Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 11–20 of 52

11

قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

Their messengers said to them, "We are only men like you, but Allah confers favor upon whom He wills of His servants. It has never been for us to bring you evidence except by permission of Allah. And upon Allah let the believers rely.

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهُمْ﴾ مُجاراةً مَعَهم في أوَّلِ مَقالَتِهِمْ، وإنَّما قِيلَ لَهم لِاخْتِصاصِ الكَلامِ بِهِمْ حَيْثُ أُرِيدَ إلْزامُهم بِخِلافِ ما سَلَفَ مِن إنْكارِ وُقُوعِ الشَّكِّ في اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ عامٌّ، وإنِ اخْتُصَّ بِهِمْ ما يَعْقُبُهُ.

﴿إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كَما تَقُولُونَ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ﴾ بِالنُّبُوَّةِ ﴿عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ يَعْنُونَ أنَّ ذَلِكَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، يُعْطِيها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، بِمَحْضِ الفَضْلِ والِامْتِنانِ مِن غَيْرِ داعِيَةٍ تُوجِبُهُ قالُوهُ تَواضُعًا، وهَضْمًا لِلنَّفْسِ، أوْ ما نَحْنُ مِنَ المَلائِكَةِ، بَلْ نَحْنُ بَشَرٌ مِثْلُكم في الصُّورَةِ، أوْ في الدُّخُولِ تَحْتَ الجِنْسِ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ بِالفَضائِلِ، والكَمالاتِ، والِاسْتِعْداداتِ عَلى مَن يَشاءُ المَنَّ، وما يَشاءُ ذَلِكَ إلّا لِعِلْمِهِ بِاسْتِحْقاقِهِ لَها، وتِلْكَ الفَضائِلُ، والكِمالاتُ، والِاسْتِعْداداتُ، هي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها فَلَكُ الِاصْطِفاءِ لِلنُّبُوَّةِ.

﴿وَما كانَ﴾ وما صَحَّ، وما اسْتَقامَ ﴿لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ﴾ أيْ: بِحُجَّةٍ مِنَ الحِجَجِ، فَضْلًا عَنِ السُّلْطانِ المُبِينِ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ.

﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ أمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، إنْ شاءَ كانَ وإلّا فَلا ﴿وَعَلى اللَّهِ﴾ وحْدَهُ دُونَ ما عَداهُ مُطْلَقًا ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ، ومَقْصُودُهم حَمْلُ أنْفُسِهِمْ عَلَيْهِ آثَرَ ذِي أثِيرٍ، ألا يَرى إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ:

12

وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ

And why should we not rely upon Allah while He has guided us to our [good] ways. And we will surely be patient against whatever harm you should cause us. And upon Allah let those who would rely [indeed] rely."

﴿وَما لَنا﴾ أيْ: أيُّ عُذْرٍ لَنا ﴿ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، والإظْهارُ لِإظْهارِ النَّشاطِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، والِاسْتِلْذاذِ بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى، وتَعْلِيلِ التَّوَكُّلِ.

﴿وَقَدْ هَدانا﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ فَعَلَ بِنا ما يُوجِبُهُ، ويَسْتَدْعِيهِ حَيْثُ هَدانا.

﴿سُبُلَنا﴾ أيْ: أرْشَدَ كُلًّا مِنّا سَبِيلَهُ، ومِنهاجَهُ الَّذِي شُرِعَ لَهُ، وأوْجَبَ عَلَيْهِ سُلُوكَهَ في الدِّينِ، وحَيْثُ كانَتْ أذِيَّةُ الكُفّارِ مِمّا يُوجِبُ القَلَقَ، والِاضْطِرابَ القادِحَ في التَّوَكُّلِ. قالُوا عَلى سَبِيلِ التَّوَكُّدِ القَسَمِيِّ مُظْهِرِينَ لِكَمالِ العَزِيمَةِ ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ بِالعِنادِ، واقْتِراحِ الآياتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ.

﴿وَعَلى اللَّهِ﴾ خاصَّةً ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ أيْ: فَلْيَثْبُتِ المُتَوَكِّلُونَ عَلى ما أحْدَثُوهُ مِنَ التَّوَكُّلِ، والمُرادُ هو المُرادُ مِمّا سَبَقَ، مِن إيجابِ التَّوَكُّلِ عَلى أنْفُسِهِمْ، والمُرادُ بِالمُتَوَكِّلِينَ المُؤْمِنُونَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِسَبْقِ ذِكْرِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ مَن تَوَكَّلَ دُونَ غَيْرِهِ.

13

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ

And those who disbelieved said to their messengers, "We will surely drive you out of our land, or you must return to our religion." So their Lord inspired to them, "We will surely destroy the wrongdoers.

﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لَعَلَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ بَعْضُ المُتَمَرِّدِينَ العاتِينَ الغالِينَ في الكُفْرِ مِن أُولَئِكَ الأُمَمِ الكافِرَةِ الَّتِي نُقِلَتْ مَقالاتُهُمُ الشَّنِيعَةُ دُونَ جَمِيعِهِمْ، كَقَوْمِ شُعَيْبٍ، وأضْرابِهِمْ. ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ. وقالُوا: ﴿لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ لَمْ يَقْنَعُوا بِعِصْيانِهِمُ الرُّسُلَ، ومُعانَدَتِهِمُ الحَقَّ بَعْدَ ما رَأوُا البَيِّناتِ الفائِتَةَ لِلْحَصْرِ حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى مِثْلِ هاتِيكَ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يَكادُ يُحِيطُ بِها دائِرَةُ الإمْكانِ، فَحَلَفُوا عَلى أنْ يَكُونَ أحَدُ المُحالَيْنِ، والعَوْدُ إمّا بِمَعْنى مُطْلَقِ الصَّيْرُورَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ تَغْلِيبِ المُؤْمِنِينَ عَلى الرُّسُلِ، وقَدْ مَرَّ في الأعْرافِ، وسَيَأْتِي في الكَهْفِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى الرُّسُلِ ﴿رَبُّهُمْ﴾ مالِكُ أمْرِهِمْ عِنْدَ تَناهِي كُفْرِ الكَفَرَةِ، وبُلُوغِهِمْ مِنَ العُتُوِّ إلى غايَةٍ لا مَطْمَعَ بَعْدَها في إيمانِهِمْ ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أوْ عَلى إجْراءِ الإيحاءِ مُجْراهُ لِكَوْنِهِ ضَرْبًا مِنهُ.

14

وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ

And We will surely cause you to dwell in the land after them. That is for he who fears My position and fears My threat."

﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ﴾ أيْ: أرْضَهم ودِيارَهم عُقُوبَةً لَهم بِقَوْلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ وقُرِئَ: (لَيُهْلِكَنَّ) و (لَيُسْكِنَنَّكُمْ) بِالياءِ اعْتِبارًا لَأوْحى. كَقَوْلِهِمْ: حَلَفَ زَيْدٌ لَيَخْرُجَنَّ غَدًا﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُوحى بِهِ، وهو إهْلاكُ الظّالِمِينَ، وإسْكانُ المُؤْمِنِينَ دِيارَهم. أيْ: ذَلِكَ الأمْرُ مُحَقَّقٌ ثابِتٌ.

﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ مَوْقِفِي. وهو المَوْقِفُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ العِبادُ يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ، أوْ قِيامِي عَلَيْهِ، وحِفْظِي لِأعْمالِهِ، وقِيلَ: لَفْظُ المَقامِ مُقْحَمٌ.

﴿وَخافَ وعِيدِ﴾ وعِيدِي بِالعَذابِ، أوْ عَذابِيَ المَوْعُودَ لِلْكُفّارِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُتَّقِينَ كَقَوْلِهِ: " والعاقِبة لِلْمُتَّقِينَ " .

15

وَٱسْتَفْتَحُوا۟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ

And they requested victory from Allah, and disappointed, [therefore], was every obstinate tyrant.

﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيِ: اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ عَلى أعْدائِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ أوِ اسْتَحْكَمُوا، وسَألُوهُ القَضاءَ بَيْنَهم مِنَ الفَتاحَةِ، وهي الحُكُومَةُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ فالضَّمِيرُ لِلرُّسُلِ، وقِيلَ: لِلْكَفَرَةِ. وقِيلَ: لِلْفَرِيقَيْنِ. فَإنَّهم سَألُوا أنْ يُنْصَرَ المُحِقُّ، ويُهْلَكَ المُبْطِلُ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى أوْحى إلَيْهِمْ، وقُرِئَ: بِلَفْظِ الأمْرِ عَطْفًا عَلى لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ. أيْ: أوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ وقالَ لَهُمُ: اسْتَفْتِحُوا، ﴿وَخابَ﴾ أيْ: خَسِرَ وهَلَكَ ﴿كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ مُتَّصِفٍ بِضِدِّ ما اتَّصَفَ بِهِ المُتَّقُونَ، أيْ: فَنُصِرُوا عِنْدَ اسْتِفْتاحِهِمْ، وظَفَرُوا بِما سَألُوا وأفْلَحُوا، وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، وهم قَوْمُهُمُ المُعانِدُونَ. فالخَيْبَةُ بِمَعْنى مُطْلَقِ الحِرْمانِ دُونَ الحِرْمانِ عَنِ المَطْلُوبِ، أوْ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى الحَقِّ، أوِ اسْتَفْتَحَ الكُفّارُ عَلى الرُّسُلِ، وخابُوا، ولَمْ يُفْلِحُوا، وإنَّما قِيلَ: وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ ذَمًّا لَهُمْ، وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالتَّجَبُّرِ، والعِنادِ لا أنَّ بَعْضَهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، وأنَّهُ لَمْ يُصِبْهُمُ الخَيْبَةُ، أوِ اسْتَفْتَحُوا جَمِيعًا فَنُصِرَ الرُّسُلُ، وأُنْجِزَ لَهُمُ الوَعْدُ، وخابَ كُلُّ عاتٍ مُتَمَرِّدٍ. فالخَيْبَةُ بِمَعْنى: الحِرْمانِ غِبَّ الطَّلَبِ، وفي إسْنادِ الخَيْبَةِ إلى كُلٍّ مِنهم ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ.

16

مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍۢ صَدِيدٍۢ

Before him is Hell, and he will be given a drink of purulent water.

﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: بَيْنَ يَدَيْهِ. فَإنَّهُ مُرْصَدٌ لَها واقِفٌ عَلى شَفِيرِها في الدُّنْيا، مَبْعُوثٌ إلَيْها في الآخِرَةِ. وقِيلَ: مِن وراءِ حَياتِهِ، وحَقِيقَتِهِ ما تَوارى عَنْكَ.

﴿وَيُسْقى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ جَوابًا عَنْ سُؤالِ سائِلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ إذَنْ؟ فَقِيلَ: يُلْقى فِيها، ويُسْقى ﴿مِن ماءٍ﴾ مَخْصُوصٍ، لا كالمِياهِ المَعْهُودَةِ.

﴿صَدِيدٍ﴾ وهو قَيْحٌ، أوْ دَمٌ مُخْتَلِطٌ بِمِدَّةٍ يَسِيلُ مِنَ الجُرْحِ. قالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: هو ما يَسِيلُ مِن أجْسادِ أهْلِ النّارِ، وهو عَطْفُ بَيانٍ لِما أُبْهِمَ أوَّلًا، ثُمَّ بُيِّنَ بِالصَّدِيدِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ عَذابِها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن أشَدِّ أنْواعِهِ.

17

يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍۢ ۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌۭ

He will gulp it but will hardly [be able to] swallow it. And death will come to him from everywhere, but he is not to die. And before him is a massive punishment.

﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ قِيلَ: هو صِفَةٌ لِماءٍ، أوْ حالٌ مِنهُ، والأظْهَرُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُفْعَلُ بِهِ فَقِيلَ: يَتَجَرَّعُهُ، أيْ: يُتَكَلَّفُ جَرْعَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لِغَلَبَةِ العَطَشِ، واسْتِيلاءِ الحَرارَةِ عَلَيْهِ.

﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أيْ: لا يُقارِبُ أنْ يُسِيغَهُ فَضْلًا عَنِ الإساغَةِ، بَلْ يُغَصُّ بِهِ فَيَشْرَبُهُ بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي جُرْعَةً غِبَّ جُرْعَةٍ، فَيَطُولُ عَذابُهُ تارَةً بِالحَرارَةِ والعَطَشِ، وأُخْرى بِشُرْبِهِ عَلى تِلْكَ الحالِ. فَإنَّ السِّواغَ انْحِدارُ الشَّرابِ في الحَلْقِ بِسُهُولَةٍ، وقَبُولِ نَفْسٍ، ونَفْيُهُ لا يُوجِبُ نَفْيَ ما ذُكِرَ جَمِيعًا. وقِيلَ: لا يَكادُ يُدْخِلُهُ في جَوْفِهِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالإساغَةِ لِما أنَّها المَعْهُودَةُ في الأشْرِبَةِ، وهو حالٌ مِن فاعِلِ يَتَجَرَّعُهُ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ أوْ مِنهُما جَمِيعًا ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ﴾ أيْ: أسْبابُهُ مِنَ الشَّدائِدِ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ ويُحِيطُ بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، أوْ مِن كُلِّ مَكانٍ مِن جَسَدِهِ، حَتّى مِن أصُولِ شَعَرِهِ، وإبْهامِ رِجْلِهِ ﴿وَما هو بِمَيِّتٍ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَيِّتٍ حَقِيقَةً كَما هو الظّاهِرُ مِن مَجِيءِ أسْبابِهِ، لا سِيَّما مِن جَمِيعِ الجِهاتِ حَتّى لا يَتَألَّمَ بِما غَشِيَهُ مِن أصْنافِ المُوبِقاتِ، ﴿وَمِن ورائِهِ﴾ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ يَسْتَقْبِلُ كُلَّ وقْتٍ عَذابًا أشَدَّ، وأشَقَّ مِمّا كانَ قَبْلَهُ. فَفِيهِ دَفْعُ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ الخِفَّةِ بِحَسْبِ الِاعْتِيادِ كَما في عَذابِ الدُّنْيا، وقِيلَ: هو الخُلُودُ في النّارِ. وقِيلَ: هو حَبْسُ الأنْفاسِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالِاسْتِفْتاحِ، والخَيْبَةِ: اسْتِسْقاءُ أهْلِ مَكَّةَ في سِنِيهِمُ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، بِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وخَيْبَتِهِمْ في ذَلِكَ، وقَدْ وعَدَ لَهم بَدَلَ ذَلِكَ صَدِيدَ أهْلِ النّارِ.

18

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍۢ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلْبَعِيدُ

The example of those who disbelieve in their Lord is [that] their deeds are like ashes which the wind blows forcefully on a stormy day; they are unable [to keep] from what they earned a [single] thing. That is what is extreme error.

﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: صِفَتُهُمْ، وحالُهُمُ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ الَّتِي هي كالمَثَلِ في الغَرابَةِ. وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ كَقَوْلِكَ: صِفَةُ زَيْدٍ عِرْضُهُ مَهْتُوكٌ، ومالُهُ مَنهُوبٌ. وهو اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ مَن قالَ: ما بالُ أعْمالِهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في وُجُوهِ البِرِّ مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وإعْتاقِ الرِّقابِ، وفِداءِ الأُسارى، وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ، وقِرى الأضْيافِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. مِمّا هو مِن بابِ المَكارِمِ، حَتّى آلَ أمْرُهم إلى هَذا المَآلِ؟ فَأُجِيبَ: بِأنَّ ذَلِكَ كَرَمادٍ، ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ حَمَلَتْهُ وأسْرَعَتِ الذَّهابَ بِهِ ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ . العَصْفُ: اشْتِدادُ الرِّيحِ، وُصِفَ بِهِ زَمانُها مُبالَغَةً، كَقَوْلِكَ: لَيْلَةٌ ساكِرَةٌ، وإنَّما السُّكُورُ لِرِيحِها شُبِّهَتْ صَنائِعُهُمُ المَعْدُودَةُ لِابْتِنائِها عَلى غَيْرِ أساسٍ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، والإيمانِ بِهِ، والتَّوَجُّهِ بِها إلَيْهِ تَعالى بِرَمادٍ طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ العاصِفَةُ، أوِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أعْمالِهِمُ لِلْأصْنامِ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ. أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ مَثَلُهم. وقَوْلُهُ: "أعْمالُهُمْ" جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالِ مَن يَقُولُ: كَيْفَ مَثَلُهُمْ؟ فَقِيلَ: أعْمالُهم كَيْتَ وكَيْتَ، سَواءٌ أُرِيدَ بِها صَنائِعَهُمْ، أوْ أعْمالَهم لِأصْنامِهِمْ. وقِيلَ: أعْمالُهم بَدَلٌ مِن مَثَلُ الَّذِينَ. وقَوْلُهُ: "كَرَمادٍ" خَبَرُهُ ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ مِن تِلْكَ الأعْمالِ ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ما، أيْ: لا يَرَوْنَ لَهُ أثَرًا مِن ثَوابِ، أوْ تَخْفِيفِ عَذابٍ كَدَأْبِ الرَّمادِ المَذْكُورِ. وهو فَذْلَكَةُ التَّمْثِيلِ، والِاكْتِفاءُ بِبَيانِ عَدَمِ رُؤْيَةِ الأثَرِ لِأعْمالِهِمْ لِلْأصْنامِ مَعَ أنَّ لَها عُقُوباتٍ هائِلَةً، لِلتَّصْرِيحِ بِبُطْلانِ اعْتِقادِهِمْ، وزَعْمِهِمْ أنَّها شُفَعاءُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما دَلَّ عَلَيْهِ التَّمْثِيلُ دَلالَةً واضِحَةً مِن ضَلالِهِمْ مَعَ حُسْبانِهِمْ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أوْ عَنْ نَيْلِ الثَّوابِ.

19

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ

Have you not seen that Allah created the heavens and the earth in truth? If He wills, He can do away with you and produce a new creation.

﴿ألَمْ تَرَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ. وقِيلَ: لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الكَفَرَةِ. لِقَوْلِهِ تَعالى: "يُذْهِبْكُمْ" والرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها، أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُما ﴿بِالحَقِّ﴾ مُلْتَبِسَةً بِالحِكْمَةِ، والوَجْهِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَحِقُّ أنْ تُخْلَقَ عَلَيْهِ. وقُرِئَ: (خالِقُ السَّمَواتِ والأرْضِ) ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ يُعْدِمْكم بِالمَرَّةِ ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: يَخْلُقُ بَدَلَكم خَلْقًا مُسْتَأْنِفًا لا عَلاقَةَ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَتَّبَ قدرته تعالى عَلى ذَلِكَ عَلى قدرته تعالى عَلى خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ، إرْشادًا إلى طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ. فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ مِثْلِ هاتِيكَ الأجْرامِ العَظِيمَةِ، كانَ عَلى تَبْدِيلِ خَلْقٍ آخَرَ بِهِمْ أقْدَرَ. ولِذَلِكَ قالَ:

20

وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍۢ

And that is not difficult for Allah.

﴿وَما ذَلِكَ﴾ أيْ: إذْهابُكُمْ، والإتْيانُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ مَكانَكم.

﴿عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ بِمُتَعَذِّرٍ، أوْ مُتَعَسِّرٍ. فَإنَّهُ قادِرٌ لِذاتِهِ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ، ومَن هَذا شَأْنُهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ، ويُرْجى ثَوابُهُ، ويُخْشى عِقابُهُ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.