Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 31–40 of 52

31

قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ

[O Muhammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange, nor any friendships.

(قل لعبادي) بثبوت الياء مفتوحة وبحذفها لفظاً لا خطاً، والقراءتان سبعيتان ويجريان في خمس مواضع من القرآن، هذا وقوله في سورة الأنبياء (إن الأرض يرثها عبادي الصالحون) وقوله في العنكبوت (يا عبادي الذين آمنوا) وقوله في سبأ (وقليل من عبادي الشكور) وفي سورة الزمر (قل يا عبادي الذين أسرفوا).

(الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم) لما أمره بأن يقول للمبدلين نعمة الله كفراً الجاعلين له أنداداً ما قاله لهم، أمره سبحانه أن يقول للطائفة المقابلة لهم وهي طائفة المؤمنين هذا القول، والمقول محذوف دل عليه المذكور، أي قل لهم أقيموا الصلاة الواجبة، وإقامتها إتمام أركانها، وأنفقوا أي أخرجوا الزكاة المفروضة، وقيل أراد به جميع الإنفاق في جميع وجوه الخير والبر، والحمل على العموم أولى ويدخل فيه الزكاة دخولاً أولياً.

(سراً وعلانية) قال الفراء: أي مسرين ومعلنين أو إنفاق سر وعلانية أو وقت سر وعلانية فالانتصاب على الحال أو المصدر أو الظرف. قال الجمهور السر ما خفي والعلانية ما ظهر، وقيل السر التطوع والعلانية الفرض، وقد تقدم بيان هذا عند تفسير قوله (إن تبدو الصدقات فنعما هي).

(من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال) قال أبو عبيدة: البيع هاهنا الفداء والخلال المخالة وهو مصدر. قال الواحدي: هذا قول جميع أهل اللغة.

وقال أبو علي الفارسي: جمع خلة مثل قلة وقلال وبرمة وبرام وعلبة وعلاب، والمعنى أن يوم القيامة لا بيع فيه حتى يفتدي المقصر في العمل نفسه من عذاب الله بدفع عوض عن ذلك، وليس هناك مخالة حتى يشفع الخليل لخليله وينقذه من العذاب.

فأمرهم سبحانه بالإنفاق في وجوه الخير مما رزقهم الله سبحانه ما داموا في الحياة الدنيا، قادرين على إنفاق أموالهم من قبل أن يأتي يوم القيامة فإنهم لا يقدرون على ذلك، بل لا مال لهم إذ ذاك، فالجملة لتأكيد مضمون الأمر بالإنفاق مما رزقهم الله، وممكن أن يكون فيها أيضاً تأكيد لمضمون الأمر بإقامة الصلاة، وذلك لأن تركها كثيراً ما يكون بسبب الاشتغال بالبيع ورعاية حقوق الأخلاء.

قيل هذه الآية الدالة على نفي الخلة محمولة على نفيها بسبب ميل الطبيعة وشهوة النفس، والآية الدالة على حصول الخلة وثبوتها كقوله سبحانه في الزخرف (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) محمولة على الخلة الحاصلة بسبب محبة الله، ألا تراه أثبتها للمتقين فقط ونفاها عن غيرهم.

وقيل أن ليوم القيامة أحوالاً مختلفة؛ ففي بعضها يشتغل كل خليل عن خليله وفي بعضها يتعاطف الأخلاء بعضهم على بعض إذا كانت تلك المخالة لله تعالى في محبته، وقد تقدم تفسير البيع والخلال.

32

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَٰرَ

It is Allah who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.

(الله الذي خلق السماوات والأرض) أي أبدعهما واخترعهما على غير مثال سبق وخلق ما فيهما من الأجرام العلوية والسفلية، وإنما بدأ بذكر خلقهما لأنهما أعظم المخلوقات الشاهدة الدالة على وجود الصانع الخالق القادر المختار، ذكر لهذا الموصول سبع صلات تشتمل على عشرة أدلة: على وحدانية الله تعالى وعلمه وقدرته.

(وأنزل من السماء ماء) المراد بالسماء هنا جهة العلو فإنه يدخل في ذلك الفلك عند من قال إن ابتداء المطر منه، ويدخل فيه السحاب عند من قال إن ابتداء المطر منها، ويدخل فيه الأسباب التي تثير السحاب كالرياح، قيل أن المطر ينزل من السماء إلى السحاب ومن السحاب إلى الريح، ومن الريح إلى الأرض، وتنكير الماء هنا للنوعية أي نوعاً من أنواع الماء وهو ماء المطر.

(فأخرج به) أي بذلك الماء (من الثمرات) المتنوعة (رزقاً لكم) أي لبني آدم يعيشون به، ومن للبيان كقولك انفقت من الدراهم وقيل للتبعيض لأن الثمرات منها ما هو رزق لبني آدم ومنها ما هو ليس برزق لهم وهو ما لا يأكلونه ولا ينتفعون به، والثمر اسم يقع على ما يحصل من الشجر وقد يقع على الزرع أيضاً كقوله تعالى (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) وقيل المراد به ما يشمل المطعوم والملبوس.

(وسخر لكم الفلك) أي السفن الجارية على الماء فجرت على إرادتكم لأجل الانتفاع بها في جلب ذلك الرزق الذي هو الثمرات وغيرها من بلد إلى بلد آخر، فاستعملتموها في مصالحكم، ولذا قال (لتجري في البحر) كما تريدون على ما تطلبون بالركوب والحمل ونحو ذلك (بأمره) أي بأمر الله ومشيئته وإذنه، وقد تقدم تفسير هذا في البقرة.

(وسخر لكم الأنهار) بكل فائدة قاله مجاهد: أي ذللها لكم بالركوب عليها والإجراء لها إلى حيث تريدون، وهو من أعظم نعم الله على عباده.

33

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ

And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.

(وسخر لكم الشمس والقمر) لتنتفعوا بهما وتستضيئوا بضوئهما (دائبين) الدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية، والدأب العادة المستمرة دائما على حالة واحدة، ودأب في السير دوام عليه، ودأب في عمله جد وتعب، وبابه قطع وخضع فهو دائب بالألف لا غير، والدائبان الليل والنهار، والدأب بسكون الهمزة العادة والشأن، وقد يحرك.

ومعنى دائبين يجريان دائما في إصلاح ما يصلحانه من النبات والحيوان وإزالة الظلمة لأن الشمس سلطان النهار، وبها يعرف فصول السنة، والقمر سلطان الليل وبه يعرف انقضاء الشهور، وكل ذلك بتسخير الله عز وجل وإنعامه على عباده، وقيل دائبين في السير امتثالاً لأمر الله.

قال ابن عباس: دؤبهما في طاعة الله، والمعنى يجريان إلى يوم القيامة ولا يفتران ولا ينقطع سيرهما في فلكهما، وهو السماء الرابعة للشمس، وسماء الدنيا للقمر إلى آخر الدهر، وهو انقضاء عمر الدنيا وذهابها (وسخر لكم الليل والنهار) يتعاقبان، فالنهار لسعيكم في أمور معاشكم وما تحتاجون إليه من أمور دنياكم، والليل لتسكنوا فيه كما قال سبحانه (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) ولم يقتصر على النعم المتقدمة بل.

34

وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَظَلُومٌۭ كَفَّارٌۭ

And He gave you from all you asked of Him. And if you should count the favor of Allah, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.

(وآتاكم من كل) نوع وصنف (ما سألتموه) قال الأخفش: أي أعطاكم من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها العد والحصر، وقيل المعنى من كل ما سألتم ومن كل ما لم تسألوه قاله ابن الأنباري: لأن نعمه علينا أكثر من أن تحصى؛ وقيل من زائدة وبه قال الأخفش، أي آتاكم كل ما سألتموه، وقيل للتبعيض أي بعض ما سألتموه، وهو رأي سيبويه.

قال عكرمة: أي من كل شيء رغبتم إليه فيه، وعن مجاهد مثله، وعن الحسن من كل الذي سألتموه، وقرئ (من كل) بتنوين، وعلى هذا ما نافية حرفية، أي آتاكم من جميع ذلك حال كونكم غير سائلين له، أو مصدرية أو موصولة اسمية.

(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) أي وإن تتعرضوا لتعداد النعم التي أنعم الله تعالى بها عليكم إجمالاً فضلاً عن التفصيل لا تطيقوا إحصاءها بوجه من الوجوه ولا تقوموا بحصرها على حال من الأحوال.

وفي السمين: النعمة هنا بمعنى النعم به، وأصل الإحصاء أن الحاسب إذا بلغ عقداً معيناً من عقود الأعداد وضع حصاة ليحفظه بها.

ومن المعلوم أنه لو رام فرد من أفراد العباد أن يحصي ما أنعم الله به عليه في خلق عضو من أعضائه أو حاسة من حواسه لم يقدر على ذلك قط ولا أمكنه أصلاً فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه الله في بدنه فكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة إليه في كل وقت على تنويعها واختلاف أجناسها، اللهم إنا نشكرك على كل نعمة أنعمت بها علينا مما لا يعلمه إلا أنت، ومما علمناه شكراً لا يحيط به حصر ولا يحصره عد، وعدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان.

قال سليمان التيمي: إن الله أنعم على العباد على قدره وكلفهم الشكر على قدرهم وعن بكر بن عبد الله المزني قال: يا ابن آدم إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك.

وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه، وعن أبي أيوب القرشي قال: قال داود عليه السلام: رب أخبرني ما أدنى نعمتك عليَّ؟ فأوحى إليه يا داود فتنفس فتنفس، فقال هذا أدنى نعمتي عليك.

(إن الإنسان لظلوم) لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه، وقيل الظلوم الشاكر لغير من أنعم عليه فيضع الشكر في غير موضعه، وظاهره شمول كل إنسان، وقال الزجاج: أن الإنسان اسم جنس يقصد به الكافر خاصة، كما قال إن الإنسان لفي خسر، وقيل يريد أبا جهل والأول أولى.

(كفار) أي شديد كفران نعم الله عليه جاحد لها غير شاكر لله سبحانه عليها كما ينبغي ويجب عليه. عن عمر بن الخطاب قال: اللهم اغفر لي ظلمي وكفري، فقال قائل يا أمير المؤمنين هذا الظلم فما بال الكفر، قال إن الإنسان لظلوم كفار، وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع.

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)

35

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًۭا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.

(وإذ قال إبراهيم) أي واذكر وقت قوله، ولعل المراد بسياق ما قاله إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع بيان كفر قريش بالنعم الخاصة بهم، وهي إسكانهم مكة بعدما بين كفرهم بالنعم العامة. وقيل إن ذكر قصة إبراهيم هاهنا لمثال الكلمة الطيبة، وقيل لقصد الدعاء إلى التوحيد وإنكار عبادة الأصنام. وهذه القصة كانت بعدما وقع له من الإلقاء في النار؛ وفي تلك لم يسأل ولم يدع بل اكتفى بعلم الله بحاله وفي هذه قد دعا وتضرع؛ ومقام الدعاء أجل وأعلى من مقام تركه اكتفاء بعلم الله كما قاله العارفون. فيكون إبراهيم قد ترقى وانتقل من طور إلى طور من أطوار الكمال.

(رب اجعل هذا البلد) أي مكة (آمناً) أي ذا أمن إلى قرب القيامة وخراب الدنيا، وقدَّم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده لأنه إذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدنيا والدين، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في البقرة عند قوله تعالى (رب اجعل هذا بلداً آمنا) والفرق بين ما هنا وما هنالك أن المطلوب هاهنا مجرد الأمن للبلد، والمطلوب هنالك البلدية والأمن.

وفي الجمل فسر الشارح البلد هنا بمكة، وفي سورة البقرة بالمكان فيقتضي أن هذا الدعاء وقع مرتين مرة قبل بنائها ومرة بعده، ولذلك كتب الكرخي هناك ما نصه نكر البلد هنا وعرفه في إبراهيم لأن الدعوة هنا كانت قبل جعل المكان بلداً فطلب من الله أن يجعل ويصير بلداً آمناً وثم كانت بعد جعله بلداً انتهى.

وقال الزمخشري: سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمنا انتهى.

قلت والمعاني متقاربة والمراد من الدعاء جعل مكة آمنة من الخراب، وهذا موجود بحمد الله ولم يقدر أحد على تخريبها وأن أغار جماعة من الجبابرة عليها وأخافوا أهلها، وقيل هو عام مخصوص بقصة ذي السويقتين من الحبشة على ما في الصحيحين فلا تعارض بين النصين.

أو المراد جعل أهل هذا البلد آمنين، وهذا الوجه عليه أكثر المفسرين وغيرهم، وهذا الأمن حاصل بحمد الله بمكة وحرمها إلى الآن قال السيوطي: وقد أجاب الله دعاءه فجعله حرماً لا يسفك فيه دم إنسان ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يختلى خلاه.

(واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) يقال جنبته كذا وأجنبته أي باعدته عنه ثلاثياً ورباعياً وهي لغة نجد، وجنبه إياه مشدداً وهي لغة الحجاز وهو المنع وأصله من الجانب كأنه سأله أن يبعده عن جانب الشرك بألطاف منه وأسباب خفية والمعنى باعدني وباعد بني عن عبادة الأصنام قيل أراد بنيه من صلبه وكانوا ثمانية، وقيل أراد من كان موجوداً حال دعوته من بنيه وبني بنيه، وقيل أراد جميع ذريته ما تناسلوا.

قيل ويؤيد ذلك ما قيل من أنه لم يعبد أحد من أولاد إبراهيم صنماً، والصنم هو التمثال الذي كانت تصنعه أهل الجاهلية من الأحجار ونحوها فيعبدونه، والتأييد هذا يستقيم على القولين الأولين، وأما القول الثالث فلا يستقيم فقريش من أولاد إسماعيل وقد عبدوا الأصنام بلا شك، وقال الواحدي: المعنى وبني الذين أذنت لي في الدعاء لهم، وقد كان من بنيه من عبد الصنم، فيكون هذا الدعاء من العام المخصوص.

وقيل هذا مختص بالمؤمنين من أولاده بدليل قوله في آخر الآية فمن تبعني فإنه مني وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فليس منه، وعن مجاهد قال: فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده فلم يعبد أحد من ولده صنماً بعد دعوته، واستجاب الله له وجعل هذا البلد آمناً ورزق أهله الثمرات وجعله إماماً وجعل من ذريته من يقيم الصلاة ويقبل دعاءه فأراه مناسكه وتاب عليه، قيل هو دعاء لنفسه في مقام الخوف أو قصد به الجمع بينه وبين بنيه ليستجاب لهم ببركته والمراد طلب الثبات والدوام على ذلك.

36

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me; and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.

(رب إنهن أضللن كثيراً من الناس) أسند الإضلال إلى الأصنام مع كونها جمادات لا تعقل لأنها سبب لضلالهم فكأنها أضلتهم، وهذه الجملة تعليل لدعائه لربه وإعادة النداء لتأكيد النداء وكثرة الابتهال والتضرع وهذا التركيب مجاز كقولهم فتنتهم الدنيا وغرتهم وإنما فتنوا بها واغتروا بسببها.

(ثم قال: (فمن تبعني) أي من تبع ديني من الناس فصار مسلماً موحداً (فإنه مني) أي من أهل ديني جعل أهل ملته كنفسه مبالغة.

(ومن عصاني) فلم يتابعني ولم يدخل في ملتي (فإنك غفور رحيم) قادر على أن تغفر له قيل قال هذا قبل أن يعلم أن الله لا يغفر أن يشرك به كما وقع منه الاستغفار لأبيه وهو مشرك قاله ابن الأنباري، قيل المراد عصيانه هنا فيما دون الشرك قاله مقاتل، وقيل أن هذه المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك، قاله السدي، وقيل تغفر له بأن تنقله من الكفر إلى الإيمان والإسلام وتهديه إلى الصواب والأول أولى:

ثم قال

37

رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةًۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.

(ربنا إني أسكنت من ذريتي) قال الفراء: من للتبعيض أي بعض ذريتي، وقال ابن الأنباري: أنها زائدة أي أسكنت ذريتي والأول أولى لأنه إنما أسكن إسماعيل وهو بعض ولده وأمه هاجر (بواد) هو المنخفض بين الجبلين (غير ذي زرع) أي لا زرع فيه قط وهو وادي مكة أو لا يصلح للإنبات لأنه أرض حجرية لا تنبت شيئاً نفى أن يكون إسكانهم لأجل الزراعة (عند بيتك المحرم) أي الذي كان قبل الطوفان، وأما وقت دعائه فلم يكن، وإنما كان تلاًّ من الرمل، وأما البيت فقد رفع إلى السماء من حين الطوفان ولو جعل التجوز باعتبار ما يؤول لكان صحيحاً أيضاً يعني أنه سيعمره أو بيتك الذي جرى في سابق علمك أنه سيحدث في هذا المكان.

وسمي محرماً لأن الله حرَّم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرماً لمكانه أو لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه، وقيل أنه محرَّم على الجبابرة، وقد تقدم في سورة المائدة ما يغني عن الإعادة.

أخرج الواقدي وابن عساكر من طريق عامر بن سعد عن أبيه قال كانت سارة تحت إبراهيم فمكثت تحته دهراً لا ترزق منا ولداً فلما رأت ذلك وهبت له هاجر، أَمَة لها قبطية فولدت له إسماعيل فغارت من ذلك سارة ووجدت في نفسها وعتبت على هاجر فحلفت أن يقطع منها ثلاثة أطراف فقال لها إبراهيم: هل لك أن تبري يمينك قالت: كيف أصنع قال: اثقبي أذنيها واخفضيها والخفض هو الختان، ففعلت ذلك بها فوضعت هاجر في أذنيها قرطين فازدادت بهما حسناً فقالت سارة: أراني إنما زدتها جمالاً فلم تضارُّه على كونه معها ووجد بها إبراهيم وجداً شديداً فنقلها إلى مكة فكان يزورها في كل يوم من الشام على البراق من شغفه بها وقلة صبره عنها.

ثم قال (ربنا ليقيموا الصلاة) اللام لام كي أي ما أسكنتهم بهذا الوادي الخالي من كل مرتفق ومرتزق إلا لإقامة الصلاة فيه متوجهين إليه متبركين به، وخصها دون سائر العبادات لمزيد فضلها، ولعل تكرير النداء وتوسيطه لإظهار العناية الكاملة بهذه العبادة وللإشعار بأنها المقصودة بالذات من إسكانهم ثَمَّ بفتح الثاء أي هناك. والمقصود من الدعاء توفيقهم لها، وقيل اللام لام الأمر والمراد الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإقامة وسأل من الله أن يوفقهم لها أثبت أن الإقامة عنده للعبادة وقد نفى كونها للكسب فجاء الحصر.

(فاجعل أفئدة) الأفئدة جمع فؤاد وهو القلب عبر به عن جميع البدن لأنه أشرف عضو فيه، وقيل هو جمع وفد والأصل أوفده فكأنه قال واجعل وفوداً (من الناس تهوي إليهم) من للتبعيض، وقيل زائدة ولا يلزم منه أن يحج اليهود والنصارى لدخولهم تحت لفظ الناس، لأن المطلوب توجيه قلوب الناس إليهم للسكون معهم والجلب إليهم لا توجيهها إلى الحج، ولو كان هذا مراداً لقال تهوي إليه، وقيل من للابتداء كقوله القلب مني سقيم تريد قلبي، ومعنى تهوي إليهم تنزع إليهم؛ وقيل تسرع وتميل وتحن إليهم لزيارة بيتك لا لذواتهم وأعيانهم.

وفي هذا بيان أن حنين الناس إليهم إنما هو لطلب حج البيت لا لأعيانهم، يقال هوى نحوه إذا مال وهوت الناقة تهوي هوياً فهي هاوية إذا عدت عدواً شديداً كأنها تهوي في بئر، ويحتمل أن يكون المعنى تجيء إليهم أو تسرع إليهم وقيل تحن وتطير وتشتاق إليهم، وأصله أن يتعدى باللام وإنما تعدى بإلى لأنه ضمن معنى تميل.

قال السدي: أي أمل قلوبهم إلى هذا الموضع، وقيل تريدهم، قاله الفراء وقيل تنحط إليهم وتنحدر وتنزل، وهذا قول أهل اللغة والمعاني متقاربة، قال ابن عباس: لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والترك والروم والهند، ولحج اليهود والنصارى والناس كلهم، ولكنه قال (أفئدة من الناس) فخص به المؤمنين أخرجه البيهقي بسند حسن وفيه دعاء للمؤمنين بأن يرزقهم حج البيت ودعاء لسكان مكة من ذريته بأنهم ينتفعون بمن يأتي إليهم من الناس لزيارة البيت فقد جمع إبراهيم في هذا الدعاء من أمر الدين والدنيا ما ظهر بيانه وعمت بركته.

(وارزقهم) أي ذريتي …

38

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allah on the earth or in the heaven.

(ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن) أي ما نكتمه وما نظهره، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليه سبحانه سيان لا تفاوت فيهما، قيل والمراد هنا بما نخفي ما يقابل ما نعلن فالمعنى ما نظهره وما لا نظهره، وقدم الإخفاء على الإعلان للدلالة على أنهما مستويان في علم الله سبحانه، وظاهر النظم القرآني عموم كل ما يظهره وما لا يظهره من غير تقييد بشيء معين من ذلك.

وقيل المراد ما يخفيه إبراهيم من وجده بإسماعيل وأمه حيث أسكنهما بواد غير ذي زرع، وما يعلنه من ذلك، وقيل ما يخفيه إبراهيم من الوجد ويعلنه من البكاء والدعاء والمجيء بضمير الجماعة يشعر بأن إبراهيم لم يرد نفسه فقط بل أراد جميع العباد، فكان المعنى أن الله سبحانه يعلم بكل ما يظهره العباد وبكل ما لا يظهرونه.

(وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء) قال جمهور المفسرين هو من كلام الله سبحانه تصديقاً لما قاله إبراهيم من أنه سبحانه يعلم بما يخفيه العباد وما يعلنونه، فقال سبحانه ما يخفى عليه شيء من الأشياء الموجودة كائناً ما كان، وإنما ذكر السماوات والأرض لأنهما المشاهدتان للعباد، وإلا فعلمه سبحانه محيط بكل ما هو داخل في العالم وكل ما هو خارج عنه لا تخفى عليه خافية قيل ويحتمل أن يكون هذا من قول إبراهيم تحقيقاً لقوله الأول وتعميماً بعد التخصيص، فإن قيل بالأول فهو اعتراض بين كلامي إبراهيم، وإن قيل بالثاني ففيه وضع الظاهر موضع المضمر.

ثم حمد الله سبحانه على بعض نعمه الواصلة إليه فقال

39

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

Praise to Allah, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.

(الحمد لله الذي وهب لي على الكبر) أي على كبر سني وسن امرأتي (إسماعيل وإسحاق) قيل ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتا عشرة سنة وقيل على هنا بمعنى مع أي مع كبري ويأسي عن الولد.

عن سعيد بن جبير قال: بشر إبراهيم بعد سبع عشرة ومائة سنة وهبة الولد في هذا السن من أعظم المنن لأنه سن اليأس فلهذا شكر الله على هذه المنة، وهذا قاله إبراهيم في وقت آخر لا عقيب ما تقدم من الدعاء، لأن الظاهر أنه دعا بذلك الدعاء المتقدم أول ما قدم بهاجر وابنها وهي ترضعه ووضعها عند البيت؛ وإسحاق لم يولد في ذلك الوقت، قال الكرخي: وزمان الدعاء والحمد مختلف، فإن الدعاء في طفولية إسماعيل ولم يكن إسحاق حينئذ.

(إن ربي لسميع الدعاء) أي لمجيب الدعاء من قولهم سمع كلامه إذا إجابه واعتد به وعمل بمقتضاه، وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول، والمعنى إنك لكثير إجابة الدعاء لمن يدعوك وكان إبراهيم قد دعا ربه فسأله الولد بقوله (رب هب لي من الصالحين) فلما استجاب الله دعاءه قال الحمد لله الخ.

ثم سأل الله سبحانه بأن يجعله مقيم الصلاة محافظاً عليها غير مهمل لشيء منها فقال

40

رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ

My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.

(رب اجعلني مقيم الصلاة) أي ممن يقيمها بأركانها ويحافظ عليها في أوقاتها، ثم قال (ومن ذريتي) أي اجعلني واجعل بعض ذريتي مقيمين للصلاة وإنما خص البعض من ذريته لأنه علم أن منهم من لا يقيمها كما ينبغي؛ ثم سأل الله سبحانه أن يتقبل دعاءه على العموم فقال (ربنا وتقبل دعاء) ويدخل في ذلك دعاؤه في هذا المقام دخولاً أولياً قيل والمراد بالدعاء هنا العبادة، فيكون المعنى وتقبل عبادتي التي أعبدك بها.

ثم طلب من الله سبحانه أن يغفر له ما وقع منه مما يستحق أن يغفره الله وإن لم يكن كبيراً لما هو معلوم من عصمة الأنبياء عن الكبائر. فقال التجاء إلى الله وقطعاً للطمع من كل شيء إلا من فضله وكرمه، واعترافاً بالعبودية لله والاتكال على رحمته.

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.