Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 31–40 of 52

31

قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ

[O Muhammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange, nor any friendships.

﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خَصَّهم بِالإضافَةِ تَنْوِيهًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُمُ المُقِيمُونَ لِحُقُوقِ العُبُودِيَّةِ، ومَفْعُولُ ﴿قُلْ﴾ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُهُ: أيْ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا. ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ فَيَكُونُ إيذانًا بِأنَّهم لِفَرْطِ مُطاوَعَتِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ بِحَيْثُ لا يَنْفِكُّ فِعْلُهم عَنْ أمْرِهِ، وأنَّهُ كالسَّبَبِ المُوجِبِ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرا بِلامِ الأمْرِ لِيَصِحَّ تَعَلُّقُ القَوْلِ بِهِما وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ ها هُنا ولَمْ يَحْسُنْ في قَوْلِهِ:

؎ مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ. . . إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالًا

لِدَلالَةِ قُلْ عَلَيْهِ. وقِيلَ هُما جَوابا أقِيمُوا وأنْفِقُوا مُقامَيْنِ مَقامَهُما، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن مُخالَفَةِ ما بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ ولِأنَّ أمْرَ المُواجَهَةِ لا يُجابُ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ إذا كانَ الفاعِلُ واحِدًا. ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى المَصْدَرِ أيْ إنْفاقَ سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، أوْ عَلى الحالِ أيْ ذَوِي سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، أوْ عَلى الظَّرْفِ أيْ وقْتَيْ سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، والأحَبُّ إعْلانُ الواجِبِ وإخْفاءُ المُتَطَوَّعِ بِهِ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فَيَبْتاعُ المُقَصِّرُ ما يَتَدارَكُ بِهِ تَقْصِيرَهُ أوْ يَفْدِي بِهِ نَفْسَهُ. ﴿وَلا خِلالٌ﴾ ولا مُخالَّةَ فَيَشْفَعُ لَكَ خَلِيلٌ، أوْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا انْتِفاعَ فِيهِ بِمُبايِعَةٍ ولا مُخالَّةٍ وإنَّما يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ فِيهِما عَلى النَّفْيِ العامِّ.

32

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَٰرَ

It is Allah who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ تَعِيشُونَ بِهِ وهو يَشْمَلُ المَطْعُومَ والمَلْبُوسَ مَفْعُولٌ لِأخْرَجَ و ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ بَيانٌ لَهُ وحالٌ مِنهُ ويَحْتَمِلُ عَكْسَ ذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ فَيَنْتَصِبُ بِالعِلَّةِ، أوِ المَصْدَرُ لِأنْ أخْرَجَ في مَعْنى رَزَقَ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ بِمَشِيئَتِهِ إلى حَيْثُ تَوَجَّهْتُمْ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ فَجَعَلَها مُعَدَّةً لِانْتِفاعِكم وتَصَرُّفِكم وقِيلَ تَسْخِيرُ هَذِهِ الأشْياءِ تَعْلِيمُ كَيْفِيَّةِ اتِّخاذِها.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وإصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ المُكَوِّناتِ.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ يَتَعاقَبانِ لِسُباتِكم ومَعاشِكم. ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ بَعْضَ جَمِيعِ ما سَألْتُمُوهُ يَعْنِي مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَإنَّ المَوْجُودَ مِن كُلِّ صِنْفٍ بَعْضُ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ المُرادَ بِـ ﴿ما سَألْتُمُوهُ﴾ ما كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُسْألَ لِاحْتِياجِ النّاسِ إلَيْهِ سُئِلَ أوْ لَمْ يُسْألْ، وما يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ومَوْصُوفَةً ومَصْدَرِيَّةً ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وقُرِئَ « مِن كُلٍّ» بِالتَّنْوِينِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ وسَألْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ « ما» نافِيَةً في مَوْقِعِ الحالِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ سائِلِيهِ. ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ لا تَحْصُرُوها ولا تُطِيقُوا عَدَّ أنْواعِها فَضْلًا عَنْ أفْرادِها، فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُفْرَدَ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ بِالإضافَةِ. ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ﴾ يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِأنْ يُعَرِّضَها لِلْحِرْمانِ. ﴿كَفّارٌ﴾ شَدِيدُ الكُفْرانِ. وقِيلَ ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو ويَجْزَعُ كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ.

33

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ

And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ تَعِيشُونَ بِهِ وهو يَشْمَلُ المَطْعُومَ والمَلْبُوسَ مَفْعُولٌ لِأخْرَجَ و ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ بَيانٌ لَهُ وحالٌ مِنهُ ويَحْتَمِلُ عَكْسَ ذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ فَيَنْتَصِبُ بِالعِلَّةِ، أوِ المَصْدَرُ لِأنْ أخْرَجَ في مَعْنى رَزَقَ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ بِمَشِيئَتِهِ إلى حَيْثُ تَوَجَّهْتُمْ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ فَجَعَلَها مُعَدَّةً لِانْتِفاعِكم وتَصَرُّفِكم وقِيلَ تَسْخِيرُ هَذِهِ الأشْياءِ تَعْلِيمُ كَيْفِيَّةِ اتِّخاذِها.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وإصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ المُكَوِّناتِ.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ يَتَعاقَبانِ لِسُباتِكم ومَعاشِكم. ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ بَعْضَ جَمِيعِ ما سَألْتُمُوهُ يَعْنِي مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَإنَّ المَوْجُودَ مِن كُلِّ صِنْفٍ بَعْضُ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ المُرادَ بِـ ﴿ما سَألْتُمُوهُ﴾ ما كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُسْألَ لِاحْتِياجِ النّاسِ إلَيْهِ سُئِلَ أوْ لَمْ يُسْألْ، وما يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ومَوْصُوفَةً ومَصْدَرِيَّةً ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وقُرِئَ « مِن كُلٍّ» بِالتَّنْوِينِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ وسَألْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ « ما» نافِيَةً في مَوْقِعِ الحالِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ سائِلِيهِ. ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ لا تَحْصُرُوها ولا تُطِيقُوا عَدَّ أنْواعِها فَضْلًا عَنْ أفْرادِها، فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُفْرَدَ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ بِالإضافَةِ. ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ﴾ يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِأنْ يُعَرِّضَها لِلْحِرْمانِ. ﴿كَفّارٌ﴾ شَدِيدُ الكُفْرانِ. وقِيلَ ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو ويَجْزَعُ كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ.

34

وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَظَلُومٌۭ كَفَّارٌۭ

And He gave you from all you asked of Him. And if you should count the favor of Allah, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ تَعِيشُونَ بِهِ وهو يَشْمَلُ المَطْعُومَ والمَلْبُوسَ مَفْعُولٌ لِأخْرَجَ و ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ بَيانٌ لَهُ وحالٌ مِنهُ ويَحْتَمِلُ عَكْسَ ذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ فَيَنْتَصِبُ بِالعِلَّةِ، أوِ المَصْدَرُ لِأنْ أخْرَجَ في مَعْنى رَزَقَ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ بِمَشِيئَتِهِ إلى حَيْثُ تَوَجَّهْتُمْ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ فَجَعَلَها مُعَدَّةً لِانْتِفاعِكم وتَصَرُّفِكم وقِيلَ تَسْخِيرُ هَذِهِ الأشْياءِ تَعْلِيمُ كَيْفِيَّةِ اتِّخاذِها.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وإصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ المُكَوِّناتِ.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ يَتَعاقَبانِ لِسُباتِكم ومَعاشِكم. ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ بَعْضَ جَمِيعِ ما سَألْتُمُوهُ يَعْنِي مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَإنَّ المَوْجُودَ مِن كُلِّ صِنْفٍ بَعْضُ ما في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ المُرادَ بِـ ﴿ما سَألْتُمُوهُ﴾ ما كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُسْألَ لِاحْتِياجِ النّاسِ إلَيْهِ سُئِلَ أوْ لَمْ يُسْألْ، وما يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ومَوْصُوفَةً ومَصْدَرِيَّةً ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وقُرِئَ « مِن كُلٍّ» بِالتَّنْوِينِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ ما احْتَجْتُمْ إلَيْهِ وسَألْتُمُوهُ بِلِسانِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ « ما» نافِيَةً في مَوْقِعِ الحالِ أيْ وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ سائِلِيهِ. ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ لا تَحْصُرُوها ولا تُطِيقُوا عَدَّ أنْواعِها فَضْلًا عَنْ أفْرادِها، فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُفْرَدَ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ بِالإضافَةِ. ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ﴾ يَظْلِمُ النِّعْمَةَ بِإغْفالِ شُكْرِها، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِأنْ يُعَرِّضَها لِلْحِرْمانِ. ﴿كَفّارٌ﴾ شَدِيدُ الكُفْرانِ. وقِيلَ ظَلُومٌ في الشِّدَّةِ يَشْكُو ويَجْزَعُ كَفّارٌ في النِّعْمَةِ يَجْمَعُ ويَمْنَعُ.

35

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًۭا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ﴾ بَلْدَةَ مَكَّةَ. ﴿آمِنًا﴾ ذا أمْنٍ لِمَن فِيها، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ أنَّ المَسْؤُولَ في الأوَّلِ إزالَةُ الخَوْفِ عَنْهُ وتَصْيِيرُهُ آمِنًا، وفي الثّانِي جَعْلُهُ مِنَ البِلادِ الآمِنَةِ. ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ بَعِّدْنِي وإيّاهم، ﴿أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ واجْعَلْنا مِنها في جانِبٍ وقُرِئَ « وأجْنِبْنِي» وهُما عَلى لُغَةِ نَجْدٍ وأمّا أهْلُ الحِجازِ فَيَقُولُونَ جَنِّبْنِي شَرَّهُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عِصْمَةَ الأنْبِياءِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وحِفْظِهِ إيّاهم وهو بِظاهِرِهِ، لا يَتَناوَلُ أحْفادَهُ وجَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ. وزَعَمَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أنَّ أوْلادَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَعْبُدُوا الصَّنَمَ مُحْتَجًّا بِهِ وإنَّما كانَتْ لَهم حِجارَةٌ يَدُورُونَ بِها ويُسَمُّونَها الدَّوّارَ ويَقُولُونَ البَيْتُ حَجَرٌ فَحَيْثُما نَصَبْنا حَجَرًا فَهو بِمَنزِلَتِهِ.

﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ فَلِذَلِكَ سَألْتُ مِنكَ العِصْمَةَ واسْتَعَذْتُ بِكَ مِن إضْلالِهِنَّ، وإسْنادُ الإضْلالِ إلَيْهِنَّ بِاعْتِبارِ السَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ عَلى دِينِي. ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ بَعْضِي لا يَنْفَكُّ عَنِّي في أمْرِ الدِّينِ. ﴿وَمَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَقْدِرُ أنْ تَغْفِرَ لَهُ وتَرْحَمَهُ ابْتِداءً، أوْ بَعْدَ التَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فَلِلَّهِ أنْ يَغْفِرَهُ حَتّى الشِّرْكَ إلّا أنَّ الوَعِيدَ فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ.

36

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me; and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ﴾ بَلْدَةَ مَكَّةَ. ﴿آمِنًا﴾ ذا أمْنٍ لِمَن فِيها، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ أنَّ المَسْؤُولَ في الأوَّلِ إزالَةُ الخَوْفِ عَنْهُ وتَصْيِيرُهُ آمِنًا، وفي الثّانِي جَعْلُهُ مِنَ البِلادِ الآمِنَةِ. ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ بَعِّدْنِي وإيّاهم، ﴿أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ واجْعَلْنا مِنها في جانِبٍ وقُرِئَ « وأجْنِبْنِي» وهُما عَلى لُغَةِ نَجْدٍ وأمّا أهْلُ الحِجازِ فَيَقُولُونَ جَنِّبْنِي شَرَّهُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عِصْمَةَ الأنْبِياءِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وحِفْظِهِ إيّاهم وهو بِظاهِرِهِ، لا يَتَناوَلُ أحْفادَهُ وجَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ. وزَعَمَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أنَّ أوْلادَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَعْبُدُوا الصَّنَمَ مُحْتَجًّا بِهِ وإنَّما كانَتْ لَهم حِجارَةٌ يَدُورُونَ بِها ويُسَمُّونَها الدَّوّارَ ويَقُولُونَ البَيْتُ حَجَرٌ فَحَيْثُما نَصَبْنا حَجَرًا فَهو بِمَنزِلَتِهِ.

﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ فَلِذَلِكَ سَألْتُ مِنكَ العِصْمَةَ واسْتَعَذْتُ بِكَ مِن إضْلالِهِنَّ، وإسْنادُ الإضْلالِ إلَيْهِنَّ بِاعْتِبارِ السَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ عَلى دِينِي. ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ بَعْضِي لا يَنْفَكُّ عَنِّي في أمْرِ الدِّينِ. ﴿وَمَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَقْدِرُ أنْ تَغْفِرَ لَهُ وتَرْحَمَهُ ابْتِداءً، أوْ بَعْدَ التَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فَلِلَّهِ أنْ يَغْفِرَهُ حَتّى الشِّرْكَ إلّا أنَّ الوَعِيدَ فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ.

37

رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةًۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.

﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ بَعْضِ ذُرِّيَّتِي أوْ ذُرِّيَّةٍ مِن ذُرِّيَّتِي فَحُذِفَ المَفْعُولُ وهم إسْماعِيلُ ومَن وُلِدَ مِنهُ فَإنَّ إسْكانَهُ مُتَضَمَّنٌ لِإسْكانِهِمْ. ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ يَعْنِي وادِي مَكَّةَ فَإنَّها حَجَرِيَّةٌ لا تُنْبِتُ. ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ الَّذِي حَرَّمْتَ التَّعَرُّضَ لَهُ والتَّهاوُنَ بِهِ، أوْ لَمْ يَزَلْ مُعَظَّمًا مُمَنَّعًا يَهابُهُ الجَبابِرَةُ، أوْ مَنَعَ مِنهُ الطُّوفانَ فَلَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ عَتِيقًا أيْ أعْتَقَ مِنهُ. ولَوْ دَعا بِهَذا الدُّعاءِ أوَّلَ ما قَدِمَ فَلَعَلَّهُ قالَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ ما كانَ أوْ ما سَيَؤُولُ إلَيْهِ.

رُوِيَ أنَّ هاجَرَ كانَتْ لِسارَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَوَهَبَتْها لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَلَدَتْ مِنهُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَغارَتْ عَلَيْهِما فَناشَدَتْهُ أنْ يُخْرِجَهُما مِن عِنْدِها فَأخْرَجَهُما إلى أرْضِ مَكَّةَ فَأظْهَرَ اللَّهُ عَيْنَ زَمْزَمَ، ثُمَّ إنَّ جُرْهُمَ رَأوْا ثَمَّ طُيُورًا فَقالُوا لا طَيْرَ إلّا عَلى الماءِ، فَقَصَدُوهُ فَرَأوْهُما وعِنْدَهُما عَيْنٌ فَقالُوا أشْرِكِينا في مائِكِ نُشْرِكُكِ في ألْبانِنا فَفَعَلَتْ.

﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ اللّامُ لامُ كَيْ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿أسْكَنْتُ﴾ أيْ ما أسْكَنْتُهم بِهَذا الوادِي البَلْقَعِ مِن كُلِّ مُرْتَفَقٍ ومُرْتَزَقٍ إلّا لِإقامَةِ الصَّلاةِ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ.

وَتَكْرِيرُ النِّداءِ وتَوْسِيطُهُ لِلشِّعارِ بِأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ مِن إسْكانِهِمْ ثَمَّةَ، والمَقْصُودُ مِنَ الدُّعاءِ تَوْفِيقُهم لَها.

وَقِيلَ لامُ الأمْرِ والمُرادُ هو الدُّعاءُ لَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ كَأنَّهُ طَلَبَ مِنهُمُ الإقامَةَ وسَألَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُوَفِّقَهم لَها. ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ أيْ أفْئِدَةً مِن أفْئِدَةِ النّاسِ، و ﴿مِن﴾ لِلتَّبْعِيضِ ولِذَلِكَ قِيلَ لَوْ قالَ أفْئِدَةَ النّاسِ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِمْ فارِسُ والرُّومُ ولَحَجَّتِ اليَهُودُ والنَّصارى، أوْ لِلِابْتِداءِ كَقَوْلِكَ: القَلْبُ مِنِّي سَقِيمٌ أيْ أفْئِدَةُ ناسٍ. وقَرَأ هِشامٌ « أفْئِيدَةً» بِخُلْفٍ عَنْهُ بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ. وقُرِئَ « آفِدَةً» وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَقْلُوبَ « أفْئِدَةً» كَآدَرَ في أدْؤُرَ وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ مِن أفَدْتُ الرِّحْلَةَ إذا عَجَّلْتُ أيْ جَماعَةً يُعَجِّلُونَ نَحْوَهم « وأفَدَةً» بِطَرْحِ الهَمْزَةِ لِلتَّخْفِيفِ، وإنْ كانَ الوَجْهُ فِيهِ إخْراجَها بَيْنَ بَيْنَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أفَدَ. ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُسْرِعُ إلَيْهِمْ شَوْقًا ووِدادًا. وقُرِئَ « تُهْوى» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أهْوى إلَيْهِ غَيْرَهُ و « تَهْوى» مِن هَوى يَهْوِي إذا أحَبَّ، وتَعْدِيَتُهُ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى النُّزُوعِ. ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ مَعَ سُكْناهم وادِيًا لا نَباتَ فِيهِ. ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ تِلْكَ النِّعْمَةَ، فَأجابَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ دَعْوَتَهُ فَجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى تُوجَدَ فِيهِ الفَواكِهُ الرَّبِيعِيَّةُ والصَّيْفِيَّةُ والخَرِيفِيَّةُ في يَوْمٍ واحِدٍ.

38

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allah on the earth or in the heaven.

﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ تَعْلَمُ سِرَّنا كَما تَعْلَمُ عَلَنَنا، والمَعْنى إنَّكَ أعْلَمُ بِأحْوالِنا ومَصالِحِنا وأرْحَمُ بِنا مِنّا بِأنْفُسِنا، فَلا حاجَةَ لَنا إلى الطَّلَبِ لَكِنّا نَدْعُوكَ إظْهارًا لِعُبُودِيَّتِكَ وافْتِقارًا إلى رَحْمَتِكَ واسْتِعْجالًا لِنَيْلِ ما عِنْدَكَ. وقِيلَ ما نُخْفِي مِن وجْدِ الفُرْقَةِ وما نُعْلِنُ مِنَ التَّضَرُّعِ إلَيْكَ والتَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْمُبالِغَةِ في التَّضَرُّعِ واللَّجَإ إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿وَما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ لِأنَّهُ العالِمُ بِعِلْمٍ ذاتِيٍّ يَسْتَوِي نِسْبَتُهُ إلى كُلِّ مَعْلُومٍ، ومِن لِلِاسْتِغْراقِ.

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ﴾ أيْ وهَبَ لِي وأنا كَبِيرٌ آيِسٌ مِنَ الوَلَدِ، قَيَّدَ الهِبَةَ بِحالِ الكِبَرِ اسْتِعْظامًا لِلنِّعْمَةِ وإظْهارًا لِما فِيها مِن آلائِهِ. ﴿إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ .

رُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ لِتِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً وإسْحاقُ لِمِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.

﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ لَمُجِيبُهُ مِن قَوْلِكَ سَمِعَ المَلِكُ كَلامِي إذا اعْتَدَّ بِهِ، وهو مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ العامِلَةِ عَمَلَ الفِعْلِ أُضِيفَ إلى مَفْعُولِهِ أوْ فاعِلِهِ عَلى إسْنادِ السَّماعِ إلى دُعاءِ اللَّهِ تَعالى عَلى المَجازِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ دَعا رَبَّهُ وسَألَ مِنهُ الوَلَدَ فَأجابَهُ ووَهَبَ لَهُ سُؤْلَهُ حِينَ ما وقَعَ اليَأْسُ مِنهُ لِيَكُونَ مِن أجَلِّ النِّعَمِ وأجْلاها.

39

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

Praise to Allah, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.

﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ تَعْلَمُ سِرَّنا كَما تَعْلَمُ عَلَنَنا، والمَعْنى إنَّكَ أعْلَمُ بِأحْوالِنا ومَصالِحِنا وأرْحَمُ بِنا مِنّا بِأنْفُسِنا، فَلا حاجَةَ لَنا إلى الطَّلَبِ لَكِنّا نَدْعُوكَ إظْهارًا لِعُبُودِيَّتِكَ وافْتِقارًا إلى رَحْمَتِكَ واسْتِعْجالًا لِنَيْلِ ما عِنْدَكَ. وقِيلَ ما نُخْفِي مِن وجْدِ الفُرْقَةِ وما نُعْلِنُ مِنَ التَّضَرُّعِ إلَيْكَ والتَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْمُبالِغَةِ في التَّضَرُّعِ واللَّجَإ إلى اللَّهِ تَعالى. ﴿وَما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ لِأنَّهُ العالِمُ بِعِلْمٍ ذاتِيٍّ يَسْتَوِي نِسْبَتُهُ إلى كُلِّ مَعْلُومٍ، ومِن لِلِاسْتِغْراقِ.

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ﴾ أيْ وهَبَ لِي وأنا كَبِيرٌ آيِسٌ مِنَ الوَلَدِ، قَيَّدَ الهِبَةَ بِحالِ الكِبَرِ اسْتِعْظامًا لِلنِّعْمَةِ وإظْهارًا لِما فِيها مِن آلائِهِ. ﴿إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ .

رُوِيَ أنَّهُ وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ لِتِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً وإسْحاقُ لِمِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.

﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ لَمُجِيبُهُ مِن قَوْلِكَ سَمِعَ المَلِكُ كَلامِي إذا اعْتَدَّ بِهِ، وهو مِن أبْنِيَةِ المُبالِغَةِ العامِلَةِ عَمَلَ الفِعْلِ أُضِيفَ إلى مَفْعُولِهِ أوْ فاعِلِهِ عَلى إسْنادِ السَّماعِ إلى دُعاءِ اللَّهِ تَعالى عَلى المَجازِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ دَعا رَبَّهُ وسَألَ مِنهُ الوَلَدَ فَأجابَهُ ووَهَبَ لَهُ سُؤْلَهُ حِينَ ما وقَعَ اليَأْسُ مِنهُ لِيَكُونَ مِن أجَلِّ النِّعَمِ وأجْلاها.

40

رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ

My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.

﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ مُعْدِلًا لَها مُواظِبًا عَلَيْها. ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ عُطِفَ عَلى المَنصُوبِ في ﴿اجْعَلْنِي﴾، والتَّبْعِيضُ لِعِلْمِهِ بِإعْلامِ اللَّهِ أوِ اسْتِقْراءِ عادَتِهِ في الأُمَمِ الماضِيَةِ أنْ يَكُونَ في ذُرِّيَّتِهِ كُفّارٌ. ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ واسْتَجِبْ دُعائِي أوْ وتَقَبَّلْ عِبادَتِي.

﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ وقُرِئَ « ولِأبَوَيَّ»، وقَدْ تَقَدَّمَ عُذْرُ اسْتِغْفارِهِ لَهُما. وقِيلَ أرادَ بِهِما آدَمَ وحَوّاءَ.

﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ يَثْبُتُ مُسْتَعارٌ مِنَ القِيامِ عَلى الرَّجُلِ كَقَوْلِهِمْ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، أوْ يَقُومُ إلَيْهِ أهْلُهُ فَحُذِفَ المُضافُ أوْ أُسْنِدَ إلَيْهِ قِيامُهم مَجازًا.

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.