Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 1–10 of 52

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ

Alif, Lam, Ra. [This is] a Book which We have revealed to you, [O Muhammad], that you might bring mankind out of darknesses into the light by permission of their Lord - to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy -

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ إبْراهِيمَ

سُمِّيَتْ بِهِ لِاشْتِمالِها عَلى دَعَواتٍ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، تَمَّتْ بِهَذِهِ اَلْمِلَّةِ.

كالحَجِّ وجَعْلِ اَلْكَعْبَةَ قِبْلَةَ اَلصَّلاةِ. مَعَ اَلدَّلالَةِ عَلى عَظَمَتِها، بِحَيْثُ صارَتْ مِنَ اَلْمَطالِبِ اَلْمُهِمَّةِ لِلْمُتَّفَقِ عَلى غايَةِ كَمالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَلى نُبُوَّةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ أكْمَلُ اَلتَّحِيّاتِ وأفْضَلُ التَّسْلِيماتِ مَعَ غايَةِ كَمالِهِ، وهَذا مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ اَلْقُرْآنِ! أفادَهُ المَهايِمِيُّ.

وهِيَ مَكِّيَّةُ اَلنُّزُولِ، قِيلَ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ألَمْ تَرَ إلى اَلَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ كُفْرًا. وهي اِثْنَتانِ وخَمْسُونَ آيَةً.

بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١] ﴿الر كِتابٌ أنْـزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ .

﴿الر كِتابٌ﴾ خَبَرٌ لِـ )الر) عَلى كَوْنِهِ مُبْتَدَأً. أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ عَلى كَوْنِهِ خَبَرًا لِمُضْمَرٍ، أوْ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ اَلتَّعْدِيدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْـزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ صِفَةٌ لَهُ: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ أيْ: مِنَ اَلضَّلالِ إلى اَلْهُدى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: أمَرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: { إلى اَلنُّورِ } بِتَكْرِيرِ اَلْعامِلِ. أوْ مُسْتَأْنَفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلى أيِّ نُورٍ ؟ فَقِيلَ: { إلى صِراطِ} إلخ و: {اَلْعَزِيزِ} اَلَّذِي لا يُغالَبُ ولا يُمانَعُ بَلْ هو اَلْقاهِرُ اَلْقادِرُ. و: { اَلْحَمِيدِ} اَلْمَحْمُودُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ لِإنْعامِهِ فِيهِما بِأعْظَمِ اَلنِّعَمِ.

2

ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌۭ لِّلْكَٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍۢ شَدِيدٍ

Allah, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And woe to the disbelievers from a severe punishment

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢] ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ .

﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قُرِئَ لَفْظُ اَلْجَلالَةِ بِالرَّفْعِ عَلى اَلِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. أوْ عَلى اَلْخَبَرِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ. وقُرِئَ بِالجَرِّ، عَطْفُ بَيانٍ لِـ: ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١] ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: بِما أنْزَلْناهُ إلَيْكَ: ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ وهو عَذابُ اَلنّارِ.

3

ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍۢ

The ones who prefer the worldly life over the Hereafter and avert [people] from the way of Allah, seeking to make it (seem) deviant. Those are in extreme error.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣] ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ .

﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ أيْ: يُؤْثِرُونَها عَلَيْها: ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِتَعْوِيقِ اَلنّاسِ عَنِ اَلْإيمانِ: ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ: يَصِفُونَها بِالِانْحِرافِ عَنِ اَلْحَقِّ والصَّوابِ، أوْ يَبْغُونَ أهْلُها أنْ يُعَوِّجُوا بِالرِّدَّةِ، أوْ يَبْغُونَ لَها اعْوِجاجًا، أيْ: يَطْلُبُونَ أنْ يَرَوْا فِيها عِوَجًا قادِحًا، عَلى اَلْحَذْفِ والإيصالِ: ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ: ضَلُّوا عَنْ طَرِيقِ اَلْحَقِّ ووَقَفُوا دُونَهُ بِمَراحِلَ، والبَعْدُ في اَلْحَقِيقَةِ لِلضّالِّ نَفْسِهِ، وُصِفَ بِهِ فِعْلُهُ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِ اَلضَّلالِ نَفْسِهِ ضالًّا. وفي إيثارِ اَلظَّرْفِ عَلى )أُولَئِكَ ضالُّونَ ضَلالًا بَعِيدًا) دَلالَةٌ عَلى تَمَكُّنِهِمْ فِيهِ، بِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِمُ اِشْتِمالَ اَلْمُحِيطِ عَلى اَلْمُحاطِ، مُبالَغَةً في إثْباتِ وصْفِ اَلضَّلالِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

4

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

And We did not send any messenger except [speaking] in the language of his people to state clearly for them, and Allah sends astray [thereby] whom He wills and guides whom He wills. And He is the Exalted in Might, the Wise.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤] ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .

﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِيَفْقَهُوا عَنْهُ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ، فَلا يَكُونُ لَهم حُجَّةٌ عَلى اَللَّهِ ولا يَقُولُوا: لَمْ نَفْهَمْ ما خُوطِبْنا بِهِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤]

فَإنْ قُلْتَ *: لَمْ يُبْعَثْ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى اَلْعَرَبِ وحْدَهم، وإنَّما بُعِثَ إلى اَلنّاسِ جَمِيعًا: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] بَلْ إلى اَلثَّقَلَيْنِ وهم عَلى ألْسِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَإنْ لَمْ تَكُنْ لِلْعَرَبِ حُجَّةٌ، فَلِغَيْرِهِمُ اَلْحُجَّةُ. وإنْ لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِمْ حُجَّةً، فَلَوْ نَزَلَ بِالعَجَمِيَّةِ لَمْ تَكُنْ لِلْعَرَبِ حُجَّةٌ أيْضًا ؟ (قُلْتُ): لا يَخْلُو إمّا أنْ يَنْزِلَ بِجَمِيعِ اَلْألْسِنَةِ أوْ بِواحِدٍ مِنها، فَلا حاجَةَ إلى نُزُولِهِ بِجَمِيعِ اَلْألْسِنَةِ؛ لِأنَّ اَلتَّرْجَمَةَ تَنُوبُ عَنْ ذَلِكَ وتَكْفِي اَلتَّطْوِيلَ؛ فَبَقِيَ أنْ يَنْزِلَ بِلِسانٍ واحِدٍ فَكانَ أوْلى اَلْألْسِنَةِ لِسانَ قَوْمِ اَلرَّسُولِ؛ لِأنَّهم أقْرَبُ إلَيْهِ. فَإذا فَهِمُوا عَنْهُ وتَبَيَّنُوهُ وتُنُوقِلَ عَنْهم وانْتَشَرَ؛ قامَتِ اَلتَّراجِمُ بِبَيانِهِ وتَفْهِيمِهِ، كَما تَرى اَلْحالَ وتُشاهِدُها مِن نِيابَةِ اَلتَّراجِمِ في كُلِّ أُمَّةٍ مِن أُمَمِ اَلْعَجَمِ، مَعَ ما في ذَلِكَ مِنِ اِتِّفاقِ أهْلِ اَلْبِلادِ اَلْمُتَباعِدَةِ والأقْطارِ المُتَنازِحَةِ والأُمَمِ اَلْمُخْتَلِفَةِ والأجْيالِ اَلْمُتَفاوِتَةِ عَلى كِتابٍ واحِدٍ، واجْتِهادِهِمْ في تَعَلُّمِ لَفْظِهِ وتَعَلُّمِ مَعانِيهِ، وما يَتَشَعَّبُ مِن ذَلِكَ مِن جَلائِلِ اَلْفَوائِدِ، وما يَتَكاثَرُ في إتْعابِ اَلنُّفُوسِ وكَدِّ اَلْقَرائِحِ فِيهِ، مِنَ اَلْقُرَبِ والطّاعاتِ اَلْمُفْضِيَةِ إلى جَزِيلِ اَلثَّوابِ، ولِأنَّهُ أبْعَدُ مِنَ اَلتَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ وأسْلَمُ مِنَ اَلتَّنازُعِ والِاخْتِلافِ، ولِأنَّهُ لَوْ نَزَلَ بِألْسِنَةِ اَلثَّقَلَيْنِ كُلِّها مَعَ اِخْتِلافِها وكَثْرَتِها، وكانَ مُسْتَقِّلًا بِصِفَةِ اَلْإعْجازِ في كُلِّ واحِدٍ مِنها، وكَلَّمَ اَلرَّسُولُ اَلْعَرَبِيُّ كُلَّ أُمَّةٍ بِلِسانِها، كَما كَلَّمَ أُمَّتَهُ اَلَّتِي هو مِنها يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مُعْجِزًا؛ لَكانَ ذَلِكَ أمْرًا قَرِيبًا مِنَ اَلْإلْجاءِ. ومَعْنى: ﴿بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ بِلُغَةِ قَوْمِهِ - كَذا في (" اَلْكَشّافِ) - .

وقالَ بَعْضُ اَلْمُحَقِّقِينَ: يَقُولُ قائِلٌ: ألا تَدُلُّ هَذِهِ اَلْآيَةُ عَلى أنَّ بِعْثَةَ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَتْ لِلْعَرَبِ خاصَّةً ؟ نَقُولُ: لا؛ لِأنَّهُ جَرَتْ سُنَّةُ اَللَّهِ أنْ يَخْتارَ أُمَّةً واحِدَةً ويُعِدَّها لِتَهْذِيبِ اَلْأُمَمِ اَلْأُخْرى، كَما يُعِدُّ فَرْدًا واحِدًا مِنها لِتَهْذِيبِ سائِرِ أفْرادِها. ولَمّا كانَتِ اَلْأُمَّةُ اَلْعَرَبِيَّةُ هي اَلْمُخْتارَةَ لِتَهْذِيبِ اَلْأُمَمِ وتَعْدِيلِ عِوَجِها وإقامَةِ مَنارِ اَلْعَدْلِ في ذَلِكَ اَلْعالَمِ اَلْمُظْلِمِ؛ فَقَدْ وجَبَ أنَّ اَلتَّهْذِيبَ اَلْإلَهِيَّ يَنْزِلُ بِلُغَتِها خاصَّةً حَتّى تَسْتَعِدَّ وتَتَهَيَّأ لِأداءِ وظِيفَتِها. وقَدْ أتَمَّ اَللَّهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْها، فَقامَتْ بِما عُهِدَ إلَيْها بِما أدْهَشَ اَلْعالَمَ أجْمَعَ، ولِلَّهِ في خَلْقِهِ شُؤُونٌ.

تَنْبِيهٌ:

اِسْتَدَلَّ بِالآيَةِ …

5

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍۢ

And We certainly sent Moses with Our signs, [saying], "Bring out your people from darknesses into the light and remind them of the days of Allah." Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ .

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ أيْ: أنْذِرْهم بِوَقائِعِهِ اَلَّتِي وقَعَتْ عَلى اَلْأُمَمِ قَبْلَهم، كَقَوْمِ نُوحٍ ولُوطٍ. ومِنهُ: أيّامُ اَلْعَرَبِ؛ لِحُرُوبِها ومَلاحِمِها؛ لِأنَّها تُعَظَّمُ بِها اَلْأيّامُ. وقِيلَ: أيّامُهُ: نَعْماؤُهُ عَلَيْهِمْ. فَتَكُونُ اَلْآيَةُ بَعْدَها تَفْصِيلًا لَها. وقِيلَ: هي أعَمُّ مِنَ اَلنَّعْماءِ والبَلاءِ. والوَجْهُ اَلْأوَّلُ أوْلى فِيما أراهُ؛ لِاخْتِصاصِ كُلِّ آيَةٍ بِمَقامٍ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ اَلتَّأْكِيدِ. وفي اَلِالتِفاتِ مِنَ اَلتَّكَلُّمِ إلى اَلْغَيْبَةِ، بِالإضافَةِ إلى اَلِاسْمِ اَلْجَلِيلِ، إيذانٌ بِفَخامَةِ شَأْنِها. قالَ أبُو بَكْرِ اِبْنُ اَلْعَرَبِيِّ: هَذِهِ اَلْآيَةُ في اَلْوَعْظِ اَلْمُرَقِّقِ لِلْقُلُوبِ.

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في اَلتَّذْكِيرِ بِها: ﴿لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ: يَصْبِرُ عَلى بَلائِهِ ويَشْكُرُ نَعْماءَهُ. فَإذا سَمِعَ بِما أنْزَلَ اَللَّهُ مِنَ اَلْبَلاءِ عَلى اَلْأُمَمِ، أوْ أفاضَ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنِّعَمِ، تَنَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ اَلصَّبْرِ والشُّكْرِ. وقِيلَ: أرادَ (لِكُلِّ مُؤْمِنٍ) لِأنَّ اَلشُّكْرَ والصَّبْرَ عُنْوانُ اَلْمُؤْمِنِ. وتَقْدِيمُ (اَلصَّبّارِ) عَلى (اَلشَّكُورِ) لِتَقَدُّمِ مُتَعَلِّقِ اَلصَّبْرِ - أعْنِي اَلْإيمانَ عَلى مُتَعَلِّقِ اَلشُّكْرِ - أعْنِي اَلنَّعْماءَ - وكَوْنُ اَلشُّكْرِ عاقِبَةَ اَلصَّبْرِ.

6

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall, O Children of Israel], when Moses said to His people, "Remember the favor of Allah upon you when He saved you from the people of Pharaoh, who were afflicting you with the worst torment and were slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦] ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ .

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ أيْ: يَبْغُونَكم إيّاهُ: ﴿ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ أيِ: اَلْمَوْلُودِينَ صِغارًا: ﴿ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ أيْ: يُبْقُونَهُنَّ في اَلْحَياةِ: ﴿وفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ اَلْإشارَةُ إلى فِعْلِ آلِ فِرْعَوْنَ. ونِسْبَتُهُ إلَيْهِ تَعالى لِلْخَلْقِ أوِ اَلْإقْدارِ والتَّمْكِينِ. قِيلَ: كَوْنُ قَتْلِ اَلْأبْناءِ، اِبْتِلاءً ظاهِرٌ. وأمّا اِسْتِحْياءُ اَلنِّساءِ، وهُنَّ اَلْبَناتُ أيِ: اِسْتِبْقاؤُهُنَّ، فَلِأنَّهم كانُوا يَسْتَخْدِمُونَهُنَّ ويُفَرِّقُونَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ اَلْأزْواجِ، أوْ لِأنَّ بَقاءَهُنَّ دُونَ اَلْبَنِينَ رَزِيَّةٌ في نَفْسِهِ كَما قِيلَ:

؎ومِن أعْظَمِ اَلرُّزْءِ فِيما أرى بَقاءُ اَلْبَناتِ ومَوْتُ اَلْبَنِينا

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اَلْإشارَةُ إلى اَلْإلْجاءِ مِن ذَلِكَ. و(اَلْبَلاءُ): اَلِابْتِلاءُ بِالنِّعْمَةِ، وهو بَلاءٌ عَظِيمٌ.

قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: اَلْبَلاءُ يَكُونُ اِبْتِلاءً بِالنِّعْمَةِ والمِحْنَةِ جَمِيعًا. قالَ تَعالى: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وقالَ زُهَيْرٌ:

؎فَأبْلاهُما خَيْرَ اَلْبَلاءِ اَلَّذِي يَبْلُو

ولِذا جُوِّزَ أنْ تَكُونَ اَلْإشارَةُ إلى جَمِيعِ ما مَرَّ، اَلشّامِلِ لِلنِّعْمَةِ والنِّقْمَةِ.

لَطِيفَةٌ:

أشارَ أهْلُ اَلْمَعانِي إلى نُكْتَةِ مَجِيءِ: ﴿ويُذَبِّحُونَ﴾ هُنا بِالواوِ، وفي سُورَةِ اَلْبَقَرَةِ: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ [البقرة: ٤٩] وفي اَلْأعْرافِ: ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ [الأعراف: ١٤١] بِدُونِها. والقِصَّةُ واحِدَةٌ - بِأنَّهُ حَيْثُ طُرِحَ اَلْواوُ قُصِدَ تَفْسِيرُ اَلْعَذابِ وبَيانُهُ -، فَلَمْ يَعْطِفْ لِما بَيْنَهُما مِن كَمالِ اَلِاتِّصالِ. وحَيْثُ عَطَفَ - كَما هُنا - لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ. والعَذابُ، إنْ كانَ اَلْمُرادُ مِنهُ اَلْجِنْسَ، فالتَّذْبِيحُ لِكَوْنِهِ أشَدَّ أنْواعِهِ، عُطِفَ عَلَيْهِ عَطْفَ جِبْرِيلَ عَلى اَلْمَلائِكَةِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لِشِدَّتِهِ كَأنَّهُ لَيْسَ مِن ذَلِكَ اَلْجِنْسِ. وإنْ كانَ اَلْمُرادُ بِهِ غَيْرَهُ، كاسْتِرْقاقِهِمْ واسْتِعْمالِهِمْ في اَلْأعْمالِ اَلشّاقَّةِ، فَهُما مُتَغايِرانِ، والمَحَلُّ مَحَلُّ اَلْعَطْفِ. وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُ اَلْعَطْفِ هُنا لِلتَّفْسِيرِ وكَأنَّ اَلتَّفْسِيرَ - لِكَوْنِهِ أوْفى بِالمُرادِ وأظْهَرُ - بِمَنزِلَةِ اَلْمُغايِرِ فَلِذا عُطِفَ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

7

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌۭ

And [remember] when your Lord proclaimed, 'If you are grateful, I will surely increase you [in favor]; but if you deny, indeed, My punishment is severe.' "

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧] ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ .

﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أيْ: آذَنَ وأعْلَمَ إعْلامًا بَلِيغًا - مِن جُمْلَةِ ما قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ -: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ أيْ: نِعَمَهُ، بِصَرْفِها إلى ما خُلِقَتْ لَهُ. كالعَقْلِ إلى تَصْحِيحِ اَلِاعْتِقادِ فِيهِ واسْتِعْمالِ سائِرِ اَلنِّعَمِ بِمُقْتَضاهُ: ﴿لأزِيدَنَّكُمْ﴾ أيْ: مِنَ اَلنِّعَمِ: ﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ فَيُصِيبُكم مِنهُ ما يَسْلُبُ تِلْكَ اَلنِّعَمَ ويُحِلُّ أشَدَّ اَلنِّقَمِ.

8

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ

And Moses said, "If you should disbelieve, you and whoever is on the earth entirely - indeed, Allah is Free of need and Praiseworthy."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨] ﴿وقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ .

﴿وقالَ مُوسى﴾ أيْ: لِقَوْمِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أيْ: غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِ عِبادِهِ، اَلْمَحْمُودُ بِأجَلَّ اَلْمَحامِدِ. وإنْ كَفَرَهُ مَن كَفَرَهُ. وهو تَعْلِيلٌ لِما حُذِفَ مِن جَوابِ (إنْ) أيْ: إنْ تَكْفُرُوا لَمْ يَرْجِعْ وبالُهُ إلّا عَلَيْكم، فَإنَّ اَللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ شُكْرِ اَلشّاكِرِينَ.

وفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ أبِي ذَرٍّ، عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ: أنَّهُ قالَ: ««يا عِبادِي ! لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانُوا عَلى أتْقى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ مِنكم، ما زادَ ذَلِكَ في مُلْكِي شَيْئًا. يا عِبادِي ! لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانُوا عَلى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ مِنكم، ما نَقَصَ ذَلِكَ في مُلْكِي شَيْئًا. يا عِبادِي لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم قامُوا في صَعِيدٍ واحِدٍ فَسَألُونِي فَأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسانٍ مَسْألَتَهُ ما نَقَصَ ذَلِكَ مِمّا عِنْدِي إلّا كَما يَنْقُصُ اَلْمِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ اَلْبَحْرَ»» فَسُبْحانَهُ مِن غَنِيٍّ حَمِيدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

9

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ ۛ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ

Has there not reached you the news of those before you - the people of Noah and 'Aad and Thamud and those after them? No one knows them but Allah. Their messengers brought them clear proofs, but they returned their hands to their mouths and said, "Indeed, we disbelieve in that with which you have been sent, and indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩] ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ .

﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيْ: في مُؤاخَذَةِ مَن كَفَرَ: ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ﴾ أيْ: مَعَ كَثْرَتِهِمْ: ﴿وعادٍ﴾ أيْ: مَعَ غايَةِ قُوَّتِهِمْ: ﴿وثَمُودَ﴾ مَعَ كَثْرَةِ تَحَصُّنِهِمْ وصَنائِعِهِمْ: ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾

قالَ اِبْنُ جَرِيرٍ: هَذا مِن تَمامِ قَوْلِ مُوسى لِقَوْمِهِ، يَعْنِي: وتِذْكارُهُ إيّاهم بِأيّامِ اَللَّهِ بِانْتِقامِهِ مِنَ اَلْأُمَمِ اَلْمُكَذِّبَةِ بِالرُّسُلِ.

قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: وفِيما قالَ اِبْنُ جَرِيرٍ نَظَرٌ؛ والظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ مِنَ اَللَّهِ تَعالى لِهَذِهِ اَلْأُمَّةِ؛ فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ قِصَّةَ عادٍ وثَمُودَ لَيْسَتْ في اَلتَّوْراةِ، فَلَوْ كانَ هَذا مِن كَلامِ مُوسى لِقَوْمِهِ لَقَصَّهُ عَلَيْهِمْ، ولا شَكَّ حِينَئِذٍ أنْ تَكُونَ هاتانِ اَلْقِصَّتانِ في اَلتَّوْراةِ، واَللَّهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ وقَعَتِ اعْتِراضًا، أوْ عَطَفَ {اَلَّذِينَ } عَلى قَوْمِ نُوحٍ، و: { لا يَعْلَمُهم } إلخ اِعْتِراضٌ، ومَعْنى اَلِاعْتِراضِ عَلى اَلثّانِي: ألَمْ يَأْتِكم أنْباءُ اَلْجَمِّ اَلْغَفِيرِ اَلَّذِي لا يُحْصى كَثْرَةً فَتَعْتَبِرُوا بِها ؟ إنَّ في ذَلِكَ لَمُعْتَبَرًا. وعَلى اَلْأوَّلِ: فَهو تَرَقٍّ، ومَعْناهُ: ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ هَؤُلاءِ ومَن لا يُحْصى بَعْدَهم ؟ كَأنَّهُ يَقُولُ: دَعِ اَلتَّفْصِيلَ فَإنَّهُ لا مَطْمَعَ فِيهِ، وفِيهِ لُطْفٌ لِإيهامِ اَلْجَمْعِ بَيْنَ اَلْإجْمالِ والتَّفْصِيلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ اَلْأيْدِي والأفْواهَ أنْ يَكُونا اَلْجارِحَتَيْنِ اَلْمَعْرُوفَتَيْنِ. وأنْ يَكُونا مِن مَجازِ اَلْكَلامِ. وفي اَلْأوَّلِ وُجُوهٍ:

أيْ: رَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ فَعَضُّوها غَيْظًا وضَجَرًا مِمّا جاءَتْ بِهِ اَلرُّسُلُ، كَقَوْلِهِ: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] أوْ وضَعُوها عَلى أفْواهِهِمْ ضَحِكًا واسْتِهْزاءً كَمَن غَلَبَهُ اَلضَّحِكُ. أوْ وضَعُوها عَلى أفْواهِهِمْ مُشِيرِينَ بِذَلِكَ إلى اَلْأنْبِياءِ أنْ يَكُفُّوا ويَسْكُتُوا. أوْ أشارُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِ اَلرُّسُلِ أنِ اسْكُتُوا. و(فِي) بِمَعْنى (إلى) أوْ وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ اَلرُّسُلِ مَنعًا لَهم مِنَ اَلْكَلامِ، أوْ أنَّهم أخَذُوا أيْدِيَ اَلرُّسُلِ ووَضَعُوها عَلى أفْواهِهِمْ لِيَقْطَعُوا كَلامَهم. ومَن بالَغَ في مَنعِ غَيْرِهِ مِنَ اَلْكَلامِ؛ فَقَدْ يَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ. أوْ أشارُوا بِأيْدِيهِمْ إلى جَوابِهِمْ وهو قَوْلُهم: ﴿إنّا كَفَرْنا﴾ أيْ: هَذا جَوابُنا اَلَّذِي نَقُولُهُ بِأفْواهِنا، والمُرادُ إشارَتُهم إلى كَلامِهِمْ كَما يَقَعُ في كَلامِ اَلْمُتَخاطِبِينَ، أنَّهم يُشِيرُونَ إلى أنَّ هَذا هو اَلْجَوابُ ثُمَّ يُقَرِّرُونَهُ، أوْ يُقَرِّرُونَ ثُمَّ يُشِيرُونَ بِأيْدِيهِمْ إلى أنَّ هَذا هو اَلْجَوابُ. قِيلَ: وهو أقْوى اَلْوُجُوهِ اَلْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّهم لَمّا حاوَلُوا اَلْإنْكارَ …

10

۞ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّۭ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ قَالُوٓا۟ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَٰنٍۢ مُّبِينٍۢ

Their messengers said, "Can there be doubt about Allah, Creator of the heavens and earth? He invites you that He may forgive you of your sins, and He delays your death for a specified term." They said, "You are not but men like us who wish to avert us from what our fathers were worshipping. So bring us a clear authority."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠] ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إنْ أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ .

﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: وهو مِمّا لا مَجالَ لِلشَّكِّ فِيهِ لِغايَةِ ظُهُورِهِ.

قالَ اِبْنُ كَثِيرٍ: هَذا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أفِي وُجُودِهِ شَكٌّ ؟ فَإنَّ اَلْفِطَرَ شاهِدَةٌ بِوُجُودِهِ ومَجْبُولَةٌ عَلى اَلْإقْرارِ بِهِ. فَإنَّ اَلِاعْتِرافَ بِهِ ضَرُورِيٌّ في اَلْفِطَرِ اَلسَّلِيمَةِ، ولَكِنْ قَدْ يَعْرِضُ لِبَعْضِ اَلْفِطَرِ شَكٌّ واضْطِرابٌ فَيَحْتاجُ إلى اَلنَّظَرِ في اَلدَّلِيلِ اَلْمُوَصِّلِ إلى وُجُودِهِ، ولِهَذا قالَتْ لَهُمُ اَلرُّسُلُ تُرْشِدُهم إلى طَرِيقِ مَعْرِفَتِهِ بِأنَّهُ فاطِرُ اَلسَّماواتِ والأرْضِ - أيِ: اَلَّذِي خَلَقَهُما وابْتَدَعَهُما عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ - فَإنَّ شَواهِدَ اَلْحُدُوثِ والخَلْقِ والتَّسْخِيرِ ظاهِرٌ عَلَيْهِما. فَلا بُدَّ لَهُما مِن صانِعٍ وهو اَللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَهُهُ ومَلِيكُهُ. والمَعْنى اَلثّانِي: أفِي إلَهِيَّتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِوُجُوبِ اَلْعِبادَةِ لَهُ، شَكٌّ ؟ وهو اَلْخالِقُ لِجَمِيعِ اَلْمَوْجُوداتِ ولا يَسْتَحِقُّ اَلْعِبادَةَ إلّا هو وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَإنَّ غالِبَ اَلْأُمَمِ كانَتْ مُقِرَّةً بِالصّانِعِ، ولَكِنْ تَعْبُدُ مَعَهُ غَيْرَهُ مِنَ اَلْوَسائِطِ اَلَّتِي يَظُنُّونَها تَنْفَعُهم أوْ تُقَرِّبُهم مِنَ اَللَّهِ زُلْفى. اِنْتَهى.

وسَبَقَ لَنا في سُورَةِ اَلْأعْرافِ اَلْبَحْثُ في أنَّ مَعْرِفَتَهُ تَعالى ضَرُورِيَّةٌ أوْ نَظَرِيَّةٌ فارْجِعْ إلَيْهِ.

وفِي إدْخالِ هَمْزَةِ اَلْإنْكارِ عَلى اَلظَّرْفِ إيذانٌ بِأنَّ مَدارَ اَلْإنْكارِ لَيْسَ نَفْسَ اَلشَّكِّ بَلْ وُقُوعَهُ فِيما لا يَكادُ يُتَوَهَّمُ فِيهِ اَلشَّكُّ أصْلًا، وفي اَلْعُدُولِ عَنْ تَطْبِيقِ اَلْجَوابِ عَلى كَلامِ اَلْكَفَرَةِ بِأنْ يَقُولُوا: (أأنْتُمْ في شَكٍّ مُرِيبٍ مِنَ اَللَّهِ) مُبالَغَةٌ في تَنْزِيهِ ساحَةِ جَلالِهِ عَنْ شائِبَةِ اَلشَّكِّ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِسَخافَةِ اَلْعُقُولِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: يَدْعُوكم إلى اَلْإيمانِ بِإرْسالِهِ إيّانا، لا أنّا نَدْعُوكم إلَيْهِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا كَما يُوهِمُهُ قَوْلُكم: ﴿مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ﴾ [إبراهيم: ٩] ولامُ (لِيَغْفِرَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (يَدْعُو) أيْ: لِأجْلِ اَلْمَغْفِرَةِ لا لِفائِدَتِهِ، تَعالى وتَقَدَّسَ. أوْ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ: يَدْعُوكم إلى اَلْمَغْفِرَةِ، كَقَوْلِكَ: دَعْوَتُكَ لِزَيْدٍ. و(مِن) إمّا تَبْعِيضِيَّةٌ أيْ: بَعْضُ ذُنُوبِكم وهو ما بَيْنَهم وبَيْنَ اَللَّهِ تَعالى دُونَ اَلْمَظالِمِ، أوْ صِلَةٌ عَلى مَذْهَبِ اَلْأخْفَشِ وغَيْرِهِ، مِن زِيادَتِها في اَلْإيجابِ، أوْ لِلْبَدَلِ أيْ: بَدَلَ عُقُوبَةِ ذُنُوبِكم، أوْ عَلى تَضْمِينِ (يَغْفِرُ) مَعْنى (يَخْلُصُ) .

وادَّعى اَلزَّمَخْشَرِيُّ مَجِيئَهُ بِـ (مِن ) هَكَذا في خِطابِ اَلْكافِرِينَ دُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ في جَمِيعِ اَلْقُرْآنِ. قالَ: وكانَ ذَلِكَ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ خِطابَيْنِ، ولِئَلّا يُسَوّى بَيْنَ اَلْفَرِيقَيْنِ في اَلْمِيعادِ.

قالَ في (اَلْكَشّافِ): ولِلتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ أُخْرى وهي اَلتَّفْرِقَةُ بَيْنَ اَلْخِطابَيْنِ بِالتَّصْرِيحِ بِمَغْفِرَةِ اَلْكُلِّ، وإبْقاءِ اَلْبَعْضِ في حَقِّ اَلْكَفَرَةِ مَسْكُوتًا عَنْهُ لِئَلّا …

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.