Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) by Al-Qurtubi

Ayahs 11–20 of 52

11

قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

Their messengers said to them, "We are only men like you, but Allah confers favor upon whom He wills of His servants. It has never been for us to bring you evidence except by permission of Allah. And upon Allah let the believers rely.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أَيْ فِي الصُّورَةِ وَالْهَيْئَةِ كَمَا قُلْتُمْ.

(وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) أَيْ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ. وَقِيلَ، بِالتَّوْفِيقِ وَالْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْهِدَايَةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَفَهْمِ مَا فِيهِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، وَقَدْ خَرَّجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ: يَا عَمِّ أَوْصِنِي، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ وَلَا لَيْلَةٍ وَلَا سَاعَةٍ إِلَّا وَلِلَّهِ فِيهِ صَدَقَةٌ يَمُنُّ بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِمِثْلِ أَنْ يُلْهِمَهُمْ ذِكْرَهُ".

(وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ) أَيْ بِحُجَّةٍ وَآيَةٍ.

(إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أَيْ بِمَشِيئَتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قُدْرَتِنَا، أَيْ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَ بِحُجَّةٍ كَمَا تَطْلُبُونَ إِلَّا بِأَمْرِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَلَفْظُهُ لَفْظُ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ النَّفْيُ، لِأَنَّهُ لَا يحظر على أحد ما لا يقدر عليه.

(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ "مَا" اسْتِفْهَامٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَ "لَنا" الْخَبَرُ، وَمَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ الحال، التقدير: أي شي لَنَا فِي تَرْكِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ.

(وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا) أَيِ الطَّرِيقَ الَّذِي يُوَصِّلُ إِلَى رحمته، وينجي من سخطه ونقمته.

(وَلَنَصْبِرَنَّ) لَامُ قَسَمٍ، مَجَازُهُ: وَاللَّهِ لَنَصْبِرَنَّ (عَلى مَا آذَيْتُمُونا) بِهِ، أَيْ مِنَ الْإِهَانَةِ وَالضَّرْبِ، وَالتَّكْذِيبِ وَالْقَتْلِ، ثِقَةً بِاللَّهِ أَنَّهُ يَكْفِينَا وَيُثِيبُنَا.

(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ).

12

وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ

And why should we not rely upon Allah while He has guided us to our [good] ways. And we will surely be patient against whatever harm you should cause us. And upon Allah let those who would rely [indeed] rely."

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أَيْ فِي الصُّورَةِ وَالْهَيْئَةِ كَمَا قُلْتُمْ.

(وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) أَيْ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ. وَقِيلَ، بِالتَّوْفِيقِ وَالْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْهِدَايَةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَفَهْمِ مَا فِيهِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، وَقَدْ خَرَّجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ: يَا عَمِّ أَوْصِنِي، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ وَلَا لَيْلَةٍ وَلَا سَاعَةٍ إِلَّا وَلِلَّهِ فِيهِ صَدَقَةٌ يَمُنُّ بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِمِثْلِ أَنْ يُلْهِمَهُمْ ذِكْرَهُ".

(وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ) أَيْ بِحُجَّةٍ وَآيَةٍ.

(إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أَيْ بِمَشِيئَتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قُدْرَتِنَا، أَيْ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَ بِحُجَّةٍ كَمَا تَطْلُبُونَ إِلَّا بِأَمْرِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَلَفْظُهُ لَفْظُ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ النَّفْيُ، لِأَنَّهُ لَا يحظر على أحد ما لا يقدر عليه.

(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ "مَا" اسْتِفْهَامٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَ "لَنا" الْخَبَرُ، وَمَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ الحال، التقدير: أي شي لَنَا فِي تَرْكِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ.

(وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا) أَيِ الطَّرِيقَ الَّذِي يُوَصِّلُ إِلَى رحمته، وينجي من سخطه ونقمته.

(وَلَنَصْبِرَنَّ) لَامُ قَسَمٍ، مَجَازُهُ: وَاللَّهِ لَنَصْبِرَنَّ (عَلى مَا آذَيْتُمُونا) بِهِ، أَيْ مِنَ الْإِهَانَةِ وَالضَّرْبِ، وَالتَّكْذِيبِ وَالْقَتْلِ، ثِقَةً بِاللَّهِ أَنَّهُ يَكْفِينَا وَيُثِيبُنَا.

(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ).

13

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ

And those who disbelieved said to their messengers, "We will surely drive you out of our land, or you must return to our religion." So their Lord inspired to them, "We will surely destroy the wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا﴾ اللَّامُ لَامُ قَسَمٍ، أَيْ وَاللَّهِ لَنُخْرِجَنَّكُمْ.

(أَوْ لَتَعُودُنَّ) أَيْ حَتَّى تَعُودُوا أَوْ إِلَّا أَنْ تَعُودُوا، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، فَإِنَّ "أَوْ" عَلَى بَابِهَا مِنَ التَّخْيِيرِ، خَيَّرَ الْكُفَّارُ الرُّسُلَ بَيْنَ أَنْ يَعُودُوا فِي مِلَّتِهِمْ أَوْ يُخْرِجُوهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ، وَهَذِهِ سِيرَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي رُسُلِهِ وَعِبَادِهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لَا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا. سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا﴾راجع ج ١٠ ص ٣٠١. [الإسراء: ٧٧ - ٧٦] وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي "الْأَعْرَافِ" راجع ج ٧ ص ٣٥٠. وَغَيْرِهَا.

(فِي مِلَّتِنا) أَيْ إِلَى دِينِنَا، (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ. وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ).

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ﴾ أَيْ مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأُضِيفَ الْمَصْدَرُ إِلَى الْفَاعِلِ. وَالْمَقَامُ مَصْدَرٌ كَالْقِيَامِ، يُقَالُ: قَامَ قِيَامًا وَمَقَامًا، وَأَضَافَ ذَلِكَ إِلَيْهِ لاختصاصه به. والمقام بفتح الميم مكان الإمامة، وَبِالضَّمِّ فِعْلُ الْإِقَامَةِ، وَ "ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي" أَيْ قِيَامِي عَلَيْهِ، وَمُرَاقَبَتِي لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ" راجع ص ٣٢٢ من هذا الجزء. [الرعد ٣٣]. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: "ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي" أَيْ عَذَابِي، "وَخافَ وَعِيدِ" أَيِ الْقُرْآنَ وَزَوَاجِرَهُ. وَقِيلَ: إنه العذاب. والوعيد الاسم من الوعد.

14

وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ

And We will surely cause you to dwell in the land after them. That is for he who fears My position and fears My threat."

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا﴾ اللَّامُ لَامُ قَسَمٍ، أَيْ وَاللَّهِ لَنُخْرِجَنَّكُمْ.

(أَوْ لَتَعُودُنَّ) أَيْ حَتَّى تَعُودُوا أَوْ إِلَّا أَنْ تَعُودُوا، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، فَإِنَّ "أَوْ" عَلَى بَابِهَا مِنَ التَّخْيِيرِ، خَيَّرَ الْكُفَّارُ الرُّسُلَ بَيْنَ أَنْ يَعُودُوا فِي مِلَّتِهِمْ أَوْ يُخْرِجُوهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ، وَهَذِهِ سِيرَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي رُسُلِهِ وَعِبَادِهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لَا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا. سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا﴾راجع ج ١٠ ص ٣٠١. [الإسراء: ٧٧ - ٧٦] وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي "الْأَعْرَافِ" راجع ج ٧ ص ٣٥٠. وَغَيْرِهَا.

(فِي مِلَّتِنا) أَيْ إِلَى دِينِنَا، (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ. وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ).

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ﴾ أَيْ مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأُضِيفَ الْمَصْدَرُ إِلَى الْفَاعِلِ. وَالْمَقَامُ مَصْدَرٌ كَالْقِيَامِ، يُقَالُ: قَامَ قِيَامًا وَمَقَامًا، وَأَضَافَ ذَلِكَ إِلَيْهِ لاختصاصه به. والمقام بفتح الميم مكان الإمامة، وَبِالضَّمِّ فِعْلُ الْإِقَامَةِ، وَ "ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي" أَيْ قِيَامِي عَلَيْهِ، وَمُرَاقَبَتِي لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ" راجع ص ٣٢٢ من هذا الجزء. [الرعد ٣٣]. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: "ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي" أَيْ عَذَابِي، "وَخافَ وَعِيدِ" أَيِ الْقُرْآنَ وَزَوَاجِرَهُ. وَقِيلَ: إنه العذاب. والوعيد الاسم من الوعد.

15

وَٱسْتَفْتَحُوا۟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ

And they requested victory from Allah, and disappointed, [therefore], was every obstinate tyrant.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أَيْ وَاسْتَنْصَرُوا، أَيْ أَذِنَ لِلرُّسُلِ فِي الِاسْتِفْتَاحِ عَلَى قَوْمِهِمْ، وَالدُّعَاءِ بِهَلَاكِهِمْ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" راجع ج ٢ ص ٢٦ فما بعد.. وَمِنْهُ الْحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ، أَيْ يَسْتَنْصِرُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: اسْتَفْتَحَتِ الْأُمَمُ بِالدُّعَاءِ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾راجع ج ٧ ص ٣٩٨. [الأنفال: ٣٢] الْآيَةَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ قَالَ الرسول: "إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً" وَقَالَتِ الْأُمَمُ: إِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ صَادِقِينَ فَعَذِّبْنَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، نَظِيرُهُ ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾راجع ج ١٣ ص ٣٤١. [العنكبوت: ٢٩] ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾راجع ج ٧ ص ٢٤٠. [الأعراف: ٧٧].

(وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ الَّذِي لَا يَرَى لِأَحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، هَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ. وَالْعَنِيدُ الْمُعَانِدُ لِلْحَقِّ وَالْمُجَانِبُ لَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، يُقَالُ: عَنَدَ عَنْ قَوْمِهِ أَيْ تَبَاعَدَ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْعَنَدِ، وَهُوَ النَّاحِيَةُ وَعَانَدَ فُلَانٌ أَيْ أَخَذَ فِي نَاحِيَةٍ مُعْرِضًا، قَالَ الشَّاعِرُ:

إِذَا نَزَلْتُ فَاجْعَلُونِي وَسَطًا ... إِنِّي كَبِيرٌ لَا أُطِيقُ الْعُنَّدَا

وَقَالَ الْهَرَوِيُّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أَيْ جَائِرٌ عَنِ الْقَصْدِ، وَهُوَ الْعَنُودُ وَالْعَنِيدُ وَالْعَانِدُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وسيل عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ فَقَالَ: إِنَّهُ عِرْقٌ عَانِدٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ الَّذِي عَنَدَ وَبَغَى كَالْإِنْسَانِ يُعَانِدُ، فَهَذَا الْعِرْقُ فِي كَثْرَةٍ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِمَنْزِلَتِهِ. وَقَالَ شَمِرٌ: الْعَانِدُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ. وَقَالَ عُمَرُ يَذْكُرُ سِيرَتَهُ: أَضُمُّ الْعَنُودَ، قَالَ اللَّيْثُ: الْعَنُودُ مِنَ الْإِبِلِ الَّذِي لَا يُخَالِطُهَا إِنَّمَا هُوَ فِي نَاحِيَةٍ أَبَدًا، أَرَادَ مَنْ هَمَّ بِالْخِلَافِ أَوْ بِمُفَارَقَةِ الْجَمَاعَةِ عَطَفْتُ بِهِ إِلَيْهَا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْعَنِيدُ الْمُتَكَبِّرُ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: هُوَ الشَّامِخُ بِأَنْفِهِ. وَقِيلَ: الْعَنُودُ والعنيد الذي يَتَكَبَّرُ عَلَى الرُّسُلِ وَيَذْهَبُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ فَلَا يَسْلُكُهَا، تَقُولُ الْعَرَبُ: شَرُّ الْإِبِلِ الْعَنُودُ الَّذِي يَخْرُجُ عَنِ الطَّرِيقِ. وَقِيلَ: الْعَنِيدُ الْعَاصِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْعَنِيدُ الَّذِي أَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قُلْتُ: وَالْجَبَّارُ وَالْعَنِيدُ فِي الْآيَةِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مُخْتَلِفًا، وَكُلُّ مُتَبَاعِدٍ عَنِ الْحَقِّ جَبَّارٌ وَعَنِيدٌ أَيْ مُتَكَبِّرٌ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْآيَةِ أَبُو جَهْلٍ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ أَدَبِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ تَفَاءَلَ يَوْمًا فِي الْمُصْحَفِ فَخَرَجَ لَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ" فَمَزَّقَ الْمُصْحَفَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:

أَتُوعِدُ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ... فَهَا أَنَا ذَاكَ جَبَّارٌ عَنِيدُ

إِذَا مَا جِئْتَ رَبَّكَ يَوْمَ حَشْرٍ ... فَقُلْ يَا رَبِّ …

16

مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍۢ صَدِيدٍۢ

Before him is Hell, and he will be given a drink of purulent water.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أَيْ وَاسْتَنْصَرُوا، أَيْ أَذِنَ لِلرُّسُلِ فِي الِاسْتِفْتَاحِ عَلَى قَوْمِهِمْ، وَالدُّعَاءِ بِهَلَاكِهِمْ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" راجع ج ٢ ص ٢٦ فما بعد.. وَمِنْهُ الْحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ، أَيْ يَسْتَنْصِرُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: اسْتَفْتَحَتِ الْأُمَمُ بِالدُّعَاءِ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾راجع ج ٧ ص ٣٩٨. [الأنفال: ٣٢] الْآيَةَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ قَالَ الرسول: "إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً" وَقَالَتِ الْأُمَمُ: إِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ صَادِقِينَ فَعَذِّبْنَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، نَظِيرُهُ ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾راجع ج ١٣ ص ٣٤١. [العنكبوت: ٢٩] ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾راجع ج ٧ ص ٢٤٠. [الأعراف: ٧٧].

(وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ الَّذِي لَا يَرَى لِأَحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، هَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ. وَالْعَنِيدُ الْمُعَانِدُ لِلْحَقِّ وَالْمُجَانِبُ لَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، يُقَالُ: عَنَدَ عَنْ قَوْمِهِ أَيْ تَبَاعَدَ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْعَنَدِ، وَهُوَ النَّاحِيَةُ وَعَانَدَ فُلَانٌ أَيْ أَخَذَ فِي نَاحِيَةٍ مُعْرِضًا، قَالَ الشَّاعِرُ:

إِذَا نَزَلْتُ فَاجْعَلُونِي وَسَطًا ... إِنِّي كَبِيرٌ لَا أُطِيقُ الْعُنَّدَا

وَقَالَ الْهَرَوِيُّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أَيْ جَائِرٌ عَنِ الْقَصْدِ، وَهُوَ الْعَنُودُ وَالْعَنِيدُ وَالْعَانِدُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وسيل عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ فَقَالَ: إِنَّهُ عِرْقٌ عَانِدٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ الَّذِي عَنَدَ وَبَغَى كَالْإِنْسَانِ يُعَانِدُ، فَهَذَا الْعِرْقُ فِي كَثْرَةٍ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِمَنْزِلَتِهِ. وَقَالَ شَمِرٌ: الْعَانِدُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ. وَقَالَ عُمَرُ يَذْكُرُ سِيرَتَهُ: أَضُمُّ الْعَنُودَ، قَالَ اللَّيْثُ: الْعَنُودُ مِنَ الْإِبِلِ الَّذِي لَا يُخَالِطُهَا إِنَّمَا هُوَ فِي نَاحِيَةٍ أَبَدًا، أَرَادَ مَنْ هَمَّ بِالْخِلَافِ أَوْ بِمُفَارَقَةِ الْجَمَاعَةِ عَطَفْتُ بِهِ إِلَيْهَا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْعَنِيدُ الْمُتَكَبِّرُ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: هُوَ الشَّامِخُ بِأَنْفِهِ. وَقِيلَ: الْعَنُودُ والعنيد الذي يَتَكَبَّرُ عَلَى الرُّسُلِ وَيَذْهَبُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ فَلَا يَسْلُكُهَا، تَقُولُ الْعَرَبُ: شَرُّ الْإِبِلِ الْعَنُودُ الَّذِي يَخْرُجُ عَنِ الطَّرِيقِ. وَقِيلَ: الْعَنِيدُ الْعَاصِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْعَنِيدُ الَّذِي أَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قُلْتُ: وَالْجَبَّارُ وَالْعَنِيدُ فِي الْآيَةِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مُخْتَلِفًا، وَكُلُّ مُتَبَاعِدٍ عَنِ الْحَقِّ جَبَّارٌ وَعَنِيدٌ أَيْ مُتَكَبِّرٌ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْآيَةِ أَبُو جَهْلٍ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ أَدَبِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ تَفَاءَلَ يَوْمًا فِي الْمُصْحَفِ فَخَرَجَ لَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ" فَمَزَّقَ الْمُصْحَفَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:

أَتُوعِدُ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ... فَهَا أَنَا ذَاكَ جَبَّارٌ عَنِيدُ

إِذَا مَا جِئْتَ رَبَّكَ يَوْمَ حَشْرٍ ... فَقُلْ يَا رَبِّ …

17

يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍۢ ۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌۭ

He will gulp it but will hardly [be able to] swallow it. And death will come to him from everywhere, but he is not to die. And before him is a massive punishment.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أَيْ وَاسْتَنْصَرُوا، أَيْ أَذِنَ لِلرُّسُلِ فِي الِاسْتِفْتَاحِ عَلَى قَوْمِهِمْ، وَالدُّعَاءِ بِهَلَاكِهِمْ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ مَضَى فِي "الْبَقَرَةِ" راجع ج ٢ ص ٢٦ فما بعد.. وَمِنْهُ الْحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ، أَيْ يَسْتَنْصِرُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: اسْتَفْتَحَتِ الْأُمَمُ بِالدُّعَاءِ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾راجع ج ٧ ص ٣٩٨. [الأنفال: ٣٢] الْآيَةَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ قَالَ الرسول: "إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً" وَقَالَتِ الْأُمَمُ: إِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ صَادِقِينَ فَعَذِّبْنَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، نَظِيرُهُ ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾راجع ج ١٣ ص ٣٤١. [العنكبوت: ٢٩] ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾راجع ج ٧ ص ٢٤٠. [الأعراف: ٧٧].

(وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ الَّذِي لَا يَرَى لِأَحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، هَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ. وَالْعَنِيدُ الْمُعَانِدُ لِلْحَقِّ وَالْمُجَانِبُ لَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، يُقَالُ: عَنَدَ عَنْ قَوْمِهِ أَيْ تَبَاعَدَ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْعَنَدِ، وَهُوَ النَّاحِيَةُ وَعَانَدَ فُلَانٌ أَيْ أَخَذَ فِي نَاحِيَةٍ مُعْرِضًا، قَالَ الشَّاعِرُ:

إِذَا نَزَلْتُ فَاجْعَلُونِي وَسَطًا ... إِنِّي كَبِيرٌ لَا أُطِيقُ الْعُنَّدَا

وَقَالَ الْهَرَوِيُّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أَيْ جَائِرٌ عَنِ الْقَصْدِ، وَهُوَ الْعَنُودُ وَالْعَنِيدُ وَالْعَانِدُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وسيل عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ فَقَالَ: إِنَّهُ عِرْقٌ عَانِدٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ الَّذِي عَنَدَ وَبَغَى كَالْإِنْسَانِ يُعَانِدُ، فَهَذَا الْعِرْقُ فِي كَثْرَةٍ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِمَنْزِلَتِهِ. وَقَالَ شَمِرٌ: الْعَانِدُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ. وَقَالَ عُمَرُ يَذْكُرُ سِيرَتَهُ: أَضُمُّ الْعَنُودَ، قَالَ اللَّيْثُ: الْعَنُودُ مِنَ الْإِبِلِ الَّذِي لَا يُخَالِطُهَا إِنَّمَا هُوَ فِي نَاحِيَةٍ أَبَدًا، أَرَادَ مَنْ هَمَّ بِالْخِلَافِ أَوْ بِمُفَارَقَةِ الْجَمَاعَةِ عَطَفْتُ بِهِ إِلَيْهَا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْعَنِيدُ الْمُتَكَبِّرُ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: هُوَ الشَّامِخُ بِأَنْفِهِ. وَقِيلَ: الْعَنُودُ والعنيد الذي يَتَكَبَّرُ عَلَى الرُّسُلِ وَيَذْهَبُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ فَلَا يَسْلُكُهَا، تَقُولُ الْعَرَبُ: شَرُّ الْإِبِلِ الْعَنُودُ الَّذِي يَخْرُجُ عَنِ الطَّرِيقِ. وَقِيلَ: الْعَنِيدُ الْعَاصِي. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْعَنِيدُ الَّذِي أَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قُلْتُ: وَالْجَبَّارُ وَالْعَنِيدُ فِي الْآيَةِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مُخْتَلِفًا، وَكُلُّ مُتَبَاعِدٍ عَنِ الْحَقِّ جَبَّارٌ وَعَنِيدٌ أَيْ مُتَكَبِّرٌ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْآيَةِ أَبُو جَهْلٍ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ أَدَبِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ تَفَاءَلَ يَوْمًا فِي الْمُصْحَفِ فَخَرَجَ لَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ" فَمَزَّقَ الْمُصْحَفَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ:

أَتُوعِدُ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ... فَهَا أَنَا ذَاكَ جَبَّارٌ عَنِيدُ

إِذَا مَا جِئْتَ رَبَّكَ يَوْمَ حَشْرٍ ... فَقُلْ يَا رَبِّ …

18

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍۢ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلْبَعِيدُ

The example of those who disbelieve in their Lord is [that] their deeds are like ashes which the wind blows forcefully on a stormy day; they are unable [to keep] from what they earned a [single] thing. That is what is extreme error.

اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي رَفْعِ "مَثَلُ" فَقَالَ سِيبَوَيْهِ: ارْتَفَعَ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مُضْمَرٌ، التَّقْدِيرُ: وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ أَوْ يُقَصُّ "مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ" ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: "أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ" أَيْ كَمَثَلِ رَمَادٍ (اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ). وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ، وَهُوَ عِنْدَ الْفَرَّاءِ عَلَى إِلْغَاءِ الْمَثَلِ، التقدير: والذين كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، التَّقْدِيرُ: مَثَلُ أَعْمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ كَرَمَادٍ، وَذَكَرَ الْأَوَّلَ عَنْهُ الْمَهْدَوِيُّ، وَالثَّانِي الْقُشَيْرِيُّ وَالثَّعْلَبِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً كَمَا يُقَالُ: صِفَةُ فُلَانٍ أَسْمَرُ، فَ "مَثَلُ" بِمَعْنَى صِفَةُ. وَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ جَرُّ "أَعْمالُهُمْ" عَلَى بَدَلِ الِاشْتِمَالِ مِنَ "الَّذِينَ" وَاتَّصَلَ هَذَا بِقَوْلِهِ: "وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ" وَالْمَعْنَى: أَعْمَالُهُمْ مُحْبَطَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ. وَالرَّمَادُ مَا بَقِيَ بَعْدَ احْتِرَاقِ الشَّيْءِ، فَضَرَبَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ مَثَلًا لِأَعْمَالِ الْكُفَّارِ فِي أَنَّهُ يَمْحَقُهَا كَمَا تَمْحَقُ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الرَّمَادَ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ. وَالْعَصْفُ شِدَّةُ الرِّيحِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَشْرَكُوا فِيهَا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي وَصْفِ الْيَوْمِ بِالْعُصُوفِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا- أَنَّ الْعُصُوفَ وَإِنْ كَانَ لِلرِّيحِ فَإِنَّ الْيَوْمَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ، لِأَنَّ الرِّيحَ تَكُونُ فِيهِ، فَجَازَ أَنْ يُقَالَ: يَوْمٌ عَاصِفٌ، كَمَا يُقَالُ: يَوْمٌ حَارٌّ وَيَوْمٌ بَارِدٌ، وَالْبَرْدُ وَالْحَرُّ فِيهِمَا. وَالثَّانِي- أَنْ يُرِيدَ "فِي يَوْمٍ عاصِفٍ" الرِّيحَ، لِأَنَّهَا ذُكِرَتْ فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

إِذَا جَاءَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كَاسِفُ

يُرِيدُ كَاسِفُ الشَّمْسِ فَحَذَفَ، لِأَنَّهُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ، ذَكَرَهُمَا الْهَرَوِيُّ. وَالثَّالِثُ- أَنَّهُ مِنْ نَعْتِ الرِّيحِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بَعْدَ الْيَوْمِ أَتْبَعَ إِعْرَابَهُ كَمَا قِيلَ: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ. وَقَرَأَ ابْنُ [أَبِي] من اوز وووى والبحر. إِسْحَاقَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ" فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ هذه القراءة بإضافة يوم إلى عاصف، ومن قرأ بها أقام الصفة مقام الموصوف، أي في يوم ريح عاصف. وقراءة نافع وابن جعفر: الرياح. على الجميع. ".

(لَا يَقْدِرُونَ) يَعْنِي الْكُفَّارَ.

(مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ) يُرِيدُ فِي الْآخِرَةِ، أَيْ مِنْ ثَوَابِ مَا عَمِلُوا مِنَ الْبِرِّ فِي الدُّنْيَا، لِإِحْبَاطِهِ بِالْكُفْرِ.

(ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) أَيِ الْخُسْرَانُ الْكَبِيرُ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ كَبِيرًا بَعِيدًا لِفَوَاتِ اسْتِدْرَاكِهِ بِالْمَوْتِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنَا رُؤْيَةُ الْقَلْبِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: أَلَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إِلَيْهِ؟. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ- خَالِقُ السَمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَمَعْنَى "بِالْحَقِّ" لِيَسْتَدِلَّ بِهَا عَلَى قُدْرَتِهِ.

(إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) أَيُّهَا النَّاسُ، أَيْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى الْإِفْنَاءِ كَمَا قَدَرَ عَلَى إِيجَادِ الْأَشْيَاءِ، فَلَا تَعْصُوهُ فَإِنَّكُمْ إِنْ عَصَيْتُمُوهُ (يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ …

19

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ

Have you not seen that Allah created the heavens and the earth in truth? If He wills, He can do away with you and produce a new creation.

اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي رَفْعِ "مَثَلُ" فَقَالَ سِيبَوَيْهِ: ارْتَفَعَ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مُضْمَرٌ، التَّقْدِيرُ: وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ أَوْ يُقَصُّ "مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ" ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: "أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ" أَيْ كَمَثَلِ رَمَادٍ (اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ). وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ، وَهُوَ عِنْدَ الْفَرَّاءِ عَلَى إِلْغَاءِ الْمَثَلِ، التقدير: والذين كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، التَّقْدِيرُ: مَثَلُ أَعْمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ كَرَمَادٍ، وَذَكَرَ الْأَوَّلَ عَنْهُ الْمَهْدَوِيُّ، وَالثَّانِي الْقُشَيْرِيُّ وَالثَّعْلَبِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً كَمَا يُقَالُ: صِفَةُ فُلَانٍ أَسْمَرُ، فَ "مَثَلُ" بِمَعْنَى صِفَةُ. وَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ جَرُّ "أَعْمالُهُمْ" عَلَى بَدَلِ الِاشْتِمَالِ مِنَ "الَّذِينَ" وَاتَّصَلَ هَذَا بِقَوْلِهِ: "وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ" وَالْمَعْنَى: أَعْمَالُهُمْ مُحْبَطَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ. وَالرَّمَادُ مَا بَقِيَ بَعْدَ احْتِرَاقِ الشَّيْءِ، فَضَرَبَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ مَثَلًا لِأَعْمَالِ الْكُفَّارِ فِي أَنَّهُ يَمْحَقُهَا كَمَا تَمْحَقُ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الرَّمَادَ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ. وَالْعَصْفُ شِدَّةُ الرِّيحِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَشْرَكُوا فِيهَا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي وَصْفِ الْيَوْمِ بِالْعُصُوفِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا- أَنَّ الْعُصُوفَ وَإِنْ كَانَ لِلرِّيحِ فَإِنَّ الْيَوْمَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ، لِأَنَّ الرِّيحَ تَكُونُ فِيهِ، فَجَازَ أَنْ يُقَالَ: يَوْمٌ عَاصِفٌ، كَمَا يُقَالُ: يَوْمٌ حَارٌّ وَيَوْمٌ بَارِدٌ، وَالْبَرْدُ وَالْحَرُّ فِيهِمَا. وَالثَّانِي- أَنْ يُرِيدَ "فِي يَوْمٍ عاصِفٍ" الرِّيحَ، لِأَنَّهَا ذُكِرَتْ فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

إِذَا جَاءَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كَاسِفُ

يُرِيدُ كَاسِفُ الشَّمْسِ فَحَذَفَ، لِأَنَّهُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ، ذَكَرَهُمَا الْهَرَوِيُّ. وَالثَّالِثُ- أَنَّهُ مِنْ نَعْتِ الرِّيحِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بَعْدَ الْيَوْمِ أَتْبَعَ إِعْرَابَهُ كَمَا قِيلَ: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ. وَقَرَأَ ابْنُ [أَبِي] من اوز وووى والبحر. إِسْحَاقَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ" فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ هذه القراءة بإضافة يوم إلى عاصف، ومن قرأ بها أقام الصفة مقام الموصوف، أي في يوم ريح عاصف. وقراءة نافع وابن جعفر: الرياح. على الجميع. ".

(لَا يَقْدِرُونَ) يَعْنِي الْكُفَّارَ.

(مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ) يُرِيدُ فِي الْآخِرَةِ، أَيْ مِنْ ثَوَابِ مَا عَمِلُوا مِنَ الْبِرِّ فِي الدُّنْيَا، لِإِحْبَاطِهِ بِالْكُفْرِ.

(ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) أَيِ الْخُسْرَانُ الْكَبِيرُ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ كَبِيرًا بَعِيدًا لِفَوَاتِ اسْتِدْرَاكِهِ بِالْمَوْتِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنَا رُؤْيَةُ الْقَلْبِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: أَلَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إِلَيْهِ؟. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ- خَالِقُ السَمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَمَعْنَى "بِالْحَقِّ" لِيَسْتَدِلَّ بِهَا عَلَى قُدْرَتِهِ.

(إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) أَيُّهَا النَّاسُ، أَيْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى الْإِفْنَاءِ كَمَا قَدَرَ عَلَى إِيجَادِ الْأَشْيَاءِ، فَلَا تَعْصُوهُ فَإِنَّكُمْ إِنْ عَصَيْتُمُوهُ (يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ …

20

وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍۢ

And that is not difficult for Allah.

اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي رَفْعِ "مَثَلُ" فَقَالَ سِيبَوَيْهِ: ارْتَفَعَ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مُضْمَرٌ، التَّقْدِيرُ: وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ أَوْ يُقَصُّ "مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ" ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: "أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ" أَيْ كَمَثَلِ رَمَادٍ (اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ). وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ، وَهُوَ عِنْدَ الْفَرَّاءِ عَلَى إِلْغَاءِ الْمَثَلِ، التقدير: والذين كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، التَّقْدِيرُ: مَثَلُ أَعْمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ كَرَمَادٍ، وَذَكَرَ الْأَوَّلَ عَنْهُ الْمَهْدَوِيُّ، وَالثَّانِي الْقُشَيْرِيُّ وَالثَّعْلَبِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً كَمَا يُقَالُ: صِفَةُ فُلَانٍ أَسْمَرُ، فَ "مَثَلُ" بِمَعْنَى صِفَةُ. وَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ جَرُّ "أَعْمالُهُمْ" عَلَى بَدَلِ الِاشْتِمَالِ مِنَ "الَّذِينَ" وَاتَّصَلَ هَذَا بِقَوْلِهِ: "وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ" وَالْمَعْنَى: أَعْمَالُهُمْ مُحْبَطَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ. وَالرَّمَادُ مَا بَقِيَ بَعْدَ احْتِرَاقِ الشَّيْءِ، فَضَرَبَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ مَثَلًا لِأَعْمَالِ الْكُفَّارِ فِي أَنَّهُ يَمْحَقُهَا كَمَا تَمْحَقُ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الرَّمَادَ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ. وَالْعَصْفُ شِدَّةُ الرِّيحِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَشْرَكُوا فِيهَا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي وَصْفِ الْيَوْمِ بِالْعُصُوفِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا- أَنَّ الْعُصُوفَ وَإِنْ كَانَ لِلرِّيحِ فَإِنَّ الْيَوْمَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ، لِأَنَّ الرِّيحَ تَكُونُ فِيهِ، فَجَازَ أَنْ يُقَالَ: يَوْمٌ عَاصِفٌ، كَمَا يُقَالُ: يَوْمٌ حَارٌّ وَيَوْمٌ بَارِدٌ، وَالْبَرْدُ وَالْحَرُّ فِيهِمَا. وَالثَّانِي- أَنْ يُرِيدَ "فِي يَوْمٍ عاصِفٍ" الرِّيحَ، لِأَنَّهَا ذُكِرَتْ فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

إِذَا جَاءَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كَاسِفُ

يُرِيدُ كَاسِفُ الشَّمْسِ فَحَذَفَ، لِأَنَّهُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ، ذَكَرَهُمَا الْهَرَوِيُّ. وَالثَّالِثُ- أَنَّهُ مِنْ نَعْتِ الرِّيحِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بَعْدَ الْيَوْمِ أَتْبَعَ إِعْرَابَهُ كَمَا قِيلَ: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ. وَقَرَأَ ابْنُ [أَبِي] من اوز وووى والبحر. إِسْحَاقَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ" فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ هذه القراءة بإضافة يوم إلى عاصف، ومن قرأ بها أقام الصفة مقام الموصوف، أي في يوم ريح عاصف. وقراءة نافع وابن جعفر: الرياح. على الجميع. ".

(لَا يَقْدِرُونَ) يَعْنِي الْكُفَّارَ.

(مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ) يُرِيدُ فِي الْآخِرَةِ، أَيْ مِنْ ثَوَابِ مَا عَمِلُوا مِنَ الْبِرِّ فِي الدُّنْيَا، لِإِحْبَاطِهِ بِالْكُفْرِ.

(ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) أَيِ الْخُسْرَانُ الْكَبِيرُ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ كَبِيرًا بَعِيدًا لِفَوَاتِ اسْتِدْرَاكِهِ بِالْمَوْتِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنَا رُؤْيَةُ الْقَلْبِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: أَلَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إِلَيْهِ؟. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ- خَالِقُ السَمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَمَعْنَى "بِالْحَقِّ" لِيَسْتَدِلَّ بِهَا عَلَى قُدْرَتِهِ.

(إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) أَيُّهَا النَّاسُ، أَيْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى الْإِفْنَاءِ كَمَا قَدَرَ عَلَى إِيجَادِ الْأَشْيَاءِ، فَلَا تَعْصُوهُ فَإِنَّكُمْ إِنْ عَصَيْتُمُوهُ (يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ …

Commentary: Al-Jami' li-Ahkam al-Qur'an (Tafsir al-Qurtubi) by Al-Qurtubi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.