Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 21–30 of 52

21

وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًۭا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًۭا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ قَالُوا۟ لَوْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَٰكُمْ ۖ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍۢ

And they will come out [for judgement] before Allah all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allah?" They will say, "If Allah had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."

﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ: يَبْرُزُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ النّارِ﴾ أوْ لِأنَّهُ لا مُضِيَّ، ولا اسْتِقْبالَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ: بُرُوزُهم مِن قُبُورِهِمْ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، ومُحاسَبَتِهِ، أوْ لِلَّهِ عَلى ظَنِّهِمْ، فَإنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ عِنْدَ ارْتِكابِهِمُ الفَواحِشَ سِرًّا أنَّها تَخْفى عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ انْكَشَفُوا لِلَّهِ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ الأتْباعُ جَمْعُ ضَعِيفٍ، والمُرادُ: ضَعْفُ الرَّأْيِ. وإنَّما كُتِبَ بِالواوِ، وعَلى لَفْظِ مَن يُفَخِّمُ الألِفَ قَبْلَ الهَمْزَةِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ لِرُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ اسْتَتْبَعُوهُمْ، واسْتَغْوُوهم ﴿إنّا كُنّا﴾ في الدُّنْيا ﴿لَكم تَبَعًا﴾ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والإعْراضِ عَنْ نَصائِحِهِمْ، وهو جَمْعٌ تابِعٌ كَغَيْبٍ في جَمْعٍ غائِبٍ، أوْ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ مُبالَغَةً، أوْ عَلى إضْمارٍ، أيْ: ذَوِي تَبَعٍ.

﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ دافِعُونَ ﴿عَنّا﴾ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ الِاتِّباعِ لِلْإغْناءِ، والمُرادُ التَّوْبِيخُ، والعِتابُ، والتَّقْرِيعُ، والتَّبْكِيتُ.

﴿مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأُولى: لِلْبَيانِ، واقِعَةٌ مَوْقِعَ الحالِ. والثّانِيَةُ: لِلتَّبْعِيضِ، واقِعَةٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ، أيْ: بَعْضُ الشَّيْءِ الَّذِي هو عَذابُ اللَّهِ تَعالى، ويَجُوزُ كَوْنُهُما لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضُ شَيْءٍ، هو بَعْضُ عَذابِ اللَّهِ. والإعْرابُ كَما سَبَقَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأُولى: مَفْعُولًا. والثّانِيَةُ: مَصْدَرًا، أيْ: فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا بَعْضَ العَذابِ بَعْضَ الإغْناءِ؟ ويَعْضُدُ الأوَّلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ نَصِيبًا مِنَ النّارِ.

﴿قالُوا﴾ أيِ: المُسْتَكْبِرُونَ جَوابًا عَنْ مُعاتَبَةِ الأتْباعِ، واعْتِذارًا عَمّا فَعَلُوا بِهِمْ، ﴿لَوْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ: لِلْإيماءِ ووَفَّقَنا لَهُ ﴿لَهَدَيْناكُمْ﴾ ولَكِنْ ضَلَلْنا فَأضْلَلْناكم. أيِ: اخْتَرْنا لَكم ما اخْتَرْناهُ لِأنْفُسِنا، أوْ لَوْ هَدانا اللَّهُ طَرِيقَ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ لَهَدَيْناكُمْ، وأغْنَيْنا عَنْكُمْ، كَما عَرَضْنا لَهُ، ولَكِنْ سُدَّ دُونَنا طَرِيقُ الخَلاصِ، ولاتَ حِينَ مَناصٍ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا﴾ مِمّا لَقِينا ﴿أمْ صَبَرْنا﴾ عَلى ذَلِكَ، أيْ: مُسْتَوٍ عَلَيْنا الجَزَعُ والصَّبْرُ في عَدَمِ الإنْجاءِ، والهَمْزَةُ وأمْ لِتَأْكِيدِ التَّسْوِيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ وإنَّما أسْنَدُوهُما، ونَسَبُوا اسْتِواءَهُما إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُنْتَظِمِ لِلْمُخاطَبِينَ أيْضًا، مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ التَّوْبِيخِ، بِإعْلامِ أنَّهم شُرَكاءُ لَهم فِيما ابْتُلُوا بِهِ، وتَسْلِيَةً لَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "سَواءٌ عَلَيْنا..." إلَخْ. مِن كَلامِ الفَرِيقَيْنِ عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ﴾ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّهم يَقُولُونَ: تَعالَوْا نَجْزَعْ فَيَجْزَعُونَ خَمْسَمِائَةِ عامٍ، فَلا يَنْفَعُهم. فَيَقُولُونَ: تَعالَوْا نَصْبِرْ فَيَصْبِرُونَ كَذَلِكَ، فَلا يَنْفَعُهم. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ ذَلِكَ، ولَمّا كانَ عِتابُ الأتْباعِ مِن بابِ الجَزَعِ ذَيَّلُوا جَوابَهم بِبَيانِ أنْ لا جَدْوى في ذَلِكَ. فَقالُوا: ﴿ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ مِن مَنجًى، ومَهْرَبٍ مِنَ العَذابِ، مِن حاصَ …

22

وَقَالَ ٱلشَّيْطَٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلْأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم ۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ ۖ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And Satan will say when the matter has been concluded, "Indeed, Allah had promised you the promise of truth. And I promised you, but I betrayed you. But I had no authority over you except that I invited you, and you responded to me. So do not blame me; but blame yourselves. I cannot be called to your aid, nor can you be called to my aid. Indeed, I deny your association of me [with Allah] before. Indeed, for the wrongdoers is a painful punishment."

﴿وَقالَ الشَّيْطانُ﴾ الَّذِي أضَلَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ، واسْتَتْبَعَهُما عِنْدَ ما عَتَباهُ، بِما قالَهُ الأتْباعُ لِلْمُسْتَكْبِرِينَ، ﴿لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: أُحْكِمَ، وفُرِغَ مِنهُ، وهو الحِسابُ، ودَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، خَطِيبًا في مَحْفِلِ الأشْقِياءِ مِنَ الثِّقَلَيْنِ.

﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ أيْ: وعْدًا مِن حَقِّهِ أنْ يُنْجَزَ فَأنْجَزَهُ، أوْ وعْدًا أنْجَزَهُ، وهو الوَعْدُ بِالبَعْثِ، والجَزاءِ.

﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾ أيْ: وعْدَ الباطِلِ، وهو أنْ لا بَعْثَ، ولا جَزاءَ. ولَئِنْ كانَ فالأصْنامُ شُفَعاؤُكُمْ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِبُطْلانِهِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ أيْ: مَوْعِدِي عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي، أيْ: نَقَضْتُهُ جَعَلَ وعْدَهُ كالإخْلافِ مِنهُ، كَأنَّهُ كانَ قادِرًا عَلى إنْجازِهِ وأنّى لَهُ ذَلِكَ ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: تَسَلُّطٍ أوْ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِي ﴿إلا أنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ إلّا دُعائِي إيّاكم إلَيْهِ، وتَسْوِيلُهُ، وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن بابِ السُّلْطانِ لَكِنَّهُ أبْرَزَهُ في مَبْرُوزِهِ عَلى طَرِيقَةِ [تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ] مُبالَغَةً في نَفْيِ السُّلْطانِ عَنْ نَفْسِهِ كَأنَّهُ قالَ: إنَّما يَكُونُ لِي عَلَيْكم سُلْطانٌ إذا كانَ مُجَرَّدُ الدُّعاءِ مِن بابِهِ، ويَجُوزُ كَوْنُ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا.

﴿فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ فَأسْرَعْتُمْ إجابَتِي ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ بِوَعْدِي إيّاكم حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ القَصْرِ، والإلْجاءِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الفاءُ، وقُرِئَ: بِالياءِ عَلى وجْهِ الِالتِفاتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ﴿وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ حَيْثُ اسْتَجَبْتُمْ لِي بِاخْتِيارِكم حِينَ دَعَوْتُكم بِلا حُجَّةٍ، ولا دَلِيلَ بِمُجَرَّدِ تَزْيِينٍ، وتَسْوِيلٍ. ولَمْ تَسْتَجِيبُوا رَبَّكم إذْ دَعاكم دَعْوَةَ الحَقِّ المَقْرُونَةَ بِالبَيِّناتِ، والحُجَجِ، ولَيْسَ مُرادُهُ التَّنَصُّلَ عَنْ تَوَجُّهِ اللّائِمَةِ إلَيْهِ بِالمَرَّةِ، بَلْ بَيانُ أنَّهم أحَقُّ بِها مِنهُ، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِقْلالِ العَبْدِ في أفْعالِهِ كَما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ، بَلْ يَكْفِي في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ لِقدرته الكاسِبَةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّكْلِيفِ مُدْخَلٌ فِيهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يَخْلُقُ أفْعالَهُ حَسْبَما يَخْتارُهُ، وعَلَيْهِ تَتَرَتَّبُ السَّعادَةُ، والشَّقاوَةُ. وما قِيلَ: مِن أنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يُقالَ: فَلا تَلُومُونِي، ولا أنْفُسَكُمْ، فَإنَّ اللَّهَ قَضى عَلَيْكُمُ الكُفْرَ، وأجْبَرَكم عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ، وبَيْنَ مَسْلَكِ الجَبْرِيَّةِ.

﴿ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أيْ: بِمُغِيثِكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ، ﴿وَما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ مِمّا أنا فِيهِ، وإنَّما تَعَرَّضَ لِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ مُبالَغَةً في بَيانِ عَدَمِ إصْراخِهِ إيّاهُمْ، وإيذانًا بِأنَّهُ أيْضًا مُبْتَلًى بِمِثْلِ ما ابْتُلُوا بِهِ، ومُحْتاجٌ إلى الإصْراخِ. فَكَيْفَ مِن إصْراخِ الغَيْرِ؟ ولِذَلِكَ آثَرَ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ فَكَأنَّ ما مَضى كانَ جَوابًا مِنهُ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ، وتَقْرِيعِهِمْ، وهَذا جَوابٌ عَنِ اسْتِغاثَتِهِمْ، واسْتِعانَتِهِمْ بِهِ في اسْتِدْفاعِ ما دَهِمَهم مِنَ العَذابِ. وقُرِئَ: بِكَسْرِ الياءِ ﴿إنِّي كَفَرْتُ﴾ اليَوْمَ ﴿بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: بِإشْراكِكم إيّايَ. بِمَعْنى: تَبَرَّأْتُ مِنهُ، واسْتَنْكَرْتُهُ. …

23

وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌ

And those who believed and did righteous deeds will be admitted to gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein by permission of their Lord; and their greeting therein will be, "Peace!"

﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ، أوْ بِتَوْفِيقِهِ وهِدايَتِهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ إظْهارُ مَزِيدٍ مِنَ اللُّطْفِ بِهِمْ، والمُدْخِلُونَ هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقُرِئَ: عَلى صِيغَةِ التَّكَلُّمِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ أيْ: يُحَيِّهِمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ.

24

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا كَلِمَةًۭ طَيِّبَةًۭ كَشَجَرَةٍۢ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌۭ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Have you not considered how Allah presents an example, [making] a good word like a good tree, whose root is firmly fixed and its branches [high] in the sky?

﴿ألَمْ تَرَ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ عُلِّقَ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ أيْ: كَيْفَ اعْتَمَدَهُ، ووَضَعَهُ في مَوْضِعِهِ اللّائِقِ بِهِ.

﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ . مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ. أيْ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً هي كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، أوْ كُلَّ كَلِمَةٍ حَسَنَةٍ كالتَّسْبِيحَةِ، والتَّحْمِيدَةِ، والِاسْتِغْفارِ، والتَّوْبَةِ، والدَّعْوَةِ.

﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ أيْ: حَكَمَ بِأنَّها مِثْلَها لا أنَّهُ تَعالى صَيَّرَها مِثْلَها في الخارِجِ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: "ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا" كَقَوْلِكَ: شَرَّفَ الأمِيرُ زَيْدًا كَساهُ حُلَّةً، وحَمَلَهُ عَلى فَرَسٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلِمَةً بَدَلًا مِن مَثَلًا، وكَشَجَرَةٍ صِفَتُها. أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. أيْ: هي كَشَجَرَةٍ، وأنْ يَكُونَ أوَّلَ مَفْعُولَيْ ضَرَبَ إجْراءً لَهُ مُجْرى جَعَلَ قَدْ أُخِّرَ عَنْ ثانِيهِما. أعْنِي: مَثَلًا لِئَلّا يَبْعُدَ عَنْ صِفَتِهِ الَّتِي هي كَشَجَرَةٍ، وقَدْ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.

﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ أيْ: ضارِبٌ بِعُرُوقِهِ في الأرْضِ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) ثابِتٌ أصْلُها، وقِراءَةُ الجَماعَةِ أقْوى سَبْكًا، وأنْسَبُ بِقَرِينَتِهِ. أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَفَرْعُها﴾ أيْ: أعْلاها ﴿فِي السَّماءِ﴾ في جِهَةِ العُلُوِّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ "وَفُرُوعُها" عَلى الِاكْتِفاءِ بِلَفْظِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ.

25

تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍۭ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

It produces its fruit all the time, by permission of its Lord. And Allah presents examples for the people that perhaps they will be reminded.

﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ تُعْطِي ثَمَرَها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ وقَّتَهُ اللَّهُ تَعالى لِإثْمارِها ﴿بِإذْنِ رَبِّها﴾ بِإرادَةِ خالِقِها، والمُرادُ: "بِالشَّجَرَةِ" المَنعُوتَةِ إمّا النَّخْلَةُ كَما رُوِيَ مَرْفُوعًا، أوْ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ.

﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ لِأنَّ في ضَرْبِها زِيادَةَ إفْهامٍ، وتَذْكِيرٍ. فَإنَّهُ تَصْوِيرٌ لِلْمَعانِي بِصُوَرِ المَحْسُوساتِ.

26

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍۢ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍۢ

And the example of a bad word is like a bad tree, uprooted from the surface of the earth, not having any stability.

﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي كَلِمَةُ الكُفْرِ، والدُّعاءِ إلَيْهِ، أوْ تَكْذِيبُ الحَقِّ، أوْ ما يَعُمُّ الكُلَّ، أوْ كُلُّ كَلِمَةٍ قَبِيحَةٍ.

﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ أيْ: كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ. قِيلَ: هي كُلُّ شَجَرَةٍ لا يَطِيبُ ثَمَرُها كالحَنْظَلِ، والكَشُوثِ، ونَحْوِهِما. وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْصُودِ الضَّرْبِ والبَيانِ، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ ظاهِرٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ ﴿اجْتُثَّتْ﴾ اسْتُؤْصِلَتْ، وأُخِذَتْ جُثَّتُها بِالكُلِّيَّةِ، ﴿مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ لِكَوْنِ عُرُوقِها قَرِيبَةً مِنهُ ﴿ما لَها مِن قَرارٍ﴾ اسْتِقْرارٍ عَلَيْها.

27

يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ

Allah keeps firm those who believe, with the firm word, in worldly life and in the Hereafter. And Allah sends astray the wrongdoers. And Allah does what He wills.

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ الَّذِي ثَبَتَ بِالحُجَّةِ عِنْدَهُمْ، وتَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ، وهو الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ صِفَتُها العَجِيبَةُ، ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَلا يَزالُونَ عَنْهُ إذا افْتُتِنُوا في دِينِهِمْ كَزَكَرِيّا ويَحْيى وجَرْجِيسَ وشَمْسُونَ والَّذِينَ فَتَنَهم أصْحابُ الأُخْدُودِ ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ فَلا يَتَلَعْثَمُونَ إذا سُئِلُوا عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ في المَوْقِفِ، ولا تُدْهِشُهم أهْوالُ القِيامَةِ، أوْ عِنْدَ سُؤالِ القَبْرِ. رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ ذَكَرَ قَبْضَ رُوحِ المُؤْمِنِ فَقالَ: "ثُمَّ يُعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكانِ فَيُجْلِسانِهِ في قَبْرِهِ، فَيَقُولُونَ مَن رَبُّكَ؟ وما دِينُكَ؟ ومَن نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، ودِينِيَ الإسْلامُ، ونَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ، فَيُنادِي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ أنَّهُ صَدَقَ عَبْدِي" فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾» وهَذا مِثالُ إيتاءِ الشَّجَرَةِ المَذْكُورَةِ أُكُلَها كُلَّ حِينٍ. قالَ الثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: أخْبَرَنِي أبُو القاسِمِ بْنُ حَبِيبٍ في سَنَةِ سِتٍّ وثَمانِينَ وثَلَثِمِائَةٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا الطَّيِّبِ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الخَيّاطَ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ عَمّارٍ العَمَلِيَّ يَقُولُ: رَأيْتُ يَزِيدَ بْنَ هارُونَ في مَنامِي بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقُلْتُ: ما فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قالَ: أتانِي في قَبْرِي مَلَكانِ فَظّانِ فَقالا: مَن رَبُّكَ؟ وما دِينُكَ؟ ومَن نَبِيُّكَ؟ فَأخَذْتُ بِلِحْيَتِي البَيْضاءِ فَقُلْتُ لَهُما: ألِمِثْلِي يُقالُ هَذا، وقَدْ عَلَّمْتُ النّاسَ جَوابَكُما ثَمانِينَ سَنَةً؟ فَذَهَبا.

﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: يَخْلُقُ فِيهِما الضَّلالَ عَنِ الحَقِّ الَّذِي ثَبَّتَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ حَسْبَ إرادَتِهِمْ، واخْتِيارِهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ: الكَفَرَةُ، بِدَلِيلِ ما يُقابِلُهُ. ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ، إمّا بِاعْتِبارِ وضْعِهِمْ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وإمّا بِاعْتِبارِ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ حَيْثُ بَدَّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها فَلَمْ يَهْتَدُوا إلى القَوْلِ الثّابِتِ، أوْ كُلُّ مَن ظَلَمَ نَفْسَهُ بِالِاقْتِصارِ عَلى التَّقْلِيدِ، والإعْراضِ عَنِ البَيِّناتِ الواضِحَةِ، فَلا يَثْبُتُ في مَوْقِفِ الفِتَنِ، ولا يَهْتَدِي إلى الحَقِّ، فالمُرادُ: "بِالَّذِينَ آمَنُوا" حِينَئِذٍ المُخْلِصُونَ في الإيمانِ، الرّاسِخُونَ في الإيقانِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّثْبِيتُ، لَكِنَّهُ يُوهِمُ كَوْنَ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ إذا كانَتْ لا عَنْ إيقانٍ داخِلَةً تَحْتَ ما لا قَرارَ لَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ المَضْرُوبَةِ مَثَلًا ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ مِن تَثْبِيتِ بَعْضٍ، وإضْلالِ آخَرِينَ حَسْبَما تُوجِبُهُ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكَمِ البالِغَةِ المُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ، وفي إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَوْضِعَيْنِ مِنَ الفَخامَةِ، وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ ما لا يَخْفى مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِالتَّفاوُتِ في مَبْدَأِ التَّثْبِيتِ، والإضْلالِ، فَإنَّ مَبْدَأ صُدُورِ كُلٍّ مِنهُما عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن صِفاتِهِ العُلا غَيْرُ ما هو مَبْدَأُ صُدُورِ الآخَرِ.

28

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًۭا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ

Have you not considered those who exchanged the favor of Allah for disbelief and settled their people [in] the home of ruin?

﴿ألَمْ تَرَ﴾ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمّا صَنَعَ الكَفَرَةُ مِنَ الأباطِيلِ الَّتِي لا تَكادُ تَصْدُرُ عَمَّنْ لَهُ أدْنى إدْراكٍ، أيْ: ألُمْ تَنْظُرْ ﴿إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أيْ: شُكْرَ نِعْمَتِهِ تَعالى، بِأنْ وضَعُوا مَوْضِعَهُ ﴿كُفْرًا﴾ عَظِيمًا، وغَمْطًا لَها، أوْ بَدَّلُوا نَفْسَ النِّعْمَةِ كُفْرًا فَإنَّهم لَمّا كَفَرُوها سُلِبُوها، فَصارُوا مُسْتَبْدِلِينَ بِها كُفْرًا كَأهْلِ مَكَّةَ، حَيْثُ خَلَقَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وأسْكَنَهم حَرَمَهُ الآمِنَ الَّذِي يَجِيءُ إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ. وجَعَلَهم قِوامَ بَيْتِهِ، وشَرَّفَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَفَرُوا ذَلِكَ، فَقُحِطُوا سَبْعَ سِنِينَ، وقُتِلُوا، وأُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَصارُوا أذِلّاءَ مَسْلُوبِي النِّعْمَةِ، باقِينَ بِالكُفْرِ بَدَلَها. وعَنْ عُمَرَ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هُمُ الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ بَنُو المُغِيرَةِ، وبَنُو أُمَيَّةَ. أمّا بَنُو المُغِيرَةِ: فَكُفِيتُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ. وأمّا بَنُو أُمَيَّةَ: فَمُتِّعُوا إلى حِينٍ. كَأنَّهُما يَتَأوَّلانِ ما سَيُتْلى مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ الآيَةَ.

﴿وَأحَلُّوا﴾ أيْ: أنْزَلُوا ﴿قَوْمَهُمْ﴾ بِإرْشادِهِمْ إيّاهم إلى طَرِيقَةِ الشِّرْكِ، والضَّلالِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِحُلُولِهِمْ لِدَلالَةِ الإحْلالِ عَلَيْهِ، إذْ هو فَرْعُ الحُلُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ .

﴿دارَ البَوارِ﴾ دارَ الهَلاكَ، الَّذِي لا هَلاكَ وراءَهُ.

29

جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ

[It is] Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the settlement.

﴿جَهَنَّمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَها، وفي الإبْهامِ، ثُمَّ البَيانِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّهْوِيلِ.

﴿يَصْلَوْنَها﴾ حالٌ مِنها، أوْ مِن قَوْمِهِمْ، أيْ: داخِلِينَ فِيها، مُقاسِينَ لِحَرِّها، أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الحُلُولِ، أوْ مُفَسِّرٌ لِفِعْلٍ يُقَدَّرُ ناصِبًا لِجَهَنَّمَ. فالمُرادُ بِالإحْلالِ المَذْكُورِ حِينَئِذٍ: تَعْرِيضُهم لِلْهَلاكِ بِالقَتْلِ، والأسْرِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ أنْسَبُ بِالتَّفْسِيرِ الأوَّلِ، ﴿وَبِئْسَ القَرارُ﴾ عَلى حَذْفِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِّ، أيْ: بِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ، أوْ بِئْسَ القَرارُ قَرارُهم فِيها. وفِيهِ أنَّ حُلُولَهُمْ، وصَلْبَهم عَلى وجْهِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ.

30

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا لِّيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦ ۗ قُلْ تَمَتَّعُوا۟ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ

And they have attributed to Allah equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy yourselves, for indeed, your destination is the Fire."

﴿وَجَعَلُوا﴾ عَطْفٌ عَلى أحَلُّوا، وما عَطَفَ عَلَيْهِ داخِلٌ مَعَهُما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وحُكْمِ التَّعْجِيبِ، أيْ: جَعَلُوا في اعْتِقادِهِمْ وحُكْمِهِمْ ﴿لِلَّهِ﴾ الفَرْدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وهو الواحِدُ القَهّارُ.

﴿أنْدادًا﴾ أشْباهًا في العِبادَةِ ﴿لِيُضِلُّوا﴾ قَوْمَهُمُ الَّذِينَ يُشايِعُونَهم حَسْبَما ضَلُّوا ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ القَوِيمِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ، ويُوقِعُوهم في ورْطَةِ الكُفْرِ، والضَّلالِ. ولَعَلَّ تَغْيِيرَ التَّرْتِيبِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى ظاهِرِ النَّظْمِ أنْ يُذْكَرَ كُفْرانُهم نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ كُفْرُهم بِذاتِهِ تَعالى؛ بِاتِّخاذِ الأنْدادِ، ثُمَّ إضْلالُهم لِقَوْمِهِمُ المُؤَدِّي إلى إحْلالِهِمْ دارَ البَوارِ لِتَثْنِيَةِ التَّعْجِيبِ، وتَكْرِيرِهِ، والإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن وضْعِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الشُّكْرِ، وإحْلالِ القَوْمِ دارَ البَوارِ، واتِّخاذِ الأنْدادِ لِلْإضْلالِ أمْرٌ يُقْضى مِنهُ العَجَبُ، ولَوْ سِيقَ النَّظْمُ عَلى نَسَقِ الوُجُودِ لَرُبَّما فُهِمَ التَّعْجِيبُ مِن مَجْمُوعِ الهَناتِ الثَّلاثِ، كَما في قِصَّةِ البَقَرَةِ. وقُرِئَ: (لِيَضِلُّوا) بِالفَتْحِ وَأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ ذَلِكَ غَرَضًا حَقِيقِيًّا لَهم مِنِ اتِّخاذِ الأنْدادِ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ نَتِيجَةً لَهُ شُبِّهَ بِالغَرَضِ، وأُدْخِلَ عَلَيْهِ اللّامُ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ.

﴿قُلْ﴾ تَهْدِيدًا لِأُولَئِكَ الضّالِّينَ المُضِلِّينَ، ونَعْيًا عَلَيْهِمْ، وإيذانًا بِأنَّهم لِشِدَّةِ إبائِهِمْ قَبُولَ الحَقِّ، وفَرْطِ انْهِماكِهِمْ في الباطِلِ، وعَدَمِ ارْعِوائِهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِحالٍ أحِقّاءُ بِأنْ يُضْرَبَ عَنْهم صَفْحًا، ويُعْطَفَ عَنْهم عِنانُ العِظَةِ، ويُخَلُّوا وشَأْنَهُمْ، ولا يُنْهَوْا عَنْهُ، بَلْ يُؤْمَرُوا بِمُباشَرَتِهِ مُبالَغَةً في التَّخْلِيَةِ، والخِذْلانِ، ومُسارَعَةً إلى بَيانِ عاقِبَتِهِ الوَخِيمَةِ. ويُقالُ لَهُمْ: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّهَواتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها كُفْرانُ النِّعَمِ العِظامِ، واسْتِتْباعُ النّاسِ في عِبادَةِ الأصْنامِ.

﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ لَيْسَ إلّا. فَلا بُدَّ لَكم مِن تَعاطِي ما يُوجِبُ ذَلِكَ، ويَقْتَضِيهِ مِن أحْوالِكُمْ، بَلْ هي في الحَقِيقَةِ صُورَةٌ لِدُخُولِها، ومِثالٌ لَهُ حَسْبَما يُلَوِّحُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ... إلَخْ، فَهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ المَأْمُورِ، وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ، والوَعِيدِ الأكِيدِ. ما لا يُوصَفُ، أوْ قُلْ لَهم تَصْوِيرًا لِحالِهِمْ، وتَعْبِيرًا عَمّا يُلْجِئُهم إلى ذَلِكَ تَمَتَّعُوا إيذانًا بِأنَّهم لِفَرْطِ انْغِماسِهِمْ في التَّمَتُّعِ بِما هم فِيهِ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ، ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِمْ مَأْمُورُونَ بِذَلِكَ مِن قِبَلِ آمِرِ الشَّهْوَةِ. مُذْعِنُونَ لِحُكْمِهِ، مُنْقادُونَ لِأمْرِهِ كَدَأْبِ مَأْمُورٍ ساعٍ في خِدْمَةِ آمِرٍ مُطاعٍ. فَلَيْسَ قَوْلُهُ تَعالى:"فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ" حِينَئِذٍ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ، بَلْ هو جَوابُ شَرْطٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ حالُكُمْ، فَإنْ دُمْتُمْ عَلَيْهِ فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ، وفِيهِ التَّهْدِيدُ، والوَعِيدُ لا في الأمْرِ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.