Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali

Ayahs 31–40 of 52

31

قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ

[O Muhammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange, nor any friendships.

لما هدد الكفار، وأوعدهم بالتَّمتُّع بنعيم الدنيا أمر المؤمنين بترك التمتع في الدنيا، والمبالغة في الجهاد بالنفس والمال.

وفي «يُقِيمُوا» أوجه: أحدها: أنه مجزومٌ بلام محذوفة، تقديره: ليقيموا، فحذفت وبقي عملها، كما يحذف الجار ويبقى عمله، كقوله: [الوافر]

3222 - مُحَمَّدُ تَفْدِ نفْسكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إذَا مَا خِفْتَ من شَيءٍ تَبَالا

يريد: لتفدِ.

وأنشده سيبويه إلا أنَّه خصه بالشعرِ.

قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون:» يُقِيمُوا، و «يُنْفِقُوا» بمعنى: ليقيموا ولينفقوا، وليكون هذا هو المقولُ، قالوا: وإنَّما جَازَ حذف اللاَّم؛ لأنَّ الأمر الذي هو «قُلْ» عوض منها، ولو قيل: يقيموا الصلاة، وينفقوا بحذف اللاَّم لم يجز «.

ونحا ابنُ مالكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى قريب من هذا، فإنَّه جعل محذف هذه اللاَّم على أضربٍ: قليل، وكثير ومتوسط. فالكثير: أن يكمون قبله قول بصيغة الأمر، كلآية الكريمة.

والقليل: ألا يتقدم قول؛ كقوله: [الوافر]

3233 - مُحَمَّدُ تَفْدِ ... ... ... . ..... ... ... ... ... ... ... . .

والمتوسطُ: أن يتقدَّم بغير صيغة الأمر، كقوله: [الرجز]

3224 - قُلْتُ لبَوَّابٍ لَديْهِ دَرُهَا ... تِيذَنْ فإنِّي حَمؤُهَا وجَارُهَا

الثاني: أن» يُقِيمُوا «مجزوم على جواب:» قُلْ» ، وإليه نحا الأخفش والمبرد.

وقد رد النَّاس عليهما هذا؛ بأنه لا يلزمُ من قوله لهم: أقيموا أن يفعلوا ذم من تخلف عن هذا الأمر.

وقد أجيب عن هذا: بأنَّ المراد بالبعادِ المؤمنون، ولذلك أضافهم إليه تشريفاً والمؤمنون متى أمروا؛ امتثلوا.

الثالث: أنه مجزومٌ على جواب المقولِ المحذوفِ، تقديره: قل لعبادي أقيموا وأنفقوا، أي: يقيموا وينفقوا، قاله أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ وعزاه للمبرّد، كذا ذكره جماعةٌ ولم يتعرّضوا لإفساده، وهو فاسدٌ من وجهين:

أحدهما: أن جواب الشَّرط يخالف الشَّرط إما في الفعل، وإما في الفاعل، أو فيهما وأمَّا إذا كان مثله في الفعل والفاعل، فهو خطأ، كقولك: قُمْ يَقُمْ، والتقدير على ما ذكره في وهذا الوجه: أن يُقِيمُوا يُقِيمُوا.

والوجه الثاني: أنَّ الأمر المقدر للمواجهة، و «يُقِيمُوا» على لفظ الغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحداً.

قال شهاب الدين: «أمَّا الإفساد الأوَّل فقريب، وأمَّا الثاني، فليس بشيء لأنَّه يجوز أن يقول: قل لعبدي أطعني يطعك، وإن كان للغيبة بعد الموجهة باعتبار حكاية الحال» .

الرابع: أن التقدير: أن يقول هلم: أقيموا يقيموا، وهذا مروي عن سيبويه فيما حكاه ابن عطية، وهذا هو القول الثاني.

الخامس: قال ابن عطية: «يحتمل أن يكون» يُقِيمُوا» جواب الأمر الذي يعطينا معناه قوله «قُلْ» وذلك أن تجعل «قُلْ» في هذه الآية بمعنى بَلَّغ وَأدِّ الشَّريعة يقيموا الصَّلاة» .

السادس: قال الفراء: الأمر معه شرط مقدر، تقولُ: أطِعِ الله يُدخِلْكَ الجنَّة والفرق بين هذا، وبين ما قبله: أنَّ ما قبله ضمن فيه الأمر نفسه معنى الشَّرط، وفي هذا قدر فعل الشرط بعد فعل الأمر من غير تضمينٍ.

السابع: قال الفارسي إنَّه مضارع صرف عن الأمر إلى الخبر، ومعناه: أقيموا.

وهذا مردودٌ؛ لأنه كان ينبغي أن تثبت نونه الدالةٌ على إعرابه.

وأجيب عن هذا: بأنه بني لوقوعه موقع المبني، كما بني المنادى في نحو: يَا زَيْدُ لوقوعه موضع الضمير.

ولو قيل: بأنَّه حذفت نونه تخفيفاً على حد حذفها في قوله: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابروا» .

وفي معمول «قُلْ» ثلاثة أوجه:

الأول: الأمر المقدر، أي: قل لهم أقيما يقيموا.

الثاني: أنه نفس «يُقِيمُوا» على ما قاله ابن عطية.

الثالث: أنَّه الجملة من قوله: ﴿الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ إلى أخره، قاله ابن عطية؟

وفيه تفكيك النَّظم، وجعل الجملة: ﴿يُقِيمُواْ الصلاة﴾ إلى آخرها مفلتاً مما قبله وبعده، أو يكون جواباً فصل به بين القولين، ومعموله، لكنه لا يترتب على قوله …

32

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَٰرَ

It is Allah who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.

لما هدد الكفار، وأوعدهم بالتَّمتُّع بنعيم الدنيا أمر المؤمنين بترك التمتع في الدنيا، والمبالغة في الجهاد بالنفس والمال.

وفي «يُقِيمُوا» أوجه: أحدها: أنه مجزومٌ بلام محذوفة، تقديره: ليقيموا، فحذفت وبقي عملها، كما يحذف الجار ويبقى عمله، كقوله: [الوافر]

3222 - مُحَمَّدُ تَفْدِ نفْسكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إذَا مَا خِفْتَ من شَيءٍ تَبَالا

يريد: لتفدِ.

وأنشده سيبويه إلا أنَّه خصه بالشعرِ.

قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون:» يُقِيمُوا، و «يُنْفِقُوا» بمعنى: ليقيموا ولينفقوا، وليكون هذا هو المقولُ، قالوا: وإنَّما جَازَ حذف اللاَّم؛ لأنَّ الأمر الذي هو «قُلْ» عوض منها، ولو قيل: يقيموا الصلاة، وينفقوا بحذف اللاَّم لم يجز «.

ونحا ابنُ مالكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى قريب من هذا، فإنَّه جعل محذف هذه اللاَّم على أضربٍ: قليل، وكثير ومتوسط. فالكثير: أن يكمون قبله قول بصيغة الأمر، كلآية الكريمة.

والقليل: ألا يتقدم قول؛ كقوله: [الوافر]

3233 - مُحَمَّدُ تَفْدِ ... ... ... . ..... ... ... ... ... ... ... . .

والمتوسطُ: أن يتقدَّم بغير صيغة الأمر، كقوله: [الرجز]

3224 - قُلْتُ لبَوَّابٍ لَديْهِ دَرُهَا ... تِيذَنْ فإنِّي حَمؤُهَا وجَارُهَا

الثاني: أن» يُقِيمُوا «مجزوم على جواب:» قُلْ» ، وإليه نحا الأخفش والمبرد.

وقد رد النَّاس عليهما هذا؛ بأنه لا يلزمُ من قوله لهم: أقيموا أن يفعلوا ذم من تخلف عن هذا الأمر.

وقد أجيب عن هذا: بأنَّ المراد بالبعادِ المؤمنون، ولذلك أضافهم إليه تشريفاً والمؤمنون متى أمروا؛ امتثلوا.

الثالث: أنه مجزومٌ على جواب المقولِ المحذوفِ، تقديره: قل لعبادي أقيموا وأنفقوا، أي: يقيموا وينفقوا، قاله أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ وعزاه للمبرّد، كذا ذكره جماعةٌ ولم يتعرّضوا لإفساده، وهو فاسدٌ من وجهين:

أحدهما: أن جواب الشَّرط يخالف الشَّرط إما في الفعل، وإما في الفاعل، أو فيهما وأمَّا إذا كان مثله في الفعل والفاعل، فهو خطأ، كقولك: قُمْ يَقُمْ، والتقدير على ما ذكره في وهذا الوجه: أن يُقِيمُوا يُقِيمُوا.

والوجه الثاني: أنَّ الأمر المقدر للمواجهة، و «يُقِيمُوا» على لفظ الغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحداً.

قال شهاب الدين: «أمَّا الإفساد الأوَّل فقريب، وأمَّا الثاني، فليس بشيء لأنَّه يجوز أن يقول: قل لعبدي أطعني يطعك، وإن كان للغيبة بعد الموجهة باعتبار حكاية الحال» .

الرابع: أن التقدير: أن يقول هلم: أقيموا يقيموا، وهذا مروي عن سيبويه فيما حكاه ابن عطية، وهذا هو القول الثاني.

الخامس: قال ابن عطية: «يحتمل أن يكون» يُقِيمُوا» جواب الأمر الذي يعطينا معناه قوله «قُلْ» وذلك أن تجعل «قُلْ» في هذه الآية بمعنى بَلَّغ وَأدِّ الشَّريعة يقيموا الصَّلاة» .

السادس: قال الفراء: الأمر معه شرط مقدر، تقولُ: أطِعِ الله يُدخِلْكَ الجنَّة والفرق بين هذا، وبين ما قبله: أنَّ ما قبله ضمن فيه الأمر نفسه معنى الشَّرط، وفي هذا قدر فعل الشرط بعد فعل الأمر من غير تضمينٍ.

السابع: قال الفارسي إنَّه مضارع صرف عن الأمر إلى الخبر، ومعناه: أقيموا.

وهذا مردودٌ؛ لأنه كان ينبغي أن تثبت نونه الدالةٌ على إعرابه.

وأجيب عن هذا: بأنه بني لوقوعه موقع المبني، كما بني المنادى في نحو: يَا زَيْدُ لوقوعه موضع الضمير.

ولو قيل: بأنَّه حذفت نونه تخفيفاً على حد حذفها في قوله: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابروا» .

وفي معمول «قُلْ» ثلاثة أوجه:

الأول: الأمر المقدر، أي: قل لهم أقيما يقيموا.

الثاني: أنه نفس «يُقِيمُوا» على ما قاله ابن عطية.

الثالث: أنَّه الجملة من قوله: ﴿الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ إلى أخره، قاله ابن عطية؟

وفيه تفكيك النَّظم، وجعل الجملة: ﴿يُقِيمُواْ الصلاة﴾ إلى آخرها مفلتاً مما قبله وبعده، أو يكون جواباً فصل به بين القولين، ومعموله، لكنه لا يترتب على قوله …

33

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ

And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.

لما هدد الكفار، وأوعدهم بالتَّمتُّع بنعيم الدنيا أمر المؤمنين بترك التمتع في الدنيا، والمبالغة في الجهاد بالنفس والمال.

وفي «يُقِيمُوا» أوجه: أحدها: أنه مجزومٌ بلام محذوفة، تقديره: ليقيموا، فحذفت وبقي عملها، كما يحذف الجار ويبقى عمله، كقوله: [الوافر]

3222 - مُحَمَّدُ تَفْدِ نفْسكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إذَا مَا خِفْتَ من شَيءٍ تَبَالا

يريد: لتفدِ.

وأنشده سيبويه إلا أنَّه خصه بالشعرِ.

قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون:» يُقِيمُوا، و «يُنْفِقُوا» بمعنى: ليقيموا ولينفقوا، وليكون هذا هو المقولُ، قالوا: وإنَّما جَازَ حذف اللاَّم؛ لأنَّ الأمر الذي هو «قُلْ» عوض منها، ولو قيل: يقيموا الصلاة، وينفقوا بحذف اللاَّم لم يجز «.

ونحا ابنُ مالكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى قريب من هذا، فإنَّه جعل محذف هذه اللاَّم على أضربٍ: قليل، وكثير ومتوسط. فالكثير: أن يكمون قبله قول بصيغة الأمر، كلآية الكريمة.

والقليل: ألا يتقدم قول؛ كقوله: [الوافر]

3233 - مُحَمَّدُ تَفْدِ ... ... ... . ..... ... ... ... ... ... ... . .

والمتوسطُ: أن يتقدَّم بغير صيغة الأمر، كقوله: [الرجز]

3224 - قُلْتُ لبَوَّابٍ لَديْهِ دَرُهَا ... تِيذَنْ فإنِّي حَمؤُهَا وجَارُهَا

الثاني: أن» يُقِيمُوا «مجزوم على جواب:» قُلْ» ، وإليه نحا الأخفش والمبرد.

وقد رد النَّاس عليهما هذا؛ بأنه لا يلزمُ من قوله لهم: أقيموا أن يفعلوا ذم من تخلف عن هذا الأمر.

وقد أجيب عن هذا: بأنَّ المراد بالبعادِ المؤمنون، ولذلك أضافهم إليه تشريفاً والمؤمنون متى أمروا؛ امتثلوا.

الثالث: أنه مجزومٌ على جواب المقولِ المحذوفِ، تقديره: قل لعبادي أقيموا وأنفقوا، أي: يقيموا وينفقوا، قاله أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ وعزاه للمبرّد، كذا ذكره جماعةٌ ولم يتعرّضوا لإفساده، وهو فاسدٌ من وجهين:

أحدهما: أن جواب الشَّرط يخالف الشَّرط إما في الفعل، وإما في الفاعل، أو فيهما وأمَّا إذا كان مثله في الفعل والفاعل، فهو خطأ، كقولك: قُمْ يَقُمْ، والتقدير على ما ذكره في وهذا الوجه: أن يُقِيمُوا يُقِيمُوا.

والوجه الثاني: أنَّ الأمر المقدر للمواجهة، و «يُقِيمُوا» على لفظ الغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحداً.

قال شهاب الدين: «أمَّا الإفساد الأوَّل فقريب، وأمَّا الثاني، فليس بشيء لأنَّه يجوز أن يقول: قل لعبدي أطعني يطعك، وإن كان للغيبة بعد الموجهة باعتبار حكاية الحال» .

الرابع: أن التقدير: أن يقول هلم: أقيموا يقيموا، وهذا مروي عن سيبويه فيما حكاه ابن عطية، وهذا هو القول الثاني.

الخامس: قال ابن عطية: «يحتمل أن يكون» يُقِيمُوا» جواب الأمر الذي يعطينا معناه قوله «قُلْ» وذلك أن تجعل «قُلْ» في هذه الآية بمعنى بَلَّغ وَأدِّ الشَّريعة يقيموا الصَّلاة» .

السادس: قال الفراء: الأمر معه شرط مقدر، تقولُ: أطِعِ الله يُدخِلْكَ الجنَّة والفرق بين هذا، وبين ما قبله: أنَّ ما قبله ضمن فيه الأمر نفسه معنى الشَّرط، وفي هذا قدر فعل الشرط بعد فعل الأمر من غير تضمينٍ.

السابع: قال الفارسي إنَّه مضارع صرف عن الأمر إلى الخبر، ومعناه: أقيموا.

وهذا مردودٌ؛ لأنه كان ينبغي أن تثبت نونه الدالةٌ على إعرابه.

وأجيب عن هذا: بأنه بني لوقوعه موقع المبني، كما بني المنادى في نحو: يَا زَيْدُ لوقوعه موضع الضمير.

ولو قيل: بأنَّه حذفت نونه تخفيفاً على حد حذفها في قوله: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابروا» .

وفي معمول «قُلْ» ثلاثة أوجه:

الأول: الأمر المقدر، أي: قل لهم أقيما يقيموا.

الثاني: أنه نفس «يُقِيمُوا» على ما قاله ابن عطية.

الثالث: أنَّه الجملة من قوله: ﴿الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ إلى أخره، قاله ابن عطية؟

وفيه تفكيك النَّظم، وجعل الجملة: ﴿يُقِيمُواْ الصلاة﴾ إلى آخرها مفلتاً مما قبله وبعده، أو يكون جواباً فصل به بين القولين، ومعموله، لكنه لا يترتب على قوله …

34

وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَظَلُومٌۭ كَفَّارٌۭ

And He gave you from all you asked of Him. And if you should count the favor of Allah, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.

لما هدد الكفار، وأوعدهم بالتَّمتُّع بنعيم الدنيا أمر المؤمنين بترك التمتع في الدنيا، والمبالغة في الجهاد بالنفس والمال.

وفي «يُقِيمُوا» أوجه: أحدها: أنه مجزومٌ بلام محذوفة، تقديره: ليقيموا، فحذفت وبقي عملها، كما يحذف الجار ويبقى عمله، كقوله: [الوافر]

3222 - مُحَمَّدُ تَفْدِ نفْسكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إذَا مَا خِفْتَ من شَيءٍ تَبَالا

يريد: لتفدِ.

وأنشده سيبويه إلا أنَّه خصه بالشعرِ.

قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون:» يُقِيمُوا، و «يُنْفِقُوا» بمعنى: ليقيموا ولينفقوا، وليكون هذا هو المقولُ، قالوا: وإنَّما جَازَ حذف اللاَّم؛ لأنَّ الأمر الذي هو «قُلْ» عوض منها، ولو قيل: يقيموا الصلاة، وينفقوا بحذف اللاَّم لم يجز «.

ونحا ابنُ مالكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى قريب من هذا، فإنَّه جعل محذف هذه اللاَّم على أضربٍ: قليل، وكثير ومتوسط. فالكثير: أن يكمون قبله قول بصيغة الأمر، كلآية الكريمة.

والقليل: ألا يتقدم قول؛ كقوله: [الوافر]

3233 - مُحَمَّدُ تَفْدِ ... ... ... . ..... ... ... ... ... ... ... . .

والمتوسطُ: أن يتقدَّم بغير صيغة الأمر، كقوله: [الرجز]

3224 - قُلْتُ لبَوَّابٍ لَديْهِ دَرُهَا ... تِيذَنْ فإنِّي حَمؤُهَا وجَارُهَا

الثاني: أن» يُقِيمُوا «مجزوم على جواب:» قُلْ» ، وإليه نحا الأخفش والمبرد.

وقد رد النَّاس عليهما هذا؛ بأنه لا يلزمُ من قوله لهم: أقيموا أن يفعلوا ذم من تخلف عن هذا الأمر.

وقد أجيب عن هذا: بأنَّ المراد بالبعادِ المؤمنون، ولذلك أضافهم إليه تشريفاً والمؤمنون متى أمروا؛ امتثلوا.

الثالث: أنه مجزومٌ على جواب المقولِ المحذوفِ، تقديره: قل لعبادي أقيموا وأنفقوا، أي: يقيموا وينفقوا، قاله أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ وعزاه للمبرّد، كذا ذكره جماعةٌ ولم يتعرّضوا لإفساده، وهو فاسدٌ من وجهين:

أحدهما: أن جواب الشَّرط يخالف الشَّرط إما في الفعل، وإما في الفاعل، أو فيهما وأمَّا إذا كان مثله في الفعل والفاعل، فهو خطأ، كقولك: قُمْ يَقُمْ، والتقدير على ما ذكره في وهذا الوجه: أن يُقِيمُوا يُقِيمُوا.

والوجه الثاني: أنَّ الأمر المقدر للمواجهة، و «يُقِيمُوا» على لفظ الغيبة، وهو خطأ إذا كان الفاعل واحداً.

قال شهاب الدين: «أمَّا الإفساد الأوَّل فقريب، وأمَّا الثاني، فليس بشيء لأنَّه يجوز أن يقول: قل لعبدي أطعني يطعك، وإن كان للغيبة بعد الموجهة باعتبار حكاية الحال» .

الرابع: أن التقدير: أن يقول هلم: أقيموا يقيموا، وهذا مروي عن سيبويه فيما حكاه ابن عطية، وهذا هو القول الثاني.

الخامس: قال ابن عطية: «يحتمل أن يكون» يُقِيمُوا» جواب الأمر الذي يعطينا معناه قوله «قُلْ» وذلك أن تجعل «قُلْ» في هذه الآية بمعنى بَلَّغ وَأدِّ الشَّريعة يقيموا الصَّلاة» .

السادس: قال الفراء: الأمر معه شرط مقدر، تقولُ: أطِعِ الله يُدخِلْكَ الجنَّة والفرق بين هذا، وبين ما قبله: أنَّ ما قبله ضمن فيه الأمر نفسه معنى الشَّرط، وفي هذا قدر فعل الشرط بعد فعل الأمر من غير تضمينٍ.

السابع: قال الفارسي إنَّه مضارع صرف عن الأمر إلى الخبر، ومعناه: أقيموا.

وهذا مردودٌ؛ لأنه كان ينبغي أن تثبت نونه الدالةٌ على إعرابه.

وأجيب عن هذا: بأنه بني لوقوعه موقع المبني، كما بني المنادى في نحو: يَا زَيْدُ لوقوعه موضع الضمير.

ولو قيل: بأنَّه حذفت نونه تخفيفاً على حد حذفها في قوله: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابروا» .

وفي معمول «قُلْ» ثلاثة أوجه:

الأول: الأمر المقدر، أي: قل لهم أقيما يقيموا.

الثاني: أنه نفس «يُقِيمُوا» على ما قاله ابن عطية.

الثالث: أنَّه الجملة من قوله: ﴿الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ إلى أخره، قاله ابن عطية؟

وفيه تفكيك النَّظم، وجعل الجملة: ﴿يُقِيمُواْ الصلاة﴾ إلى آخرها مفلتاً مما قبله وبعده، أو يكون جواباً فصل به بين القولين، ومعموله، لكنه لا يترتب على قوله …

35

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًۭا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ الآية لما استدل على أنَّه لا معبود إلا الله تعالى وأنَّه لا يجوز عبادة غير الله تعالى ألبتَّة، وحكة عن إبراهيم عليه السلام أنَّه طلب من الله تعالى أشياء: أحدها: قوله: ﴿رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ ، وتقدَّم تحريه في البقرة «وهذا البلد آمناً» ، ومسوِّل الجعل التَّصيير.

قال الزمخشري: «فإن قلت: فرق بين قوله: ﴿اجعل هذا البلد آمِناً﴾ وبين قوله ﴿هذا بَلَداً آمِناً﴾ [البقرة: 126] .

قلت: قد سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها، ولا يخافون، في الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمناً» .

قوله «واجْنُبْنِي» ، يقال: جنَّبهُ شرًّا، وأجْنَبهُ إيَّاه ثلاثياً، ورباعياً، وهي لغة نجد وجنَّبهُ إيَّاهُ مشدَّداً، وهي لغة الحجاز وهو المنعُ، وأصله من الجانب.

وقال الراغب: «قوله تعالى: ﴿واجنبني وَبَنِيَّ﴾ من جَنَبْتهُ عن كذا، أي: أبْعدتهُ منه، وقيل: من جَنَبْتُ الفرس، [كأنَّما] سألهُ أن يقُودَهُ عن جانبِ الشِّرك بألطافِ منهُ وأسبابٍ خفيَّة» .

و «أنْ نعبد» على حذف الحرف، أي: عن أن نَعْبُد.

وقرأ الجحدري وعيسى الثقفي رحمهما الله «وأجْنِبْنِي» بطقع الهمزة من «أجَنَبَ» .

قال بعضهم: يقال: جَنَبْتهُ الشَّيء، وأجْنَبْتُه تَجَنُّباً، وأجْنبتهُ إجْنَاباً، بمعنى واحد.

فإن قيل: ههنا إشكالٌ من وجوه:

أحدهما: أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه دعا ربَّه أن يجعل مكَّة بلداً آمناً وقد خرب جماعة الكعبة، وأغاروا على مكَّة.

وثانيها: أن الأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ معصومون من عبادة الأصنام، فما فائدة هذا الدعاء.

وثالثها: أنَّ كثيراً من أبنائه عبدوا الأصنام؛ لأنَّ كفَّار قريش كانوا من أولاده وكانوا يعبدون الأصنام فأين الإجابة؟ .

فالجواب عن الأوَّل من وجهين:

الأول: أنه نقل عن إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أنه لما فرغ من بناء الكعبة دعا بأن يجعل الله الكعبة، وتلك البلدة آمنة من الخراب.

والثاني: أنَّ المراد جعل أهلها آمنين، كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: 82] والمراد أهلها، وعلى هذا أكثر المفسرين، وعلى هذا التقدير، فالمراد بالأمن ما اختصت به مكة من زيادة الأمن، وهو أنَّ من التجأ إلى مكَّة أمن، وكان النَّاس مع شدة عداوتهم إذا التقوا بمكَّة لا يخاف بعضهم بعضاً، ولذلك أمن الوحش، فإنهم يقربون إذا كانوا بمكة ويستوحشون من النَّاس إذا كاناو خارج مكَّة.

وعن الثاني قال الزجاج: معناه: ثَبِّتْنِي على اجتناب عبادتها، كما قال:

﴿واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: 128] أي: ثبتنا على الإسلام.

ولقائل أن يقول: السؤال باقٍ، لأنه من المعلوم أنَّ الله تبارك وتعالى ثبت الأنبياء على الإسلام، واجتناب عبادة الأصنام، فما الفائدةٌ من هذا السؤال؟ .

قال ابن الخطيب: والصحيح عندي في الجواب وجهان:

الأول: أنه صلوات الله وسلامه عليه وإن كان يعلم أنَّ الله تعالى يصعمه من عبادة الأصنام، إلاّ أنه ذكر ذلك للنفس وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله تعالى في كل المطالب.

والثاني: أنَّ الصوفية يقولون: إنَّ الشرك نوعان: شركٌ ظاهرٌ، وهو الذي يقوله المشركون، وشرك خفي، وهو تعلق القلب بالأسباب الظاهرة. والتوحيد هو أن يقطع نظره عن الوسائط، وأن لا يرى متوسطاً سوى الحق سبحانه وتعالى فيحتمل أن يكون قوله ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ المراد أن يعصمه عن هذا الشرط الخفي، والله تعالى أعمل.

والجواب عن الثالث من وجوه:

أحدها: قال الزمخشري: «قوله» وبَنِيَّ: أراد بنيه [من صلبه]» .

والفائدة في هذا الدعاء غير الفائدة التي ذكرناها في قوله: «واجْنُبْنِي وبَنِيََّ» .

وثانيها: قال بعضهم: أراد من أولاده، وأولاد أولاده كل من كان موجوداً حال الدُّعاء، ولا شك …

36

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me; and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ الآية لما استدل على أنَّه لا معبود إلا الله تعالى وأنَّه لا يجوز عبادة غير الله تعالى ألبتَّة، وحكة عن إبراهيم عليه السلام أنَّه طلب من الله تعالى أشياء: أحدها: قوله: ﴿رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ ، وتقدَّم تحريه في البقرة «وهذا البلد آمناً» ، ومسوِّل الجعل التَّصيير.

قال الزمخشري: «فإن قلت: فرق بين قوله: ﴿اجعل هذا البلد آمِناً﴾ وبين قوله ﴿هذا بَلَداً آمِناً﴾ [البقرة: 126] .

قلت: قد سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها، ولا يخافون، في الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمناً» .

قوله «واجْنُبْنِي» ، يقال: جنَّبهُ شرًّا، وأجْنَبهُ إيَّاه ثلاثياً، ورباعياً، وهي لغة نجد وجنَّبهُ إيَّاهُ مشدَّداً، وهي لغة الحجاز وهو المنعُ، وأصله من الجانب.

وقال الراغب: «قوله تعالى: ﴿واجنبني وَبَنِيَّ﴾ من جَنَبْتهُ عن كذا، أي: أبْعدتهُ منه، وقيل: من جَنَبْتُ الفرس، [كأنَّما] سألهُ أن يقُودَهُ عن جانبِ الشِّرك بألطافِ منهُ وأسبابٍ خفيَّة» .

و «أنْ نعبد» على حذف الحرف، أي: عن أن نَعْبُد.

وقرأ الجحدري وعيسى الثقفي رحمهما الله «وأجْنِبْنِي» بطقع الهمزة من «أجَنَبَ» .

قال بعضهم: يقال: جَنَبْتهُ الشَّيء، وأجْنَبْتُه تَجَنُّباً، وأجْنبتهُ إجْنَاباً، بمعنى واحد.

فإن قيل: ههنا إشكالٌ من وجوه:

أحدهما: أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه دعا ربَّه أن يجعل مكَّة بلداً آمناً وقد خرب جماعة الكعبة، وأغاروا على مكَّة.

وثانيها: أن الأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ معصومون من عبادة الأصنام، فما فائدة هذا الدعاء.

وثالثها: أنَّ كثيراً من أبنائه عبدوا الأصنام؛ لأنَّ كفَّار قريش كانوا من أولاده وكانوا يعبدون الأصنام فأين الإجابة؟ .

فالجواب عن الأوَّل من وجهين:

الأول: أنه نقل عن إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أنه لما فرغ من بناء الكعبة دعا بأن يجعل الله الكعبة، وتلك البلدة آمنة من الخراب.

والثاني: أنَّ المراد جعل أهلها آمنين، كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: 82] والمراد أهلها، وعلى هذا أكثر المفسرين، وعلى هذا التقدير، فالمراد بالأمن ما اختصت به مكة من زيادة الأمن، وهو أنَّ من التجأ إلى مكَّة أمن، وكان النَّاس مع شدة عداوتهم إذا التقوا بمكَّة لا يخاف بعضهم بعضاً، ولذلك أمن الوحش، فإنهم يقربون إذا كانوا بمكة ويستوحشون من النَّاس إذا كاناو خارج مكَّة.

وعن الثاني قال الزجاج: معناه: ثَبِّتْنِي على اجتناب عبادتها، كما قال:

﴿واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: 128] أي: ثبتنا على الإسلام.

ولقائل أن يقول: السؤال باقٍ، لأنه من المعلوم أنَّ الله تبارك وتعالى ثبت الأنبياء على الإسلام، واجتناب عبادة الأصنام، فما الفائدةٌ من هذا السؤال؟ .

قال ابن الخطيب: والصحيح عندي في الجواب وجهان:

الأول: أنه صلوات الله وسلامه عليه وإن كان يعلم أنَّ الله تعالى يصعمه من عبادة الأصنام، إلاّ أنه ذكر ذلك للنفس وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله تعالى في كل المطالب.

والثاني: أنَّ الصوفية يقولون: إنَّ الشرك نوعان: شركٌ ظاهرٌ، وهو الذي يقوله المشركون، وشرك خفي، وهو تعلق القلب بالأسباب الظاهرة. والتوحيد هو أن يقطع نظره عن الوسائط، وأن لا يرى متوسطاً سوى الحق سبحانه وتعالى فيحتمل أن يكون قوله ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ المراد أن يعصمه عن هذا الشرط الخفي، والله تعالى أعمل.

والجواب عن الثالث من وجوه:

أحدها: قال الزمخشري: «قوله» وبَنِيَّ: أراد بنيه [من صلبه]» .

والفائدة في هذا الدعاء غير الفائدة التي ذكرناها في قوله: «واجْنُبْنِي وبَنِيََّ» .

وثانيها: قال بعضهم: أراد من أولاده، وأولاد أولاده كل من كان موجوداً حال الدُّعاء، ولا شك …

37

رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةًۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ الآية لما استدل على أنَّه لا معبود إلا الله تعالى وأنَّه لا يجوز عبادة غير الله تعالى ألبتَّة، وحكة عن إبراهيم عليه السلام أنَّه طلب من الله تعالى أشياء: أحدها: قوله: ﴿رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ ، وتقدَّم تحريه في البقرة «وهذا البلد آمناً» ، ومسوِّل الجعل التَّصيير.

قال الزمخشري: «فإن قلت: فرق بين قوله: ﴿اجعل هذا البلد آمِناً﴾ وبين قوله ﴿هذا بَلَداً آمِناً﴾ [البقرة: 126] .

قلت: قد سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها، ولا يخافون، في الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمناً» .

قوله «واجْنُبْنِي» ، يقال: جنَّبهُ شرًّا، وأجْنَبهُ إيَّاه ثلاثياً، ورباعياً، وهي لغة نجد وجنَّبهُ إيَّاهُ مشدَّداً، وهي لغة الحجاز وهو المنعُ، وأصله من الجانب.

وقال الراغب: «قوله تعالى: ﴿واجنبني وَبَنِيَّ﴾ من جَنَبْتهُ عن كذا، أي: أبْعدتهُ منه، وقيل: من جَنَبْتُ الفرس، [كأنَّما] سألهُ أن يقُودَهُ عن جانبِ الشِّرك بألطافِ منهُ وأسبابٍ خفيَّة» .

و «أنْ نعبد» على حذف الحرف، أي: عن أن نَعْبُد.

وقرأ الجحدري وعيسى الثقفي رحمهما الله «وأجْنِبْنِي» بطقع الهمزة من «أجَنَبَ» .

قال بعضهم: يقال: جَنَبْتهُ الشَّيء، وأجْنَبْتُه تَجَنُّباً، وأجْنبتهُ إجْنَاباً، بمعنى واحد.

فإن قيل: ههنا إشكالٌ من وجوه:

أحدهما: أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه دعا ربَّه أن يجعل مكَّة بلداً آمناً وقد خرب جماعة الكعبة، وأغاروا على مكَّة.

وثانيها: أن الأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ معصومون من عبادة الأصنام، فما فائدة هذا الدعاء.

وثالثها: أنَّ كثيراً من أبنائه عبدوا الأصنام؛ لأنَّ كفَّار قريش كانوا من أولاده وكانوا يعبدون الأصنام فأين الإجابة؟ .

فالجواب عن الأوَّل من وجهين:

الأول: أنه نقل عن إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أنه لما فرغ من بناء الكعبة دعا بأن يجعل الله الكعبة، وتلك البلدة آمنة من الخراب.

والثاني: أنَّ المراد جعل أهلها آمنين، كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: 82] والمراد أهلها، وعلى هذا أكثر المفسرين، وعلى هذا التقدير، فالمراد بالأمن ما اختصت به مكة من زيادة الأمن، وهو أنَّ من التجأ إلى مكَّة أمن، وكان النَّاس مع شدة عداوتهم إذا التقوا بمكَّة لا يخاف بعضهم بعضاً، ولذلك أمن الوحش، فإنهم يقربون إذا كانوا بمكة ويستوحشون من النَّاس إذا كاناو خارج مكَّة.

وعن الثاني قال الزجاج: معناه: ثَبِّتْنِي على اجتناب عبادتها، كما قال:

﴿واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: 128] أي: ثبتنا على الإسلام.

ولقائل أن يقول: السؤال باقٍ، لأنه من المعلوم أنَّ الله تبارك وتعالى ثبت الأنبياء على الإسلام، واجتناب عبادة الأصنام، فما الفائدةٌ من هذا السؤال؟ .

قال ابن الخطيب: والصحيح عندي في الجواب وجهان:

الأول: أنه صلوات الله وسلامه عليه وإن كان يعلم أنَّ الله تعالى يصعمه من عبادة الأصنام، إلاّ أنه ذكر ذلك للنفس وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله تعالى في كل المطالب.

والثاني: أنَّ الصوفية يقولون: إنَّ الشرك نوعان: شركٌ ظاهرٌ، وهو الذي يقوله المشركون، وشرك خفي، وهو تعلق القلب بالأسباب الظاهرة. والتوحيد هو أن يقطع نظره عن الوسائط، وأن لا يرى متوسطاً سوى الحق سبحانه وتعالى فيحتمل أن يكون قوله ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ المراد أن يعصمه عن هذا الشرط الخفي، والله تعالى أعمل.

والجواب عن الثالث من وجوه:

أحدها: قال الزمخشري: «قوله» وبَنِيَّ: أراد بنيه [من صلبه]» .

والفائدة في هذا الدعاء غير الفائدة التي ذكرناها في قوله: «واجْنُبْنِي وبَنِيََّ» .

وثانيها: قال بعضهم: أراد من أولاده، وأولاد أولاده كل من كان موجوداً حال الدُّعاء، ولا شك …

38

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allah on the earth or in the heaven.

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ الآية لما استدل على أنَّه لا معبود إلا الله تعالى وأنَّه لا يجوز عبادة غير الله تعالى ألبتَّة، وحكة عن إبراهيم عليه السلام أنَّه طلب من الله تعالى أشياء: أحدها: قوله: ﴿رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ ، وتقدَّم تحريه في البقرة «وهذا البلد آمناً» ، ومسوِّل الجعل التَّصيير.

قال الزمخشري: «فإن قلت: فرق بين قوله: ﴿اجعل هذا البلد آمِناً﴾ وبين قوله ﴿هذا بَلَداً آمِناً﴾ [البقرة: 126] .

قلت: قد سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها، ولا يخافون، في الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمناً» .

قوله «واجْنُبْنِي» ، يقال: جنَّبهُ شرًّا، وأجْنَبهُ إيَّاه ثلاثياً، ورباعياً، وهي لغة نجد وجنَّبهُ إيَّاهُ مشدَّداً، وهي لغة الحجاز وهو المنعُ، وأصله من الجانب.

وقال الراغب: «قوله تعالى: ﴿واجنبني وَبَنِيَّ﴾ من جَنَبْتهُ عن كذا، أي: أبْعدتهُ منه، وقيل: من جَنَبْتُ الفرس، [كأنَّما] سألهُ أن يقُودَهُ عن جانبِ الشِّرك بألطافِ منهُ وأسبابٍ خفيَّة» .

و «أنْ نعبد» على حذف الحرف، أي: عن أن نَعْبُد.

وقرأ الجحدري وعيسى الثقفي رحمهما الله «وأجْنِبْنِي» بطقع الهمزة من «أجَنَبَ» .

قال بعضهم: يقال: جَنَبْتهُ الشَّيء، وأجْنَبْتُه تَجَنُّباً، وأجْنبتهُ إجْنَاباً، بمعنى واحد.

فإن قيل: ههنا إشكالٌ من وجوه:

أحدهما: أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه دعا ربَّه أن يجعل مكَّة بلداً آمناً وقد خرب جماعة الكعبة، وأغاروا على مكَّة.

وثانيها: أن الأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ معصومون من عبادة الأصنام، فما فائدة هذا الدعاء.

وثالثها: أنَّ كثيراً من أبنائه عبدوا الأصنام؛ لأنَّ كفَّار قريش كانوا من أولاده وكانوا يعبدون الأصنام فأين الإجابة؟ .

فالجواب عن الأوَّل من وجهين:

الأول: أنه نقل عن إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أنه لما فرغ من بناء الكعبة دعا بأن يجعل الله الكعبة، وتلك البلدة آمنة من الخراب.

والثاني: أنَّ المراد جعل أهلها آمنين، كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: 82] والمراد أهلها، وعلى هذا أكثر المفسرين، وعلى هذا التقدير، فالمراد بالأمن ما اختصت به مكة من زيادة الأمن، وهو أنَّ من التجأ إلى مكَّة أمن، وكان النَّاس مع شدة عداوتهم إذا التقوا بمكَّة لا يخاف بعضهم بعضاً، ولذلك أمن الوحش، فإنهم يقربون إذا كانوا بمكة ويستوحشون من النَّاس إذا كاناو خارج مكَّة.

وعن الثاني قال الزجاج: معناه: ثَبِّتْنِي على اجتناب عبادتها، كما قال:

﴿واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: 128] أي: ثبتنا على الإسلام.

ولقائل أن يقول: السؤال باقٍ، لأنه من المعلوم أنَّ الله تبارك وتعالى ثبت الأنبياء على الإسلام، واجتناب عبادة الأصنام، فما الفائدةٌ من هذا السؤال؟ .

قال ابن الخطيب: والصحيح عندي في الجواب وجهان:

الأول: أنه صلوات الله وسلامه عليه وإن كان يعلم أنَّ الله تعالى يصعمه من عبادة الأصنام، إلاّ أنه ذكر ذلك للنفس وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله تعالى في كل المطالب.

والثاني: أنَّ الصوفية يقولون: إنَّ الشرك نوعان: شركٌ ظاهرٌ، وهو الذي يقوله المشركون، وشرك خفي، وهو تعلق القلب بالأسباب الظاهرة. والتوحيد هو أن يقطع نظره عن الوسائط، وأن لا يرى متوسطاً سوى الحق سبحانه وتعالى فيحتمل أن يكون قوله ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ المراد أن يعصمه عن هذا الشرط الخفي، والله تعالى أعمل.

والجواب عن الثالث من وجوه:

أحدها: قال الزمخشري: «قوله» وبَنِيَّ: أراد بنيه [من صلبه]» .

والفائدة في هذا الدعاء غير الفائدة التي ذكرناها في قوله: «واجْنُبْنِي وبَنِيََّ» .

وثانيها: قال بعضهم: أراد من أولاده، وأولاد أولاده كل من كان موجوداً حال الدُّعاء، ولا شك …

39

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

Praise to Allah, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ الآية لما استدل على أنَّه لا معبود إلا الله تعالى وأنَّه لا يجوز عبادة غير الله تعالى ألبتَّة، وحكة عن إبراهيم عليه السلام أنَّه طلب من الله تعالى أشياء: أحدها: قوله: ﴿رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ ، وتقدَّم تحريه في البقرة «وهذا البلد آمناً» ، ومسوِّل الجعل التَّصيير.

قال الزمخشري: «فإن قلت: فرق بين قوله: ﴿اجعل هذا البلد آمِناً﴾ وبين قوله ﴿هذا بَلَداً آمِناً﴾ [البقرة: 126] .

قلت: قد سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها، ولا يخافون، في الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمناً» .

قوله «واجْنُبْنِي» ، يقال: جنَّبهُ شرًّا، وأجْنَبهُ إيَّاه ثلاثياً، ورباعياً، وهي لغة نجد وجنَّبهُ إيَّاهُ مشدَّداً، وهي لغة الحجاز وهو المنعُ، وأصله من الجانب.

وقال الراغب: «قوله تعالى: ﴿واجنبني وَبَنِيَّ﴾ من جَنَبْتهُ عن كذا، أي: أبْعدتهُ منه، وقيل: من جَنَبْتُ الفرس، [كأنَّما] سألهُ أن يقُودَهُ عن جانبِ الشِّرك بألطافِ منهُ وأسبابٍ خفيَّة» .

و «أنْ نعبد» على حذف الحرف، أي: عن أن نَعْبُد.

وقرأ الجحدري وعيسى الثقفي رحمهما الله «وأجْنِبْنِي» بطقع الهمزة من «أجَنَبَ» .

قال بعضهم: يقال: جَنَبْتهُ الشَّيء، وأجْنَبْتُه تَجَنُّباً، وأجْنبتهُ إجْنَاباً، بمعنى واحد.

فإن قيل: ههنا إشكالٌ من وجوه:

أحدهما: أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه دعا ربَّه أن يجعل مكَّة بلداً آمناً وقد خرب جماعة الكعبة، وأغاروا على مكَّة.

وثانيها: أن الأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ معصومون من عبادة الأصنام، فما فائدة هذا الدعاء.

وثالثها: أنَّ كثيراً من أبنائه عبدوا الأصنام؛ لأنَّ كفَّار قريش كانوا من أولاده وكانوا يعبدون الأصنام فأين الإجابة؟ .

فالجواب عن الأوَّل من وجهين:

الأول: أنه نقل عن إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أنه لما فرغ من بناء الكعبة دعا بأن يجعل الله الكعبة، وتلك البلدة آمنة من الخراب.

والثاني: أنَّ المراد جعل أهلها آمنين، كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: 82] والمراد أهلها، وعلى هذا أكثر المفسرين، وعلى هذا التقدير، فالمراد بالأمن ما اختصت به مكة من زيادة الأمن، وهو أنَّ من التجأ إلى مكَّة أمن، وكان النَّاس مع شدة عداوتهم إذا التقوا بمكَّة لا يخاف بعضهم بعضاً، ولذلك أمن الوحش، فإنهم يقربون إذا كانوا بمكة ويستوحشون من النَّاس إذا كاناو خارج مكَّة.

وعن الثاني قال الزجاج: معناه: ثَبِّتْنِي على اجتناب عبادتها، كما قال:

﴿واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: 128] أي: ثبتنا على الإسلام.

ولقائل أن يقول: السؤال باقٍ، لأنه من المعلوم أنَّ الله تبارك وتعالى ثبت الأنبياء على الإسلام، واجتناب عبادة الأصنام، فما الفائدةٌ من هذا السؤال؟ .

قال ابن الخطيب: والصحيح عندي في الجواب وجهان:

الأول: أنه صلوات الله وسلامه عليه وإن كان يعلم أنَّ الله تعالى يصعمه من عبادة الأصنام، إلاّ أنه ذكر ذلك للنفس وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله تعالى في كل المطالب.

والثاني: أنَّ الصوفية يقولون: إنَّ الشرك نوعان: شركٌ ظاهرٌ، وهو الذي يقوله المشركون، وشرك خفي، وهو تعلق القلب بالأسباب الظاهرة. والتوحيد هو أن يقطع نظره عن الوسائط، وأن لا يرى متوسطاً سوى الحق سبحانه وتعالى فيحتمل أن يكون قوله ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ المراد أن يعصمه عن هذا الشرط الخفي، والله تعالى أعمل.

والجواب عن الثالث من وجوه:

أحدها: قال الزمخشري: «قوله» وبَنِيَّ: أراد بنيه [من صلبه]» .

والفائدة في هذا الدعاء غير الفائدة التي ذكرناها في قوله: «واجْنُبْنِي وبَنِيََّ» .

وثانيها: قال بعضهم: أراد من أولاده، وأولاد أولاده كل من كان موجوداً حال الدُّعاء، ولا شك …

40

رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ

My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ الآية لما استدل على أنَّه لا معبود إلا الله تعالى وأنَّه لا يجوز عبادة غير الله تعالى ألبتَّة، وحكة عن إبراهيم عليه السلام أنَّه طلب من الله تعالى أشياء: أحدها: قوله: ﴿رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ ، وتقدَّم تحريه في البقرة «وهذا البلد آمناً» ، ومسوِّل الجعل التَّصيير.

قال الزمخشري: «فإن قلت: فرق بين قوله: ﴿اجعل هذا البلد آمِناً﴾ وبين قوله ﴿هذا بَلَداً آمِناً﴾ [البقرة: 126] .

قلت: قد سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها، ولا يخافون، في الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمناً» .

قوله «واجْنُبْنِي» ، يقال: جنَّبهُ شرًّا، وأجْنَبهُ إيَّاه ثلاثياً، ورباعياً، وهي لغة نجد وجنَّبهُ إيَّاهُ مشدَّداً، وهي لغة الحجاز وهو المنعُ، وأصله من الجانب.

وقال الراغب: «قوله تعالى: ﴿واجنبني وَبَنِيَّ﴾ من جَنَبْتهُ عن كذا، أي: أبْعدتهُ منه، وقيل: من جَنَبْتُ الفرس، [كأنَّما] سألهُ أن يقُودَهُ عن جانبِ الشِّرك بألطافِ منهُ وأسبابٍ خفيَّة» .

و «أنْ نعبد» على حذف الحرف، أي: عن أن نَعْبُد.

وقرأ الجحدري وعيسى الثقفي رحمهما الله «وأجْنِبْنِي» بطقع الهمزة من «أجَنَبَ» .

قال بعضهم: يقال: جَنَبْتهُ الشَّيء، وأجْنَبْتُه تَجَنُّباً، وأجْنبتهُ إجْنَاباً، بمعنى واحد.

فإن قيل: ههنا إشكالٌ من وجوه:

أحدهما: أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه دعا ربَّه أن يجعل مكَّة بلداً آمناً وقد خرب جماعة الكعبة، وأغاروا على مكَّة.

وثانيها: أن الأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ معصومون من عبادة الأصنام، فما فائدة هذا الدعاء.

وثالثها: أنَّ كثيراً من أبنائه عبدوا الأصنام؛ لأنَّ كفَّار قريش كانوا من أولاده وكانوا يعبدون الأصنام فأين الإجابة؟ .

فالجواب عن الأوَّل من وجهين:

الأول: أنه نقل عن إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أنه لما فرغ من بناء الكعبة دعا بأن يجعل الله الكعبة، وتلك البلدة آمنة من الخراب.

والثاني: أنَّ المراد جعل أهلها آمنين، كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: 82] والمراد أهلها، وعلى هذا أكثر المفسرين، وعلى هذا التقدير، فالمراد بالأمن ما اختصت به مكة من زيادة الأمن، وهو أنَّ من التجأ إلى مكَّة أمن، وكان النَّاس مع شدة عداوتهم إذا التقوا بمكَّة لا يخاف بعضهم بعضاً، ولذلك أمن الوحش، فإنهم يقربون إذا كانوا بمكة ويستوحشون من النَّاس إذا كاناو خارج مكَّة.

وعن الثاني قال الزجاج: معناه: ثَبِّتْنِي على اجتناب عبادتها، كما قال:

﴿واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: 128] أي: ثبتنا على الإسلام.

ولقائل أن يقول: السؤال باقٍ، لأنه من المعلوم أنَّ الله تبارك وتعالى ثبت الأنبياء على الإسلام، واجتناب عبادة الأصنام، فما الفائدةٌ من هذا السؤال؟ .

قال ابن الخطيب: والصحيح عندي في الجواب وجهان:

الأول: أنه صلوات الله وسلامه عليه وإن كان يعلم أنَّ الله تعالى يصعمه من عبادة الأصنام، إلاّ أنه ذكر ذلك للنفس وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله تعالى في كل المطالب.

والثاني: أنَّ الصوفية يقولون: إنَّ الشرك نوعان: شركٌ ظاهرٌ، وهو الذي يقوله المشركون، وشرك خفي، وهو تعلق القلب بالأسباب الظاهرة. والتوحيد هو أن يقطع نظره عن الوسائط، وأن لا يرى متوسطاً سوى الحق سبحانه وتعالى فيحتمل أن يكون قوله ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ المراد أن يعصمه عن هذا الشرط الخفي، والله تعالى أعمل.

والجواب عن الثالث من وجوه:

أحدها: قال الزمخشري: «قوله» وبَنِيَّ: أراد بنيه [من صلبه]» .

والفائدة في هذا الدعاء غير الفائدة التي ذكرناها في قوله: «واجْنُبْنِي وبَنِيََّ» .

وثانيها: قال بعضهم: أراد من أولاده، وأولاد أولاده كل من كان موجوداً حال الدُّعاء، ولا شك …

Commentary: Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.