Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 21–30 of 52

21

وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًۭا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًۭا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ قَالُوا۟ لَوْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَٰكُمْ ۖ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍۢ

And they will come out [for judgement] before Allah all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allah?" They will say, "If Allah had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."

Explained together with ayah 18

22

وَقَالَ ٱلشَّيْطَٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلْأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم ۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ ۖ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And Satan will say when the matter has been concluded, "Indeed, Allah had promised you the promise of truth. And I promised you, but I betrayed you. But I had no authority over you except that I invited you, and you responded to me. So do not blame me; but blame yourselves. I cannot be called to your aid, nor can you be called to my aid. Indeed, I deny your association of me [with Allah] before. Indeed, for the wrongdoers is a painful punishment."

السلطان المنفي في هذا الموضع: هو الحجة والبرهان، أي ما كان لي عليكم من حجة وبرهان أحتج به عليكم، كما قال ابن عباس: "ما كان لي من حجة أحتج بها عليكم"

أي: ما أظهرت لكم حجة إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، وصدقتم مقالتي، واتبعتموني بلا برهان ولا حجة.

فأما السلطان الذي أثبته في قوله: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠].

فهو تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال، وتمكنه منهم، بحيث يؤزُّهم إلى الكفر والشرك ويزعجهم إليه، ولا يدعهم يتركونه كما قال تعالى: ﴿ألمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزا﴾ [مريم: ٨٣].

23

وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌ

And those who believed and did righteous deeds will be admitted to gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein by permission of their Lord; and their greeting therein will be, "Peace!"

Explained together with ayah 22

24

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا كَلِمَةًۭ طَيِّبَةًۭ كَشَجَرَةٍۢ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌۭ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Have you not considered how Allah presents an example, [making] a good word like a good tree, whose root is firmly fixed and its branches [high] in the sky?

شَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ؛ لِأنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ العَمَلَ الصّالِحَ، والشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ الثَّمَرَ النّافِعَ.

وَهَذا ظاهِرٌ عَلى قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ " الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هي شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " فَإنَّها تُثْمِرُ جَمِيعَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، فَكُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ مَرَضِيٍّ لِلَّهِ ثَمَرَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ.

وَفِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ وهو المُؤْمِنُ، أصْلُها ثابِتٌ قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، في قَلْبِ المُؤْمِنِ، وفَرْعُها في السَّماءِ يَقُولُ يُرْفَعُ بِها عَمَلُ المُؤْمِنِ إلى السَّماءِ ".

وَقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: " كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ هَذا مَثَلُ الإيمانِ؛ فالإيمانُ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ. وأصْلُها الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ الإخْلاصُ فِيهِ، وفَرْعُهُ في السَّماءِ خَشْيَةُ اللَّهِ " والتَّشْبِيهُ عَلى هَذا القَوْلِ أصَحُّ وأظْهَرُ وأحْسَنُ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ شَبَّهَ شَجَرَةَ التَّوْحِيدِ في القَلْبِ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ الثّابِتَةِ الأصْلِ الباسِقَةِ الفَرْعِ في السَّماءِ عُلُوًّا، الَّتِي لا تَزالُ تُؤْتِي ثَمَرَتَها كُلَّ حِينٍ، وإذا تَأمَّلْت هَذا التَّشْبِيهَ رَأيْتَهُ مُطابِقًا لِشَجَرَةِ التَّوْحِيدِ الثّابِتَةِ الرّاسِخَةِ في القَلْبِ، الَّتِي فُرُوعُها مِن الأعْمالِ الصّالِحَةِ صاعِدَةٌ إلى السَّماءِ، ولا تُزال هَذِهِ الشَّجَرَةُ تُثْمِرُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ كُلَّ وقْتٍ؛ بِحَسْبِ ثَباتِها في القَلْبِ، ومَحَبَّةِ القَلْبِ لَها، وإخْلاصِهِ فِيها، ومَعْرِفَتِهِ بِحَقِيقَتِها، وقِيامِهِ بِحُقُوقِها، ومُراعاتِها حَقَّ رِعايَتِها، فَمَن رَسَخَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ في قَلْبِهِ بِحَقِيقَتِها الَّتِي هي حَقِيقَتُها واتَّصَفَ قَلْبُهُ بِها وانْصَبَغَ بِها بِصِبْغَةِ اللَّهِ الَّتِي لا أحْسَنَ صِبْغَةً مِنها فَعَرَفَ حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ الَّتِي يُثْبِتُها قَلْبُهُ لِلَّهِ ويَشْهَدُ بِها لِسانُهُ وتُصَدِّقُها جَوارِحُهُ، ونَفى تِلْكَ الحَقِيقَةِ ولَوازِمَها عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ، وواطَأ قَلْبُهُ لِسانَهُ في هَذا النَّفْيِ والإثْباتِ، وانْقادَتْ جَوارِحُهُ لِمَن شَهِدَ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ طائِعَةً سالِكَةً سُبُلَ رَبِّهِ ذُلُلًا غَيْرَ ناكِبَةٍ عَنْها ولا باغِيَةٍ سِواها بَدَلًا كَما لا يَبْتَغِي القَلْبُ سِوى مَعْبُودِهِ الحَقِّ بَدَلًا.

فَلا رَيْبَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ مِن هَذا القَلْبِ عَلى هَذا اللِّسانِ لا تَزالُ تُؤْتِي ثَمَرَتَها مِن العَمَلِ الصّالِحِ الصّاعِدِ إلى اللَّهِ كُلَّ وقْتٍ؛ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هي الَّتِي رَفَعَتْ هَذا العَمَلَ الصّالِحَ إلى الرَّبِّ تَعالى، وهَذِهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ تُثْمِرُ كَلِمًا كَثِيرًا طَيِّبًا يُقارِنُهُ عَمَلٌ صالِحٌ فَيَرْفَعُ العَمَلُ الصّالِحُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، وأخْبَرَ أنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ لِقائِلِها عَمَلًا صالِحًا كُلَّ وقْتٍ.

[أثَرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ]

والمَقْصُودُ أنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ إذا شَهِدَ بِها المُؤْمِنُ عارِفًا بِمَعْناها وحَقِيقَتِها نَفْيًا وإثْباتًا مُتَّصِفًا بِمُوجِبِها قائِمًا قَلْبُهُ ولِسانُهُ وجَوارِحُهُ بِشَهادَتِهِ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ …

25

تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍۭ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

It produces its fruit all the time, by permission of its Lord. And Allah presents examples for the people that perhaps they will be reminded.

شَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ؛ لِأنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ العَمَلَ الصّالِحَ، والشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ الثَّمَرَ النّافِعَ.

وَهَذا ظاهِرٌ عَلى قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ " الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هي شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " فَإنَّها تُثْمِرُ جَمِيعَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، فَكُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ مَرَضِيٍّ لِلَّهِ ثَمَرَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ.

وَفِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ وهو المُؤْمِنُ، أصْلُها ثابِتٌ قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، في قَلْبِ المُؤْمِنِ، وفَرْعُها في السَّماءِ يَقُولُ يُرْفَعُ بِها عَمَلُ المُؤْمِنِ إلى السَّماءِ ".

وَقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: " كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ هَذا مَثَلُ الإيمانِ؛ فالإيمانُ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ. وأصْلُها الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ الإخْلاصُ فِيهِ، وفَرْعُهُ في السَّماءِ خَشْيَةُ اللَّهِ " والتَّشْبِيهُ عَلى هَذا القَوْلِ أصَحُّ وأظْهَرُ وأحْسَنُ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ شَبَّهَ شَجَرَةَ التَّوْحِيدِ في القَلْبِ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ الثّابِتَةِ الأصْلِ الباسِقَةِ الفَرْعِ في السَّماءِ عُلُوًّا، الَّتِي لا تَزالُ تُؤْتِي ثَمَرَتَها كُلَّ حِينٍ، وإذا تَأمَّلْت هَذا التَّشْبِيهَ رَأيْتَهُ مُطابِقًا لِشَجَرَةِ التَّوْحِيدِ الثّابِتَةِ الرّاسِخَةِ في القَلْبِ، الَّتِي فُرُوعُها مِن الأعْمالِ الصّالِحَةِ صاعِدَةٌ إلى السَّماءِ، ولا تُزال هَذِهِ الشَّجَرَةُ تُثْمِرُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ كُلَّ وقْتٍ؛ بِحَسْبِ ثَباتِها في القَلْبِ، ومَحَبَّةِ القَلْبِ لَها، وإخْلاصِهِ فِيها، ومَعْرِفَتِهِ بِحَقِيقَتِها، وقِيامِهِ بِحُقُوقِها، ومُراعاتِها حَقَّ رِعايَتِها، فَمَن رَسَخَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ في قَلْبِهِ بِحَقِيقَتِها الَّتِي هي حَقِيقَتُها واتَّصَفَ قَلْبُهُ بِها وانْصَبَغَ بِها بِصِبْغَةِ اللَّهِ الَّتِي لا أحْسَنَ صِبْغَةً مِنها فَعَرَفَ حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ الَّتِي يُثْبِتُها قَلْبُهُ لِلَّهِ ويَشْهَدُ بِها لِسانُهُ وتُصَدِّقُها جَوارِحُهُ، ونَفى تِلْكَ الحَقِيقَةِ ولَوازِمَها عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ، وواطَأ قَلْبُهُ لِسانَهُ في هَذا النَّفْيِ والإثْباتِ، وانْقادَتْ جَوارِحُهُ لِمَن شَهِدَ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ طائِعَةً سالِكَةً سُبُلَ رَبِّهِ ذُلُلًا غَيْرَ ناكِبَةٍ عَنْها ولا باغِيَةٍ سِواها بَدَلًا كَما لا يَبْتَغِي القَلْبُ سِوى مَعْبُودِهِ الحَقِّ بَدَلًا.

فَلا رَيْبَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ مِن هَذا القَلْبِ عَلى هَذا اللِّسانِ لا تَزالُ تُؤْتِي ثَمَرَتَها مِن العَمَلِ الصّالِحِ الصّاعِدِ إلى اللَّهِ كُلَّ وقْتٍ؛ فَهَذِهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هي الَّتِي رَفَعَتْ هَذا العَمَلَ الصّالِحَ إلى الرَّبِّ تَعالى، وهَذِهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ تُثْمِرُ كَلِمًا كَثِيرًا طَيِّبًا يُقارِنُهُ عَمَلٌ صالِحٌ فَيَرْفَعُ العَمَلُ الصّالِحُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ، وأخْبَرَ أنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تُثْمِرُ لِقائِلِها عَمَلًا صالِحًا كُلَّ وقْتٍ.

[أثَرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ]

والمَقْصُودُ أنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ إذا شَهِدَ بِها المُؤْمِنُ عارِفًا بِمَعْناها وحَقِيقَتِها نَفْيًا وإثْباتًا مُتَّصِفًا بِمُوجِبِها قائِمًا قَلْبُهُ ولِسانُهُ وجَوارِحُهُ بِشَهادَتِهِ، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ …

26

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍۢ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍۢ

And the example of a bad word is like a bad tree, uprooted from the surface of the earth, not having any stability.

[فَصْلٌ: مَثَلُ الكافِرِ]

ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مَثَلَ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ فَشَبَّهَها بِالشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ الَّتِي اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ، فَلا عِرْقَ ثابِتٌ، ولا فَرْعَ عالٍ، ولا ثَمَرَةَ زاكِيَةٌ، فَلا ظِلَّ، ولا جَنًى، ولا ساقَ قائِمٌ، ولا عِرْقَ في الأرْضِ ثابِتٌ، فَلا أسْفَلَها مُغْدِقٌ ولا أعْلاها مُونِقٌ، ولا جَنى لَها، ولا تَعْلُو بَلْ تُعْلى.

وَإذا تَأمَّلَ اللَّبِيبُ أكْثَرَ كَلامِ هَذا الخَلْقِ في خِطابِهِمْ وكَسْبِهِمْ وجَدَهُ كَذَلِكَ؛ فالخُسْرانُ الوُقُوفُ مَعَهُ والِاشْتِغالُ بِهِ عَنْ أفْضَلِ الكَلامِ وأنْفَعِهِ.

قالَ الضَّحّاكُ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْكافِرِ بِشَجَرَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ، يَقُولُ: لَيْسَ لَها أصْلٌ ولا فَرْعٌ، ولَيْسَ لَها ثَمَرَةٌ، ولا فِيها مَنفَعَةٌ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَعْمَلُ خَيْرًا ولا يَقُولُهُ، ولا يَجْعَلُ اللَّهَ فِيهِ بَرَكَةً ولا مَنفَعَةً.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]- وهي الشِّرْكُ - ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] يَعْنِي الكافِرَ، ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، يَقُولُ: الشِّرْكُ لَيْسَ لَهُ أصْلٌ يَأْخُذُ بِهِ الكافِرُ ولا بُرْهانٌ، ولا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلًا، فَلا يُقْبَلُ عَمَلُ المُشْرِكِ، ولا يَصْعَدُ إلى اللَّهِ، فَلَيْسَ لَهُ أصْلٌ ثابِتٌ في الأرْضِ ولا فَرْعٌ في السَّماءِ؛ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ في السَّماءِ ولا في الأرْضِ.

وَقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: مَثَلُ الشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ مَثَلُ الكافِرِ، لَيْسَ لِقَوْلِهِ ولا لِعَمَلِهِ أصْلٌ ولا فَرْعٌ، ولا يَسْتَقِرُّ قَوْلُهُ ولا عَمَلُهُ عَلى الأرْضِ، ولا يَصْعَدُ إلى السَّماءِ.

وَقالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ رَجُلًا لَقِيَ رَجُلًا مِن أهْلِ العِلْمِ فَقالَ لَهُ: ما تَقُولُ في الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ؟ قالَ: ما أعْلَمُ لَها في الأرْضِ مُسْتَقَرًّا ولا في السَّماءِ مِصْعَدًا، إلّا أنْ تَلْزَمَ عُنُقَ صاحِبِها حَتّى يُوافى بِها يَوْمَ القِيامَةِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ [إبراهيم: ٢٦] أيْ اسْتُؤْصِلَتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ.

27

يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ

Allah keeps firm those who believe, with the firm word, in worldly life and in the Hereafter. And Allah sends astray the wrongdoers. And Allah does what He wills.

ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ فَضْلِهِ وعَدْلِهِ في الفَرِيقَيْنِ أصْحابِ الكَلِمِ الطَّيِّبِ والكَلِمِ الخَبِيثِ، فَأخْبَرَ أنَّهُ يُثَبِّتُ الَّذِينَ آمَنُوا بِإيمانِهِمْ بِالقَوْلِ الثّابِتِ أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأنَّهُ يُضِلُّ الظّالِمِينَ وهم المُشْرِكُونَ عَنْ القَوْلِ الثّابِتِ، فَأضَلَّ هَؤُلاءِ بِعَدْلِهِ لِظُلْمِهِمْ، وثَبَّتَ المُؤْمِنِينَ بِفَضْلِهِ لِإيمانِهِمْ.

وَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] كَنْزٌ عَظِيمٌ مَن وُفِّقَ لِمَظِنَّتِهِ وأحْسَنَ اسْتِخْراجَهُ واقْتِناءَهُ وأنْفَقَ مِنهُ فَقَدْ غَنِمَ، ومَن حُرِمَهُ فَقَدْ حُرِمَ، وذَلِكَ أنَّ العَبْدَ لا يَسْتَغْنِي عَنْ تَثْبِيتِ اللَّهِ لَهُ طُرْفَةَ عَيْنٍ فَإنْ لَمْ يُثَبِّتْهُ وإلّا زالَتْ سَماءُ إيمانِهِ وأرْضِهِ عَنْ مَكانِهِما، وقَدْ قالَ تَعالى لِأكْرَمِ خَلْقِهِ عَلَيْهِ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٤] وقالَ تَعالى لِأكْرَمِ خَلْقِهِ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ البَجَلِيِّ قالَ: «وَهُوَ يَسْألُهم ويُثَبِّتُهُمْ» وقالَ تَعالى لِرَسُولِهِ: ﴿وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]

فالخَلْقُ كُلُّهم قِسْمانِ: مُوَفَّقٌ بِالتَّثْبِيتِ، ومَخْذُولٌ بِتَرْكِ التَّثْبِيتِ، ومادَّةُ التَّثْبِيتِ أصْلُهُ ومَنشَؤُهُ مِن القَوْلِ الثّابِتِ وفِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ العَبْدُ، فَبِهِما يُثَبِّتُ اللَّهُ عَبْدَهُ، فَكُلُّ مَن كانَ أثْبَتَ قَوْلًا وأحْسَنَ فِعْلًا كانَ أعْظَمَ تَثْبِيتًا، قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] فَأثْبَتُ النّاسِ قَلْبًا أثْبَتُهم قَوْلًا، والقَوْلُ الثّابِتُ هو القَوْلُ الحَقُّ والصِّدْقُ، وهو ضِدُّ القَوْلِ الباطِلِ الكَذِبِ؛ فالقَوْلُ نَوْعانِ: ثابِتٌ لَهُ حَقِيقَةٌ، وباطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وأثْبَتُ القَوْلِ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ ولَوازِمُها، فَهي أعْظَمُ ما يُثَبِّتُ اللَّهُ بِها عَبْدَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ ولِهَذا تَرى الصّادِقَ مِن أثْبَتِ النّاسِ وأشْجَعِهِمْ قَلْبًا، والكاذِبَ مِن أمْهَنِ النّاسِ وأخْبَثِهِمْ وأكْثَرِهِمْ تَلَوُّثًا وأقَلِّهِمْ ثَباتًا، وأهْلُ الفِراسَةِ يَعْرِفُونَ صِدْقَ الصّادِقِ مِن ثَباتِ قَلْبِهِ وقْتَ الإخْبارِ وشَجاعَتِهِ ومَهابَتِهِ، ويَعْرِفُونَ كَذِبَ الكاذِبِ بِضِدِّ ذَلِكَ؛ ولا يَخْفى ذَلِكَ إلّا عَلى ضَعِيفِ البَصِيرَةِ.

وَسُئِلَ بَعْضُهم عَنْ كَلامٍ سَمِعَهُ مِن مُتَكَلِّمٍ بِهِ، فَقالَ: واللَّهِ ما فَهِمْت مِنهُ شَيْئًا، إلّا أنِّي رَأيْت لِكَلامِهِ صَوْلَةً لَيْسَتْ بِصَوْلَةِ مُبْطِلٍ، فَما مُنِحَ العَبْدُ مِنحَةً أفْضَلَ مِن مِنحَةِ القَوْلِ الثّابِتِ، ويَجِدُ أهْلُ القَوْلِ الثّابِتِ ثَمَرَتَهُ أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَيْهِ في قُبُورِهِمْ ويَوْمَ مَعادِهِمْ، كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَذابِ القَبْرِ».

[سُؤالُ القَبْرِ والتَّثْبِيتُ فِيهِ]

وَقَدْ جاءَ هَذا مُبَيَّنًا في أحادِيثَ صِحاحٍ؛ فَمِنها ما في المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ داوُد بْنِ أبِي هِنْدَ عَنْ أبِي نَضْرَةَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في جِنازَةٍ، فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلى في قُبُورِها، فَإذا …

28

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًۭا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ

Have you not considered those who exchanged the favor of Allah for disbelief and settled their people [in] the home of ruin?

Explained together with ayah 27

29

جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ

[It is] Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the settlement.

Explained together with ayah 27

30

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا لِّيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦ ۗ قُلْ تَمَتَّعُوا۟ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ

And they have attributed to Allah equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy yourselves, for indeed, your destination is the Fire."

Explained together with ayah 27

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.