Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 31–40 of 52

31

قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ

[O Muhammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange, nor any friendships.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣١] ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ .

﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أيْ: لِيُتَدارَكَ بِهِ اَلتَّقْصِيرُ، أوْ يُفْتَدى بِهِ: ﴿ولا خِلالٌ﴾ أيْ: مُخالَّةٌ. مَصْدَرٌ بِمَعْنى اَلْمُصاحَبَةِ؛ أيْ: لا مُفاداةَ فِيهِ ولا خُلَّةَ أحَدٍ بِمُغْنِيَةٍ شَيْئًا مِن شَفاعَةٍ أوْ مُسامَحَةٍ بِمالٍ يَفْتَدِي بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣]

قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ طابَقَ اَلْأمْرُ بِالإنْفاقِ وصْفَ اَلْيَوْمِ بِأنَّهُ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ ؟ قُلْتُ: مِن قِبَلِ أنَّ اَلنّاسَ يُخْرِجُونَ أمْوالَهم في عُقُودِ اَلْمُعاوَضاتِ فَيُعْطُونَ بَدَلًا لِيَأْخُذُوا مِثْلَهُ، وفي اَلْمُكارَماتِ ومُهاداةِ اَلْأصْدِقاءِ لِيَسْتَجِرُّوا بِهَداياهم أمْثالَها، أوْ خَيْرًا مِنها. وأمّا اَلْإنْفاقُ لِوَجْهِ اَللَّهِ خالِصًا، فَلا يَفْعَلُهُ إلّا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْخُلَّصُ، فَبُعِثُوا عَلَيْهِ لِيَأْخُذُوا بَدَلَهُ في اَلْيَوْمِ: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ أيْ: لا اِنْتِفاعَ فِيهِ بِمُبايِعَةٍ ولا بِمُخالَّةٍ ولا بِما يُنْفِقُونَ فِيهِ أمْوالَهم مِنَ اَلْمُعاوَضاتِ والمُكارَماتِ، وإنَّما يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اَللَّهِ. اِنْتَهى.

قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: والظّاهِرُ أنَّ (مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (أنْفَقُوا) وتَذْكِيرُ إتْيانِ ذَلِكَ اَلْيَوْمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِهِ، مِن حَيْثُ أنَّ كُلًّا مِن فِقْدانِ اَلشَّفاعَةِ وما يُتَدارَكُ بِهِ اَلتَّقْصِيرُ؛ مُعاوَضَةً وتَبَرُّعًا، وانْقِطاعِ آثارِ اَلْبَيْعِ والخِلالِ اَلْواقِعَيْنِ في اَلدُّنْيا وعَدَمِ اَلِانْتِفاعِ بِهِما مِن أقْوى اَلدَّواعِي إلى اَلْإتْيانِ بِما تَبْقى عَوائِدُهُ وتَدُومُ فَوائِدُهُ مِنَ اَلْإنْفاقِ في سَبِيلِهِ تَعالى. أوْ مِن حَيْثُ إنَّ اِدِّخارَ اَلْمالِ وتَرْكَ إنْفاقِهِ، إنَّما يَقَعُ غالِبًا لِلتِّجاراتِ والمُهاداةِ. فَحَيْثُ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ في اَلْآخِرَةِ، فَلا وجْهَ لِادِّخارِهِ إلى وقْتِ اَلْمَوْتِ.

وتَخْصِيصُ اَلتَّأْكِيدِ بِذَلِكَ لِمَيْلِ اَلطِّباعِ إلى اَلْمالِ، وكَوْنِها مَجْبُولَةً عَلى حُبِّهِ والفِتْنَةِ بِهِ. ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ اَلْأمْرِ بِإقامَةِ اَلصَّلاةِ أيْضًا، مِن حَيْثُ إنَّ تَرْكَها، كَثِيرًا ما يَكُونُ بِالِاشْتِغالِ بِالبُيُوعِ والمُخالّاتِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] ولَمّا ذَكَرَ أحْوالَ اَلْكافِرِينَ لِنِعَمِ اَللَّهِ تَعالى، وأمْرَ اَلْمُؤْمِنِينَ بِإقامَةِ مَراسِمِ اَلطّاعَةِ شُكْرًا لِنِعَمِهِ؛ شَرَعَ في تَفْصِيلِ ما يَسْتَوْجِبُ عَلى كافَّةِ اَلْأنامِ اَلْمُثابَرَةَ عَلى اَلشُّكْرِ والطّاعَةِ مِنَ اَلنِّعَمِ اَلْعِظامِ، حَثًّا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْها وتَقْرِيعًا لِلْكَفَرَةِ اَلْمُخِلِّينَ بِها، اَلْواضِعِينَ مَوْضِعَها اَلْكُفْرَ والمَعاصِيَ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

32

ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْأَنْهَٰرَ

It is Allah who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٢] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ .

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: اَلْمُزْنِ: ﴿ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ أيْ: تَعِيشُونَ بِهِ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ﴾ أيِ: اَلسُّفُنَ: ﴿لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: بِإرادَتِهِ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ أيْ: فَتَجْرِي حَيْثُ تَشاؤُونَ مِن شُرْبٍ وسَقْيٍ وسِواهُما.

33

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ

And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٣] ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ .

﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ أيْ: يَدْأبانِ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما ودَرْئِهِما اَلظُّلُماتِ وإصْلاحِهِما ما يُصْلِحانِ مِنَ اَلْأرْضِ والأبْدانِ والنَّباتِ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ أيْ: يَتَعاقَبانِ خَلْفَهُ، لِمَعاشِكم وسُباتِكم.

34

وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَظَلُومٌۭ كَفَّارٌۭ

And He gave you from all you asked of Him. And if you should count the favor of Allah, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٤] ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ .

﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ: ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِمّا تَصْلُحُ أحْوالُكم ومَعايِشُكم بِهِ، فَكَأنَّكم سَألْتُمُوهُ أوْ طَلَبْتُمُوهُ بِلِسانِ اَلْحالِ.

وقالَ القاشانِيُّ: ﴿مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ بِألْسِنَةِ اِسْتِعْداداتِكم، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَسْألُهُ بِلِسانِ اِسْتِعْدادِهِ، كَما لا يَفِيضُ عَلَيْهِ مَعَ اَلسُّؤالِ بِلا تَخَلُّفٍ وتَراخٍ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ لِعَدَمِ تَناهِيها: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ﴾ أيْ: بِوَضْعِ نُورِ اَلِاسْتِعْدادِ ومادَّةِ اَلْبَقاءِ في ظُلْمَةِ اَلطَّبِيعَةِ ومَحَلِّ اَلْفَناءِ وصَرْفِهِ فِيها. أوْ بِنَقْصِ حَقِّ اَللَّهِ أوْ حَقِّ نَفْسِهِ بِإبْطالِ اَلِاسْتِعْدادِ ﴿كَفّارٌ﴾ أيْ: بِتِلْكَ اَلنِّعَمِ اَلَّتِي لا تُحْصى، بِاسْتِعْمالِها في غَيْرِ ما يَنْبَغِي أنْ تُسْتَعْمَلَ، وغَفْلَتِهِ عَنِ اَلْمُنْعِمِ عَلَيْهِ بِهِ، واحْتِجابِهِ بِها عَنْهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:

35

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًۭا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٥] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ .

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ أيِ: اُذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ.

قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: والمَقْصُودُ مِن تَذْكِيرِهِ، تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِن مَقالاتِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ عَلى نَهْجِ اَلتَّفْصِيلِ. والمُرادُ بِهِ تَأْكِيدُ ما سَلَفَ مِن تَعَجُّبِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ بِبَيانِ فَنٍّ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ، حَيْثُ كَفَرُوا بِالنِّعَمِ اَلْخاصَّةِ بِهِمْ، بَعْدَ ما كَفَرُوا بِالنِّعَمِ اَلْعامَّةِ. وعَصَوْا أباهم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ حَيْثُ أسْكَنَهم بِمَكَّةَ شَرَّفَها اَللَّهُ تَعالى لِإقامَةِ اَلصَّلاةِ والِاجْتِنابِ عَنْ عِبادَةِ اَلْأصْنامِ والشُّكْرِ لِنِعَمِ اَللَّهِ تَعالى. وسَألَهُ تَعالى أنْ يَجْعَلَهُ بَلَدًا آمِنًا ويَرْزُقَهم مِنَ اَلثَّمَراتِ، وتَهْوِيَ قُلُوبُ اَلنّاسِ إلَيْهِمْ مِن كُلِّ أوْبٍ سَحِيقٍ. فاسْتَجابَ اَللَّهُ دُعاءَهُ، وجَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ. فَكَفَرُوا بِتِلْكَ اَلنِّعَمِ اَلْعِظامِ، واسْتَبْدَلُوا بِالبَلَدِ اَلْحَرامِ دارَ اَلْبَوارِ. وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وفَعَلُوا ما فَعَلُوا.

﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ﴾ يَعْنِي اَلْبَلَدَ اَلْحَرامَ، مَكَّةَ اَلْمُكَرَّمَةَ: ﴿آمِنًا﴾ أيْ: ذا أمْنٍ. أوْ آمِنًا أهْلُهُ ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ أيْ: بَعِّدْنِي وإيّاهم: ﴿أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾

36

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me; and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٦] ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: كُنْ سَبَبًا في إضْلالِهِمْ. كَما يُقالُ فَتَنَتْهُمُ اَلدُّنْيا وغَرَّتْهم، إشارَةً إلى أنَّهُ اِفْتَتَنَ بِالأصْنامِ خَلائِقَ لا تُحْصى. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِ. وإنَّما صَدَّرَهُ بِالنِّداءِ إظْهارًا لِاعْتِنائِهِ بِهِ، ورَغْبَتِهِ في اِسْتِجابَتِهِ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ أيْ: عَلى مِلَّتِي وكانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا مِثْلِي: ﴿فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي﴾ أيْ: فَخالَفَ مِلَّتِي: ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: فَإنَّكَ ذُو اَلْأسْماءِ اَلْحُسْنى، والمَجْدِ اَلْأسْمى، اَلْغَنِيُّ عَنِ اَلنّاسِ أجْمَعِينَ. وتَخْصِيصُ اَلِاسْمَيْنِ إشارَةٌ إلى سَبْقِ اَلرَّحْمَةِ.

37

رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةًۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٧] ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ .

﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ: بَعْضِ أوْلادِي. وهم إسْماعِيلُ ومَن وُلِدَ مِنهُ: ﴿بِوادٍ﴾ هو وادِي مَكَّةَ: ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ: لا يَكُونُ فِيهِ زَرْعٌ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ: اَلَّذِي حَرَّمْتَ اَلتَّعَرُّضَ لَهُ والتَّهاوُنَ بِهِ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: لِكَيْ يَأْتُوا بِعِبادَتِكَ مُقَوَّمَةً في ذَلِكَ اَلْمَوْضِعِ. وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ: ﴿أسْكَنْتُ﴾ أيْ: ما أسْكَنْتُهم هَذا اَلْوادِيَ إلّا لِيُقِيمُوا اَلصَّلاةَ عِنْدَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرَّمِ ويُعَمِّرُوهُ بِذِكْرِكَ وعِبادَتِكَ وحْدَكَ. وتَكْرِيرُ اَلنِّداءِ وتَوْسِيطُهُ؛ لِإظْهارِ كَمالِ اَلْعِنايَةِ بِإقامَةِ اَلصَّلاةِ.

﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ أيْ: تُسْرِعُ إلَيْهِمْ وتَطِيرُ نَحْوَهم شَوْقًا، فَيَأْنَسُوا ويَتَعارَفُوا فَيَتَآلَفُوا ويَعُودُوا عَلى بَعْضِهِمْ بِالمَنافِعِ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أيْ: فَتَجْلِبُها إلَيْهِمُ اَلتُّجّارُ: ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ أيْ: نِعْمَةَ إقامَتِهِمْ عِنْدَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرَّمِ بِالصَّلاةِ فِيها، عَلى كَمالِ اَلْإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ، مَعَ فَراغِ اَلْقَلْبِ.

38

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allah on the earth or in the heaven.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٨] ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ .

﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ لِأنَّ اَلْكُلَّ خَلْقُهُ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]

قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: اَلْمَعْنى: إنَّكَ أعْلَمُ بِأحْوالِنا وما يُصْلِحُنا وما يُفْسِدُنا مِنّا. وأنْتَ أرْحَمُ بِنا مِنّا بِأنْفُسِنا ولَها، فَلا حاجَةَ إلى اَلدُّعاءِ والطَّلَبِ. وإنَّما نَدْعُوكَ إظْهارًا لِلْعُبُودِيَّةِ لَكَ، وتَخَشُّعًا لِعَظَمَتِكَ، وتَذَلُّلًا لِعِزَّتِكَ، وافْتِقارًا إلى ما عِنْدَكَ، واسْتِعْجالًا لِنَيْلِ أيادِيكَ، ووَلَهًا إلى رَحْمَتِكَ. وكَما يَتَمَلَّقُ اَلْعَبْدُ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ رَغْبَةً في إصابَةِ مَعْرُوفِهِ، مَعَ تَوَفُّرِ اَلسَّيِّدِ عَلى حُسْنِ اَلْمِلْكَةِ.

وعَنْ بَعْضِهِمْ: أنَّهُ رَفَعَ حاجَتَهُ إلى كِرِيمٍ فَأبْطَأ عَلَيْهِ اَلنَّجْحَ، فَأرادَ أنْ يَذْكُرَهُ فَقالَ: مِثْلُكَ لا يُذْكَرُ اسْتِقْصارًا ولا تَوَهُّمًا لِلْغَفْلَةِ عَنْ حَوائِجِ اَلسّائِلِينَ، ولَكِنَّ ذا اَلْحاجَةِ لا تَدَعُهُ حاجَتُهُ أنْ لا يَتَكَلَّمَ فِيها. اِنْتَهى.

وجُوِّزَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ إلخ، أنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ تَعالى، تَصْدِيقًا لِإبْراهِيمَ، أوْ مِن كَلامِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ.

39

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

Praise to Allah, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٩] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ .

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أيْ: لِيَقُوما مَقامِي في اَلدَّعْوَةِ إلَيْهِ تَعالى وبَثِّ اَلْحَنِيفِيَّةِ وإقامَةِ اَلصَّلاةِ بَعْدَ ذَهابِي: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ: مُجِيبُهُ.

قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما ذَكَرَ حالَ اَلْكِبَرِ، لِأنَّ اَلْمِنَّةَ بِهِبَةِ اَلْوَلَدِ فِيها أعْظَمُ، مِن حَيْثُ إنَّها حالَ وُقُوعِ اَلْيَأْسِ مِنَ اَلْوِلادَةِ، والظَّفَرِ بِالحاجَةِ عَلى عَقِبِ اَلْيَأْسِ، مِن أجَلِّ اَلنِّعَمِ وأحْلاها في نَفْسِ اَلظّافِرِ.

40

رَبِّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ

My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٠] ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ .

﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ أيْ: عِبادَتِي، كَذا في (اَلتَّنْوِيرِ) .

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.