Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 21–30 of 52

21

وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًۭا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًۭا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ قَالُوا۟ لَوْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَٰكُمْ ۖ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍۢ

And they will come out [for judgement] before Allah all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allah?" They will say, "If Allah had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾

سَلَّمُوا لَهم في أنَّهم يُماثِلُونَهم في البَشَرِيَّةِ وحْدَها، وأمّا ما سِوى ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي اخْتُصُّوا بِها فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهم، ولَمْ يَذْكُرُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ الَّذِي تَمَيَّزُوا بِهِ تَواضُعًا مِنهم، ونِسْبَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ. ولَمْ يُصَرِّحُوا بِمَنِّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وحْدَهم، ولَكِنْ أبْرَزُوا ذَلِكَ في عُمُومِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. والمَعْنى: يَمُنُّ بِالنُّبُوَّةِ عَلى مَن يَشاءُ تَنْبِئَتَهُ. ومَعْنى بِإذْنِ اللَّهِ: بِتَسْوِيغِهِ وإرادَتِهِ، أيِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحْتُمُوها لَيْسَ لَنا الإتْيانُ بِها، ولا هي في اسْتِطاعَتِنا، ولِذَلِكَ كانَ التَّرْكِيبُ: وما كانَ لَنا، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمَشِيئَةِ. فَلْيَتَوَكَّلْ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ، وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا وأمَرُوها بِهِ، كَأنَّهم قالُوا: ومِن حَقِّنا أنْ نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم ومُعاداتِكم، وما يَجْرِي عَلَيْنا مِنكم. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ (وما لَنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ) ومَعْناهُ: وأيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا، فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُ تَوَكُّلَنا عَلَيْهِ، وهو التَّوْفِيقُ لِهِدايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا سَبِيلَهُ الَّذِي يُوجِبُ عَلَيْهِ سُلُوكَهُ في الدِّينِ. والأمْرُ الأوَّلُ، وهو قَوْلُهُ: (﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ لِاسْتِحْداثِ التَّوَكُّلِ، والثّانِي لِلثَّباتِ عَلى ما اسْتَحْدَثُوا مِن تَوَكُّلِهِمْ.

﴿ولَنَصْبِرَنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، ويَدُلُّ عَلى سَبْقِ ما يَجِبُ فِيهِ الصَّبْرُ وهو الأذى. و( ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي. والضَّمِيرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما آذَيْتُمُوناهُ، وكانَ أصْلُهُ بِهِ، فَهَلْ حُذِفَ بِهِ أوِ الباءِ فَوَصْلُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ قَوْلانِ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ: بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في (لِيَتَوَكَّلِ) وهو الأصْلُ، وأوْ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أقْسَمُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إخْراجِهِمْ، أوْ عَوْدِهِمْ في مِلَّتِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: لَيَكُونَنَّ أحَدُ هَذَيْنِ. وتَقْدِيرُ أوْ هُنا بِمَعْنى حَتّى، أوْ بِمَعْنى (إلّا أنْ) قَوْلُ مَن لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ في ما بَعْدَها، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَرْكِيبُ حَتّى، ولا تَرْكِيبُ إلّا أنْ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ بِخِلافِ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِيَّنِّي حَقِّي والعَوْدُ هُنا بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. أوْ يَكُونُ خِطابًا لِلرُّسُلِ ومَن آمَنُوا بِهِمْ. وغَلَبَ حُكْمُ مَن آمَنُوا بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في مِلَّتِهِمْ، فَيَصِحُّ إبْقاءُ لَتَعُودُّنَ عَلى المَفْهُومِ مِنها أوَّلًا إذْ …

22

وَقَالَ ٱلشَّيْطَٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلْأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم ۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ ۖ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And Satan will say when the matter has been concluded, "Indeed, Allah had promised you the promise of truth. And I promised you, but I betrayed you. But I had no authority over you except that I invited you, and you responded to me. So do not blame me; but blame yourselves. I cannot be called to your aid, nor can you be called to my aid. Indeed, I deny your association of me [with Allah] before. Indeed, for the wrongdoers is a painful punishment."

﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥] ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] الرَّمادُ: مَعْرُوفٌ، وقالَ ابْنُ عِيسى: هو جِسْمٌ يَسْحَقُهُ الإحْراقُ سَحْقَ الغُبارِ، ويُجْمَعُ عَلى رُمُدٍ في الكَثْرَةِ وأرْمِدَةٍ في القِلَّةِ، وشَذَّ جَمْعُهُ عَلى أفْعِلاءَ، قالُوا: أرْمِداءُ، ورَمادٌ رَمْدَدٌ إذا صارَ هَباءً أرَقَّ ما يَكُونُ. الجَزَعُ: عَدَمُ احْتِمالِ الشِّدَّةِ، وهو نَقِيضُ الصَّبْرِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎جَزِعْتُ ولَمْ أجْزَعْ مِنَ البَيْنِ مَجْزَعًا وعَزَّيْتُ قَلْبًا بِالكَواعِبِ مُولَعا

المُصْرِخُ: المُغِيثُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎فَلا تَجْزَعُوا إنِّي لَكم غَيْرُ مُصْرِخٍ ∗∗∗ ولَيْسَ لَكم عَنِّي غَناءٌ ولا نَصْرٌ

والصّارِخُ: المُسْتَغِيثُ، صَرَخَ يَصْرُخُ صَرْخًا وصُراخًا وصَرْخَةً. قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:

؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعُ الظَّنابِيبِ

واصْطَرَخَ بِمَعْنى صَرَخَ، وتَصَرَّخَ: تَكَلَّفَ الصُّراخَ، واسْتَصْرَخَ اسْتَغاثَ، فَقالَ: اسْتَصْرَخَنِي فَأصْرَخْتُهُ، والصَّرِيخُ: مَصْدَرٌ كالتَّرِيحِ، ويُوصَفُ بِهِ المُغِيثُ والمُسْتَغِيثُ مِنَ الأضْدادِ. الفَرْعُ: الغُصْنُ مِنَ الشَّجَرَةِ. ويُطْلَقُ عَلى ما يُولَدُ مِنَ الشَّيْءِ، والفَرْعُ: الشَّعْرُ، يُقالُ: رَجُلٌ أفْرَعُ وامْرَأةٌ فَرْعاءُ لِمَن كَثُرَ شَعْرُهُ. وقالَ الشّاعِرُ: وهو امْرُؤُ القَيْسِ بْنُ حُجْرٍ:

؎وفَـرْعٍ يُغَشِّـي المَـتْنَ أسْـوَدَ فَـاحِمِ

اجْتَثَّ الشَّيْءَ: اقْتَلَعَهُ، وجَثَّ الشَّيْءَ: قَلَعَهُ، والجُثَّةُ: شَخْصُ الإنْسانِ قاعِدًا وقائِمًا. وقالَ لَقِيطٌ الإيادِيُّ:

؎هُوَ الجَلاءُ الَّذِي يَجْتَثُّ أصْلَكم ∗∗∗ فَمَن رَأى مِثْلَ ذا آتٍ ومَن سَمِعا

البَوارُ: الهَلاكُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎فَلَمْ أرَ مِثْلَهم أبْطالَ حَرْبٍ ∗∗∗ غَداةَ الحَرْبِ إذْ خِيفَ البَوارُ

﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ …

23

وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌ

And those who believed and did righteous deeds will be admitted to gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein by permission of their Lord; and their greeting therein will be, "Peace!"

﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥] ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] الرَّمادُ: مَعْرُوفٌ، وقالَ ابْنُ عِيسى: هو جِسْمٌ يَسْحَقُهُ الإحْراقُ سَحْقَ الغُبارِ، ويُجْمَعُ عَلى رُمُدٍ في الكَثْرَةِ وأرْمِدَةٍ في القِلَّةِ، وشَذَّ جَمْعُهُ عَلى أفْعِلاءَ، قالُوا: أرْمِداءُ، ورَمادٌ رَمْدَدٌ إذا صارَ هَباءً أرَقَّ ما يَكُونُ. الجَزَعُ: عَدَمُ احْتِمالِ الشِّدَّةِ، وهو نَقِيضُ الصَّبْرِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎جَزِعْتُ ولَمْ أجْزَعْ مِنَ البَيْنِ مَجْزَعًا وعَزَّيْتُ قَلْبًا بِالكَواعِبِ مُولَعا

المُصْرِخُ: المُغِيثُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎فَلا تَجْزَعُوا إنِّي لَكم غَيْرُ مُصْرِخٍ ∗∗∗ ولَيْسَ لَكم عَنِّي غَناءٌ ولا نَصْرٌ

والصّارِخُ: المُسْتَغِيثُ، صَرَخَ يَصْرُخُ صَرْخًا وصُراخًا وصَرْخَةً. قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:

؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعُ الظَّنابِيبِ

واصْطَرَخَ بِمَعْنى صَرَخَ، وتَصَرَّخَ: تَكَلَّفَ الصُّراخَ، واسْتَصْرَخَ اسْتَغاثَ، فَقالَ: اسْتَصْرَخَنِي فَأصْرَخْتُهُ، والصَّرِيخُ: مَصْدَرٌ كالتَّرِيحِ، ويُوصَفُ بِهِ المُغِيثُ والمُسْتَغِيثُ مِنَ الأضْدادِ. الفَرْعُ: الغُصْنُ مِنَ الشَّجَرَةِ. ويُطْلَقُ عَلى ما يُولَدُ مِنَ الشَّيْءِ، والفَرْعُ: الشَّعْرُ، يُقالُ: رَجُلٌ أفْرَعُ وامْرَأةٌ فَرْعاءُ لِمَن كَثُرَ شَعْرُهُ. وقالَ الشّاعِرُ: وهو امْرُؤُ القَيْسِ بْنُ حُجْرٍ:

؎وفَـرْعٍ يُغَشِّـي المَـتْنَ أسْـوَدَ فَـاحِمِ

اجْتَثَّ الشَّيْءَ: اقْتَلَعَهُ، وجَثَّ الشَّيْءَ: قَلَعَهُ، والجُثَّةُ: شَخْصُ الإنْسانِ قاعِدًا وقائِمًا. وقالَ لَقِيطٌ الإيادِيُّ:

؎هُوَ الجَلاءُ الَّذِي يَجْتَثُّ أصْلَكم ∗∗∗ فَمَن رَأى مِثْلَ ذا آتٍ ومَن سَمِعا

البَوارُ: الهَلاكُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎فَلَمْ أرَ مِثْلَهم أبْطالَ حَرْبٍ ∗∗∗ غَداةَ الحَرْبِ إذْ خِيفَ البَوارُ

﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ …

24

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا كَلِمَةًۭ طَيِّبَةًۭ كَشَجَرَةٍۢ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌۭ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Have you not considered how Allah presents an example, [making] a good word like a good tree, whose root is firmly fixed and its branches [high] in the sky?

﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في (ضَرَبَ) مَعَ (المَثَلِ) في أوائِلِ البَقَرَةِ، فَكانَ يُغْنِي ذَلِكَ عَنِ الكَلامِ فِيهِ هُنا، إلّا أنَّ المُفَسِّرِينَ أبْدَوْا هُنا تَقْدِيراتٍ، فَأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والمَهْدَوِيُّ وأبُو البَقاءِ (مَثَلًا) مَفْعُولًا بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) بَدَلٌ مِن (مَثَلًا) . وإعْرابُهم هَذا تَفْرِيعٌ، عَلى أنَّ (ضَرَبَ مَثَلًا) لا يَتَعَدّى لا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَثَلًا) مَفْعُولٌ بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) مَفْعُولٌ أوَّلُ تَفْرِيعًا عَلى أنَّها مَعَ (المَثَلِ) تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، لِأنَّها بِمَعْنى جَعَلَ. وعَلى هَذا تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةَ طَيِّبَةٍ مَثَلًا هي، أيِ: الكَلِمَةُ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وعَلى البَدَلِ تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) نَعْتًا لِلْكَلِمَةِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبَدَأ بِهِ أنْ تَكُونَ (كَلِمَةً) نَصْبًا بِمُضْمَرٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾، كَقَوْلِكَ: شَرَّفَ الأمِيرُ زَيْدًا كَساهُ حُلَّةً، وحَمَلَهُ عَلى فَرَسٍ؛ انْتَهى. وفِيهِ تَكَلُّفُ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ.

وقُرِئَ شاذًّا (كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ) بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو البَقاءِ: عَلى الِابْتِداءِ، و(كَشَجَرَةٍ) خَبَرُهُ؛ انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هو؛ أيِ: المَثَلُ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ، و(كَشَجَرَةٍ) نَعْتٍ لِكَلِمَةٍ، و(الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ) هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الإيمانُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ؛ أوِ المُؤْمِنُ نَفْسُهُ؛ قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ والرَّبِيعُ؛ أوْ جَمِيعُ طاعاتِهِ أوِ القُرْآنُ، قالَهُ الأصَمُّ؛ أوْ دَعْوَةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ؛ أوِ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ أوِ التَّسْبِيحُ والتَّنْزِيهُ؛ والشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ: المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ جَوْزَةُ الهِنْدِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ، أوْ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوِ النَّخْلَةُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ، وهو قَوْلُ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، وجاءَ ذَلِكَ نَصًّا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِمّا خَرَّجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ، قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ الآيَةَ، فَقالَ: أتَدْرُونَ ما هي ؟ فَوَقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ»؛ الحَدِيثَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: «أتَيْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ فَجِيءَ بِطِبْقٍ عَلَيْهِ رُطَبٌ، فَقالَ أنَسٌ: كُلْ يا أبا العالِيَةِ، فَإنَّها الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في كِتابِهِ، ثُمَّ قالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصاعِ بُسْرٍ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ» . وفي التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ نَحْوُ هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ طَيِّبَةِ الثِّمارِ كالنَّخْلَةِ، وشَجَرَةِ التِّينِ، والعِنَبِ، والرُّمّانِ، …

25

تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍۭ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

It produces its fruit all the time, by permission of its Lord. And Allah presents examples for the people that perhaps they will be reminded.

﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في (ضَرَبَ) مَعَ (المَثَلِ) في أوائِلِ البَقَرَةِ، فَكانَ يُغْنِي ذَلِكَ عَنِ الكَلامِ فِيهِ هُنا، إلّا أنَّ المُفَسِّرِينَ أبْدَوْا هُنا تَقْدِيراتٍ، فَأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والمَهْدَوِيُّ وأبُو البَقاءِ (مَثَلًا) مَفْعُولًا بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) بَدَلٌ مِن (مَثَلًا) . وإعْرابُهم هَذا تَفْرِيعٌ، عَلى أنَّ (ضَرَبَ مَثَلًا) لا يَتَعَدّى لا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَثَلًا) مَفْعُولٌ بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) مَفْعُولٌ أوَّلُ تَفْرِيعًا عَلى أنَّها مَعَ (المَثَلِ) تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، لِأنَّها بِمَعْنى جَعَلَ. وعَلى هَذا تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةَ طَيِّبَةٍ مَثَلًا هي، أيِ: الكَلِمَةُ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وعَلى البَدَلِ تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) نَعْتًا لِلْكَلِمَةِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبَدَأ بِهِ أنْ تَكُونَ (كَلِمَةً) نَصْبًا بِمُضْمَرٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾، كَقَوْلِكَ: شَرَّفَ الأمِيرُ زَيْدًا كَساهُ حُلَّةً، وحَمَلَهُ عَلى فَرَسٍ؛ انْتَهى. وفِيهِ تَكَلُّفُ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ.

وقُرِئَ شاذًّا (كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ) بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو البَقاءِ: عَلى الِابْتِداءِ، و(كَشَجَرَةٍ) خَبَرُهُ؛ انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هو؛ أيِ: المَثَلُ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ، و(كَشَجَرَةٍ) نَعْتٍ لِكَلِمَةٍ، و(الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ) هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الإيمانُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ؛ أوِ المُؤْمِنُ نَفْسُهُ؛ قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ والرَّبِيعُ؛ أوْ جَمِيعُ طاعاتِهِ أوِ القُرْآنُ، قالَهُ الأصَمُّ؛ أوْ دَعْوَةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ؛ أوِ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ أوِ التَّسْبِيحُ والتَّنْزِيهُ؛ والشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ: المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ جَوْزَةُ الهِنْدِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ، أوْ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوِ النَّخْلَةُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ، وهو قَوْلُ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، وجاءَ ذَلِكَ نَصًّا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِمّا خَرَّجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ، قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ الآيَةَ، فَقالَ: أتَدْرُونَ ما هي ؟ فَوَقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ»؛ الحَدِيثَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: «أتَيْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ فَجِيءَ بِطِبْقٍ عَلَيْهِ رُطَبٌ، فَقالَ أنَسٌ: كُلْ يا أبا العالِيَةِ، فَإنَّها الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في كِتابِهِ، ثُمَّ قالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصاعِ بُسْرٍ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ» . وفي التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ نَحْوُ هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ طَيِّبَةِ الثِّمارِ كالنَّخْلَةِ، وشَجَرَةِ التِّينِ، والعِنَبِ، والرُّمّانِ، …

26

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍۢ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍۢ

And the example of a bad word is like a bad tree, uprooted from the surface of the earth, not having any stability.

﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في (ضَرَبَ) مَعَ (المَثَلِ) في أوائِلِ البَقَرَةِ، فَكانَ يُغْنِي ذَلِكَ عَنِ الكَلامِ فِيهِ هُنا، إلّا أنَّ المُفَسِّرِينَ أبْدَوْا هُنا تَقْدِيراتٍ، فَأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والمَهْدَوِيُّ وأبُو البَقاءِ (مَثَلًا) مَفْعُولًا بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) بَدَلٌ مِن (مَثَلًا) . وإعْرابُهم هَذا تَفْرِيعٌ، عَلى أنَّ (ضَرَبَ مَثَلًا) لا يَتَعَدّى لا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَثَلًا) مَفْعُولٌ بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) مَفْعُولٌ أوَّلُ تَفْرِيعًا عَلى أنَّها مَعَ (المَثَلِ) تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، لِأنَّها بِمَعْنى جَعَلَ. وعَلى هَذا تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةَ طَيِّبَةٍ مَثَلًا هي، أيِ: الكَلِمَةُ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وعَلى البَدَلِ تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) نَعْتًا لِلْكَلِمَةِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبَدَأ بِهِ أنْ تَكُونَ (كَلِمَةً) نَصْبًا بِمُضْمَرٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾، كَقَوْلِكَ: شَرَّفَ الأمِيرُ زَيْدًا كَساهُ حُلَّةً، وحَمَلَهُ عَلى فَرَسٍ؛ انْتَهى. وفِيهِ تَكَلُّفُ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ.

وقُرِئَ شاذًّا (كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ) بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو البَقاءِ: عَلى الِابْتِداءِ، و(كَشَجَرَةٍ) خَبَرُهُ؛ انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هو؛ أيِ: المَثَلُ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ، و(كَشَجَرَةٍ) نَعْتٍ لِكَلِمَةٍ، و(الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ) هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الإيمانُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ؛ أوِ المُؤْمِنُ نَفْسُهُ؛ قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ والرَّبِيعُ؛ أوْ جَمِيعُ طاعاتِهِ أوِ القُرْآنُ، قالَهُ الأصَمُّ؛ أوْ دَعْوَةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ؛ أوِ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ أوِ التَّسْبِيحُ والتَّنْزِيهُ؛ والشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ: المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ جَوْزَةُ الهِنْدِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ، أوْ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوِ النَّخْلَةُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ، وهو قَوْلُ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، وجاءَ ذَلِكَ نَصًّا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِمّا خَرَّجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ، قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ الآيَةَ، فَقالَ: أتَدْرُونَ ما هي ؟ فَوَقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ»؛ الحَدِيثَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: «أتَيْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ فَجِيءَ بِطِبْقٍ عَلَيْهِ رُطَبٌ، فَقالَ أنَسٌ: كُلْ يا أبا العالِيَةِ، فَإنَّها الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في كِتابِهِ، ثُمَّ قالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصاعِ بُسْرٍ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ» . وفي التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ نَحْوُ هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ طَيِّبَةِ الثِّمارِ كالنَّخْلَةِ، وشَجَرَةِ التِّينِ، والعِنَبِ، والرُّمّانِ، …

27

يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ

Allah keeps firm those who believe, with the firm word, in worldly life and in the Hereafter. And Allah sends astray the wrongdoers. And Allah does what He wills.

﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في (ضَرَبَ) مَعَ (المَثَلِ) في أوائِلِ البَقَرَةِ، فَكانَ يُغْنِي ذَلِكَ عَنِ الكَلامِ فِيهِ هُنا، إلّا أنَّ المُفَسِّرِينَ أبْدَوْا هُنا تَقْدِيراتٍ، فَأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والمَهْدَوِيُّ وأبُو البَقاءِ (مَثَلًا) مَفْعُولًا بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) بَدَلٌ مِن (مَثَلًا) . وإعْرابُهم هَذا تَفْرِيعٌ، عَلى أنَّ (ضَرَبَ مَثَلًا) لا يَتَعَدّى لا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَثَلًا) مَفْعُولٌ بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) مَفْعُولٌ أوَّلُ تَفْرِيعًا عَلى أنَّها مَعَ (المَثَلِ) تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، لِأنَّها بِمَعْنى جَعَلَ. وعَلى هَذا تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةَ طَيِّبَةٍ مَثَلًا هي، أيِ: الكَلِمَةُ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وعَلى البَدَلِ تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) نَعْتًا لِلْكَلِمَةِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبَدَأ بِهِ أنْ تَكُونَ (كَلِمَةً) نَصْبًا بِمُضْمَرٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾، كَقَوْلِكَ: شَرَّفَ الأمِيرُ زَيْدًا كَساهُ حُلَّةً، وحَمَلَهُ عَلى فَرَسٍ؛ انْتَهى. وفِيهِ تَكَلُّفُ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ.

وقُرِئَ شاذًّا (كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ) بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو البَقاءِ: عَلى الِابْتِداءِ، و(كَشَجَرَةٍ) خَبَرُهُ؛ انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هو؛ أيِ: المَثَلُ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ، و(كَشَجَرَةٍ) نَعْتٍ لِكَلِمَةٍ، و(الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ) هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الإيمانُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ؛ أوِ المُؤْمِنُ نَفْسُهُ؛ قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ والرَّبِيعُ؛ أوْ جَمِيعُ طاعاتِهِ أوِ القُرْآنُ، قالَهُ الأصَمُّ؛ أوْ دَعْوَةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ؛ أوِ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ أوِ التَّسْبِيحُ والتَّنْزِيهُ؛ والشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ: المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ جَوْزَةُ الهِنْدِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ، أوْ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوِ النَّخْلَةُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ، وهو قَوْلُ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، وجاءَ ذَلِكَ نَصًّا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِمّا خَرَّجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ، قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ الآيَةَ، فَقالَ: أتَدْرُونَ ما هي ؟ فَوَقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ»؛ الحَدِيثَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: «أتَيْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ فَجِيءَ بِطِبْقٍ عَلَيْهِ رُطَبٌ، فَقالَ أنَسٌ: كُلْ يا أبا العالِيَةِ، فَإنَّها الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في كِتابِهِ، ثُمَّ قالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصاعِ بُسْرٍ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ» . وفي التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ نَحْوُ هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ طَيِّبَةِ الثِّمارِ كالنَّخْلَةِ، وشَجَرَةِ التِّينِ، والعِنَبِ، والرُّمّانِ، …

28

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًۭا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ

Have you not considered those who exchanged the favor of Allah for disbelief and settled their people [in] the home of ruin?

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ وهُداهم، وحالَ الكافِرِينَ وإضْلالَهم، ذَكَرَ السَّبَبَ في إضْلالِهِمْ. والَّذِينَ بَدَّلُوا ظاهِرَهُ أنَّهُ عامٌّ فِي جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، بَدَّلُوا بِنِعْمَةِ الإيمانِ الكُفْرَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم أهْلُ مَكَّةَ، أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِبَعْثِهِ رَسُولًا مِنهم يُعَلِّمُهم أمْرَ دِينِهِ وشَرَّفَهم بِهِ، وأسْكَنَهم حَرَمَهُ، وجَعَلَهم قُوّامَ بَيْتِهِ، فَوَضَعُوا مَكانَ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ كُفْرًا. وسَألَ ابْنُ عَبّاسٍ عُمَرَ عَنْهم فَقالَ: هُما الأعْرابُ مِن قُرَيْشٍ أخْوالِي، أيْ: بَنِي مَخْزُومٍ، واسْتُؤْصِلُوا بِبَدْرٍ. وأعْمامُكَ، أيْ: بَنِي أُمَيَّةَ، ومُتِّعُوا إلى حِينٍ. وعَنْ عَلِيٍّ نَحْوٌ مَن ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: هم قادَةُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. وعَنْ عَلِيٍّ: هم قُرَيْشٌ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ. وعَلى أنَّهم قُرَيْشٌ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا: هم مُنافِقُو قُرَيْشٍ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ عَلَمِ الإسْلامِ بِأنْ صانَ دِماءَهم وأمْوالَهم وذَرارِيَّهم، ثُمَّ عادُوا إلى الكُفْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ، ولا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ، لِأنَّ نُزُولَ الآيَةِ قَبْلَ قِصَّتِهِ، وقِصَّتُهُ كانَتْ في خِلافَةِ عُمَرَ، وإنَّما يُرِيدُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّها تَخُصُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا جِبِلَّةً إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

ونِعْمَةُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بَدَّلُوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أيْ شُكْرَ رِزْقِكم، كَأنَّهُ وجَبَ عَلَيْهِمُ الشُّكْرُ فَوَضَعُوا مَكانَهُ كُفْرًا، وجَعَلُوا مَكانَ شُكْرِهِمُ التَّكْذِيبَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهم بَدَّلُوا نَفْسَ النِّعْمَةِ بِالكُفْرِ حاصِلًا لَهُمِ الكُفْرُ بَدَلَ النِّعْمَةِ، وهم أهْلُ مَكَّةَ أسْكَنَهُمُ اللَّهُ حَرَمَهُ، وجَعَلَهم قِوامَ بَيْتِهِ، وأكْرَمَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ، بَدَلَ ما ألْزَمَهم مِنَ الشُّكْرِ العَظِيمِ، أوْ أصابَهُمُ اللَّهُ بِالنِّعْمَةِ والسَّعَةِ لِإيلافِهِمُ الرِّحْلَتَيْنِ، فَكَفَرُوا نِعْمَتَهُ، فَضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ، فَحَصَلَ لَهُمُ الكُفْرُ بَدَلَ النِّعْمَةِ، وبَقِيَ الكُفْرُ طَوْقًا في أعْناقِهِمْ؛ انْتَهى. ونِعْمَةُ اللَّهِ، هو المَفْعُولُ الثّانِي، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفُ الجَرِّ، أيْ: بِنِعْمَةِ اللَّهِ، وكُفْرًا، هو المَفْعُولُ الأوَّلُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] أيْ بِسَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ. فالمَنصُوبُ هو الحاصِلُ، والمَجْرُورُ بِالباءِ أوِ المَنصُوبُ عَلى إسْقاطِها هو الذّاهِبُ، عَلى هَذا لِسانُ العَرَبِ، وهو عَلى خِلافِ ما يَفْهَمُهُ العَوامُّ، وكَثِيرٌ مِمَّنْ يَنْتَمِي إلى العِلْمِ. وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في قَوْلِهِ في البَقَرَةِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ [البقرة: ١٠٨] وإذا قَدَّرْتَ مُضافًا مَحْذُوفًا، وهو شُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَهو الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ ثُمَّ حُذِفَتْ، وإذا لَمْ يُقَدَّرْ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، فالباءُ دَخَلَتْ عَلى نِعْمَةِ، ثُمَّ حُذِفَتْ. وأحَلُّوا قَوْمَهم، أيْ: مَن تابَعَهم عَلى الكُفْرِ. …

29

جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ

[It is] Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the settlement.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ وهُداهم، وحالَ الكافِرِينَ وإضْلالَهم، ذَكَرَ السَّبَبَ في إضْلالِهِمْ. والَّذِينَ بَدَّلُوا ظاهِرَهُ أنَّهُ عامٌّ فِي جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، بَدَّلُوا بِنِعْمَةِ الإيمانِ الكُفْرَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم أهْلُ مَكَّةَ، أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِبَعْثِهِ رَسُولًا مِنهم يُعَلِّمُهم أمْرَ دِينِهِ وشَرَّفَهم بِهِ، وأسْكَنَهم حَرَمَهُ، وجَعَلَهم قُوّامَ بَيْتِهِ، فَوَضَعُوا مَكانَ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ كُفْرًا. وسَألَ ابْنُ عَبّاسٍ عُمَرَ عَنْهم فَقالَ: هُما الأعْرابُ مِن قُرَيْشٍ أخْوالِي، أيْ: بَنِي مَخْزُومٍ، واسْتُؤْصِلُوا بِبَدْرٍ. وأعْمامُكَ، أيْ: بَنِي أُمَيَّةَ، ومُتِّعُوا إلى حِينٍ. وعَنْ عَلِيٍّ نَحْوٌ مَن ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: هم قادَةُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. وعَنْ عَلِيٍّ: هم قُرَيْشٌ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ. وعَلى أنَّهم قُرَيْشٌ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا: هم مُنافِقُو قُرَيْشٍ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ عَلَمِ الإسْلامِ بِأنْ صانَ دِماءَهم وأمْوالَهم وذَرارِيَّهم، ثُمَّ عادُوا إلى الكُفْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ، ولا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ، لِأنَّ نُزُولَ الآيَةِ قَبْلَ قِصَّتِهِ، وقِصَّتُهُ كانَتْ في خِلافَةِ عُمَرَ، وإنَّما يُرِيدُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّها تَخُصُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا جِبِلَّةً إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

ونِعْمَةُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بَدَّلُوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أيْ شُكْرَ رِزْقِكم، كَأنَّهُ وجَبَ عَلَيْهِمُ الشُّكْرُ فَوَضَعُوا مَكانَهُ كُفْرًا، وجَعَلُوا مَكانَ شُكْرِهِمُ التَّكْذِيبَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهم بَدَّلُوا نَفْسَ النِّعْمَةِ بِالكُفْرِ حاصِلًا لَهُمِ الكُفْرُ بَدَلَ النِّعْمَةِ، وهم أهْلُ مَكَّةَ أسْكَنَهُمُ اللَّهُ حَرَمَهُ، وجَعَلَهم قِوامَ بَيْتِهِ، وأكْرَمَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ، بَدَلَ ما ألْزَمَهم مِنَ الشُّكْرِ العَظِيمِ، أوْ أصابَهُمُ اللَّهُ بِالنِّعْمَةِ والسَّعَةِ لِإيلافِهِمُ الرِّحْلَتَيْنِ، فَكَفَرُوا نِعْمَتَهُ، فَضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ، فَحَصَلَ لَهُمُ الكُفْرُ بَدَلَ النِّعْمَةِ، وبَقِيَ الكُفْرُ طَوْقًا في أعْناقِهِمْ؛ انْتَهى. ونِعْمَةُ اللَّهِ، هو المَفْعُولُ الثّانِي، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفُ الجَرِّ، أيْ: بِنِعْمَةِ اللَّهِ، وكُفْرًا، هو المَفْعُولُ الأوَّلُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] أيْ بِسَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ. فالمَنصُوبُ هو الحاصِلُ، والمَجْرُورُ بِالباءِ أوِ المَنصُوبُ عَلى إسْقاطِها هو الذّاهِبُ، عَلى هَذا لِسانُ العَرَبِ، وهو عَلى خِلافِ ما يَفْهَمُهُ العَوامُّ، وكَثِيرٌ مِمَّنْ يَنْتَمِي إلى العِلْمِ. وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في قَوْلِهِ في البَقَرَةِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ [البقرة: ١٠٨] وإذا قَدَّرْتَ مُضافًا مَحْذُوفًا، وهو شُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَهو الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ ثُمَّ حُذِفَتْ، وإذا لَمْ يُقَدَّرْ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، فالباءُ دَخَلَتْ عَلى نِعْمَةِ، ثُمَّ حُذِفَتْ. وأحَلُّوا قَوْمَهم، أيْ: مَن تابَعَهم عَلى الكُفْرِ. …

30

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا لِّيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦ ۗ قُلْ تَمَتَّعُوا۟ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ

And they have attributed to Allah equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy yourselves, for indeed, your destination is the Fire."

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ وهُداهم، وحالَ الكافِرِينَ وإضْلالَهم، ذَكَرَ السَّبَبَ في إضْلالِهِمْ. والَّذِينَ بَدَّلُوا ظاهِرَهُ أنَّهُ عامٌّ فِي جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، بَدَّلُوا بِنِعْمَةِ الإيمانِ الكُفْرَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم أهْلُ مَكَّةَ، أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِبَعْثِهِ رَسُولًا مِنهم يُعَلِّمُهم أمْرَ دِينِهِ وشَرَّفَهم بِهِ، وأسْكَنَهم حَرَمَهُ، وجَعَلَهم قُوّامَ بَيْتِهِ، فَوَضَعُوا مَكانَ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ كُفْرًا. وسَألَ ابْنُ عَبّاسٍ عُمَرَ عَنْهم فَقالَ: هُما الأعْرابُ مِن قُرَيْشٍ أخْوالِي، أيْ: بَنِي مَخْزُومٍ، واسْتُؤْصِلُوا بِبَدْرٍ. وأعْمامُكَ، أيْ: بَنِي أُمَيَّةَ، ومُتِّعُوا إلى حِينٍ. وعَنْ عَلِيٍّ نَحْوٌ مَن ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: هم قادَةُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. وعَنْ عَلِيٍّ: هم قُرَيْشٌ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ. وعَلى أنَّهم قُرَيْشٌ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا: هم مُنافِقُو قُرَيْشٍ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ عَلَمِ الإسْلامِ بِأنْ صانَ دِماءَهم وأمْوالَهم وذَرارِيَّهم، ثُمَّ عادُوا إلى الكُفْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ، ولا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ، لِأنَّ نُزُولَ الآيَةِ قَبْلَ قِصَّتِهِ، وقِصَّتُهُ كانَتْ في خِلافَةِ عُمَرَ، وإنَّما يُرِيدُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّها تَخُصُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا جِبِلَّةً إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

ونِعْمَةُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بَدَّلُوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أيْ شُكْرَ رِزْقِكم، كَأنَّهُ وجَبَ عَلَيْهِمُ الشُّكْرُ فَوَضَعُوا مَكانَهُ كُفْرًا، وجَعَلُوا مَكانَ شُكْرِهِمُ التَّكْذِيبَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهم بَدَّلُوا نَفْسَ النِّعْمَةِ بِالكُفْرِ حاصِلًا لَهُمِ الكُفْرُ بَدَلَ النِّعْمَةِ، وهم أهْلُ مَكَّةَ أسْكَنَهُمُ اللَّهُ حَرَمَهُ، وجَعَلَهم قِوامَ بَيْتِهِ، وأكْرَمَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ، بَدَلَ ما ألْزَمَهم مِنَ الشُّكْرِ العَظِيمِ، أوْ أصابَهُمُ اللَّهُ بِالنِّعْمَةِ والسَّعَةِ لِإيلافِهِمُ الرِّحْلَتَيْنِ، فَكَفَرُوا نِعْمَتَهُ، فَضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ، فَحَصَلَ لَهُمُ الكُفْرُ بَدَلَ النِّعْمَةِ، وبَقِيَ الكُفْرُ طَوْقًا في أعْناقِهِمْ؛ انْتَهى. ونِعْمَةُ اللَّهِ، هو المَفْعُولُ الثّانِي، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفُ الجَرِّ، أيْ: بِنِعْمَةِ اللَّهِ، وكُفْرًا، هو المَفْعُولُ الأوَّلُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] أيْ بِسَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ. فالمَنصُوبُ هو الحاصِلُ، والمَجْرُورُ بِالباءِ أوِ المَنصُوبُ عَلى إسْقاطِها هو الذّاهِبُ، عَلى هَذا لِسانُ العَرَبِ، وهو عَلى خِلافِ ما يَفْهَمُهُ العَوامُّ، وكَثِيرٌ مِمَّنْ يَنْتَمِي إلى العِلْمِ. وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في قَوْلِهِ في البَقَرَةِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ [البقرة: ١٠٨] وإذا قَدَّرْتَ مُضافًا مَحْذُوفًا، وهو شُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَهو الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ ثُمَّ حُذِفَتْ، وإذا لَمْ يُقَدَّرْ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، فالباءُ دَخَلَتْ عَلى نِعْمَةِ، ثُمَّ حُذِفَتْ. وأحَلُّوا قَوْمَهم، أيْ: مَن تابَعَهم عَلى الكُفْرِ. …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.