Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 31–40 of 52

31

قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ

[O Muhammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange, nor any friendships.

.

قَوْلُهُ: ألَمْ تَرَ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو تَعْجِيبٌ مِن حالِ الكُفّارِ حَيْثُ جَعَلُوا بَدَلَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ، أيْ: بَدَلَ شُكْرِها الكُفْرَ بِها، وذَلِكَ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ مِنهم وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ.

وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم كُفّارُ مَكَّةَ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وقِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ قاتَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في بَطْنَيْنِ مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ بَنِي مَخْزُومٍ وبَنِي أُمَيَّةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُتَنَصِّرَةِ العَرَبِ، وهم جَبَلَةُ بْنُ الأيْهَمِ وأصْحابُهُ، وفِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ جَبَلَةَ وأصْحابَهُ لَمْ يُسْلِمُوا إلّا في خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِتَبْدِيلِ نِعْمَةِ اللَّهِ كُفْرًا أنَّهم لَمّا كَفَرُوها سَلَبَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ فَصارُوا مُتَبَدِّلِينَ بِها الكُفْرَ ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ أيْ أنْزَلُوا قَوْمَهم بِسَبَبِ ما زَيَّنُوهُ لَهم مِنَ الكُفْرِ، ﴿دارَ البَوارِ﴾ وهي جَهَنَّمُ، والبَوارُ الهَلاكُ، وقِيلَ: هم قادَةُ قُرَيْشٍ أحَلُّوا قَوْمَهم يَوْمَ بَدْرٍ دارَ البَوارِ: أيِ الهَلاكِ، وهو القَتْلُ الَّذِي أُصِيبُوا بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَلَمْ أرَ مِثْلَهم أبْطالَ حَرْبٍ غَداةَ الحَرْبِ إذْ خِيفَ البَوارُ

والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: جَهَنَّمَ فَإنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِدارِ البَوارِ، و( يَصْلَوْنَها ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ حُلُولِهِمْ فِيها ﴿وبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ بِئْسَ القَرارُ قَرارُهم فِيها، أوْ بِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ، فالمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ.

﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى: وأحَلُّوا: أيْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ في الرُّبُوبِيَّةِ، أوْ في التَّسْمِيَةِ وهي الأصْنامُ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " لِيَضِلُّوا " بِفَتْحِ الياءِ، أيْ: لِيَضِلُّوا أنْفُسَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وتَكُونُ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ، أيْ: لِيَتَعَقَّبَ جَعْلَهم لِلَّهِ أنْدادًا ضَلالُهم، لِأنَّ العاقِلَ لا يُرِيدُ ضَلالَ نَفْسِهِ، وحَسُنَ اسْتِعْمالُ لامِ العاقِبَةِ هُنا لِأنَّها تُشْبِهُ الغَرَضَ والغايَةَ مِن جِهَةِ حُصُولِها في آخِرِ المَراتِبِ، والمُشابَهَةُ أحَدُ الأُمُورِ المُصَحِّحَةِ لِلْمَجازِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الياءِ لِيُوقِعُوا قَوْمَهم في الضَّلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَذا هو الغَرَضُ مِن جَعْلِهِمْ لِلَّهِ أنْدادًا.

ثُمَّ هَدَّدَهم سُبْحانَهُ، فَقالَ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: قُلْ تَمَتَّعُوا بِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشَّهَواتِ، وما زَيَّنَتْهُ لَكم أنْفُسُكم مِن كُفْرانِ النِّعَمِ وإضْلالِ النّاسِ ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ أيْ مَرَدُّكم ومَرْجِعُكم إلَيْها لَيْسَ إلّا، ولَمّا كانَ هَذا حالَهم، وقَدْ صارُوا لِفَرْطِ تَهالُكِهِمْ عَلَيْهِ وانْهِماكِهِمْ فِيهِ لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، ولا يَقْبَلُونَ فِيهِ نُصْحَ النّاصِحِينَ جُعِلَ الأمْرُ بِمُباشَرَتِهِ مَكانَ نَهْيِ قُرْبانِهِ؛ إيضاحًا لِما تَكُونُ عَلَيْهِ عاقِبَتُهم، وأنَّهم لا مَحالَةَ صائِرُونَ إلى النّارِ، فَلا بُدَّ لَهم مِن تَعاطِي الأسْبابِ المُقْتَضِيَةِ ذَلِكَ، فَجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالتَّمَتُّعِ، وفِيهِ مِنَ …

32

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَٰرَ

It is Allah who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.

.

قَوْلُهُ: ألَمْ تَرَ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو تَعْجِيبٌ مِن حالِ الكُفّارِ حَيْثُ جَعَلُوا بَدَلَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ، أيْ: بَدَلَ شُكْرِها الكُفْرَ بِها، وذَلِكَ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ مِنهم وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ.

وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم كُفّارُ مَكَّةَ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وقِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ قاتَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في بَطْنَيْنِ مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ بَنِي مَخْزُومٍ وبَنِي أُمَيَّةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُتَنَصِّرَةِ العَرَبِ، وهم جَبَلَةُ بْنُ الأيْهَمِ وأصْحابُهُ، وفِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ جَبَلَةَ وأصْحابَهُ لَمْ يُسْلِمُوا إلّا في خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِتَبْدِيلِ نِعْمَةِ اللَّهِ كُفْرًا أنَّهم لَمّا كَفَرُوها سَلَبَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ فَصارُوا مُتَبَدِّلِينَ بِها الكُفْرَ ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ أيْ أنْزَلُوا قَوْمَهم بِسَبَبِ ما زَيَّنُوهُ لَهم مِنَ الكُفْرِ، ﴿دارَ البَوارِ﴾ وهي جَهَنَّمُ، والبَوارُ الهَلاكُ، وقِيلَ: هم قادَةُ قُرَيْشٍ أحَلُّوا قَوْمَهم يَوْمَ بَدْرٍ دارَ البَوارِ: أيِ الهَلاكِ، وهو القَتْلُ الَّذِي أُصِيبُوا بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَلَمْ أرَ مِثْلَهم أبْطالَ حَرْبٍ غَداةَ الحَرْبِ إذْ خِيفَ البَوارُ

والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: جَهَنَّمَ فَإنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِدارِ البَوارِ، و( يَصْلَوْنَها ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ حُلُولِهِمْ فِيها ﴿وبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ بِئْسَ القَرارُ قَرارُهم فِيها، أوْ بِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ، فالمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ.

﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى: وأحَلُّوا: أيْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ في الرُّبُوبِيَّةِ، أوْ في التَّسْمِيَةِ وهي الأصْنامُ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " لِيَضِلُّوا " بِفَتْحِ الياءِ، أيْ: لِيَضِلُّوا أنْفُسَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وتَكُونُ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ، أيْ: لِيَتَعَقَّبَ جَعْلَهم لِلَّهِ أنْدادًا ضَلالُهم، لِأنَّ العاقِلَ لا يُرِيدُ ضَلالَ نَفْسِهِ، وحَسُنَ اسْتِعْمالُ لامِ العاقِبَةِ هُنا لِأنَّها تُشْبِهُ الغَرَضَ والغايَةَ مِن جِهَةِ حُصُولِها في آخِرِ المَراتِبِ، والمُشابَهَةُ أحَدُ الأُمُورِ المُصَحِّحَةِ لِلْمَجازِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الياءِ لِيُوقِعُوا قَوْمَهم في الضَّلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَذا هو الغَرَضُ مِن جَعْلِهِمْ لِلَّهِ أنْدادًا.

ثُمَّ هَدَّدَهم سُبْحانَهُ، فَقالَ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: قُلْ تَمَتَّعُوا بِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشَّهَواتِ، وما زَيَّنَتْهُ لَكم أنْفُسُكم مِن كُفْرانِ النِّعَمِ وإضْلالِ النّاسِ ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ أيْ مَرَدُّكم ومَرْجِعُكم إلَيْها لَيْسَ إلّا، ولَمّا كانَ هَذا حالَهم، وقَدْ صارُوا لِفَرْطِ تَهالُكِهِمْ عَلَيْهِ وانْهِماكِهِمْ فِيهِ لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، ولا يَقْبَلُونَ فِيهِ نُصْحَ النّاصِحِينَ جُعِلَ الأمْرُ بِمُباشَرَتِهِ مَكانَ نَهْيِ قُرْبانِهِ؛ إيضاحًا لِما تَكُونُ عَلَيْهِ عاقِبَتُهم، وأنَّهم لا مَحالَةَ صائِرُونَ إلى النّارِ، فَلا بُدَّ لَهم مِن تَعاطِي الأسْبابِ المُقْتَضِيَةِ ذَلِكَ، فَجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالتَّمَتُّعِ، وفِيهِ مِنَ …

33

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ

And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.

.

قَوْلُهُ: ألَمْ تَرَ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو تَعْجِيبٌ مِن حالِ الكُفّارِ حَيْثُ جَعَلُوا بَدَلَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ، أيْ: بَدَلَ شُكْرِها الكُفْرَ بِها، وذَلِكَ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ مِنهم وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ.

وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم كُفّارُ مَكَّةَ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وقِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ قاتَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في بَطْنَيْنِ مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ بَنِي مَخْزُومٍ وبَنِي أُمَيَّةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُتَنَصِّرَةِ العَرَبِ، وهم جَبَلَةُ بْنُ الأيْهَمِ وأصْحابُهُ، وفِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ جَبَلَةَ وأصْحابَهُ لَمْ يُسْلِمُوا إلّا في خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِتَبْدِيلِ نِعْمَةِ اللَّهِ كُفْرًا أنَّهم لَمّا كَفَرُوها سَلَبَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ فَصارُوا مُتَبَدِّلِينَ بِها الكُفْرَ ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ أيْ أنْزَلُوا قَوْمَهم بِسَبَبِ ما زَيَّنُوهُ لَهم مِنَ الكُفْرِ، ﴿دارَ البَوارِ﴾ وهي جَهَنَّمُ، والبَوارُ الهَلاكُ، وقِيلَ: هم قادَةُ قُرَيْشٍ أحَلُّوا قَوْمَهم يَوْمَ بَدْرٍ دارَ البَوارِ: أيِ الهَلاكِ، وهو القَتْلُ الَّذِي أُصِيبُوا بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَلَمْ أرَ مِثْلَهم أبْطالَ حَرْبٍ غَداةَ الحَرْبِ إذْ خِيفَ البَوارُ

والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: جَهَنَّمَ فَإنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِدارِ البَوارِ، و( يَصْلَوْنَها ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ حُلُولِهِمْ فِيها ﴿وبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ بِئْسَ القَرارُ قَرارُهم فِيها، أوْ بِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ، فالمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ.

﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى: وأحَلُّوا: أيْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ في الرُّبُوبِيَّةِ، أوْ في التَّسْمِيَةِ وهي الأصْنامُ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " لِيَضِلُّوا " بِفَتْحِ الياءِ، أيْ: لِيَضِلُّوا أنْفُسَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وتَكُونُ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ، أيْ: لِيَتَعَقَّبَ جَعْلَهم لِلَّهِ أنْدادًا ضَلالُهم، لِأنَّ العاقِلَ لا يُرِيدُ ضَلالَ نَفْسِهِ، وحَسُنَ اسْتِعْمالُ لامِ العاقِبَةِ هُنا لِأنَّها تُشْبِهُ الغَرَضَ والغايَةَ مِن جِهَةِ حُصُولِها في آخِرِ المَراتِبِ، والمُشابَهَةُ أحَدُ الأُمُورِ المُصَحِّحَةِ لِلْمَجازِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الياءِ لِيُوقِعُوا قَوْمَهم في الضَّلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَذا هو الغَرَضُ مِن جَعْلِهِمْ لِلَّهِ أنْدادًا.

ثُمَّ هَدَّدَهم سُبْحانَهُ، فَقالَ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: قُلْ تَمَتَّعُوا بِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشَّهَواتِ، وما زَيَّنَتْهُ لَكم أنْفُسُكم مِن كُفْرانِ النِّعَمِ وإضْلالِ النّاسِ ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ أيْ مَرَدُّكم ومَرْجِعُكم إلَيْها لَيْسَ إلّا، ولَمّا كانَ هَذا حالَهم، وقَدْ صارُوا لِفَرْطِ تَهالُكِهِمْ عَلَيْهِ وانْهِماكِهِمْ فِيهِ لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، ولا يَقْبَلُونَ فِيهِ نُصْحَ النّاصِحِينَ جُعِلَ الأمْرُ بِمُباشَرَتِهِ مَكانَ نَهْيِ قُرْبانِهِ؛ إيضاحًا لِما تَكُونُ عَلَيْهِ عاقِبَتُهم، وأنَّهم لا مَحالَةَ صائِرُونَ إلى النّارِ، فَلا بُدَّ لَهم مِن تَعاطِي الأسْبابِ المُقْتَضِيَةِ ذَلِكَ، فَجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالتَّمَتُّعِ، وفِيهِ مِنَ …

34

وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَظَلُومٌۭ كَفَّارٌۭ

And He gave you from all you asked of Him. And if you should count the favor of Allah, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.

.

قَوْلُهُ: ألَمْ تَرَ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو تَعْجِيبٌ مِن حالِ الكُفّارِ حَيْثُ جَعَلُوا بَدَلَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ، أيْ: بَدَلَ شُكْرِها الكُفْرَ بِها، وذَلِكَ بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ مِنهم وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ.

وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم كُفّارُ مَكَّةَ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ وقِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ قاتَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في بَطْنَيْنِ مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ بَنِي مَخْزُومٍ وبَنِي أُمَيَّةَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُتَنَصِّرَةِ العَرَبِ، وهم جَبَلَةُ بْنُ الأيْهَمِ وأصْحابُهُ، وفِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ جَبَلَةَ وأصْحابَهُ لَمْ يُسْلِمُوا إلّا في خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِتَبْدِيلِ نِعْمَةِ اللَّهِ كُفْرًا أنَّهم لَمّا كَفَرُوها سَلَبَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ فَصارُوا مُتَبَدِّلِينَ بِها الكُفْرَ ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ أيْ أنْزَلُوا قَوْمَهم بِسَبَبِ ما زَيَّنُوهُ لَهم مِنَ الكُفْرِ، ﴿دارَ البَوارِ﴾ وهي جَهَنَّمُ، والبَوارُ الهَلاكُ، وقِيلَ: هم قادَةُ قُرَيْشٍ أحَلُّوا قَوْمَهم يَوْمَ بَدْرٍ دارَ البَوارِ: أيِ الهَلاكِ، وهو القَتْلُ الَّذِي أُصِيبُوا بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَلَمْ أرَ مِثْلَهم أبْطالَ حَرْبٍ غَداةَ الحَرْبِ إذْ خِيفَ البَوارُ

والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: جَهَنَّمَ فَإنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِدارِ البَوارِ، و( يَصْلَوْنَها ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هو مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ حُلُولِهِمْ فِيها ﴿وبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ بِئْسَ القَرارُ قَرارُهم فِيها، أوْ بِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ، فالمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ.

﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى: وأحَلُّوا: أيْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ في الرُّبُوبِيَّةِ، أوْ في التَّسْمِيَةِ وهي الأصْنامُ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " لِيَضِلُّوا " بِفَتْحِ الياءِ، أيْ: لِيَضِلُّوا أنْفُسَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وتَكُونُ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ، أيْ: لِيَتَعَقَّبَ جَعْلَهم لِلَّهِ أنْدادًا ضَلالُهم، لِأنَّ العاقِلَ لا يُرِيدُ ضَلالَ نَفْسِهِ، وحَسُنَ اسْتِعْمالُ لامِ العاقِبَةِ هُنا لِأنَّها تُشْبِهُ الغَرَضَ والغايَةَ مِن جِهَةِ حُصُولِها في آخِرِ المَراتِبِ، والمُشابَهَةُ أحَدُ الأُمُورِ المُصَحِّحَةِ لِلْمَجازِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الياءِ لِيُوقِعُوا قَوْمَهم في الضَّلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَذا هو الغَرَضُ مِن جَعْلِهِمْ لِلَّهِ أنْدادًا.

ثُمَّ هَدَّدَهم سُبْحانَهُ، فَقالَ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: قُلْ تَمَتَّعُوا بِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشَّهَواتِ، وما زَيَّنَتْهُ لَكم أنْفُسُكم مِن كُفْرانِ النِّعَمِ وإضْلالِ النّاسِ ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ أيْ مَرَدُّكم ومَرْجِعُكم إلَيْها لَيْسَ إلّا، ولَمّا كانَ هَذا حالَهم، وقَدْ صارُوا لِفَرْطِ تَهالُكِهِمْ عَلَيْهِ وانْهِماكِهِمْ فِيهِ لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، ولا يَقْبَلُونَ فِيهِ نُصْحَ النّاصِحِينَ جُعِلَ الأمْرُ بِمُباشَرَتِهِ مَكانَ نَهْيِ قُرْبانِهِ؛ إيضاحًا لِما تَكُونُ عَلَيْهِ عاقِبَتُهم، وأنَّهم لا مَحالَةَ صائِرُونَ إلى النّارِ، فَلا بُدَّ لَهم مِن تَعاطِي الأسْبابِ المُقْتَضِيَةِ ذَلِكَ، فَجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالتَّمَتُّعِ، وفِيهِ مِنَ …

35

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًۭا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.

.

قَوْلُهُ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِسِياقِ ما قالَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ - بَيانُ كُفْرِ قُرَيْشٍ بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ، وهي إسْكانُهم مَكَّةَ بَعْدَ ما بَيَّنَ كُفْرَهم بِالنِّعَمِ العامَّةِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هاهُنا لِمِثالِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وقِيلَ: لِقَصْدِ الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وإنْكارِ عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ المُرادُ بِالبَلَدِ هُنا مَكَّةُ: دَعا إبْراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا: أيْ ذا أمْنٍ، وقَدَّمَ طَلَبَ الأمْنِ عَلى سائِرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ إذا انْتَفى الأمْنُ لَمْ يَفْرَغِ الإنْسانُ لِشَيْءٍ آخَرَ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما هُنالِكَ أنَّ المَطْلُوبَ هُنا مُجَرَّدُ الأمْنِ لِلْبَلَدِ، والمَطْلُوبَ هُنالِكَ البَلَدِيَّةُ والأمْنُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾، يُقالُ جَنَّبْتُهُ كَذا وأجْنَبْتُهُ وجَنَّبْتُهُ، أيْ: باعَدْتُهُ عَنْهُ، والمَعْنى: باعِدْنِي، وباعِدْ بَنِيَّ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، قِيلَ: أرادَ بَنِيهِ مِن صُلْبِهُ وكانُوا ثَمانِيَةً، وقِيلَ: أرادَ مَن كانَ مَوْجُودًا حالَ دَعْوَتِهِ مِن بَنِيهِ وبَنِي بَنِيهِ، وقِيلَ: أرادَ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ ما تَناسَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ صَنَمًا، والصَّنَمُ هو التِّمْثالُ الَّذِي كانَتْ تَصْنَعُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الأحْجارِ ونَحْوِها فَيَعْبُدُونَهُ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " وأجْنِبْنِي " بِقَطْعِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ أصْلَهُ أجْنَبَ.

﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أسْنَدَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ، لِأنَّها سَبَبٌ لِضَلالِهِمْ فَكَأنَّها أضَلَّتْهم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ لِرَبِّهِ، ثُمَّ قالَ: فَمَن تَبِعَنِي أيْ مَن تَبِعَ دِينِي مِنَ النّاسِ فَصارَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا فَإنَّهُ مِنِّي أيْ مِن أهْلِ دِينِي: جَعَلَ أهْلَ مِلَّتِهِ كَنَفْسِهِ مُبالَغَةً ومَن عَصانِي فَلَمْ يُتابِعْنِي ويَدْخُلْ في مِلَّتِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ، قِيلَ: قالَ هَذا قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ كَما وقَعَ مِنهُ الِاسْتِغْفارُ لِأبِيهِ وهو مُشْرِكٌ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ عِصْيانُهُ هُنا فِيما دُونَ الشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ.

ثُمَّ قالَ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: " مِن " لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ ذُرِّيَّتِي.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها زائِدَةٌ، أيْ: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّهُ إنَّما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهو بَعْضُ ولَدِهِ ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لا زَرْعَ فِيهِ، وهو وادِي مَكَّةَ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ ما يُسْتَباحُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى الجَبابِرَةِ، وقِيلَ: مُحَرَّمٌ مِن أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ، أوْ يُسْتَخَفَّ بِهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أسْكَنْتُ، أيْ: أسْكَنْتُهم …

36

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me; and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.

.

قَوْلُهُ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِسِياقِ ما قالَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ - بَيانُ كُفْرِ قُرَيْشٍ بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ، وهي إسْكانُهم مَكَّةَ بَعْدَ ما بَيَّنَ كُفْرَهم بِالنِّعَمِ العامَّةِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هاهُنا لِمِثالِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وقِيلَ: لِقَصْدِ الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وإنْكارِ عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ المُرادُ بِالبَلَدِ هُنا مَكَّةُ: دَعا إبْراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا: أيْ ذا أمْنٍ، وقَدَّمَ طَلَبَ الأمْنِ عَلى سائِرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ إذا انْتَفى الأمْنُ لَمْ يَفْرَغِ الإنْسانُ لِشَيْءٍ آخَرَ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما هُنالِكَ أنَّ المَطْلُوبَ هُنا مُجَرَّدُ الأمْنِ لِلْبَلَدِ، والمَطْلُوبَ هُنالِكَ البَلَدِيَّةُ والأمْنُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾، يُقالُ جَنَّبْتُهُ كَذا وأجْنَبْتُهُ وجَنَّبْتُهُ، أيْ: باعَدْتُهُ عَنْهُ، والمَعْنى: باعِدْنِي، وباعِدْ بَنِيَّ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، قِيلَ: أرادَ بَنِيهِ مِن صُلْبِهُ وكانُوا ثَمانِيَةً، وقِيلَ: أرادَ مَن كانَ مَوْجُودًا حالَ دَعْوَتِهِ مِن بَنِيهِ وبَنِي بَنِيهِ، وقِيلَ: أرادَ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ ما تَناسَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ صَنَمًا، والصَّنَمُ هو التِّمْثالُ الَّذِي كانَتْ تَصْنَعُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الأحْجارِ ونَحْوِها فَيَعْبُدُونَهُ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " وأجْنِبْنِي " بِقَطْعِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ أصْلَهُ أجْنَبَ.

﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أسْنَدَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ، لِأنَّها سَبَبٌ لِضَلالِهِمْ فَكَأنَّها أضَلَّتْهم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ لِرَبِّهِ، ثُمَّ قالَ: فَمَن تَبِعَنِي أيْ مَن تَبِعَ دِينِي مِنَ النّاسِ فَصارَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا فَإنَّهُ مِنِّي أيْ مِن أهْلِ دِينِي: جَعَلَ أهْلَ مِلَّتِهِ كَنَفْسِهِ مُبالَغَةً ومَن عَصانِي فَلَمْ يُتابِعْنِي ويَدْخُلْ في مِلَّتِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ، قِيلَ: قالَ هَذا قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ كَما وقَعَ مِنهُ الِاسْتِغْفارُ لِأبِيهِ وهو مُشْرِكٌ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ عِصْيانُهُ هُنا فِيما دُونَ الشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ.

ثُمَّ قالَ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: " مِن " لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ ذُرِّيَّتِي.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها زائِدَةٌ، أيْ: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّهُ إنَّما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهو بَعْضُ ولَدِهِ ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لا زَرْعَ فِيهِ، وهو وادِي مَكَّةَ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ ما يُسْتَباحُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى الجَبابِرَةِ، وقِيلَ: مُحَرَّمٌ مِن أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ، أوْ يُسْتَخَفَّ بِهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أسْكَنْتُ، أيْ: أسْكَنْتُهم …

37

رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةًۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.

.

قَوْلُهُ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِسِياقِ ما قالَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ - بَيانُ كُفْرِ قُرَيْشٍ بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ، وهي إسْكانُهم مَكَّةَ بَعْدَ ما بَيَّنَ كُفْرَهم بِالنِّعَمِ العامَّةِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هاهُنا لِمِثالِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وقِيلَ: لِقَصْدِ الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وإنْكارِ عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ المُرادُ بِالبَلَدِ هُنا مَكَّةُ: دَعا إبْراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا: أيْ ذا أمْنٍ، وقَدَّمَ طَلَبَ الأمْنِ عَلى سائِرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ إذا انْتَفى الأمْنُ لَمْ يَفْرَغِ الإنْسانُ لِشَيْءٍ آخَرَ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما هُنالِكَ أنَّ المَطْلُوبَ هُنا مُجَرَّدُ الأمْنِ لِلْبَلَدِ، والمَطْلُوبَ هُنالِكَ البَلَدِيَّةُ والأمْنُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾، يُقالُ جَنَّبْتُهُ كَذا وأجْنَبْتُهُ وجَنَّبْتُهُ، أيْ: باعَدْتُهُ عَنْهُ، والمَعْنى: باعِدْنِي، وباعِدْ بَنِيَّ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، قِيلَ: أرادَ بَنِيهِ مِن صُلْبِهُ وكانُوا ثَمانِيَةً، وقِيلَ: أرادَ مَن كانَ مَوْجُودًا حالَ دَعْوَتِهِ مِن بَنِيهِ وبَنِي بَنِيهِ، وقِيلَ: أرادَ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ ما تَناسَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ صَنَمًا، والصَّنَمُ هو التِّمْثالُ الَّذِي كانَتْ تَصْنَعُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الأحْجارِ ونَحْوِها فَيَعْبُدُونَهُ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " وأجْنِبْنِي " بِقَطْعِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ أصْلَهُ أجْنَبَ.

﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أسْنَدَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ، لِأنَّها سَبَبٌ لِضَلالِهِمْ فَكَأنَّها أضَلَّتْهم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ لِرَبِّهِ، ثُمَّ قالَ: فَمَن تَبِعَنِي أيْ مَن تَبِعَ دِينِي مِنَ النّاسِ فَصارَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا فَإنَّهُ مِنِّي أيْ مِن أهْلِ دِينِي: جَعَلَ أهْلَ مِلَّتِهِ كَنَفْسِهِ مُبالَغَةً ومَن عَصانِي فَلَمْ يُتابِعْنِي ويَدْخُلْ في مِلَّتِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ، قِيلَ: قالَ هَذا قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ كَما وقَعَ مِنهُ الِاسْتِغْفارُ لِأبِيهِ وهو مُشْرِكٌ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ عِصْيانُهُ هُنا فِيما دُونَ الشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ.

ثُمَّ قالَ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: " مِن " لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ ذُرِّيَّتِي.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها زائِدَةٌ، أيْ: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّهُ إنَّما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهو بَعْضُ ولَدِهِ ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لا زَرْعَ فِيهِ، وهو وادِي مَكَّةَ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ ما يُسْتَباحُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى الجَبابِرَةِ، وقِيلَ: مُحَرَّمٌ مِن أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ، أوْ يُسْتَخَفَّ بِهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أسْكَنْتُ، أيْ: أسْكَنْتُهم …

38

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allah on the earth or in the heaven.

.

قَوْلُهُ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِسِياقِ ما قالَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ - بَيانُ كُفْرِ قُرَيْشٍ بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ، وهي إسْكانُهم مَكَّةَ بَعْدَ ما بَيَّنَ كُفْرَهم بِالنِّعَمِ العامَّةِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هاهُنا لِمِثالِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وقِيلَ: لِقَصْدِ الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وإنْكارِ عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ المُرادُ بِالبَلَدِ هُنا مَكَّةُ: دَعا إبْراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا: أيْ ذا أمْنٍ، وقَدَّمَ طَلَبَ الأمْنِ عَلى سائِرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ إذا انْتَفى الأمْنُ لَمْ يَفْرَغِ الإنْسانُ لِشَيْءٍ آخَرَ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما هُنالِكَ أنَّ المَطْلُوبَ هُنا مُجَرَّدُ الأمْنِ لِلْبَلَدِ، والمَطْلُوبَ هُنالِكَ البَلَدِيَّةُ والأمْنُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾، يُقالُ جَنَّبْتُهُ كَذا وأجْنَبْتُهُ وجَنَّبْتُهُ، أيْ: باعَدْتُهُ عَنْهُ، والمَعْنى: باعِدْنِي، وباعِدْ بَنِيَّ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، قِيلَ: أرادَ بَنِيهِ مِن صُلْبِهُ وكانُوا ثَمانِيَةً، وقِيلَ: أرادَ مَن كانَ مَوْجُودًا حالَ دَعْوَتِهِ مِن بَنِيهِ وبَنِي بَنِيهِ، وقِيلَ: أرادَ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ ما تَناسَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ صَنَمًا، والصَّنَمُ هو التِّمْثالُ الَّذِي كانَتْ تَصْنَعُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الأحْجارِ ونَحْوِها فَيَعْبُدُونَهُ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " وأجْنِبْنِي " بِقَطْعِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ أصْلَهُ أجْنَبَ.

﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أسْنَدَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ، لِأنَّها سَبَبٌ لِضَلالِهِمْ فَكَأنَّها أضَلَّتْهم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ لِرَبِّهِ، ثُمَّ قالَ: فَمَن تَبِعَنِي أيْ مَن تَبِعَ دِينِي مِنَ النّاسِ فَصارَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا فَإنَّهُ مِنِّي أيْ مِن أهْلِ دِينِي: جَعَلَ أهْلَ مِلَّتِهِ كَنَفْسِهِ مُبالَغَةً ومَن عَصانِي فَلَمْ يُتابِعْنِي ويَدْخُلْ في مِلَّتِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ، قِيلَ: قالَ هَذا قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ كَما وقَعَ مِنهُ الِاسْتِغْفارُ لِأبِيهِ وهو مُشْرِكٌ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ عِصْيانُهُ هُنا فِيما دُونَ الشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ.

ثُمَّ قالَ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: " مِن " لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ ذُرِّيَّتِي.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها زائِدَةٌ، أيْ: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّهُ إنَّما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهو بَعْضُ ولَدِهِ ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لا زَرْعَ فِيهِ، وهو وادِي مَكَّةَ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ ما يُسْتَباحُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى الجَبابِرَةِ، وقِيلَ: مُحَرَّمٌ مِن أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ، أوْ يُسْتَخَفَّ بِهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أسْكَنْتُ، أيْ: أسْكَنْتُهم …

39

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

Praise to Allah, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.

.

قَوْلُهُ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِسِياقِ ما قالَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ - بَيانُ كُفْرِ قُرَيْشٍ بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ، وهي إسْكانُهم مَكَّةَ بَعْدَ ما بَيَّنَ كُفْرَهم بِالنِّعَمِ العامَّةِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هاهُنا لِمِثالِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وقِيلَ: لِقَصْدِ الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وإنْكارِ عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ المُرادُ بِالبَلَدِ هُنا مَكَّةُ: دَعا إبْراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا: أيْ ذا أمْنٍ، وقَدَّمَ طَلَبَ الأمْنِ عَلى سائِرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ إذا انْتَفى الأمْنُ لَمْ يَفْرَغِ الإنْسانُ لِشَيْءٍ آخَرَ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما هُنالِكَ أنَّ المَطْلُوبَ هُنا مُجَرَّدُ الأمْنِ لِلْبَلَدِ، والمَطْلُوبَ هُنالِكَ البَلَدِيَّةُ والأمْنُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾، يُقالُ جَنَّبْتُهُ كَذا وأجْنَبْتُهُ وجَنَّبْتُهُ، أيْ: باعَدْتُهُ عَنْهُ، والمَعْنى: باعِدْنِي، وباعِدْ بَنِيَّ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، قِيلَ: أرادَ بَنِيهِ مِن صُلْبِهُ وكانُوا ثَمانِيَةً، وقِيلَ: أرادَ مَن كانَ مَوْجُودًا حالَ دَعْوَتِهِ مِن بَنِيهِ وبَنِي بَنِيهِ، وقِيلَ: أرادَ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ ما تَناسَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ صَنَمًا، والصَّنَمُ هو التِّمْثالُ الَّذِي كانَتْ تَصْنَعُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الأحْجارِ ونَحْوِها فَيَعْبُدُونَهُ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " وأجْنِبْنِي " بِقَطْعِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ أصْلَهُ أجْنَبَ.

﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أسْنَدَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ، لِأنَّها سَبَبٌ لِضَلالِهِمْ فَكَأنَّها أضَلَّتْهم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ لِرَبِّهِ، ثُمَّ قالَ: فَمَن تَبِعَنِي أيْ مَن تَبِعَ دِينِي مِنَ النّاسِ فَصارَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا فَإنَّهُ مِنِّي أيْ مِن أهْلِ دِينِي: جَعَلَ أهْلَ مِلَّتِهِ كَنَفْسِهِ مُبالَغَةً ومَن عَصانِي فَلَمْ يُتابِعْنِي ويَدْخُلْ في مِلَّتِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ، قِيلَ: قالَ هَذا قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ كَما وقَعَ مِنهُ الِاسْتِغْفارُ لِأبِيهِ وهو مُشْرِكٌ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ عِصْيانُهُ هُنا فِيما دُونَ الشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ.

ثُمَّ قالَ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: " مِن " لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ ذُرِّيَّتِي.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها زائِدَةٌ، أيْ: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّهُ إنَّما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهو بَعْضُ ولَدِهِ ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لا زَرْعَ فِيهِ، وهو وادِي مَكَّةَ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ ما يُسْتَباحُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى الجَبابِرَةِ، وقِيلَ: مُحَرَّمٌ مِن أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ، أوْ يُسْتَخَفَّ بِهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أسْكَنْتُ، أيْ: أسْكَنْتُهم …

40

رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ

My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.

.

قَوْلُهُ: وإذْ قالَ إبْراهِيمُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِسِياقِ ما قالَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ - بَيانُ كُفْرِ قُرَيْشٍ بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِمْ، وهي إسْكانُهم مَكَّةَ بَعْدَ ما بَيَّنَ كُفْرَهم بِالنِّعَمِ العامَّةِ، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ هاهُنا لِمِثالِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وقِيلَ: لِقَصْدِ الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وإنْكارِ عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ المُرادُ بِالبَلَدِ هُنا مَكَّةُ: دَعا إبْراهِيمُ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا: أيْ ذا أمْنٍ، وقَدَّمَ طَلَبَ الأمْنِ عَلى سائِرِ المَطالِبِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ إذا انْتَفى الأمْنُ لَمْ يَفْرَغِ الإنْسانُ لِشَيْءٍ آخَرَ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما هُنالِكَ أنَّ المَطْلُوبَ هُنا مُجَرَّدُ الأمْنِ لِلْبَلَدِ، والمَطْلُوبَ هُنالِكَ البَلَدِيَّةُ والأمْنُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾، يُقالُ جَنَّبْتُهُ كَذا وأجْنَبْتُهُ وجَنَّبْتُهُ، أيْ: باعَدْتُهُ عَنْهُ، والمَعْنى: باعِدْنِي، وباعِدْ بَنِيَّ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، قِيلَ: أرادَ بَنِيهِ مِن صُلْبِهُ وكانُوا ثَمانِيَةً، وقِيلَ: أرادَ مَن كانَ مَوْجُودًا حالَ دَعْوَتِهِ مِن بَنِيهِ وبَنِي بَنِيهِ، وقِيلَ: أرادَ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ ما تَناسَلُوا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قِيلَ مِن أنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ أحَدٌ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ صَنَمًا، والصَّنَمُ هو التِّمْثالُ الَّذِي كانَتْ تَصْنَعُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ الأحْجارِ ونَحْوِها فَيَعْبُدُونَهُ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " وأجْنِبْنِي " بِقَطْعِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ أصْلَهُ أجْنَبَ.

﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أسْنَدَ الإضْلالَ إلى الأصْنامِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ، لِأنَّها سَبَبٌ لِضَلالِهِمْ فَكَأنَّها أضَلَّتْهم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ لِرَبِّهِ، ثُمَّ قالَ: فَمَن تَبِعَنِي أيْ مَن تَبِعَ دِينِي مِنَ النّاسِ فَصارَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا فَإنَّهُ مِنِّي أيْ مِن أهْلِ دِينِي: جَعَلَ أهْلَ مِلَّتِهِ كَنَفْسِهِ مُبالَغَةً ومَن عَصانِي فَلَمْ يُتابِعْنِي ويَدْخُلْ في مِلَّتِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قادِرٌ عَلى أنْ تَغْفِرَ لَهُ، قِيلَ: قالَ هَذا قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ كَما وقَعَ مِنهُ الِاسْتِغْفارُ لِأبِيهِ وهو مُشْرِكٌ، كَذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: المُرادُ عِصْيانُهُ هُنا فِيما دُونَ الشِّرْكِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ.

ثُمَّ قالَ ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: " مِن " لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ ذُرِّيَّتِي.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها زائِدَةٌ، أيْ: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّهُ إنَّما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهو بَعْضُ ولَدِهِ ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لا زَرْعَ فِيهِ، وهو وادِي مَكَّةَ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ ما يُسْتَباحُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى الجَبابِرَةِ، وقِيلَ: مُحَرَّمٌ مِن أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ، أوْ يُسْتَخَفَّ بِهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أسْكَنْتُ، أيْ: أسْكَنْتُهم …

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.