظّاهِرَةِ، لِاسْتِتْباعِ ذِكْرِها لِذِكْرِ الأرْضِ المُسْتَدْعِي لِذِكْرِ إنْزالِ الماءِ مِنها إلَيْها المُوجِبِ لِذِكْرِ إخْراجِ الرِّزْقِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما يَحْصُلُ بِواسِطَةِ الفُلْكِ، والأنْهارِ، أوْ لِلتَّفادِي عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ الكُلُّ، أعْنِي: خَلْقَ السَّمَواتِ والأرْضِ، وتَسْخِيرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ نِعْمَةً واحِدَةً، كَما مَرَّ في قِصَّةِ البَقَرَةِ.

34

وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَظَلُومٌۭ كَفَّارٌۭ

And He gave you from all you asked of Him. And if you should count the favor of Allah, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.

﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ: أعْطاكم بَعْضَ جَمِيعِ ما سَألْتُمُوهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكْمَةِ، والمَصْلَحَةِ. كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ أوْ آتاكم مِن كُلِّ ذَلِكَ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ، ونِيطَ بِهِ انْتِظامُ أحْوالِكم عَلى الوَجْهِ المُقَدَّرِ، فَكَأنَّكم سَألْتُمُوهُ، أوْ كُلَّ ما طَلَبْتُمُوهُ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ، أوْ كُلَّ ما سَألْتُمُوهُ عَلى أنَّ مِن لِلْبَيانِ، وكَلِمَةُ كُلِّ لِلتَّكْثِيرِ، كَقَوْلِكَ: فُلانٌ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وأتاهُ كُلُّ النّاسِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقِيلَ: الأصْلُ وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، وما لَمْ تَسْألُوهُ. فَحُذِفَ الثّانِي لِدَلالَةِ ما أُبْقِيَ عَلى ما أُلْقِيَ. وقُرِئَ: بِتَنْوِينِ كُلِّ عَلى أنَّ "ما" نافِيَةٌ، ومَحَلُّ ما سَألْتُمُوهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: آتاكم مِن كُلٍّ غَيْرَ سائِلِيهِ، ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم ﴿لا تُحْصُوها﴾ لا تُطِيقُوا بِحَصْرِها، ولَوْ إجْمالًا، فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وأصْلُ الإحْصاءِ أنَّ الحاسِبَ إذا بَلَغَ عَقْدًا مُعَيَّنًا مِن عُقُودِ الأعْدادِ، وضَعَ حَصاةً لِيَحْفَظَ بِها فَفِيهِ إيذانٌ بِعَدَمِ بُلُوغِ مَرْتَبَةٍ مُعْتَدٍّ بِها مِن مَراتِبِها فَضْلًا عَنْ بُلُوغِ غايَتِها كَيْفَ لا؟ وما مِن فَرْدٍ مِن أفْرادِ النّاسِ، وإنْ كانَ في أقْصى مَراتِبِ الفَقْرِ والإفْلاسِ مَمْنُوًّا بِأصْنافِ العَنايا، مُبْتَلًى بِأنْواعِ الرَّزايا، فَهو بِحَيْثُ لَوْ تَأمَّلْتَهُ ألْفَيْتَهُ مُتَقَلِّبًا في نِعَمٍ لا تُحَدُّ، ومِنَنٍ لا تُحْصى ولا تُعَدُّ. كَأنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ كُلَّ ساعَةٍ وآنٍ مِنَ النَّعْماءِ ما حَواهُ حِيطَةُ الإمْكانِ، وإنْ كُنْتَ في رَيْبٍ مِن ذَلِكَ فَقَدِّرْ أنَّهُ مَلَكَ مَلِكٌ أقْطارَ العالَمِ، ودانَتْ لَهُ كافَّةُ الأُمَمِ، وأذْعَنَتْ لِطاعَتِهِ السَّراةُ، وخَضَعَتْ لِهَيْبَتِهِ رِقابُ العُتاةِ، وفازَ بِكُلِّ مَرامٍ، ونالَ كُلَّ مَنالٍ، وحازَ جَمِيعَ ما في الدُّنْيا مِن أصْنافِ الأمْوالِ مِن غَيْرِ نِدٍّ يُزاحِمُهُ، ولا شَرِيكٍ يُساهِمُهُ، بَلْ قَدِّرْ أنَّ جَمِيعَ ما فِيها مِن حَجَرٍ ومَدَرٍ يَواقِيتُ غالِيَةٌ، ونَفائِسُ دُرَرٍ، ثُمَّ قَدِّرْ أنَّهُ قَدْ وقَعَ مِن فَقْدِ مَشْرُوبٍ، أوْ مَطْعُومٍ، في حالَةٍ بَلَغَتْ نَفْسُهُ الحُلْقُومَ. فَهَلْ يَشْتَرِي، وهو في تِلْكَ الحالِ بِجَمِيعِ مالِهِ مِنَ المُلْكِ، والمالِ لُقْمَةً تُنْجِيهِ عَنْ رِواهُ، أوْ شَرْبَةً تَرْوِيهِ مِن ظَماهُ، أمْ يَخْتارُ الهَلاكَ فَتَذْهَبَ الأمْوالُ، والأمْلاكُ بِغَيْرِ بَدَلٍ يَبْقى عَلَيْهِ، ولا نَفْعٍ يَعُودُ إلَيْهِ؟ كَلّا بَلْ يَبْذُلُ لِذَلِكَ كُلَّ ما تَحْوِيهِ اليَدانِ كائِنًا ما كانَ، ولَيْسَ في صَفْقَتِهِ شائِبَةُ الخُسْرانِ، فَإذَنْ تِلْكَ اللُّقْمَةُ والشَّرْبَةُ خَيْرٌ مِمّا في الدُّنْيا بِألْفِ رُتْبَةٍ مَعَ أنَّهُما في طَرَفِ الثُّمامِ يَنالُهُما مَتى شاءَ مِنَ اللَّيالِي والأيّامِ. أوْ قَدِّرْ أنَّهُ قَدِ احْتَبَسَ عَلَيْهِ النَّفَسُ، فَلا دَخَلَ مِنهُ ما خَرَجَ، ولا خَرَجَ مِنهُ ما ولَجَ. والحِينُ قَدْ حانَ، وأتاهُ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ، إمّا يُعْطِي ذَلِكَ كُلَّهُ بِمُقابَلَةِ نَفَسٍ واحِدٍ، بَلْ يُعْطِيهِ وهو لِرَأْيِهِ حامِدٌ، فَإذَنْ هو خَيْرٌ مِن أمْوالِ الدُّنْيا بِحَمْلَتِها، ومَطالِبِها بِرُمَّتِها، مَعَ أنَّهُ أُبِيحَ لَهُ كُلَّ آنٍ مِن آناتِ اللَّيالِي والأيّامِ، حالَ اليَقَظَةِ والمَنامِ هَذا مِنَ الظُّهُورِ، والجَلاءِ …

35

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًۭا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمَقْصُودُ: مِن تَذْكِيرِهِ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِن مَقالاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى نَهْجِ التَّفْصِيلِ، والمُرادُ بِهِ تَأْكِيدُ ما سَلَفَ مِن تَعْجِيبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَيانِ فَنٍّ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ بَعْدَ ما كَفَرُوا بِالنِّعَمِ العامَّةِ، وعَصَوْا أباهم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ أُسْكِنُهم مَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى لِإقامَةِ الصَّلاةِ، والِاجْتِنابِ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، والشُّكْرِ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وسَألَهُ تَعالى أنْ يَجْعَلَهُ بَلَدًا آمِنًا، ويَرْزُقَهم مِنَ الثَّمَراتِ، وتَهْوِيَ قُلُوبُ النّاسِ إلَيْهِمْ مِن كُلِّ أوْبٍ سَحِيقٍ. فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ، وجَعْلَهُ حَرَمًا آمِنًا يَجِيءُ إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَفَرُوا بِتِلْكَ النِّعَمِ العِظامِ، واسْتَبْدَلُوا بِالبَلَدِ الحَرامِ دارَ البَوارِ، وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا، وفَعَلُوا ما فَعَلُوا ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿آمِنًا﴾ أيْ: ذا أمْنٍ أوْ آمِنًا أهْلُهُ، بِحَيْثُ لا يُخافُ فِيهِ عَلى ما مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما فِيها مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ أنَّ المَسْؤُولَ هُناكَ البَلَدِيَّةُ، والأمْنُ مَعًا، وهَهُنا الأمْنُ فَقَطْ حَيْثُ جُعِلَ هو المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْجَعْلِ، وجُعِلَ البَلَدُ صِفَةً لِلْمَفْعُولِ الأوَّلِ. فَإنْ حُمِلَ عَلى تَعَدُّدِ السُّؤالِ فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ أوَّلًا كِلا الأمْرَيْنِ فاسْتُجِيبَ لَهُ في أحَدِهِما، وتَأخَّرَ الآخَرُ إلى وقْتِهِ المُقَدَّرِ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ، ثُمَّ كَرَّرَ السُّؤالَ كَما هو المُعْتادُ في الدُّعاءِ، والِابْتِهالِ، أوْ كانَ المَسْؤُولُ أوَّلًا: مُجَرَّدَ الأمْنِ المُصَحِّحِ لِلسَّكَنِ كَما في سائِرِ البِلادِ، وقَدْ أُجِيبَ إلَيْهِ. وثانِيًا: الأمْنُ المَعْهُودُ. أوْ كُلُّهُ هو المَسْؤُولُ فِيهِما، وقَدْ أُجِيبَ إلَيْهِ أيْضًا، لَكِنَّ السُّؤالَ الثّانِيَ لِلِاسْتِدامَةِ والِاقْتِصارِ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّهُ المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، أوْ لِأنَّ المُعْتادَ في البَلَدِيَّةِ الِاسْتِمْرارُ بَعْدَ التَّحَقُّقِ بِخِلافِ الأمْنِ، وإنْ حُمِلَ عَلى وحْدَةِ السُّؤالِ، وتَكَرُّرِ الحِكايَةِ كَما هو المُتَبادِرُ، فالظّاهِرُ أنَّ المَسْؤُولَ كِلا الأمْرَيْنِ، وقَدْ حُكِيَ أوَّلًا، واقْتَصَرَ هَهُنا عَلى حِكايَةِ سُؤالِ الأمْنِ لا لِمُجَرَّدِ أنْ نِعْمَةَ الأمْنِ أدْخَلُ في اسْتِيجابِ الشُّكْرِ، فَذِكْرُهُ أنْسَبُ بِمَقامِ تَقْرِيعِ الكَفَرَةِ عَلى إغْفالِهِ، كَما قِيلَ: بَلْ لِأنَّ سُؤالَ البَلَدِيَّةِ قَدْ حُكِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ إذِ المَسْؤُولُ هُوِيَّتُها إلَيْهِمْ لِلْمُساكَنَةِ مَعَهُمْ، لا لِلْحَجِّ فَقَطْ. وهو عَيْنُ سُؤالٍ قَدْ حُكِيَ بِعِبارَةٍ أُخْرى، وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ ما قَدِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَّةَ، كَما رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ هُناكَ، وعادَ مُتَوَجِّهًا إلى الشّامِ، تَبِعَتْهُ هاجَرُ، وجَعَلَتْ تَقُولُ: إلى مَن تَكِلُنا في هَذا البَلْقَعِ. وهو لا يَرُدُّ عَلَيْها جَوابًا، حَتّى قالَتْ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا؟ فَقالَ: نَعَمْ. قالَتْ: إذًا لا يُضَيِّعُنا فَرَضِيَتْ، ومَضى حَتّى إذا اسْتَوى عَلى ثَنِيَّةِ كَداءَ …

36

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me; and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.

﴿رَبِّ إنَّهُنَّ﴾ أيِ: الأصْنامَ ﴿أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: تَسَبَّبْنَ لَهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: " وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا " وهو تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ، وإنَّما صَدَّرَهُ بِالنِّداءِ إظْهارًا لِاعْتِنائِهِ بِهِ، ورَغْبَةً في اسْتِجابَتِهِ.

﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ مِنهم فِيما أدْعُو إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، ومِلَّةِ الإسْلامِ ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: بَعْضِي. قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، مُبالَغَةً في بَيانِ اخْتِصاصِهِ بِهِ، أوْ مُتَّصِلٌ بِي لا يَنْفَكُّ عَنِّي في أمْرِ الدِّينِ.

﴿وَمَن عَصانِي﴾ أيْ: لَمْ يَتْبَعْنِي. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالعِصْيانِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَمِرٌّ عَلى الدَّعْوَةِ، وأنَّ عَدَمَ اتِّباعِ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ إنَّما هو لِعِصْيانِهِ، لا لِأنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ.

﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ، وتَرْحَمَهُ ابْتِداءً، أوْ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، وفِيهِ أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فَلِلَّهِ تَعالى أنْ يَغْفِرَهُ حَتّى الشِّرْكَ خَلا أنَّ الوَعِيدَ قَضى بِالفَرْقِ بَيْنَهُ، وبَيْنَ غَيْرِهِ.

37

رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةًۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.

﴿رَبَّنا﴾ آثَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ ضَمِيرَ الجَماعَةِ، لا لِما قِيلَ مِن تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وذِكْرِ بَنِيهِ، وإلّا لَراعاهُ في قَوْلِهِ: "رَبِّ إنَّهُنَّ..." إلَخْ. بَلْ لِأنَّ الدُّعاءَ المُصَدِّرَ بِهِ، وما أوْرَدَهُ بِصَدَدِ تَمْهِيدِ مَبادِئِ إجابَتِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أسْكَنْتُ﴾ الآيَةَ مُتَعَلِّقٌ بِذُرِّيَّتِهِ فالتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهم أدْخَلُ في القَبُولِ، وإجابَةِ المَسْؤُولِ.

﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ: بَعْضُهُمْ، أوْ ذُرِّيَّةٌ مِن ذُرِّيَّتِي. فَحَذَفَ المَفْعُولَ، وهو إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وما سَيُولَدُ لَهُ، فَإنَّ إسْكانَهُ حَيْثُ كانَ عَلى وجْهِ الِاطْمِئْنانِ، مُتَضَمِّنٌ لِإسْكانِهِمْ، رُوِيَ أنَّ هاجَرَ أُمَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ لِسارَّةَ، فَوَهَبَتْها مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا ولَدَتْ لَهُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ غارَتْ عَلَيْهِما، فَناشَدَتْهُ أنْ يُخْرِجَهُما مِن عِنْدِها. فَأخْرَجَهُما إلى أرْضِ مَكَّةَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى عَيْنَ زَمْزَمَ.

﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ لا يَكُونُ فِيهِ زَرْعٌ أصْلًا، وهو وادِي مَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ﴾ ظَرْفٌ لَأسْكَنْتُ، كَقَوْلِكَ: صَلَّيْتُ بِمَكَّةَ عِنْدَ الرُّكْنِ. لا أنَّهُ صِفَةٌ لِوادٍ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، إذِ المَقْصُودُ: إظْهارُ كَوْنِ ذَلِكَ الإسْكانِ مَعَ فُقْدانِ مَبادِئِهِ لِمَحْضِ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، والِالتِجاءِ إلى جِوارِهِ الكَرِيمِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الحُرْمَةِ المُؤْذِنِ بِعِزَّةِ المُلْتَجَأِ، وعِصْمَتِهِ عَنِ المَكارِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المُحَرَّمِ﴾ حَيْثُ حُرِّمَ التَّعَرُّضُ لَهُ، والتَّهاوُنُ بِهِ، أوْ لَمْ يَزَلْ مُعَظَّمًا مُمَنَّعًا يَهابُهُ الجَبابِرَةُ في كُلِّ عَصْرٍ، أوْ مُنِعَ مِنهُ الطُّوفانُ فَلَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ عَتِيقًا، وتَسْمِيَتُهُ إذْ ذاكَ بَيْتًا، ولَمْ يَكُنْ لَهُ بِناءٌ، وإنَّما كانَ نَشْزًا، مِثْلَ: الرّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأْخُذُ ذاتَ اليَمِينِ، وذاتَ الشِّمالِ، لَيْسَتْ بِاعْتِبارِ ما سَيَئُولُ إلَيْهِ الأمْرُ مِن بِنائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ يَنْزِعُ إلى اعْتِبارِ عُنْوانِ الحُرْمَةِ أيْضًا، كَذَلِكَ بَلْ، إنَّما هي بِاعْتِبارِ ما كانَ مِن قَبْلُ، فَإنَّ تَعَدُّدَ بِناءِ الكَعْبَةِ المُعَظَّمَةِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، وإنَّما الِاخْتِلافُ في كَمِّيَّةِ عَدَدِهِ، وقَدْ ذَكَرْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ مُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ، مُتَبارِكِينَ بِهِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْكَنْتُ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ شَعائِرِ الدِّينِ لِفَضْلِها، وتَكْرِيرُ النِّداءِ، وتَوْسِيطُهُ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ، والِاهْتِمامِ بِعَرْضِ أنَّ الغَرَضَ مِن إسْكانِهِمْ بِذَلِكَ الوادِي البَلْقَعِ، ذَلِكَ المَقْصِدُ الأقْصى، والمَطْلَبُ الأسْنى، وكُلُّ ذَلِكَ لِتَمْهِيدِ مَبادِئِ إجابَةِ دُعائِهِ، وإعْطاءِ مَسْؤُولِهِ الَّذِي لا يَتَسَنّى ذَلِكَ المَرامُ إلّا بِهِ، ولِذَلِكَ أُدْخِلَ عَلَيْهِ الفاءُ، فَقالَ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: أفْئِدَةً مِن أفْئِدَتِهِمْ فَـ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: لَوْ قالَ أفْئِدَةَ النّاسِ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِمْ فارِسُ، والرُّومُ. وأمّا ما زِيدَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: ولَحَجَّتِ اليَهُودُ والنَّصارى، فَغَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ إذِ المَسْؤُولُ تَوْجِيهُ القُلُوبِ إلَيْهِمْ لِلْمُساكَنَةِ مَعَهُمْ، لا تَوْجِيهُها إلى البَيْتِ …

38

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allah on the earth or in the heaven.

﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ مِنَ الحاجاتِ وغَيْرِها. والمُرادُ بِما نُخْفِي ما يُقابِلُ ما نُعْلِنُ، سَواءٌ تَعَلَّقَ بِهِ الإخْفاءُ، أوْ لا. أيْ: تَعْلَمُ ما نُظْهِرُهُ، وما لا نُظْهِرُهُ، فَإنَّ علمه تعالى مُتَعَلِّقٌ بِما يَخْطِرُ بِبالِهِ مِمّا فِيهِ مِنَ الأحْوالِ الخَفِيَّةِ فَضْلًا عَنْ إخْفائِهِ، وتَقْدِيمُ ما نُخْفِي عَلى ما نُعْلِنُ لِتَحْقِيقِ المُساواةِ بَيْنَهُما في تَعَلُّقِ العِلْمِ بِهِما عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، فَكَأنَّ تَعَلُّقَهُ بِما يَخْفى أقْدَمُ مِنهُ بِما يُعْلِنُ، أوْ لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ والخَفاءِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ العَلَنِ، إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلِنُ إلّا وهو قَبْلَ ذَلِكَ خَفِيٌّ، فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِحالَتِهِ الأُولى أقْدَمُ مِن تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ، وقَصْدُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ إظْهارَ هَذِهِ الحاجاتِ، وما هو مِن مَبادِئِها، وتَتِّماتِها لَيْسَ لِكَوْنِها غَيْرَ مَعْلُومَةٍ لَكَ، بَلْ إنَّما هو لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ، والتَّخَشُّعِ لِعَظَمَتِكَ، والتَّذَلُّلِ لِعِزَّتِكَ، وعَرْضِ الِافْتِقارِ إلى ما عِنْدَكَ، والِاسْتِعْجالِ لِنَيْلِ أيادِيكَ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْمُبالَغَةِ في الضَّراعَةِ، والِابْتِهالِ، وضَمِيرُ الجَماعَةِ؛ لِأنَّ المُرادَ لَيْسَ مُجَرَّدَ علمه تعالى بِسِرِّهِ وعَلَنِهِ، بَلْ بِجَمِيعِ خَفايا المُلْكَ والمَلَكُوتِ، وقَدْ حَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ.

﴿وَما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ لِما أنَّهُ العالِمُ بِالذّاتِ، فَما مِن أمْرٍ يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ كائِنًا ما كانَ في زَمانٍ مِنَ الأزْمانِ، إلّا ووُجُودُهُ في ذاتِهِ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، وإنَّما قالَ: "وَما يَخْفى عَلى اللَّهِ..." إلَخْ. دُونَ أنْ يَقُولَ: "وَيَعْلَمُ ما في السَّمَواتِ والأرْضِ" تَحْقِيقًا لِما عَناهُ بِقَوْلِهِ: "تَعْلَمُ ما نُخْفِي" مِن أنَّ علمه تعالى بِذَلِكَ لَيْسَ عَلى وجْهٍ يَكُونُ فِيهِ شائِبَةُ خَفاءٍ بِالنِّسْبَةِ إلى علمه تعالى، كَما يَكُونُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى عُلُومِ المَخْلُوقاتِ. وكَلِمَةُ "فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ، أيْ: مِن شَيْءٍ كائِنٍ فِيهِما أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِقْرارِ فِيهِما، أوْ عَلى وجْهِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما، أوْ بِيَخْفى. وتَقْدِيمُ "الأرْضِ" عَلى "السَّماءِ" مَعَ تَوْسِيطِ لا بَيْنُهُما بِاعْتِبارِ القُرْبِ والبُعْدِ مِنّا المُسْتَدْعِينَ لِلتَّفاوُتِ بِالنِّسْبَةِ إلى عُلُومِنا، والِالتِفاتُ مِنَ الخِطابِ إلى اسْمِ الذّاتِ المُسْتَجْمِعَةِ لِلصِّفاتِ، لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ والإيذانِ بِعُمُومِهِ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِشَأْنٍ يُخْتَصُّ بِهِ، أوْ بِمَن يَتَعَلَّقُ بِهِ، بَلْ شامِلٌ لِجَمِيعِ الأشْياءِ، فالمُناسِبُ ذِكْرُهُ تَعالى بِعُنْوانٍ مُصَحِّحٍ لِمَبْدَأِ الكُلِّ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وارِدٌ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ لِتَصْدِيقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ومِن لِلِاسْتِغْراقِ عَلى الوَجْهَيْنِ.

39

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

Praise to Allah, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ﴾ أيْ: مَعَ كِبَرِي، ويَأْسِي عَنِ الوَلَدِ. قَيَّدَ الهِبَةَ بِهِ، اسْتِعْظامًا لِلنِّعْمَةِ، وإظْهارًا لِشُكْرِها.

﴿إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، أوْ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ﴿إنَّ رَبِّي﴾ ومالِكَ أمْرِي ﴿لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ لَمُجِيبُهُ مِن قَوْلِهِمْ: سَمِعَ المَلِكُ كَلامَهُ، إذا اعْتَدَّ بِهِ. وهي مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ العامِلَةِ عَمَلَ الفِعْلِ أُضِيفَ إلى مَفْعُولِهِ، أوْ فاعِلِهِ بِإسْنادِ السَّماعِ إلى دُعاءِ اللَّهِ تَعالى مَجازًا، وهو مَعَ كَوْنِهِ مِن تَتِمَّةِ الحَمْدِ، والشُّكْرِ، إذْ هو وصْفٌ لَهُ تَعالى بِأنَّ ذَلِكَ الجَمِيلَ سُنَّتُهُ المُسْتَمِرَّةُ تَعْلِيلٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّذْيِيلِ لِلْهِبَةِ المَذْكُورَةِ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَضاعِيفِ النِّعْمَةِ فِيها حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ الدُّعاءِ، بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فاقْتَرَنَتِ الهِبَةُ بِقَبُولِ الدَّعْوَةِ، وتَوْحِيدُ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وإنْ كانَ عَقِيبَ ذِكْرِ هِبَتِهِما لِما أنَّ نِعْمَةَ الهِبَةِ فائِضَةٌ عَلَيْهِ خاصَّةً، وهُما مِنَ النِّعَمِ لا مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ.

40

رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ

My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.

﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ مُثابِرًا عَلَيْها، مُعَدِّلًا لَها. وتَوْحِيدُ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَعَ شُمُولِ دَعْوَتِهِ لِذَرِّيَّتِهِ أيْضًا، حَيْثُ قالَ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ: بَعْضِهِمْ مِنَ المَذْكُورِينَ، ومَن يَسِيرُ سِيرَتَهُما مِن أوْلادِهِما لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المُقْتَدى في ذَلِكَ، وذَرِّيَّتُهُ أتْباعٌ لَهُ، وإنْ ذَكَرَهم بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ، لا كَما في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾ ... إلَخْ. فَإنَّ إسْكانَهُ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِهِ بِلا مُلابَسَةٍ لِمَن أسْكَنَهُ، إنَّما هو مَذْكُورٌ بِطَرِيقِ التَّمْهِيدِ لِلدُّعاءِ، الَّذِي هو مَخْصُوصٌ بِذُرِّيَّتِهِ، وإنَّما خَصَّ هَذا الدُّعاءَ بِبَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ، لِعِلْمِهِ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى أنَّ بَعْضًا مِنهم لا يَكُونُ مُقِيمَ الصَّلاةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ أيْ: دُعائِيَ هَذا، المُتَعَلِّقَ بِجَعْلِي، وجَعْلِ بَعْضِ ذُرِّيَّتِي مُقِيمِي الصَّلاةِ، ثابِتِينَ عَلى ذَلِكَ، مُجْتَنِبِينَ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ. ولِذَلِكَ جِيءَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.