الٓر ۚ كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ
Alif, Lam, Ra. [This is] a Book which We have revealed to you, [O Muhammad], that you might bring mankind out of darknesses into the light by permission of their Lord - to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy -
(سُورَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا أُولَئِكَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾
هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا مِن قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى النّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] وارْتِباطُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِالسُّورَةِ قَبْلَها واضِحٌ جِدًّا، لِأنَّهُ ذَكَرَ فِيها ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ [الرعد: ٣١]، ثُمَّ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧]، ثُمَّ ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] فَناسَبَ هَذا قَوْلَهُ ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ . وأيْضًا فَإنَّهم لَمّا قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] وقِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧] أنْزَلَ ﴿الر كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أوْلَمَ يَكْفِهِمْ مِنَ الآياتِ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ - هي الضَّلالُ - إلى النُّورِ - وهو الهُدى - .
وجَوَّزُوا في إعْرابِ ”الر“ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و(كِتابٌ): الخَبَرُ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الر، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: الزَمْ أوِ اقْرَأْ ﴿الر﴾ . و﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ في هَذَيْنِ الإعْرابَيْنِ، و(كِتابٌ) مُبْتَدَأٌ. وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا في التَّقْدِيرِ؛ أيْ: كِتابٌ عَظِيمٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ (كِتابٌ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا كِتابٌ، و(أنْزَلْناهُ) جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ. وفي قَوْلِهِ: (أنْزَلْناهُ) وإسْنادِ الإنْزالِ إلى نُونِ العَظَمَةِ ومُخاطَبَتِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: (إلَيْكَ)، وإسْنادِ الإخْراجِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَنْوِيهٌ عَظِيمٌ وتَشْرِيفٌ لَهُ مِن حَيْثُ المُشارَكَةُ في تَحْصِيلِ الهِدايَةِ بِإنْزالِهِ تَعالى، وبِإخْراجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ إذْ هو الدّاعِي والمُنْذِرُ، وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ مُخْتَرِعُ الهِدايَةِ هو اللَّهُ تَعالى. و(النّاسَ) عامٌّ؛ إذْ هو مَبْعُوثٌ إلى الخَلْقِ كُلِّهِمْ، والظُّلُماتُ والنُّورُ: مُسْتَعارانِ لِلْكُفْرِ والإيمانِ. ولَمّا ذَكَرَ عِلَّةَ إنْزالِ الكِتابِ وهي قَوْلُهُ: (لِتُخْرِجَ) قالَ: بِإذْنِ رَبِّهِمْ؛ أيْ: ذَلِكَ الإخْراجُ بِتَسْهِيلِ مالِكِهِمُ النّاظِرِ في مَصالِحِهِمْ؛ إذْ هم عَبِيدُهُ، فَناسَبَ ذِكْرَ الرَّبِّ هُنا تَنْبِيهًا عَلى مِنَّةِ المالِكِ، وكَوْنُهُ ناظِرًا في حالِ عَبِيدِهِ، و(بِإذْنِ): ظاهِرُهُ التَّعَلُّقُ بِقَوْلِهِ: (لِتُخْرِجَ) . وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (بِإذْنِ رَبِّهِمْ) في مَوْضِعِ الحالِ، قالَ: أيْ مَأْذُونًا لَكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِإذْنِ رَبِّهِمْ) بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ، مُسْتَعارٌ مِنَ الإذْنِ الَّذِي هو تَسْهِيلُ الحِجابِ، وذَلِكَ ما يَمْنَحُهم مِنَ اللُّطْفِ والتَّوْفِيقِ، انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.
والظّاهِرُ أنَّ …