Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 31–40 of 52

31

قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ

[O Muhammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange, nor any friendships.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكم الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكم الأنْهارَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ﴾ ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾

العِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ، وعُرْفُهُ في التَكْرِمَةِ بِخِلافِ العَبِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُقِيمُوا الصَلاةَ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ: جَزْمُهُ بِإضْمارِ لامِ الأمْرِ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ مُحَمَّدُ تَفِدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ

أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ، إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِعْرِ، وقالَتْ فَرْقَةٌ - أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ-: هو فِعْلٌ مُضارِعٌ جُزِمَ لَمّا كانَ في مَعْنى فِعْلِ الأمْرِ، لِأنَّ المُرادَ: أقِيمُوا، وهَذا كَما يُبْنى الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في النِداءِ في قَوْلِكَ: "يا زَيْدُ"، لَمّا شُبِّهَ بِـ "قَبْلُ وبَعْدُ"، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ يَتَضَمَّنُهُ صَدْرُ الآيَةِ، تَقْدِيرُهُ: إنْ تَقُلْ لَهُمْ: أقِيمُوا يُقِيمُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الأمْرِ الَّذِي يُعْطِينا مَعْناهُ قَوْلُهُ: "قُلْ"، وذَلِكَ بِأنْ يُجْعَلَ "قُلْ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى بَلِّغْ وأْدِّ الشَرِيعَةَ يُقِيمُوا الصَلاةَ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ المَقُولَ هو الأمْرُ بِالإقامَةِ والإنْفاقِ. ويَظْهَرُ أنَّ المَقُولَ هو الآيَةُ الَّتِي بَعْدُ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ﴾ الآيَةُ. و"السِرُّ" صَدَقَةُ النَفْلِ، والعَلانِيَةُ الصَدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، وهَذا هو مُقْتَضى الأحادِيثِ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ بِزَكاةِ الأمْوالِ مُجْمَلًا، وكَذَلِكَ فَسَّرَ الصَلاةَ بِأنَّها الخَمْسُ، وهَذا عِنْدِي مِنهُ تَقْرِيبٌ لِلْمُخاطَبِ.

و"الخِلالُ" مَصْدَرٌ مِن خالَكَ إذا وادَّ وصافى، ومِنهُ الخُلَّةُ والخَلِيلُ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

؎ صَرَفْتُ الهَوى عنهُنَّ مِن خَشْيَةِ الرَدى ∗∗∗ ∗∗∗ ولَسْتُ بِمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قالِ

وقالَ الأخْفَشُ: الخِلالُ جَمْعُ خُلَّةٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "لا بَيْعٌ ولا خِلالٌ" بِالرَفْعِ عَلى إلْغاءِ "لا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "لا بَيْعَ ولا خِلالَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكم الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكم الأنْهارَ﴾ الآيَةُ تَذْكِيرٌ بِآلاءِ اللهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَتِهِ الَّتِي فِيها إحْسانٌ إلى البَشَرِ؛ لِتَقُومَ الحُجَّةُ مَن وجْهَيْنِ، و"اللهُ" مُبْتَدَأٌ، و"الَّذِي" خَبَرُهُ. ومَن أُخْبِرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وتَقَرَّرَتْ في نَفْسِهِ آمَنَ وصَلّى وأنْفَقَ. و"السَماواتُ" هي الأرْقِعَةُ السَبْعَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَماءِ﴾ يُرِيدُ: السَحابُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الثَمَراتِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، فَيَكُونُ المُرادُ بَعْضُ جَنْيِ الأشْجارِ، ويَسْقُطُ ما كانَ مِنها سُمًّا أو …

32

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَٰرَ

It is Allah who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكم الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكم الأنْهارَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ﴾ ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾

العِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ، وعُرْفُهُ في التَكْرِمَةِ بِخِلافِ العَبِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُقِيمُوا الصَلاةَ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ: جَزْمُهُ بِإضْمارِ لامِ الأمْرِ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ مُحَمَّدُ تَفِدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ

أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ، إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِعْرِ، وقالَتْ فَرْقَةٌ - أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ-: هو فِعْلٌ مُضارِعٌ جُزِمَ لَمّا كانَ في مَعْنى فِعْلِ الأمْرِ، لِأنَّ المُرادَ: أقِيمُوا، وهَذا كَما يُبْنى الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في النِداءِ في قَوْلِكَ: "يا زَيْدُ"، لَمّا شُبِّهَ بِـ "قَبْلُ وبَعْدُ"، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ يَتَضَمَّنُهُ صَدْرُ الآيَةِ، تَقْدِيرُهُ: إنْ تَقُلْ لَهُمْ: أقِيمُوا يُقِيمُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الأمْرِ الَّذِي يُعْطِينا مَعْناهُ قَوْلُهُ: "قُلْ"، وذَلِكَ بِأنْ يُجْعَلَ "قُلْ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى بَلِّغْ وأْدِّ الشَرِيعَةَ يُقِيمُوا الصَلاةَ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ المَقُولَ هو الأمْرُ بِالإقامَةِ والإنْفاقِ. ويَظْهَرُ أنَّ المَقُولَ هو الآيَةُ الَّتِي بَعْدُ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ﴾ الآيَةُ. و"السِرُّ" صَدَقَةُ النَفْلِ، والعَلانِيَةُ الصَدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، وهَذا هو مُقْتَضى الأحادِيثِ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ بِزَكاةِ الأمْوالِ مُجْمَلًا، وكَذَلِكَ فَسَّرَ الصَلاةَ بِأنَّها الخَمْسُ، وهَذا عِنْدِي مِنهُ تَقْرِيبٌ لِلْمُخاطَبِ.

و"الخِلالُ" مَصْدَرٌ مِن خالَكَ إذا وادَّ وصافى، ومِنهُ الخُلَّةُ والخَلِيلُ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

؎ صَرَفْتُ الهَوى عنهُنَّ مِن خَشْيَةِ الرَدى ∗∗∗ ∗∗∗ ولَسْتُ بِمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قالِ

وقالَ الأخْفَشُ: الخِلالُ جَمْعُ خُلَّةٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "لا بَيْعٌ ولا خِلالٌ" بِالرَفْعِ عَلى إلْغاءِ "لا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "لا بَيْعَ ولا خِلالَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكم الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكم الأنْهارَ﴾ الآيَةُ تَذْكِيرٌ بِآلاءِ اللهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَتِهِ الَّتِي فِيها إحْسانٌ إلى البَشَرِ؛ لِتَقُومَ الحُجَّةُ مَن وجْهَيْنِ، و"اللهُ" مُبْتَدَأٌ، و"الَّذِي" خَبَرُهُ. ومَن أُخْبِرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وتَقَرَّرَتْ في نَفْسِهِ آمَنَ وصَلّى وأنْفَقَ. و"السَماواتُ" هي الأرْقِعَةُ السَبْعَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَماءِ﴾ يُرِيدُ: السَحابُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الثَمَراتِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، فَيَكُونُ المُرادُ بَعْضُ جَنْيِ الأشْجارِ، ويَسْقُطُ ما كانَ مِنها سُمًّا أو …

33

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ

And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكم الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكم الأنْهارَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ﴾ ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾

العِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ، وعُرْفُهُ في التَكْرِمَةِ بِخِلافِ العَبِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُقِيمُوا الصَلاةَ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ: جَزْمُهُ بِإضْمارِ لامِ الأمْرِ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ مُحَمَّدُ تَفِدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ

أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ، إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِعْرِ، وقالَتْ فَرْقَةٌ - أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ-: هو فِعْلٌ مُضارِعٌ جُزِمَ لَمّا كانَ في مَعْنى فِعْلِ الأمْرِ، لِأنَّ المُرادَ: أقِيمُوا، وهَذا كَما يُبْنى الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في النِداءِ في قَوْلِكَ: "يا زَيْدُ"، لَمّا شُبِّهَ بِـ "قَبْلُ وبَعْدُ"، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ يَتَضَمَّنُهُ صَدْرُ الآيَةِ، تَقْدِيرُهُ: إنْ تَقُلْ لَهُمْ: أقِيمُوا يُقِيمُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الأمْرِ الَّذِي يُعْطِينا مَعْناهُ قَوْلُهُ: "قُلْ"، وذَلِكَ بِأنْ يُجْعَلَ "قُلْ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى بَلِّغْ وأْدِّ الشَرِيعَةَ يُقِيمُوا الصَلاةَ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ المَقُولَ هو الأمْرُ بِالإقامَةِ والإنْفاقِ. ويَظْهَرُ أنَّ المَقُولَ هو الآيَةُ الَّتِي بَعْدُ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ﴾ الآيَةُ. و"السِرُّ" صَدَقَةُ النَفْلِ، والعَلانِيَةُ الصَدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، وهَذا هو مُقْتَضى الأحادِيثِ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ بِزَكاةِ الأمْوالِ مُجْمَلًا، وكَذَلِكَ فَسَّرَ الصَلاةَ بِأنَّها الخَمْسُ، وهَذا عِنْدِي مِنهُ تَقْرِيبٌ لِلْمُخاطَبِ.

و"الخِلالُ" مَصْدَرٌ مِن خالَكَ إذا وادَّ وصافى، ومِنهُ الخُلَّةُ والخَلِيلُ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

؎ صَرَفْتُ الهَوى عنهُنَّ مِن خَشْيَةِ الرَدى ∗∗∗ ∗∗∗ ولَسْتُ بِمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قالِ

وقالَ الأخْفَشُ: الخِلالُ جَمْعُ خُلَّةٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "لا بَيْعٌ ولا خِلالٌ" بِالرَفْعِ عَلى إلْغاءِ "لا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "لا بَيْعَ ولا خِلالَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكم الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكم الأنْهارَ﴾ الآيَةُ تَذْكِيرٌ بِآلاءِ اللهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَتِهِ الَّتِي فِيها إحْسانٌ إلى البَشَرِ؛ لِتَقُومَ الحُجَّةُ مَن وجْهَيْنِ، و"اللهُ" مُبْتَدَأٌ، و"الَّذِي" خَبَرُهُ. ومَن أُخْبِرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وتَقَرَّرَتْ في نَفْسِهِ آمَنَ وصَلّى وأنْفَقَ. و"السَماواتُ" هي الأرْقِعَةُ السَبْعَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَماءِ﴾ يُرِيدُ: السَحابُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الثَمَراتِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، فَيَكُونُ المُرادُ بَعْضُ جَنْيِ الأشْجارِ، ويَسْقُطُ ما كانَ مِنها سُمًّا أو …

34

وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَظَلُومٌۭ كَفَّارٌۭ

And He gave you from all you asked of Him. And if you should count the favor of Allah, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكم الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكم الأنْهارَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ﴾ ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾

العِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ، وعُرْفُهُ في التَكْرِمَةِ بِخِلافِ العَبِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُقِيمُوا الصَلاةَ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ: جَزْمُهُ بِإضْمارِ لامِ الأمْرِ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ مُحَمَّدُ تَفِدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ

أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ، إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِعْرِ، وقالَتْ فَرْقَةٌ - أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ-: هو فِعْلٌ مُضارِعٌ جُزِمَ لَمّا كانَ في مَعْنى فِعْلِ الأمْرِ، لِأنَّ المُرادَ: أقِيمُوا، وهَذا كَما يُبْنى الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في النِداءِ في قَوْلِكَ: "يا زَيْدُ"، لَمّا شُبِّهَ بِـ "قَبْلُ وبَعْدُ"، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ يَتَضَمَّنُهُ صَدْرُ الآيَةِ، تَقْدِيرُهُ: إنْ تَقُلْ لَهُمْ: أقِيمُوا يُقِيمُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الأمْرِ الَّذِي يُعْطِينا مَعْناهُ قَوْلُهُ: "قُلْ"، وذَلِكَ بِأنْ يُجْعَلَ "قُلْ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى بَلِّغْ وأْدِّ الشَرِيعَةَ يُقِيمُوا الصَلاةَ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ المَقُولَ هو الأمْرُ بِالإقامَةِ والإنْفاقِ. ويَظْهَرُ أنَّ المَقُولَ هو الآيَةُ الَّتِي بَعْدُ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ﴾ الآيَةُ. و"السِرُّ" صَدَقَةُ النَفْلِ، والعَلانِيَةُ الصَدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، وهَذا هو مُقْتَضى الأحادِيثِ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ بِزَكاةِ الأمْوالِ مُجْمَلًا، وكَذَلِكَ فَسَّرَ الصَلاةَ بِأنَّها الخَمْسُ، وهَذا عِنْدِي مِنهُ تَقْرِيبٌ لِلْمُخاطَبِ.

و"الخِلالُ" مَصْدَرٌ مِن خالَكَ إذا وادَّ وصافى، ومِنهُ الخُلَّةُ والخَلِيلُ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

؎ صَرَفْتُ الهَوى عنهُنَّ مِن خَشْيَةِ الرَدى ∗∗∗ ∗∗∗ ولَسْتُ بِمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قالِ

وقالَ الأخْفَشُ: الخِلالُ جَمْعُ خُلَّةٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "لا بَيْعٌ ولا خِلالٌ" بِالرَفْعِ عَلى إلْغاءِ "لا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "لا بَيْعَ ولا خِلالَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكم الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكم الأنْهارَ﴾ الآيَةُ تَذْكِيرٌ بِآلاءِ اللهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَتِهِ الَّتِي فِيها إحْسانٌ إلى البَشَرِ؛ لِتَقُومَ الحُجَّةُ مَن وجْهَيْنِ، و"اللهُ" مُبْتَدَأٌ، و"الَّذِي" خَبَرُهُ. ومَن أُخْبِرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وتَقَرَّرَتْ في نَفْسِهِ آمَنَ وصَلّى وأنْفَقَ. و"السَماواتُ" هي الأرْقِعَةُ السَبْعَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَماءِ﴾ يُرِيدُ: السَحابُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الثَمَراتِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، فَيَكُونُ المُرادُ بَعْضُ جَنْيِ الأشْجارِ، ويَسْقُطُ ما كانَ مِنها سُمًّا أو …

35

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًۭا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ الناسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِن الناسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِن الثَمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾

المَعْنى: واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، و"البَلَدُ": مَكَّةُ، و"آمِنًا" مَعْناهُ: فِيهِ أمْنٌ، فَوَصْفُهُ بِالأمْنِ تَجَوُّزًا، كَما قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، وكَما قالَ الشاعِرُ:

؎ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ

و"اجْنُبْنِي" مَعْناهُ: وامْنَعْنِي، يُقالُ: جَنَبَهُ كَذا وجَنَّبَهُ وأجْنَبَهُ إذا مَنَعَهُ مِنَ الأمْرِ وحِماهُ مِنهُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والثَقَفِيُّ: "وَأجْنِبْنِي" بِقَطْعِ الألِفِ وكَسْرِ النُونِ. و"بَنِيَّ" أرادَ بَنِي صُلْبِهِ، ولِذَلِكَ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ فِيهِمْ، وأمّا باقِي نَسْلِهِ فَقَدْ عَبَدُوا الأصْنامَ، وهَذا الدُعاءُ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَقْتَضِي إفْراطَ خَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ ومَن حَصَلَ في رُتْبَتِهِ، فَكَيْفَ يَخافُ أنْ يَعْبُدَ صَنَمًا؟ لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ يَنْبَغِي أنْ يُقْتَدى بِها في الخَوْفِ وطَلَبِ الخاتِمَةِ.

و"الأصْنامُ" هي المَنحُوتَةُ عَلى خِلْقَةِ البَشَرِ، وما كانَ مَنحُوتًا عَلى غَيْرِ خِلْقَةِ البَشَرِ فَهي أوثانٌ، قالَهُ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ، ونَسَبَ إلى الأصْنامِ أنَّها أضَلَّتْ كَثِيرًا مِنَ الناسِ تَجَوُّزًا إذْ كانَتْ عُرْضَةَ الإضْلالِ والأسْبابِ المَنصُوبَةِ لِلْغَيِّ، وعَلَيْها تَنْشَأُ الأعْمالُ، وحَقِيقَةُ الإضْلالِ إنَّما هي لِمُخْتَرِعِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن عَصانِي﴾ ظاهِرُهُ بِالكُفْرِ لِمُعادَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ وإذا كانَ ذَلِكَ، كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مَعْناهُ: بِتَوْبَتِكَ عَلى الكَفَرَةِ حَتّى يُؤْمِنُوا، لا أنَّهُ أرادَ أنَّ اللهَ يَغْفِرُ لِكافِرٍ، ولَكِنْ حَمَلَهُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ ما كانَ يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ القَوْلِ الجَمِيلِ والنُطْقِ الحَسَنِ وجَمِيلِ الأدَبِ ﷺ، قالَ قَتادَةُ: اسْمَعُوا قَوْلَ الخَلِيلِ، واللهِ ما كانُوا طَعّانِينَ ولا لَعّانِينَ، وكَذَلِكَ قالَ نَبِيُّ اللهِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ حَدِيثًا إلى النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ تَلا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، ثُمَّ دَعا لِأُمَّتِهِ، فَبُشِّرَ فِيهِمْ، وكانَ إبْراهِيمُ التَيْمِيُّ يَقُولُ: مَن يَأْمَنُ عَلى نَفْسِهِ بَعْدَ خَوْفِ الخَلِيلِ عَلى نَفْسِهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ؟

وقَوْلُهُ: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ يُرِيدُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنْ سارَّةَ لَمّا غارَتْ بِهاجَرَ بَعْدَ أنْ ولَدَتْ إسْماعِيلَ تَعَذَّبَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ بِهِما، فَرَكِبَ البُراقَ هو وهاجَرُ والطِفْلُ، فَجاءَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِنَ الشامِ إلى بَطْنِ مَكَّةَ، فَنَزَلَ وتَرَكَ ابْنَهُ وأمَتَهُ هُنالِكَ، ورَكِبَ مُنْصَرِفًا مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ، وكانَ هَذا كُلُّهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ تَعالى، فَلَمّا ولّى دَعا بِمُضَمَّنِ هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا كَيْفِيَّةُ بَقاءِ هاجَرَ وما صَنَعَتْ وسائِرُ خَبَرِ إسْماعِيلَ فَفي كِتابِ البُخارِيِّ والسِيَرِ وغَيْرِهِ، و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ إسْحاقَ كانَ بِالشامِ. …

36

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me; and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ الناسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِن الناسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِن الثَمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾

المَعْنى: واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، و"البَلَدُ": مَكَّةُ، و"آمِنًا" مَعْناهُ: فِيهِ أمْنٌ، فَوَصْفُهُ بِالأمْنِ تَجَوُّزًا، كَما قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، وكَما قالَ الشاعِرُ:

؎ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ

و"اجْنُبْنِي" مَعْناهُ: وامْنَعْنِي، يُقالُ: جَنَبَهُ كَذا وجَنَّبَهُ وأجْنَبَهُ إذا مَنَعَهُ مِنَ الأمْرِ وحِماهُ مِنهُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والثَقَفِيُّ: "وَأجْنِبْنِي" بِقَطْعِ الألِفِ وكَسْرِ النُونِ. و"بَنِيَّ" أرادَ بَنِي صُلْبِهِ، ولِذَلِكَ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ فِيهِمْ، وأمّا باقِي نَسْلِهِ فَقَدْ عَبَدُوا الأصْنامَ، وهَذا الدُعاءُ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَقْتَضِي إفْراطَ خَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ ومَن حَصَلَ في رُتْبَتِهِ، فَكَيْفَ يَخافُ أنْ يَعْبُدَ صَنَمًا؟ لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ يَنْبَغِي أنْ يُقْتَدى بِها في الخَوْفِ وطَلَبِ الخاتِمَةِ.

و"الأصْنامُ" هي المَنحُوتَةُ عَلى خِلْقَةِ البَشَرِ، وما كانَ مَنحُوتًا عَلى غَيْرِ خِلْقَةِ البَشَرِ فَهي أوثانٌ، قالَهُ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ، ونَسَبَ إلى الأصْنامِ أنَّها أضَلَّتْ كَثِيرًا مِنَ الناسِ تَجَوُّزًا إذْ كانَتْ عُرْضَةَ الإضْلالِ والأسْبابِ المَنصُوبَةِ لِلْغَيِّ، وعَلَيْها تَنْشَأُ الأعْمالُ، وحَقِيقَةُ الإضْلالِ إنَّما هي لِمُخْتَرِعِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن عَصانِي﴾ ظاهِرُهُ بِالكُفْرِ لِمُعادَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ وإذا كانَ ذَلِكَ، كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مَعْناهُ: بِتَوْبَتِكَ عَلى الكَفَرَةِ حَتّى يُؤْمِنُوا، لا أنَّهُ أرادَ أنَّ اللهَ يَغْفِرُ لِكافِرٍ، ولَكِنْ حَمَلَهُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ ما كانَ يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ القَوْلِ الجَمِيلِ والنُطْقِ الحَسَنِ وجَمِيلِ الأدَبِ ﷺ، قالَ قَتادَةُ: اسْمَعُوا قَوْلَ الخَلِيلِ، واللهِ ما كانُوا طَعّانِينَ ولا لَعّانِينَ، وكَذَلِكَ قالَ نَبِيُّ اللهِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ حَدِيثًا إلى النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ تَلا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، ثُمَّ دَعا لِأُمَّتِهِ، فَبُشِّرَ فِيهِمْ، وكانَ إبْراهِيمُ التَيْمِيُّ يَقُولُ: مَن يَأْمَنُ عَلى نَفْسِهِ بَعْدَ خَوْفِ الخَلِيلِ عَلى نَفْسِهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ؟

وقَوْلُهُ: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ يُرِيدُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنْ سارَّةَ لَمّا غارَتْ بِهاجَرَ بَعْدَ أنْ ولَدَتْ إسْماعِيلَ تَعَذَّبَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ بِهِما، فَرَكِبَ البُراقَ هو وهاجَرُ والطِفْلُ، فَجاءَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِنَ الشامِ إلى بَطْنِ مَكَّةَ، فَنَزَلَ وتَرَكَ ابْنَهُ وأمَتَهُ هُنالِكَ، ورَكِبَ مُنْصَرِفًا مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ، وكانَ هَذا كُلُّهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ تَعالى، فَلَمّا ولّى دَعا بِمُضَمَّنِ هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا كَيْفِيَّةُ بَقاءِ هاجَرَ وما صَنَعَتْ وسائِرُ خَبَرِ إسْماعِيلَ فَفي كِتابِ البُخارِيِّ والسِيَرِ وغَيْرِهِ، و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ إسْحاقَ كانَ بِالشامِ. …

37

رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةًۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ الناسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِن الناسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِن الثَمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾

المَعْنى: واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، و"البَلَدُ": مَكَّةُ، و"آمِنًا" مَعْناهُ: فِيهِ أمْنٌ، فَوَصْفُهُ بِالأمْنِ تَجَوُّزًا، كَما قالَ: ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، وكَما قالَ الشاعِرُ:

؎ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ

و"اجْنُبْنِي" مَعْناهُ: وامْنَعْنِي، يُقالُ: جَنَبَهُ كَذا وجَنَّبَهُ وأجْنَبَهُ إذا مَنَعَهُ مِنَ الأمْرِ وحِماهُ مِنهُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والثَقَفِيُّ: "وَأجْنِبْنِي" بِقَطْعِ الألِفِ وكَسْرِ النُونِ. و"بَنِيَّ" أرادَ بَنِي صُلْبِهِ، ولِذَلِكَ أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ فِيهِمْ، وأمّا باقِي نَسْلِهِ فَقَدْ عَبَدُوا الأصْنامَ، وهَذا الدُعاءُ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَقْتَضِي إفْراطَ خَوْفِهِ عَلى نَفْسِهِ ومَن حَصَلَ في رُتْبَتِهِ، فَكَيْفَ يَخافُ أنْ يَعْبُدَ صَنَمًا؟ لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ يَنْبَغِي أنْ يُقْتَدى بِها في الخَوْفِ وطَلَبِ الخاتِمَةِ.

و"الأصْنامُ" هي المَنحُوتَةُ عَلى خِلْقَةِ البَشَرِ، وما كانَ مَنحُوتًا عَلى غَيْرِ خِلْقَةِ البَشَرِ فَهي أوثانٌ، قالَهُ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ، ونَسَبَ إلى الأصْنامِ أنَّها أضَلَّتْ كَثِيرًا مِنَ الناسِ تَجَوُّزًا إذْ كانَتْ عُرْضَةَ الإضْلالِ والأسْبابِ المَنصُوبَةِ لِلْغَيِّ، وعَلَيْها تَنْشَأُ الأعْمالُ، وحَقِيقَةُ الإضْلالِ إنَّما هي لِمُخْتَرِعِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن عَصانِي﴾ ظاهِرُهُ بِالكُفْرِ لِمُعادَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ وإذا كانَ ذَلِكَ، كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مَعْناهُ: بِتَوْبَتِكَ عَلى الكَفَرَةِ حَتّى يُؤْمِنُوا، لا أنَّهُ أرادَ أنَّ اللهَ يَغْفِرُ لِكافِرٍ، ولَكِنْ حَمَلَهُ عَلى هَذِهِ العِبارَةِ ما كانَ يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ القَوْلِ الجَمِيلِ والنُطْقِ الحَسَنِ وجَمِيلِ الأدَبِ ﷺ، قالَ قَتادَةُ: اسْمَعُوا قَوْلَ الخَلِيلِ، واللهِ ما كانُوا طَعّانِينَ ولا لَعّانِينَ، وكَذَلِكَ قالَ نَبِيُّ اللهِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ حَدِيثًا إلى النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ تَلا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، ثُمَّ دَعا لِأُمَّتِهِ، فَبُشِّرَ فِيهِمْ، وكانَ إبْراهِيمُ التَيْمِيُّ يَقُولُ: مَن يَأْمَنُ عَلى نَفْسِهِ بَعْدَ خَوْفِ الخَلِيلِ عَلى نَفْسِهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ؟

وقَوْلُهُ: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ يُرِيدُ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنْ سارَّةَ لَمّا غارَتْ بِهاجَرَ بَعْدَ أنْ ولَدَتْ إسْماعِيلَ تَعَذَّبَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ بِهِما، فَرَكِبَ البُراقَ هو وهاجَرُ والطِفْلُ، فَجاءَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِنَ الشامِ إلى بَطْنِ مَكَّةَ، فَنَزَلَ وتَرَكَ ابْنَهُ وأمَتَهُ هُنالِكَ، ورَكِبَ مُنْصَرِفًا مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ، وكانَ هَذا كُلُّهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ تَعالى، فَلَمّا ولّى دَعا بِمُضَمَّنِ هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا كَيْفِيَّةُ بَقاءِ هاجَرَ وما صَنَعَتْ وسائِرُ خَبَرِ إسْماعِيلَ فَفي كِتابِ البُخارِيِّ والسِيَرِ وغَيْرِهِ، و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ إسْحاقَ كانَ بِالشامِ. …

38

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allah on the earth or in the heaven.

قوله عزّ وجلّ:

﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾

مَقْصِدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ التَنْبِيهُ عَلى اخْتِصارِهِ في الدُعاءِ، وتَفْوِيضِهِ إلى ما عَلِمَ اللهُ مِن رَغائِبِهِ وحِرْصِهِ عَلى هِدايَةِ بَنِيهِ والرِفْقِ بِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ انْصَرَفَ إلى الثَناءِ عَلى اللهِ تَعالى بِأنَّهُ عَلّامُ الغُيُوبِ، وإلى حَمْدِهِ عَلى هِباتِهِ، وهَذِهِ مِنَ الآياتِ المُعْلِمَةِ أنَّ عِلْمَ اللهِ تَعالى بِالأشْياءِ هو عَلى التَفْصِيلِ التامِّ.

ورُوِيَ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ أنَّهُ لَمّا وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وسَبْعَةَ عَشَرَ عامًا، ورُوِيَ أقَلُّ مِن هَذا، وإسْماعِيلُ أسَنُّ مِن إسْحاقَ فِيما رُوِيَ، وبِحَسْبِ تَرْتِيبِ هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: بُشِّرَ إبْراهِيمُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وسَبْعَةَ عَشَرَ عامًا.

وقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾. دَعا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ في أمْرٍ كانَ مُثابِرًا عَلَيْهِ، مُتَمَسِّكًا بِهِ، ومَتى دَعا الإنْسانُ في مِثْلِ هَذا فَإنَّما القَصْدُ إدامَةُ ذَلِكَ الأمْرِ واسْتِمْرارِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ والأعْمَشُ: "دُعاءِ رَبَّنا" بِغَيْرِ ياءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "دُعايَ" بِياءٍ ساكِنَةٍ في الوَصْلِ، وأثْبَتَها بَعْضُهم في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في وصْلٍ ولا وقْفٍ، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ إثْباتَ الياءِ في الوَصْلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلِوالِدَيَّ"، واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ هَذا مِن إبْراهِيمَ قَبْلَ يَأْسِهِ مِن إيمانِ أبِيهِ وتَبَيُّنِهِ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَأرادَ أباهُ وأُمَّهُ لِأنَّها كانَتْ مُؤْمِنَةً، وقِيلَ: أرادَ أُمَّهُ ونُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: أرادَ آدَمَ وحَوّاءَ لِأنَّ أُمَّهُ لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنَةً، وقِيلَ أرادَ آدَمَ ونُوحًا عَلَيْهِما السَلامُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَلِوالِدِي" بِإفْرادِ الأبِ وحْدَهُ، وهَذا يَدْخُلُهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَأْوِيلاتِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "وَلِوَلَدَيَّ" عَلى أنَّهُ دُعاءٌ لِإسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وأنْكَرَها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقالَ إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَلِأبَوَيَّ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يُعْمُرَ: "وَلِوُلْدِي" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، والوُلْدُ لُغَةً في الوَلَدِ، ومِنهُ ما أنْشَدَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ:

؎ فَلَيْتَ زِيادًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ زِيادًا كانَ وُلْدَ حِمارِ

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوُلْدُ جَمْعَ وُلَدٍ، لا كَأُسْدٍ في جَمْعِ أسَدٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ يَقُومُ الناسُ لِلْحِسابِ، فَأسْنَدَ القِيامَ لِلْحِسابِ إيجازًا إذِ المَعْنى مَفْهُومٌ، ويَتَوَجَّهُ أنْ يُرِيدَ قِيامَ الحِسابِ نَفْسَهُ، ويَكُونُ القِيامُ بِمَعْنى ظُهُورِهِ وتَلَبُّسِ العِبادِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ بِهِ كَما تَقُولُ: قامَتِ السُوقُ، وقامَتِ الصَلاةُ، كَما قالَ: وقامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ.

39

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

Praise to Allah, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.

قوله عزّ وجلّ:

﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾

مَقْصِدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ التَنْبِيهُ عَلى اخْتِصارِهِ في الدُعاءِ، وتَفْوِيضِهِ إلى ما عَلِمَ اللهُ مِن رَغائِبِهِ وحِرْصِهِ عَلى هِدايَةِ بَنِيهِ والرِفْقِ بِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ انْصَرَفَ إلى الثَناءِ عَلى اللهِ تَعالى بِأنَّهُ عَلّامُ الغُيُوبِ، وإلى حَمْدِهِ عَلى هِباتِهِ، وهَذِهِ مِنَ الآياتِ المُعْلِمَةِ أنَّ عِلْمَ اللهِ تَعالى بِالأشْياءِ هو عَلى التَفْصِيلِ التامِّ.

ورُوِيَ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ أنَّهُ لَمّا وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وسَبْعَةَ عَشَرَ عامًا، ورُوِيَ أقَلُّ مِن هَذا، وإسْماعِيلُ أسَنُّ مِن إسْحاقَ فِيما رُوِيَ، وبِحَسْبِ تَرْتِيبِ هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: بُشِّرَ إبْراهِيمُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وسَبْعَةَ عَشَرَ عامًا.

وقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾. دَعا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ في أمْرٍ كانَ مُثابِرًا عَلَيْهِ، مُتَمَسِّكًا بِهِ، ومَتى دَعا الإنْسانُ في مِثْلِ هَذا فَإنَّما القَصْدُ إدامَةُ ذَلِكَ الأمْرِ واسْتِمْرارِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ والأعْمَشُ: "دُعاءِ رَبَّنا" بِغَيْرِ ياءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "دُعايَ" بِياءٍ ساكِنَةٍ في الوَصْلِ، وأثْبَتَها بَعْضُهم في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في وصْلٍ ولا وقْفٍ، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ إثْباتَ الياءِ في الوَصْلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلِوالِدَيَّ"، واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ هَذا مِن إبْراهِيمَ قَبْلَ يَأْسِهِ مِن إيمانِ أبِيهِ وتَبَيُّنِهِ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَأرادَ أباهُ وأُمَّهُ لِأنَّها كانَتْ مُؤْمِنَةً، وقِيلَ: أرادَ أُمَّهُ ونُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: أرادَ آدَمَ وحَوّاءَ لِأنَّ أُمَّهُ لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنَةً، وقِيلَ أرادَ آدَمَ ونُوحًا عَلَيْهِما السَلامُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَلِوالِدِي" بِإفْرادِ الأبِ وحْدَهُ، وهَذا يَدْخُلُهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَأْوِيلاتِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "وَلِوَلَدَيَّ" عَلى أنَّهُ دُعاءٌ لِإسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وأنْكَرَها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقالَ إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَلِأبَوَيَّ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يُعْمُرَ: "وَلِوُلْدِي" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، والوُلْدُ لُغَةً في الوَلَدِ، ومِنهُ ما أنْشَدَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ:

؎ فَلَيْتَ زِيادًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ زِيادًا كانَ وُلْدَ حِمارِ

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوُلْدُ جَمْعَ وُلَدٍ، لا كَأُسْدٍ في جَمْعِ أسَدٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ يَقُومُ الناسُ لِلْحِسابِ، فَأسْنَدَ القِيامَ لِلْحِسابِ إيجازًا إذِ المَعْنى مَفْهُومٌ، ويَتَوَجَّهُ أنْ يُرِيدَ قِيامَ الحِسابِ نَفْسَهُ، ويَكُونُ القِيامُ بِمَعْنى ظُهُورِهِ وتَلَبُّسِ العِبادِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ بِهِ كَما تَقُولُ: قامَتِ السُوقُ، وقامَتِ الصَلاةُ، كَما قالَ: وقامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ.

40

رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ

My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.

قوله عزّ وجلّ:

﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾

مَقْصِدُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ التَنْبِيهُ عَلى اخْتِصارِهِ في الدُعاءِ، وتَفْوِيضِهِ إلى ما عَلِمَ اللهُ مِن رَغائِبِهِ وحِرْصِهِ عَلى هِدايَةِ بَنِيهِ والرِفْقِ بِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ انْصَرَفَ إلى الثَناءِ عَلى اللهِ تَعالى بِأنَّهُ عَلّامُ الغُيُوبِ، وإلى حَمْدِهِ عَلى هِباتِهِ، وهَذِهِ مِنَ الآياتِ المُعْلِمَةِ أنَّ عِلْمَ اللهِ تَعالى بِالأشْياءِ هو عَلى التَفْصِيلِ التامِّ.

ورُوِيَ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ أنَّهُ لَمّا وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وسَبْعَةَ عَشَرَ عامًا، ورُوِيَ أقَلُّ مِن هَذا، وإسْماعِيلُ أسَنُّ مِن إسْحاقَ فِيما رُوِيَ، وبِحَسْبِ تَرْتِيبِ هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: بُشِّرَ إبْراهِيمُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وسَبْعَةَ عَشَرَ عامًا.

وقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾. دَعا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ في أمْرٍ كانَ مُثابِرًا عَلَيْهِ، مُتَمَسِّكًا بِهِ، ومَتى دَعا الإنْسانُ في مِثْلِ هَذا فَإنَّما القَصْدُ إدامَةُ ذَلِكَ الأمْرِ واسْتِمْرارِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ والأعْمَشُ: "دُعاءِ رَبَّنا" بِغَيْرِ ياءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "دُعايَ" بِياءٍ ساكِنَةٍ في الوَصْلِ، وأثْبَتَها بَعْضُهم في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في وصْلٍ ولا وقْفٍ، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ إثْباتَ الياءِ في الوَصْلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلِوالِدَيَّ"، واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ هَذا مِن إبْراهِيمَ قَبْلَ يَأْسِهِ مِن إيمانِ أبِيهِ وتَبَيُّنِهِ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَأرادَ أباهُ وأُمَّهُ لِأنَّها كانَتْ مُؤْمِنَةً، وقِيلَ: أرادَ أُمَّهُ ونُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: أرادَ آدَمَ وحَوّاءَ لِأنَّ أُمَّهُ لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنَةً، وقِيلَ أرادَ آدَمَ ونُوحًا عَلَيْهِما السَلامُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَلِوالِدِي" بِإفْرادِ الأبِ وحْدَهُ، وهَذا يَدْخُلُهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَأْوِيلاتِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "وَلِوَلَدَيَّ" عَلى أنَّهُ دُعاءٌ لِإسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وأنْكَرَها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وقالَ إنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَلِأبَوَيَّ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يُعْمُرَ: "وَلِوُلْدِي" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، والوُلْدُ لُغَةً في الوَلَدِ، ومِنهُ ما أنْشَدَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ:

؎ فَلَيْتَ زِيادًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ زِيادًا كانَ وُلْدَ حِمارِ

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوُلْدُ جَمْعَ وُلَدٍ، لا كَأُسْدٍ في جَمْعِ أسَدٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ يَقُومُ الناسُ لِلْحِسابِ، فَأسْنَدَ القِيامَ لِلْحِسابِ إيجازًا إذِ المَعْنى مَفْهُومٌ، ويَتَوَجَّهُ أنْ يُرِيدَ قِيامَ الحِسابِ نَفْسَهُ، ويَكُونُ القِيامُ بِمَعْنى ظُهُورِهِ وتَلَبُّسِ العِبادِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ بِهِ كَما تَقُولُ: قامَتِ السُوقُ، وقامَتِ الصَلاةُ، كَما قالَ: وقامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ.

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.