Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 1–10 of 52

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ

Alif, Lam, Ra. [This is] a Book which We have revealed to you, [O Muhammad], that you might bring mankind out of darknesses into the light by permission of their Lord - to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy -

سُورَةُ إبْراهِيمَ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنَتانِ وخَمْسُونَ آيَةً

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿الر كِتابٌ﴾ أيْ هو كِتابٌ. ﴿أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ بِدُعائِكَ إيّاهم إلى ما تَضَمَّنَهُ. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ مِن أنْواعِ الضَّلالِ. ﴿إلى النُّورِ﴾ إلى الهُدى. ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بِتَوْفِيقِهِ وتَسْهِيلِهِ مُسْتَعارٌ مِنَ الإذْنِ الَّذِي هو تَسْهِيلُ الحِجابِ، وهو صِلَةٌ ﴿لِتُخْرِجَ﴾ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أوْ مَفْعُولِهِ. ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلى النُّورِ﴾ بِتَكْرِيرِ العامِلِ أوِ اسْتِئْنافٌ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِمَن يَسْألُ عَنْهُ، وإضافَةُ الصِّراطِ إلى اللَّهِ تَعالى إمّا لِأنَّهُ مَقْصِدُهُ أوِ المَظْهِرُ لَهُ وتَخْصِيصُ الوَصْفَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَذِلُّ سالِكُهُ ولا يَخِيبُ سابِلُهُ.

2

ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌۭ لِّلْكَٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍۢ شَدِيدٍ

Allah, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And woe to the disbelievers from a severe punishment

﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوِ ﴿اللَّهِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والَّذِي صِفَتُهُ وعَلى قِراءَةِ الباقِينَ عَطْفُ بَيانٍ لِـ ﴿العَزِيزِ﴾ لِأنَّهُ كالعِلْمِ لِاخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِ عَلى الحَقِّ. ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ وعِيدٌ لِمَن كَفَرَ بِالكِتابِ ولَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، والوَيْلُ نَقِيضُ الوَأْلِ وهو النَّجاةُ، وأصْلُهُ النَّصْبُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ إلّا أنَّهُ لَمْ يُشْتَقَّ مِنهُ فِعْلٌ لَكِنَّهُ رُفِعَ لِإفادَةِ الثَّباتِ.

﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ يَخْتارُونَها عَلَيْها فَإنَّ المُخْتارَ لِلشَّيْءِ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْها مِن غَيْرِهِ. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِتَعْوِيقِ النّاسِ عَنِ الإيمانِ. وقُرِئَ « ويُصَدُّونَ» مِن أصَدَّهُ وهو مَنقُولٌ مِن صَدَّ صُدُودًا إذا تَنَكَّبَ ولَيْسَ فَصِيحًا، لِأنَّ في صَدِّهِ مَندُوحَةً عَنْ تَكَلُّفِ التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ.

﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ ويَبْغُونَ لَها زَيْغًا ونُكُوبًا عَنِ الحَقِّ لِيَقْدَحُوا فِيهِ، فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ والمَوْصُولُ بِصِلَتِهِ يَحْتَمِلُ الجَرَّ صِفَةً لِلْكافِرِينَ والنُّصْبَ عَلى الذَّمِّ والرَّفْعَ عَلَيْهِ أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ. ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ ضَلُّوا عَنِ الحَقِّ ووَقَعُوا عَنْهُ بِمَراحِلَ، والبُعْدُ في الحَقِيقَةِ لِلضّالِّ فَوُصِفَ بِهِ فِعْلُهُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِلْأمْرِ الَّذِي بِهِ الضَّلالُ فَوُصِفَ بِهِ لِمُلابَسَتِهِ.

3

ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍۢ

The ones who prefer the worldly life over the Hereafter and avert [people] from the way of Allah, seeking to make it (seem) deviant. Those are in extreme error.

﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوِ ﴿اللَّهِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والَّذِي صِفَتُهُ وعَلى قِراءَةِ الباقِينَ عَطْفُ بَيانٍ لِـ ﴿العَزِيزِ﴾ لِأنَّهُ كالعِلْمِ لِاخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِ عَلى الحَقِّ. ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ وعِيدٌ لِمَن كَفَرَ بِالكِتابِ ولَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، والوَيْلُ نَقِيضُ الوَأْلِ وهو النَّجاةُ، وأصْلُهُ النَّصْبُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ إلّا أنَّهُ لَمْ يُشْتَقَّ مِنهُ فِعْلٌ لَكِنَّهُ رُفِعَ لِإفادَةِ الثَّباتِ.

﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ يَخْتارُونَها عَلَيْها فَإنَّ المُخْتارَ لِلشَّيْءِ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْها مِن غَيْرِهِ. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِتَعْوِيقِ النّاسِ عَنِ الإيمانِ. وقُرِئَ « ويُصَدُّونَ» مِن أصَدَّهُ وهو مَنقُولٌ مِن صَدَّ صُدُودًا إذا تَنَكَّبَ ولَيْسَ فَصِيحًا، لِأنَّ في صَدِّهِ مَندُوحَةً عَنْ تَكَلُّفِ التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ.

﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ ويَبْغُونَ لَها زَيْغًا ونُكُوبًا عَنِ الحَقِّ لِيَقْدَحُوا فِيهِ، فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ والمَوْصُولُ بِصِلَتِهِ يَحْتَمِلُ الجَرَّ صِفَةً لِلْكافِرِينَ والنُّصْبَ عَلى الذَّمِّ والرَّفْعَ عَلَيْهِ أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ. ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ ضَلُّوا عَنِ الحَقِّ ووَقَعُوا عَنْهُ بِمَراحِلَ، والبُعْدُ في الحَقِيقَةِ لِلضّالِّ فَوُصِفَ بِهِ فِعْلُهُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِلْأمْرِ الَّذِي بِهِ الضَّلالُ فَوُصِفَ بِهِ لِمُلابَسَتِهِ.

4

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

And We did not send any messenger except [speaking] in the language of his people to state clearly for them, and Allah sends astray [thereby] whom He wills and guides whom He wills. And He is the Exalted in Might, the Wise.

﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ إلّا بِلُغَةِ قَوْمِهِ الَّذِي هو مِنهم وبُعِثَ فِيهِمْ. ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ما أُمِرُوا بِهِ فَيَفْقَهُوهُ عَنْهُ بِيُسْرٍ وسُرْعَةٍ، ثُمَّ يَنْقُلُوهُ ويُتَرْجِمُوهُ إلى غَيْرِهِمْ فَإنَّهم أوْلى النّاسِ إلَيْهِ بِأنْ يَدْعُوَهم وأحَقُّ بِأنْ يُنْذِرَهم، ولِذَلِكَ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإنْذارِ عَشِيرَتِهِ أوَّلًا، ولَوْ نَزَلَ عَلى مَن بُعِثَ إلى أُمَمٍ مُخْتَلِفَةٍ كُتُبٌ عَلى ألْسِنَتِهِمِ اسْتَقَلَّ ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِنَ الإعْجازِ، لَكِنْ أدّى إلى اخْتِلافِ الكَلِمَةِ وإضاعَةِ فَضْلِ الِاجْتِهادِ في تَعَلُّمِ الألْفاظِ ومَعانِيها، والعُلُومِ المُتَشَعِّبَةِ مِنها وما في إتْعابِ القَرائِحِ وكَدِّ النُّفُوسِ مِنَ القُرَبِ المُقْتَضِيَةِ لِجَزِيلِ الثَّوابِ.

وَقُرِئَ « بِلُسُنِ» وهو لُغَةٌ فِيهِ كَرِيَشٍ ورِياشٍ، ولُسُنَ بِضَمَّتَيْنِ وضَمَّةٍ وسُكُونٍ عَلى الجَمْعِ كَعُمُدٍ وعُمْدٍ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْمِهِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ الكُتُبَ كُلَّها بِالعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ تَرْجَمَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ كُلُّ نَبِيٍّ بِلُغَةِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ فَإنَّهُ ضَمِيرُ القَوْمِ، والتَّوْراةُ والإنْجِيلُ ونَحْوُهُما لَمْ تَنْزِلْ لِتُبَيِّنَ لِلْعَرَبِ. ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ فَيَخْذُلُهُ عَنِ الإيمانِ. ﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ.

﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ فَلا يُغْلَبُ عَلى مَشِيئَتِهِ. ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَضِلُّ ولا يَهْدِي إلّا لِحِكْمَةٍ.

5

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍۢ

And We certainly sent Moses with Our signs, [saying], "Bring out your people from darknesses into the light and remind them of the days of Allah." Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ يَعْنِي اليَدَ والعَصا وسائِرَ مُعْجِزاتِهِ. ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ بِمَعْنى أيْ أخْرِجْ لِأنَّ في الإرْسالِ مَعْنى القَوْلِ، أوْ بِأنْ أخْرِجْ فَإنَّ صِيَغَ الأفْعالِ سَواءٌ في الدَّلالَةِ عَلى المَصْدَرِ فَيَصِحُّ أنَّ تُوصَلَ بِها أنِ النّاصِبَةُ. ﴿وَذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ بِوَقائِعِهِ الَّتِي وقَعَتْ عَلى الأُمَمِ الدّارِجَةِ وأيّامُ العَرَبِ حُرُوبُها. وقِيلَ بِنَعْمائِهِ وبَلائِهِ. ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ يَصْبِرُ عَلى بَلائِهِ ويَشْكُرُ عَلى نَعْمائِهِ، فَإنَّهُ إذا سَمِعَ بِما أُنْزِلَ عَلى مَن قَبْلُ مِنَ البَلاءِ وأُفِيضَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّعْماءِ اعْتَبَرَ وتَنَبَّهَ لِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ والشُّكْرِ. وقِيلَ المُرادُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الصَّبْرَ والشُّكْرَ عُنْوانُ المُؤْمِنِ.

6

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall, O Children of Israel], when Moses said to His people, "Remember the favor of Allah upon you when He saved you from the people of Pharaoh, who were afflicting you with the worst torment and were slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ اذْكُرُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْكم وقْتَ إنْجائِهِ إيّاكم، ويَجُوزُ أنْ يُنْتَصَبَ بِـ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ إنْ جُعِلَتْ مُسْتَقِرَّةً غَيْرَ صِلَةٍ لِلنِّعْمَةِ، وذَلِكَ إذا أُرِيدَتْ بِها العَطِيَّةُ دُونَ الأنْعامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن نِعْمَةِ اللَّهِ بَدَلَ الِاشْتِمالِ. ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ أحْوالٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، أوْ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ والمُرادُ بِالعَذابِ ها هُنا غَيْرُ المُرادِ بِهِ في سُورَةِ « البَقَرَةِ» و « الأعْرافِ» لِأنَّهُ مُفَسَّرٌ بِالتَّذْبِيحِ والقَتْلِ ثَمَّةَ ومَعْطُوفٌ عَلَيْهِ التَّذْبِيحُ ها هُنا، وهو إمّا جِنْسُ العَذابِ أوِ اسْتِعْبادُهم أوِ اسْتِعْمالُهم بِالأعْمالِ الشّاقَّةِ. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ بِإقْدارِ اللَّهِ إيّاهم وإمْهالِهِمْ فِيهِ. ﴿بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ ابْتِلاءٌ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الإنْجاءِ والمُرادُ بِالبَلاءِ النِّعْمَةُ.

7

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌۭ

And [remember] when your Lord proclaimed, 'If you are grateful, I will surely increase you [in favor]; but if you deny, indeed, My punishment is severe.' "

﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أيْضًا مِن كَلامِ مُوسى ﷺ، وتَأذَّنَ بِمَعْنى آذَنَ كَتَوَعَّدَ وأوْعَدَ غَيْرَ أنَّهُ أبْلَغُ لِما في التَّفَعُّلِ مِن مَعْنى التَّكَلُّفِ والمُبالَغَةِ. ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ يا بَنِي إسْرائِيلَ ما أنْعَمْتُ عَلَيْكم مِنَ الإنْجاءِ وغَيْرِهِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. ﴿لأزِيدَنَّكُمْ﴾ نِعْمَةً إلى نِعْمَةٍ. ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ ما أنْعَمْتُ عَلَيْكم. ﴿إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ فَلَعَلِّي أُعَذِّبُكم عَلى الكُفْرانِ عَذابًا شَدِيدًا ومِن عادَةِ أكْرَمِ الأكْرَمِينَ أنْ يُصَرِّحَ بِالوَعْدِ ويُعَرِّضَ بِالوَعِيدِ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ مَفْعُولُ ﴿تَأذَّنَ﴾ عَلى أنَّهُ جارٍ مَجْرى (قالَ) لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنهُ.

﴿وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مِنَ الثَّقَلَيْنِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِكم. ﴿حَمِيدٌ﴾ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ في ذاتِهِ، مَحْمُودٌ تَحْمَدُهُ المَلائِكَةُ وتَنْطِقُ بِنِعْمَتِهِ ذَرّاتُ المَخْلُوقاتِ، فَما ضَرَرْتُمْ بِالكَفْرِ إلّا أنْفُسَكم حَيْثُ حَرَمْتُمُوها مَزِيدَ الأنْعامِ وعَرَّضْتُمُوها لِلْعَذابِ الشَّدِيدِ.

8

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ

And Moses said, "If you should disbelieve, you and whoever is on the earth entirely - indeed, Allah is Free of need and Praiseworthy."

﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أيْضًا مِن كَلامِ مُوسى ﷺ، وتَأذَّنَ بِمَعْنى آذَنَ كَتَوَعَّدَ وأوْعَدَ غَيْرَ أنَّهُ أبْلَغُ لِما في التَّفَعُّلِ مِن مَعْنى التَّكَلُّفِ والمُبالَغَةِ. ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ يا بَنِي إسْرائِيلَ ما أنْعَمْتُ عَلَيْكم مِنَ الإنْجاءِ وغَيْرِهِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. ﴿لأزِيدَنَّكُمْ﴾ نِعْمَةً إلى نِعْمَةٍ. ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ ما أنْعَمْتُ عَلَيْكم. ﴿إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ فَلَعَلِّي أُعَذِّبُكم عَلى الكُفْرانِ عَذابًا شَدِيدًا ومِن عادَةِ أكْرَمِ الأكْرَمِينَ أنْ يُصَرِّحَ بِالوَعْدِ ويُعَرِّضَ بِالوَعِيدِ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ مَفْعُولُ ﴿تَأذَّنَ﴾ عَلى أنَّهُ جارٍ مَجْرى (قالَ) لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنهُ.

﴿وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مِنَ الثَّقَلَيْنِ. ﴿فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِكم. ﴿حَمِيدٌ﴾ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ في ذاتِهِ، مَحْمُودٌ تَحْمَدُهُ المَلائِكَةُ وتَنْطِقُ بِنِعْمَتِهِ ذَرّاتُ المَخْلُوقاتِ، فَما ضَرَرْتُمْ بِالكَفْرِ إلّا أنْفُسَكم حَيْثُ حَرَمْتُمُوها مَزِيدَ الأنْعامِ وعَرَّضْتُمُوها لِلْعَذابِ الشَّدِيدِ.

9

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ ۛ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ

Has there not reached you the news of those before you - the people of Noah and 'Aad and Thamud and those after them? No one knows them but Allah. Their messengers brought them clear proofs, but they returned their hands to their mouths and said, "Indeed, we disbelieve in that with which you have been sent, and indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ. ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتِ اعْتِراضًا، أوِ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ ولا يَعْلَمُهُمُ اعْتِراضٌ، والمَعْنى أنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَذِبَ النَّسّابُونَ. ﴿جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ فَعَضُّوها غَيْظًا مِمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ . أوْ وضَعُوها عَلَيْها تَعَجُّبًا مِنهُ أوِ اسْتِهْزاءً عَلَيْهِ كَمَن غَلَبَهُ الضَّحِكُ، أوْ إسْكاتًا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمْرًا لَهم بِإطْباقِ الأفْواهِ، أوْ أشارُوا بِها إلى ألْسِنَتِهِمْ وما نَطَقَتْ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كَفَرْنا﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنْ لا جَوابَ لَهم سِواهُ أوْ رَدُّوها في أفْواهِ الأنْبِياءِ يَمْنَعُونَهم مِنَ التَّكَلُّمِ، وعَلى هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا. وقِيلَ الأيْدِي بِمَعْنى الأيادِي أيْ رَدُّوا أيادِيَ الأنْبِياءِ الَّتِي هي مَواعِظُهم وما أُوحِيَ إلَيْهِمْ مِنَ الحِكَمِ والشَّرائِعِ في أفْواهِهِمْ، لِأنَّهم إذا كَذَّبُوها ولَمْ يَقْبَلُوها فَكَأنَّهم رَدُّوها إلى حَيْثُ جاءَتْ مِنهُ. ﴿وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ عَلى زَعْمِكم. ﴿وَإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ﴾ مِنَ الإيمانِ وقُرِئَ « تَدْعُونا» بِالإدْغامِ. ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٍ في الرِّيبَةِ أوْ ذِي رِيبَةٍ وهي قَلَقُ النَّفْسِ وأنْ لا تَطْمَئِنَّ إلى الشَّيْءِ.

10

۞ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّۭ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ قَالُوٓا۟ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَٰنٍۢ مُّبِينٍۢ

Their messengers said, "Can there be doubt about Allah, Creator of the heavens and earth? He invites you that He may forgive you of your sins, and He delays your death for a specified term." They said, "You are not but men like us who wish to avert us from what our fathers were worshipping. So bring us a clear authority."

﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ أُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الظَّرْفِ لِأنَّ الكَلامَ في المَشْكُوكِ فِيهِ لا في الشَّكِّ. أيْ إنَّما نَدْعُوكم إلى اللَّهِ وهو لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ لِكَثْرَةِ الأدِلَّةِ وظُهُورِ دَلالَتِها عَلَيْهِ. وأشارُوا إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهو صِفَةٌ أوْ بَدَلٌ، وشَكٌّ مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ. ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ إلى الإيمانِ بِبَعْثِهِ إيّانا. ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ أوْ يَدْعُوَكم إلى المَغْفِرَةِ كَقَوْلِكَ: دَعْوَتُهُ لِيَنْصُرَنِي، عَلى إقامَةِ المَفْعُولِ لَهُ مَقامَ المَفْعُولِ بِهِ. ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ بَعْضِ ذُنُوبِكم وهو ما بَيْنَكم وبَيْنَهُ تَعالى، فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّهُ دُونَ المَظالِمِ، وقِيلَ جِيءَ بِمِن في خِطابِ الكَفَرَةِ دُونَ المُؤْمِنِينَ في جَمِيعِ القُرْآنِ تَفْرِقَةً بَيْنَ الخِطابَيْنِ، ولَعَلَّ المَعْنى فِيهِ أنَّ المَغْفِرَةَ حَيْثُ جاءَتْ في خِطابِ الكُفّارِ مُرَتَّبَةً عَلى الإيمانِ وحَيْثُ جاءَتْ في خِطابِ المُؤْمِنِينَ مَشْفُوعَةً بِالطّاعَةِ والتَّجَنُّبِ عَنِ المَعاصِي ونَحْوِ ذَلِكَ فَتَتَناوَلُ الخُرُوجَ عَنِ المَظالِمِ. ﴿وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى وقْتٍ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى وجَعَلَهُ آخِرَ أعْمارِكم. ﴿قالُوا إنْ أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا فَلِمَ تُخَصُّونَ بِالنُّبُوَّةِ دُونَنا ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَ إلى البَشَرِ رُسُلًا لَبَعَثَ مِن جِنْسٍ أفْضَلَ. ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ بِهَذِهِ الدَّعْوى. ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ يَدُلُّ عَلى فَضْلِكم واسْتِحْقاقِكم لِهَذِهِ المَزِيَّةِ، أوْ عَلى صِحَّةِ ادِّعائِكُمُ النُّبُوَّةَ كَأنَّهم لَمْ يَعْتَبِرُوا ما جاءُوا بِهِ مِنَ البَيِّناتِ والحُجَجِ واقْتَرَحُوا عَلَيْهِمْ آيَةً أُخْرى تَعَنُّتًا ولَجاجًا.

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.