Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 11–20 of 52

11

قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

Their messengers said to them, "We are only men like you, but Allah confers favor upon whom He wills of His servants. It has never been for us to bring you evidence except by permission of Allah. And upon Allah let the believers rely.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١] ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ .

﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ: ﴿وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ وإرادَتِهِ، وهو لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]

﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: أمْرٌ مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ كافَّةً بِالتَّوَكُّلِ، وقَصَدُوا بِهِ أنْفُسَهم قَصْدًا أوَّلِيًّا وأمَرُوها بِهِ كَأنَّهم قالُوا: ومِن حَقِّنا أنْ نَتَوَكَّلَ عَلى اَللَّهِ في اَلصَّبْرِ عَلى مُعانَدَتِكم وما يَجْرِي عَلَيْنا مِنكم. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ:

12

وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ

And why should we not rely upon Allah while He has guided us to our [good] ways. And we will surely be patient against whatever harm you should cause us. And upon Allah let those who would rely [indeed] rely."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢] ﴿وما لَنا ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ .

﴿وما لَنا ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ ومَعْناهُ: وأيُّ عُذْرٍ لَنا في أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ: ﴿وقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ أيْ: أرْشَدَ كُلًّا مِنّا سَبِيلَهُ ومِنهاجَهُ اَلَّذِي شَرَعَ لَهُ، وأوْجَبَ عَلَيْهِ سُلُوكَهُ في اَلدِّينِ. وحَيْثُ كانَتْ أذِيَّةُ اَلْكُفّارِ مِمّا يُوجِبُ اَلْقَلَقَ والِاضْطِرابَ اَلْقادِحَ في اَلتَّوَكُّلِ، قالُوا عَلى سَبِيلِ اَلتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ، مُظْهِرِينَ لِكَمالِ اَلْعَزِيمَةِ: ﴿ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ أيْ: مِنَ اَلْكَلامِ اَلسَّيِّئِ والأفْعالِ اَلسَّخِيفَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ فِيهِ اِهْتِمامٌ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّ مَقامَ اَلدَّعْوَةِ يَقْتَضِيهِ. ولِذا أُعِيدَ ذِكْرُهُ.

13

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ

And those who disbelieved said to their messengers, "We will surely drive you out of our land, or you must return to our religion." So their Lord inspired to them, "We will surely destroy the wrongdoers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣ - ١٤ ] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] .

﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] يُخْبِرُ تَعالى عَمّا تَوَعَّدَ بِهِ اَلْكافِرُونَ رُسُلَهم، لَمّا رَأوْهم صابِرِينَ مُتَوَكِّلِينَ، لا يَهُمُّهم شَأْنُهم مِنَ اَلْإخْراجِ مِنَ اَلْأرْضِ، والنَّفْيِ مِن بَيْنِ أظْهَرُهم، أوِ اَلْعَوْدِ في مِلَّتِهِمْ. والمَعْنى: لَيَكُونَنَّ أحَدُ اَلْأمْرَيْنِ.

والسَّبَبُ في هَذا اَلتَّوَعُّدِ - كَما قالَ اَلرّازِيُّ - أنَّ أهْلَ اَلْحَقِّ في كُلِّ زَمانٍ يَكُونُونَ قَلِيلِينَ، وأهْلَ اَلْباطِلِ يَكُونُونَ كَثِيرِينَ. والظَّلَمَةُ والفَسَقَةُ يَكُونُونَ مُتَعاوِنِينَ مُتَعاضِدِينَ. فَلِهَذِهِ اَلْأسْبابِ قَدَرُوا عَلى هَذِهِ اَلسَّفاهَةِ. فَإنْ قِيلَ: يُتَوَهَّمُ مِن لَفْظِ (اَلْعُودِ ) أنَّهم كانُوا في مِلَّةِ اَلْكُفْرِ قَبْلُ ! أُجِيبُ: بِأنَّ ( عادَ) بِمَعْنى صارَ. وهو كَثِيرُ اَلِاسْتِعْمالِ بِهَذا اَلْمَعْنى، أوِ اَلْكَلامُ عَلى ظَنِّهِمْ وزَعْمِهِمْ أنَّهم كانُوا مِن أهْلِ مِلَّتِهِمْ قَبْلَ إظْهارِ اَلدَّعْوَةِ. أوِ اَلْخِطابُ لِلرُّسُلِ ولِقَوْمِهِمْ، فَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ في نِسْبَةِ اَلْعَوْدِ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ إلخ وعْدٌ صادِقٌ لِلرُّسُلِ، وبِشارَةٌ حَقَّةٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] وقالَ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ [الأعراف: ١٣٧] والآياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. والإشارَةُ في (ذَلِكَ) إلى اَلْمُوحى بِهِ وهو إهْلاكُ اَلظّالِمِينَ وإسْكانُ اَلْمُؤْمِنِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿لِمَن خافَ﴾ [إبراهيم: ١٤] إلخ، أيْ: لِلْمُتَّقِينَ؛ لِأنَّهُمُ اَلْمَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] و(اَلْمَقامُ) إمّا مَوْقِفُ اَلْحِسابِ، فَهو اِسْمُ مَكانٍ، وإضافَتُهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، بِمَعْنى: حِفْظِي وقِيامِي لِأعْمالِهِمْ لِيُجازَوْا عَلَيْها. أوْ مُقْحَمٌ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما يُقالُ: اَلْمَقامُ اَلْعالِي. وياءُ اَلْمُتَكَلِّمِ في (وعِيدِ) مَحْذُوفَةٌ لِلِاكْتِفاءِ بِالكَسْرَةِ عَنْها في غَيْرِ اَلْوَقْفِ.

قالَ اَلسُّمَيْنُ: أثْبَتَ اَلْياءَ هُنا وفي (ق) في مَوْضِعَيْنِ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] وصْلًا، وحَذَفَها وقْفًا ورْشٌ عَنْ نافِعٍ. وحَذَفَها اَلْباقُونَ وصْلًا ووَقْفًا.

وقَوْلُهُ تَعالى:

14

وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ

And We will surely cause you to dwell in the land after them. That is for he who fears My position and fears My threat."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣ - ١٤ ] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] .

﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي وخافَ وعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] يُخْبِرُ تَعالى عَمّا تَوَعَّدَ بِهِ اَلْكافِرُونَ رُسُلَهم، لَمّا رَأوْهم صابِرِينَ مُتَوَكِّلِينَ، لا يَهُمُّهم شَأْنُهم مِنَ اَلْإخْراجِ مِنَ اَلْأرْضِ، والنَّفْيِ مِن بَيْنِ أظْهَرُهم، أوِ اَلْعَوْدِ في مِلَّتِهِمْ. والمَعْنى: لَيَكُونَنَّ أحَدُ اَلْأمْرَيْنِ.

والسَّبَبُ في هَذا اَلتَّوَعُّدِ - كَما قالَ اَلرّازِيُّ - أنَّ أهْلَ اَلْحَقِّ في كُلِّ زَمانٍ يَكُونُونَ قَلِيلِينَ، وأهْلَ اَلْباطِلِ يَكُونُونَ كَثِيرِينَ. والظَّلَمَةُ والفَسَقَةُ يَكُونُونَ مُتَعاوِنِينَ مُتَعاضِدِينَ. فَلِهَذِهِ اَلْأسْبابِ قَدَرُوا عَلى هَذِهِ اَلسَّفاهَةِ. فَإنْ قِيلَ: يُتَوَهَّمُ مِن لَفْظِ (اَلْعُودِ ) أنَّهم كانُوا في مِلَّةِ اَلْكُفْرِ قَبْلُ ! أُجِيبُ: بِأنَّ ( عادَ) بِمَعْنى صارَ. وهو كَثِيرُ اَلِاسْتِعْمالِ بِهَذا اَلْمَعْنى، أوِ اَلْكَلامُ عَلى ظَنِّهِمْ وزَعْمِهِمْ أنَّهم كانُوا مِن أهْلِ مِلَّتِهِمْ قَبْلَ إظْهارِ اَلدَّعْوَةِ. أوِ اَلْخِطابُ لِلرُّسُلِ ولِقَوْمِهِمْ، فَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ في نِسْبَةِ اَلْعَوْدِ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ إلخ وعْدٌ صادِقٌ لِلرُّسُلِ، وبِشارَةٌ حَقَّةٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] وقالَ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ [الأعراف: ١٣٧] والآياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. والإشارَةُ في (ذَلِكَ) إلى اَلْمُوحى بِهِ وهو إهْلاكُ اَلظّالِمِينَ وإسْكانُ اَلْمُؤْمِنِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿لِمَن خافَ﴾ [إبراهيم: ١٤] إلخ، أيْ: لِلْمُتَّقِينَ؛ لِأنَّهُمُ اَلْمَوْصُوفُونَ بِما ذَكَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] و(اَلْمَقامُ) إمّا مَوْقِفُ اَلْحِسابِ، فَهو اِسْمُ مَكانٍ، وإضافَتُهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، بِمَعْنى: حِفْظِي وقِيامِي لِأعْمالِهِمْ لِيُجازَوْا عَلَيْها. أوْ مُقْحَمٌ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ كَما يُقالُ: اَلْمَقامُ اَلْعالِي. وياءُ اَلْمُتَكَلِّمِ في (وعِيدِ) مَحْذُوفَةٌ لِلِاكْتِفاءِ بِالكَسْرَةِ عَنْها في غَيْرِ اَلْوَقْفِ.

قالَ اَلسُّمَيْنُ: أثْبَتَ اَلْياءَ هُنا وفي (ق) في مَوْضِعَيْنِ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] وصْلًا، وحَذَفَها وقْفًا ورْشٌ عَنْ نافِعٍ. وحَذَفَها اَلْباقُونَ وصْلًا ووَقْفًا.

وقَوْلُهُ تَعالى:

15

وَٱسْتَفْتَحُوا۟ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ

And they requested victory from Allah, and disappointed, [therefore], was every obstinate tyrant.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥] ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ .

﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ أيْ: سَألُوا مِنَ اَللَّهِ اَلْفَتْحَ عَلى أعْدائِهِمْ، أوِ اَلْقَضاءُ بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِمْ.

مِنَ (اَلْفَتّاحَةِ) وهي اَلْحُكُومَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] فالضَّمِيرُ: لِلرُّسُلِ، وقِيلَ: لِلْكَفَرَةِ، وقِيلَ: لِلْفَرِيقَيْنِ، فَإنَّهم سَألُوا أنْ يَنْصُرَ اَلْمُحِقَّ ويُهْلِكَ اَلْمُبْطِلَ. وقَوْلُهُ: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ أيْ: فَنُصِرُوا عِنْدَ اِسْتِفْتاحِهِمْ وأفْلَحُوا: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ وهم قَوْمُهم. أوِ اِسْتَفْتَحَ اَلْكُفّارُ عَلى اَلرُّسُلِ وخابُوا ولَمْ يَفْلَحُوا. وإنَّما قِيلَ: ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ذَمًّا لَهم وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالتَّجَبُّرِ والعِنادِ. أوِ اِسْتَفْتَحُوا جَمِيعًا فَنُصِرَ اَلرُّسُلُ وأُنْجِزَ لَهُمُ اَلْوَعْدُ، وخابَ أعْداؤُهم. و(اَلْجَبّارُ) اَلْمُتَكَبِّرُ عَلى طاعَةِ اَللَّهِ تَعالى وعِبادَتِهِ. و(اَلْعَنِيدُ) اَلْمُعانِدُ لِلْحَقِّ، كَخَلِيطٍ بِمَعْنى مُخالِطٍ.

16

مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍۢ صَدِيدٍۢ

Before him is Hell, and he will be given a drink of purulent water.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦] ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾

﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ جُمْلَةٌ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِـ (جَبّارٍ) كِنايَةٌ عَنْ تَطَلُّبِها لَهُ وتَرَصُّدِها إيّاهُ، ومَن تَطَلَّبَ شَيْئًا وتَرَصَّدَهُ أدْرَكَهُ لا مَحالَةَ. وقِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: مِن وراءِ حَياتِهِ وانْقِضاءِ عُمُرِهِ ﴿ويُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ وهو ما يَسِيلُ مِن جَوْفِ أهْلِ اَلنّارِ، قَدْ خالَطَ اَلْقَيْحَ والدَّمَ.

17

يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍۢ ۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌۭ

He will gulp it but will hardly [be able to] swallow it. And death will come to him from everywhere, but he is not to die. And before him is a massive punishment.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧] ﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾

﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ أيْ: يَتَكَلَّفُ تَجَرُّعَهُ لِقَهْرِهِ عَلَيْهِ: ﴿ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ لِخُبْثِهِ: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ أيْ: تُحِيطُ بِهِ أسْبابُهُ مِنَ اَلْأهْوالِ، وما هو بِمُسْتَرِيحٍ مِمّا نَزَلَ بِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ أيْ: شَدِيدٌ مُتَّصِلٌ لا يَنْقَطِعُ.

18

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍۢ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلْبَعِيدُ

The example of those who disbelieve in their Lord is [that] their deeds are like ashes which the wind blows forcefully on a stormy day; they are unable [to keep] from what they earned a [single] thing. That is what is extreme error.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ .

[١٨] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾

اَلْمَثَلُ مُسْتَعارٌ لِلصِّفَةِ اَلَّتِي فِيها غَرابَةٌ. شَبَّهَ تَعالى أعْمالَهَمُ اَللّاتِي كانُوا يَعْمَلُونَها لِأوْثانِهِمْ أوْ يُراؤُونَ بِها - كَإنْفاقِ اَلْأمْوالِ وعُقْرِ اَلْإبِلِ لَلضِّيفانِ، في حُبُوطِها؛ لِكَوْنِها عَلى غَيْرِ تَقْوًى وإيمانٍ - بِرَمادٍ طَيَّرَتْهُ اَلرِّيحُ اَلْعاصِفُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ إلخ، مُسْتَأْنَفٌ، فَذَلِكَ لِلتَّمْثِيلِ بِمَعْنى اَلْمَقْصُودِ مِنهُ ومُحَصِّلُ وجْهِهِ، أيْ: لا يَقْدِرُونَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ مِمّا كَسَبُوا مِن أعْمالِهِمْ عَلى شَيْءٍ مِنها، أيْ: لا يَرَوْنَ لَهُ أثَرًا مِن ثَوابٍ، كَما لا يَقْدِرُ، مِنَ اَلرَّمادِ اَلْمَطِيرِ في اَلرِّيحِ، عَلى شَيْءٍ.

قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: اَلِاكْتِفاءُ بِبَيانِ عَدَمِ رُؤْيَةِ اَلْأثَرِ لِأعْمالِهِمْ لِلْأصْنامِ، مَعَ أنَّ لَها عُقُوباتٍ هائِلَةً؛ لِلتَّصْرِيحِ بِبُطْلانِ اِعْتِقادِهِمْ وزَعْمِهِمْ أنَّها شُفَعاءُ لَهم عِنْدَ اَللَّهِ تَعالى، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ. وفي تَوْصِيفِ اَلضَّلالِ بِالبُعْدِ، إشارَةٌ إلى بُعْدِ ضَلالِهِمْ عَنْ طَرِيقِ اَلْحَقِّ أوْ عَنِ اَلثَّوابِ.

و(اِشْتَدَّ بِهِ) مِن (شَدَّ) بِمَعْنى عَدَّ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ مُلابَسَةٍ. أوْ مِنَ (اَلشِّدَّةِ) بِمَعْنى اَلْقُوَّةِ، أيْ: قَوِيَتْ بِمُلابَسَةِ حَمْلِهِ. و(اَلْعَصْفُ ) قُوَّةُ هُبُوبِ اَلرِّيحِ، وُصِفَ بِهِ زَمانُها عَلى اَلْإسْنادِ اَلْمَجازِيِّ، كَـ (نَهارُهُ صائِمٌ) وخَبَرُ (مَثَلُ) مَحْذُوفٌ أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم. وجُمْلَةُ: ﴿أعْمالُهم كَرَمادٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابًا لِسُؤالِ: كَيْفَ مَثَلُهم ؟ أوْ (أعْمالُهم) بَدَلٌ مِن (مَثَلُ) و( كَرَمادٍ) اَلْخَبَرُ.

وهَذِهِ اَلْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧]

وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]

19

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍۢ جَدِيدٍۢ

Have you not seen that Allah created the heavens and the earth in truth? If He wills, He can do away with you and produce a new creation.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩ - ٢٠ ] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] .

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] اَلْخِطابُ لِلرَّسُولِ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ. أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ اَلْكَفَرَةِ لِقَوْلِهِ (يُذْهِبْكُمْ) والرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ اَلْقَلْبِ.

وفِي اَلْآيَةِ وجْهانِ مِنَ اَلتَّأْوِيلِ: أحَدُهُما: أنَّها سِيقَتْ لِبَيانِ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى مَعادِ اَلْأبْدانِ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ، بِأنَّهُ خَلَقَ اَلسَّماواتِ والأرْضَ اَلَّتِي هي أكْبَرُ مِن خَلْقِ اَلنّاسِ. أيْ: أفَلَيِسَ اَلَّذِي قَدَرَ عَلى هَذِهِ اَلسَّماواتِ في اِرْتِفاعِها واتِّساعِها وعَظَمَتِها وما فِيها مِنَ اَلْكَواكِبِ اَلثَّوابِتِ والسَّيّاراتِ والآياتِ اَلْباهِراتِ، وهَذِهِ اَلْأرْضُ بِما فِيها مِن مِهادٍ ووِهادٍ وأوْتادٍ وبَرارِي وقِفارٍ وبِحارٍ وأشْجارٍ ونَباتٍ وحَيَوانٍ عَلى اِخْتِلافِ أصْنافِها ومَنافِعِها وأشْكالِها وألْوانِها: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]

وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]

اَلْوَجْهُ اَلثّانِي: تَرْهِيبُ اَلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم غَيْرُ مُعْجِزِينَ، أيْ: إنْ يَشَأْ يُهْلِكْكم إذا خالَفْتُمْ أمْرَهُ ويَخْلُفْ قَوْمًا خَيْرًا مِنكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحِكْمَةِ اَلْمُنَزَّهَةِ عَنِ اَلْعَبَثِ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ [آل عمران: ١٩١] وقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا﴾ [ص: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥] وذَلِكَ لِيُتَفَكَّرَ في خَلْقِها ويُسْتَدَلَّ بِها عَلى وُجُودِ بارِئِها وقُدْرَتِهِ ووَحْدَتِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ تَخاصُمِ اَلْمُجْرِمِينَ في اَلْمَحْشَرِ وتَبَرُّئِهِمْ مِن بَعْضِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

20

وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍۢ

And that is not difficult for Allah.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٩ - ٢٠ ] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] .

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] اَلْخِطابُ لِلرَّسُولِ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ. أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ اَلْكَفَرَةِ لِقَوْلِهِ (يُذْهِبْكُمْ) والرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ اَلْقَلْبِ.

وفِي اَلْآيَةِ وجْهانِ مِنَ اَلتَّأْوِيلِ: أحَدُهُما: أنَّها سِيقَتْ لِبَيانِ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى مَعادِ اَلْأبْدانِ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ، بِأنَّهُ خَلَقَ اَلسَّماواتِ والأرْضَ اَلَّتِي هي أكْبَرُ مِن خَلْقِ اَلنّاسِ. أيْ: أفَلَيِسَ اَلَّذِي قَدَرَ عَلى هَذِهِ اَلسَّماواتِ في اِرْتِفاعِها واتِّساعِها وعَظَمَتِها وما فِيها مِنَ اَلْكَواكِبِ اَلثَّوابِتِ والسَّيّاراتِ والآياتِ اَلْباهِراتِ، وهَذِهِ اَلْأرْضُ بِما فِيها مِن مِهادٍ ووِهادٍ وأوْتادٍ وبَرارِي وقِفارٍ وبِحارٍ وأشْجارٍ ونَباتٍ وحَيَوانٍ عَلى اِخْتِلافِ أصْنافِها ومَنافِعِها وأشْكالِها وألْوانِها: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]

وقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]

اَلْوَجْهُ اَلثّانِي: تَرْهِيبُ اَلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم غَيْرُ مُعْجِزِينَ، أيْ: إنْ يَشَأْ يُهْلِكْكم إذا خالَفْتُمْ أمْرَهُ ويَخْلُفْ قَوْمًا خَيْرًا مِنكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِالحِكْمَةِ اَلْمُنَزَّهَةِ عَنِ اَلْعَبَثِ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾ [آل عمران: ١٩١] وقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا﴾ [ص: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥] وذَلِكَ لِيُتَفَكَّرَ في خَلْقِها ويُسْتَدَلَّ بِها عَلى وُجُودِ بارِئِها وقُدْرَتِهِ ووَحْدَتِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ تَخاصُمِ اَلْمُجْرِمِينَ في اَلْمَحْشَرِ وتَبَرُّئِهِمْ مِن بَعْضِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.