فالعَبْدُ آفَتُهُ إمّا مِن عَدَمِ الهِدايَةِ، وإمّا مِن عَدَمِ التَّوَكُّلِ. فَإذا جَمَعَ التَّوَكُّلَ إلى الهِدايَةِ فَقَدْ جَمَعَ الإيمانَ كُلَّهُ.
نَعَمْ، التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ في مَعْلُومِ الرِّزْقِ المَضْمُونِ، والِاشْتِغالُ بِهِ عَنِ التَّوَكُّلِ في نُصْرَةِ الحَقِّ والدِّينِ مِن أوْهى مَنازِلِ الخاصَّةِ. أمّا التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ في حُصُولِ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ فِيهِ وفي الخَلْقِ، فَهَذا تَوَكُّلُ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
(فصل)
قالت الرسل لقومهم: ﴿وَما لَنَآ ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ فعجبوا من تركهم التوكل على الله وهو هداهم، وأقروا أن ذلك لا يكون أبدًا.
وهذا دليل على أن الهداية والتوكل متلازمان: فصادف الحق - لعلمه بالحق وليقينه بأن الله ولى الحق وناصره - مضطر إلى توكله على الله لا يجد بدًا من توكله. فإن التوكل يجمع أصلين: علم القلب وعمله.
أما علمه: فيقينه بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك. وأما عمله: فسكونه إلى وكيله، وطمأٌنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك. ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه. فبهذين الأصلين يتحقق التوكل، وهما جُماعه، وإن كان التوكل دخل في عمل القلب من عمله، كما قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب، ولكن لا بد فيه من العلم، وهو إما شرط فيه، وإما جزءٌ من ماهيته.
والمقصود أن القلب متى كان على الحق كان أعظم لطمأنينته ووثوقه بأن الله وليه وناصره وسكونه إليه، فما له أن لا يتوكل على ربه؟ وإذا كان على الباطل علمًا وعملًا أو أحدهما لم يكن مطمئنًا واثقًا بربه فإنه لا ضمان له عليه، ولا عهد له عنده، فإن الله سبحانه لا يتولى الباطل ولا ينصره، ولا ينسب إليه بوجه، فهو منقطع النسب إليه بالكلية، فإنه سبحانه هو الحق، وقوله الحق، ودينه الحق ووعده حق، ولقاؤه حق، وفعله كله حق.
ليس في أفعاله شيء باطل، بل أفعاله سبحانه بريئة من الباطل، كما أقواله سبحانه كذلك، فلما كان الباطل لا يتعلق به سبحانه، بل هو مقطوع عليه ألبتة كان صاحبه كذلك. ومن لم يكن له تعلق بالله العظيم، وكان منقطعًا عن ربه لم يكن الله وليه ولا ناصره ولا وكيله.
فتدبر هذا السر العظيم في اقتران التوكل والكفاية بالحق والهدى وارتباط أحدهما بالآخر، لو لم يكن في هذه الرسالة إلا هذه الفائدة السرية لكانت حقيقة أن تودع في خزانة القلب، لشدة الحاجة إليها. والله المستعان وعليه التكلان
فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأْس، فكما لا يقوم الرأْس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل. والله أعلم.