Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 1–10 of 43

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

Alif, Lam, Meem, Ra. These are the verses of the Book; and what has been revealed to you from your Lord is the truth, but most of the people do not believe.

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الرعد

(وهي ثلاث وقيل أربع أو خمس أو ست وأربعون آية)

وقد وقع الخلاف هل هي مكيّة أو مدنيّة، وممن ذهب إلى الأول سعيد بن جبير والحسن وعكرمة وعطاء وجابر وابن زيد، وإلى الثاني ابن الزبير والكلبي ومقاتل، والقول الثالث أنها مدنيّة إلا آيتين فإنهما نزلتا بمكة وهما قوله تعالى: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) وقيل قوله: (ولا يذل الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة) وقيل هو الذي يريكم البرق -إلى قوله- له دعوة الحق. وعن جابر بن زيد كان يستحب إذا حضر الميت أن يقرأ عنده سورة الرعد فإن ذلك يخفف عن الميت وأنه أهون لقبضه وأيسر لشأنه.

بسم الله الرحمن الرحيم

المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)

(المر) قد تقدم الكلام في الحروف الواقعة في أوائل السور بما يغني عن الإعادة، قال ابن عباس: المعنى أنا الله أرى؛ وقال مجاهد فواتح يفتتح بها كلامه والحق أن الله تعالى أعلم بمراده أو هو اسم للسورة والتقدير هذه السورة اسمها هذا.

(تلك) أي آيات هذه السورة، وقيل إشارة إلى ما قص عليه من أنباء الرسل وقيل إلى آيات القرآن وعليه جرى الزمخشري وجمهور المفسرين (آيات الكتاب) والمراد بالكتاب السورة أي تلك آيات السورة الكاملة العجيبة الشأن والإضافة بمعنى من، وقال مجاهد: الكتاب التوراة والإنجيل.

(الذي أنزل إليك من ربك) المراد به القرآن كله، قال قتادة وغيره أي هو (الحق) البالغ في اتصافه بهذه الصفة لاشك فيه (ولكن أكثر الناس) يعني مشركي مكة (لا يؤمنون) بهذا الحق الذي أنزل الله إليك، قال الزجاج: لما ذكر أنهم لا يؤمنون ذكر الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق فقال:

2

ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ

It is Allah who erected the heavens without pillars that you [can] see; then He established Himself above the Throne and made subject the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. He arranges [each] matter; He details the signs that you may, of the meeting with your Lord, be certain.

(الله الذي رفع السماوات بغير عمد) العمد الأساطين والدعائم جمع عماد أي على غير قياس والقياس أن يجمع على عمد بضم العين والميم، وقيل إن عمداً جمع عماد في المعنى أي أنه اسم جمع لا جمع صناعي وهو صادق بأن لا عماد أصلا وهذا هو أصح القولين أي قائمات بغير عمد تعتمد عليها، وقيل لها عمد ولكن لا نراها، وهذا قول مجاهد وعكرمة، قال الزجاج: العمد قدرته التي يمسك بها السماوات وهي غير مرئية لنا، وقرئ عمد على أنه جمع عمود يعمد به أي يسند إليه.

وجملة (ترونها) مستأنفة استشهاد على رؤيتهم لها كذلك، وقيل هي صفة لعمد، وهو أقرب مذكور ورجحه الزمخشري، وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير رفع السماوات ترونها بغير عمد، ولا ملجئ إلى مثل هذا التكلف، قال ابن عباس: وما يدريك لعلها بعمد لا ترونها وقال يقول لها عمد، ولكن لا ترونها يعني الإعماد.

قال إياس بن معاوية: السماء مقببة على الأرض مثل القبة، وبه قال الحسن وقتادة وجمهور المفسرين، وعن ابن عباس قال: السماء على أربعة أملاك كل زاوية موكل بها ملك، قال السمين في هذا الكلام وجهان:

أحدهما: انتفاء العمد والرؤية جميعاً أي لا عمد فلا رؤية يعني لا عمد لها فلا ترى، وإليه ذهب الجمهور.

والثاني: أن لها عمداً ولكن غير مرئية.

(ثم) هنا لمجرد العطف لا للترتيب لأن الاستواء عليه غير مرتب على رفع السماوات (استوى على العرش) استواء يليق به هذا مذهب السلف، وقال المعتزلة استولى عليه بالحفظ والتدبير أو استوى أمره وأقبل على خلق العرش، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى، والحق أن الاستواء على العرش صفة الله سبحانه بلا كيف كما هو مقرر في موضعه من علم الكلام (وسخر الشمس والقمر) أي ذللهما لما يراد منهما من منافع الخلق ومصالح العباد فالحركة المستمرة على حد من السرعة تنفع في حدوث الكائنات وبقائها (كل) من الشمس والقمر (يجري لأجل مسمى) أي إلى وقت معلوم معين وهو فناء الدنيا وزوالها وقيام الساعة التي تتكور عندها الشمس وينخسف القمر وتنكدر النجوم وتنتثر، وقيل المراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما التي ينتيهان إليها لا يجاوزانها وهي سنة للشمس وشهر للقمر لا يختلف جري واحد منهما قيل وهذا هو الحق في تفسير الآية.

(يدبر الأمر) أي أمر العالم العلوي والسفلي يعني يقضيه ويمضيه وحده، قاله مجاهد، والمعنى يصرفه على ما يريد وهو أمر ملكوته وربوبيته يدبره على أكمل الأحوال وأتم الأفعال لا يشغله شأن عن شأن، وقيل يدبر الأمر بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة، ولا وجه للتخصيص بشيء دون شيء فإن اللفظ أوسع من ذلك، قال الكرخي: وحمل التدبير على العموم أولى من حمله على نوع من أحوال العالم كما جرى عليه جمع من المفسرين، وهذا التدبير والإنفاذ والإمضاء هو من فوق العرش وهو ظاهر نظم القرآن الكريم.

(يفصل) أي يبين (الآيات) الدالة على كمال قدرته وربوبيته ومنها ما تقدم من رفع السماء بغير عمد وتسخير الشمس والقمر وجريهما لأجل مسمى والمراد بهذا تنبيه العباد على أن من قدر على هذه الأشياء فهو قادر على البعث والإعادة ولهذا قال (لعلكم) عند مشاهدة هذه الآيات (بلقاء ربكم توقنون) لا تشكون فيه ولا تمترون في صدقه.

ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها بذكر الدلائل الأرضية فقال

3

وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَٰرًۭا ۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

And it is He who spread the earth and placed therein firmly set mountains and rivers; and from all of the fruits He made therein two mates; He causes the night to cover the day. Indeed in that are signs for a people who give thought.

(وهو الذي مد الأرض) على وجه الماء، قال الفراء: بسطها طولاً وعرضاً لتثبت عليها الأقدام ويتقلب عليها الحيوان، وقال الأصم: أن المدّ هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه زاد الكرخي: فقوله مد الأرض يشعر بأنه تعالى جعل الأرض حجماً عظيماً لا يقع البصر على منتهاه انتهى.

قيل وهذا المد الظاهر للبصر لا ينافي كرويتها في نفسها لتباعد أطرافها، وبه قال أهل الهيئة (1)، والله أخبر أنه مد الأرض وأنه دحاها وبسطهما وأنه جعلها فراشاً وكل ذلك يدل على كونها مسطحة كالأكف، وهو أصدق قيلاً وأبين دليلاً من أصحاب الهيئة.

وفي الجامع الصغير حديث رواه البيهقي عن ابن عباس ولفظه: أول بقعة وضعت من الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض، وأن أول جبل وضعه الله على وجه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال ضعيف الجامع الصغير/2131..

وعن ابن عمرو قال: الدنيا مسيرة خمسمائة عام، أربعمائة عام خراب ومائة عمران، في أيدي المسلمين من ذلك مسيرة سنة، وقد روي عن جماعة من السلف في ذلك تقريرات لم يأت عليها دليل يصح.

وعن علي بن أبي طالب قال: لما خلق الله الأرض قمصت وقالت: أي رب تجعل عليّ بني آدم يعملون عليّ الخطايا ويجعلون عليّ الخبث فأرسل الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون فكان إقرارها كاللحم ترجرج.

(وجعل فيها) جبالاً (رواسي) أي ثوابت تمسكها عن الاضطراب وأحدها راسية لأن الأرض ترسو بها أي تثبت والرسو الثبوت (وأنهاراً) أي مياهاً جارية في الأرض فيها منافع الخلق، أو المراد جعل فيها مجاري الماء.

(ومن كل الثمرات) متعلق بجعل في قوله (جعل فيها زوجين اثنين) أي اثنينية حقيقية وهما الفردان اللذان كل منهما زوج الآخر، وأكد به الزوجين لئلا يفهم أن المراد بذلك الشفعان إذ يطلق الزوج على المجموع، ولكن اثنينية ذلك اثنينية اعتبارية، أي جعل من كل نوع من أنواع ثمرات الدنيا صنفين، إما في اللونية كالبياض والسواد ونحوهما أو في الطعمية كالحلو والحامض ونحوهما أو في القدر كالصغر والكبر أو في الكيفية كالحر والبرد وما أشبه ذلك، ويجوز أن يتعلق بجعل الأول ويكون الثاني استئنافاً لبيان كيفية ذلك الجعل، قاله أبو السعود.

قال الفراء: يعني بالزوجين هنا الذكر والأنثى من كل صنف، ومثله عن مجاهد والأول أولى.

(يغشى الليل النهار) أي يلبسه مكانه فيصير أسوداً مظلماً بعدما كان أبيضاً منيراً أشبه إزالة نور الجو بالظلمة بتغطية الأشياء الحسية بالأغطية التي تسترها أي يستر النهار بالليل، والتركيب وإن احتمل العكس أيضاً بالحمل على تقديم المفعول الثاني على الأول فإن ضوء النهار أيضاً ساتر لظلمة الليل إلا أن الأنسب بالليل أن يكون هو الغاشي.

وعدَّ هذا في تضاعيف الآيات السفلية وإن كان تعلقه بالآيات العلوية ظاهراً باعتبار ظهوره في الأرض فإن الليل إنما هو ظلها وفيما فوق موقع ظلها لا ليل أصلاً، ولأن الليل والنهار لهما تعلق بالثمرات من حيث العقد والإنضاج على أنهما أيضاً زوجان متقابلان مثلها، وقرئ يغشى من التغشية، وقد سبق تفسير هذا في الأعراف.

(إن في ذلك) المذكور من مد الأرض وإثباتها بالجبال وما جعله الله فيها من الثمرات المتزاوجة وتعاقب النور والظلمة (لآيات) بينة (لقوم يتفكرون) أي للناظرين المتفكرين المعتبرين فيستدلون بالصنعة على الصانع وبالسبب على المسبب والفكر هو تصرف القلب في طلب الأشياء.

وقال صاحب المفردات: الفكر قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم والتفكر جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان ولا يقال إلا فيما يمكن أن يكون له صورة في القلب، ولهذا روى تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله إذ الله منزه عن أن يوصف بصورة.

4

وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَٰوِرَٰتٌۭ وَجَنَّٰتٌۭ مِّنْ أَعْنَٰبٍۢ وَزَرْعٌۭ وَنَخِيلٌۭ صِنْوَانٌۭ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

And within the land are neighboring plots and gardens of grapevines and crops and palm trees, [growing] several from a root or otherwise, watered with one water; but We make some of them exceed others in [quality of] fruit. Indeed in that are signs for a people who reason.

(وفي الأرض قطع متجاورات) أي بقاع مختلفة، وهذا كلام مستأنف مشتمل على ذكر نوع آخر من أنواع الآيات، قيل وفي الكلام حذف، أي قطع متجاورات وغير متجاورات كما في قوله (سرابيل تقيكم الحر) أي والبرد، وقيل المتجاورات المدن وما كان عامراً، وغير المتجاورات الصحاري وما كان غير معمور.

وقيل معنى متجاورات متدانيات ترابها واحد وماؤها واحد وفيها زرع وجنات ثم تتفاوت في الثمار فيكون البعض حلواً والبعض حامضاً، والبعض طيباً والبعض غير طيب، والبعض يصلح فيه نوع والبعض الآخر نوع آخر.

وعن ابن عباس قال: يريد الأرض الطيبة العذبة التي يخرج نباتها بإذن ربها تجاورها السبخة القبيحة المالحة التي لا يخرج منها نباتها وهما أرض واحدة وماؤها شيء واحد، ملح أو عذب ففضلت أحداهما على الأخرى قال قتادة: قرئ متجاورات قريب بعضها من بعض.

وقال ابن عباس: الأرض تنبت حلواً والأرض تنبت حامضاً وهي متجاورات تسقى بماء واحد، وقيل متلاصقات فمنها طيب وسبخ، وقليل الريع وكثيره، وهو من دلائل قدرته تعالى سبحانه.

(و) في الأرض (جنات) أي بساتين وعلى النصب تقديره جعل فيها جنات، والجنة كل بستان ذي شجر من نخيل وأعقاب وغير ذلك، سمي جنة لأنه يستر بأشجاره الأرض وإليه الإشارة بقوله (من أعناب) جمع عنب (وزرع ونخيل) ذكر سبحانه الزرع بين الأعناب والنخيل لأنه يكون في الخارج كثيراً كذلك، ومثله في قوله سبحانه جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً، والنخل والنخيل بمعنى والواحد نخلة، لكن النخل يذكر ويؤنث والنخيل مؤنث لا غير.

(صنوان وغير صنوان) قرئ بالرفع في الأربعة عطفاً على جنات وبالجر عطفاً على أعناب وبضم الصاد وكسرها وهما لغتان والأولى لغة قيس وتميم والثانية لغة العامة وقرئ بفتحها وهو اسم جمع لا جمع تكسير لأنه ليس من أبنية فعلان بالفتح، ونظير صنوان بالفتح سعدان، قال أبو عبيدة جمع صنو، وهو أن يكون الأصل واحداً ثم يتفرع فيصير نخيلاً ثم يحمل.

وهذا قول جميع أهل اللغة والتفسير، فالصنوان جمع صنو وهي النخلات يجمعها أصل واحد وتتشعب فروعها، فالصنو المفرد واحد هذه النخلات، قال ابن الأعرابي: الصنو المثل. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " عم الرجل صنو أبيه " صحيح الجامع الصغير/3979. فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون.

قال في الكشاف: جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلها واحد، وقيل الصنوان المجتمع وغير الصنوان المتفرق. قال النحاس: وهو كذلك في اللغة، يقال للنخلة إذا كانت فيها نخلة أخرى أو أكثر صنوان. والصنو المثل ولا فرق بين التثنية والجمع إلا بكسر النون في المثنى وبما يقتضيه الإعراب في الجمع.

عن البراء بن عازب قال: الصنوان ما كان أصله واحداً وهو متفرق وغير الصنوان التي تنبت وحدها، وفي لفظ الصنوان النخلة في النخلة ملتصقة وغير الصنوان النخل المتفرق. وعن ابن عباس: هي مجتمع النخل في أصل واحد وغيرها المتفرق، وفي السمين والصنو الفرع يجمعه، وفرعاً آخر أصل واحد والمثل، وفي المختار إذا خرج نخلتان أو ثلاث من أصل واحد فكل واحدة منهن صنو، والاثنتان صنوان بكسر النون والجمع صنوان برفعها.

(يسقى) بالتحتية أي يسقى ذلك كله، يعني أشجار الجنة وزروعها (بماء واحد) والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نام، وقيل في حده هو جوهر سيال به قوام الأرواح، وقرئ تسقى بالفوقية بإرجاع الضمير إلى جنات. وقال أبو عمرو: التأنيث أحسن لقوله:

(ونفضل بعضها على بعض الأكل) أي في الطعم ما بين الحلو والحامض وغير ذلك من الطعام ولم يقل بعضه، قرئ بالنون على تقدير ونحن نفضل، وقرئ بالياء، ومتى قرئ الأول بالتاء جاز في الثاني الياء والنون، ومتى قرئ الأول بالياء تعين في الثاني النون لا غير، فالقراءات ثلاثة لا أربعة كما توهم وكلها سبعية.

قال الكرخي: قرئ بالتحتية ليطابق قوله يدبر وقرئ بنون العظمة وأنت خبير بأن القراء يتبعون فيما …

5

۞ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌۭ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْأَغْلَٰلُ فِىٓ أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And if you are astonished, [O Muhammad] - then astonishing is their saying, "When we are dust, will we indeed be [brought] into a new creation?" Those are the ones who have disbelieved in their Lord, and those will have shackles upon their necks, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

(وإن تعجب) يا محمد من تكذيبهم لك بعدما كنت عندهم من الصادقين (فعجب) أي فأعجب منه (قولهم) أي تكذيبهم بالبعث، والله تعالى لا يجوز عليه التعجب لأنه تغير النفس بشيء تخفى أسبابه، وذلك في حق الله تعالى محال، قاله القرطبي.

وقيل العجب تغير النفس برؤية المستبعد في العادة وإنما ذكر ذلك ليعجب منه رسوله واتباعه.

قال الزجاج: أي هذا موضع عجب أيضاً أنهم أنكروا البعث وقد بين لهم من خلق السماوات والأرض ما يدل على أن البعث أسهل في القدرة وقد تقرر في النفوس أن الإعادة أهون من الإبداء فهذا موضع التعجيب، وقيل الآية في منكري الصانع مع الأدلة الواضحة بأن المتغير لا بدّ له من مغير فهو محل التعجب.

والأول أولى لقوله (أئذا كنا تراباً أئنّا لفي خلق جديد) والجملة في محل الرفع أو النصب والعجب على الأول كلامهم وعلى الثاني تكلمهم بذلك أو لا يرون أنه خلقهم من نطفة، فالخلق منها أشد من الخلق من تراب وعظام، والعامل في إذا نبعث أو نعاد، والاستفهام منهم للإنكار المفيد لكمال الاستبعاد، وفي هذا الاستفهام المكرر اختلف القراء اختلافاً منتشراً وهو في أحد عشر موضعاً في تسع سور من القرآن ولا بدّ من تعيينها.

فأولها هنا.

والثاني والثالث في الإسراء بلفظ واحد (أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً).

والرابع: في المؤمنون (أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون).

والخامس: في النمل (أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون).

والسادس: في العنكبوت (أئنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) (أئنكم لتأتون الرجال).

والسابع: في ألم السجدة (أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد).

والثامن والتاسع: في الصافات (أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون) وأئنا لمدينون.

والعاشر: في الواقعة مثل الصافات.

والحادي عشر: في النازعات (أئنا لمردودون في الحافرة * أئذا كنا عظاماً نخرة). فهذه هي المواضع المختلف فيها ثم الوجه في قراءة من استفهم في الأول والثاني المبالغة في الإنكار فأتى به في الجملة الأولى وأعاد في الثانية تأكيداً له، والوجه في قراءة من أتى به مرة واحدة حصول المقصود، لأن كل جملة مرتبطة بالأخرى فإذا أنكر في إحداهما حصل الإنكار في الأخرى، ذكره السمين، وتقديم الظرف في قوله (لفي خلق) لتأكيد الإنكار بالبعث.

وكذلك تكرير الهمزة في قوله أئنا، والمعنى أي نعاد خلقاً جديداً بعد الموت كما كنا قبله؛ ولم يعلموا أن القادر على إنشاء الخلق وما تقدم على غير مثال قادر على إعادتهم.

ثم لما حكى الله سبحانه ذلك عنهم حكم عليهم بأمور ثلاثة:

الأول: (أولئك الذين كفروا بربهم) أي أولئك المنكرون لقدرته سبحانه على البعث هم المتمادون في الكفر الكاملون فيه، وفيه دليل على كفر منكري البعث.

(و) الثاني (أولئك الأغلال في أعناقهم) الأغلال جمع غل بالضم وهو طوق من حديد يجعل في العنق أو تشد به اليد إلى العنق، أي يغلون بها يوم القيامة كما يقاد الأسير ذليلاً بالغل، وقيل الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم لزوم الأطواق للأعناق (و) الثالث (أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) لا ينفكون عنها بحال من الأحوال، وفي توسيط ضمير الفصل دلالة على تخصيص الخلود بمنكري البعث.

6

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَٰتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

They impatiently urge you to bring about evil before good, while there has already occurred before them similar punishments [to what they demand]. And indeed, your Lord is full of forgiveness for the people despite their wrongdoing, and indeed, your Lord is severe in penalty.

(ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة) نزل في استعجالهم العذاب استهزاء والسيئة العقوبة المهلكة، والحسنة العافية والسلامة، قالوا هذه المقالة لفرط إنكارهم وشدة تصميمهم.

(وقد خلت من قبلهم المثلات) جمع مثلة كسمرة وهي العقوبة الفاضحة، سميت بذلك لما بين العقاب والمعاقب عليه وهو الذنب من المماثلة في أن كُلاًّ منهما مذموم.

قال ابن الأنباري: المثلة العقوبة التي تبقى في المعاقب شيئاً بتغيير بعض خلقه من قولهم مثل فلان بفلان إذا شأن خلقه بقطع أنفه وسمل عينيه وبقر بطنه، وقرئ بفتح الميم وإسكان الثاء تخفيفاً لثقل الضمة، قيل وهي لغة الحجاز، وفي لغة تميم بضم الميم والثاء جميعاً، واحدتها على لغتهم مثلة، مثل غرفة وغرفات، وقرئ بفتحهما.

وقيل المثلة نقمة تنزل بالإنسان فيجعل مثالاً يرتدع غيره به. قال قتادة: المثلات العقوبات، يعني وقائع الله في الأمم فيمن خلا قبلكم. وقال ابن عباس: المثلات ما أصاب القرون الماضية من العذاب، والمعنى أن هؤلاء يستعجلونك بإنزال العقوبة بهم وقد مضت من قبلهم عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بهم ويحذرون من حلول ما حل بهم.

وهذا الاستعجال من هؤلاء هو على طريقة الاستهزاء كقولهم اللهم أن كان هذا هو الحق من عندك الآية (وإن ربك لذو مغفرة) أي لذو تجاوز عظيم، والمراد بها الإمهال وتأخير العذاب (للناس على) أي مع (ظلمهم) باقترافهم الذنوب ووقوعهم في المعاصي إن تابوا عن ذلك ورجعوا إلى الله سبحانه، والجار والمجرور في محل نصب على الحال أي حال كونهم ظالمين.

وفي الآية بشارة عظيمة ورجاء كبير، لأن من المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً فيجوز العفو قبل التوبة ولهذا قيل إنها في عصاة الموحدين خاصة.

وقيل المراد بالمغفرة هنا تأخير العقاب إلا الآخرة كما تقدم ليطابق ما حكاه الله من استعجال الكفار للعقوبة، وكما يفيده قوله تعالى (وإن ربك لشديد العقاب) فيعاقب من يشاء من العصاة المكذبين من الكافرين عقاباً شديداً على ما تقتضيه مشيئته في الدار الآخرة فتأخير ما استعجلوه ليس للإهمال.

عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ لأحد العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد " ابن كثير 501..

7

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" You are only a warner, and for every people is a guide.

(ويقول الذين كفروا) من أهل مكة (لولا) هلا (أنزل عليه) أي على محمد صلى الله عليه وسلم (آية من ربه) غير ما قد جاء به من الآيات كالعصا واليد والناقة، وهؤلاء القائلون هم المستعجلون للعذاب وإنما عدل عن الإضمار إلى الوصول ذماً لهم بكفرهم بآيات الله التي تخر لها الجبال حيث لم يرفعوا لها رأساً ولم يعدوها من جنس الآيات، وهذا مكابرة من الكفار وعناد وإلا فقد أنزل الله على رسوله من الآيات ما يغني البعض منه.

قال الزجاج: طلبوا غير الآيات التي أتى بها فالتمسوا مثل آيات موسى وعيسى فقال الله تعالى (إنما أنت منذر) تنذرهم بالنار وليس إليك من الآيات من شيء وفيه إزالة لرغبته صلى الله عليه وسلم في حصول مقترحهم، فإنه كان شديد الرغبة في إيجاب مقترحاتهم لشدة التفاته إلى إيمانهم، قاله الخطيب.

وجاء في إنما أنت بصيغة الحصر لبيان أنه صلى الله عليه وسلم مرسل لإنذار العباد وبيان ما يحذرون عاقبته وليس عليه غير ذلك، وقد فعل ما هو عليه وأنذر أبلغ إنذار، ولم يدع شيئاً مما يحصل به ذلك إلا أتى به وأوضحه وكرره فجزاه الله عن أمته خيراً.

(ولكل قوم هاد) أي نبي يدعوهم إلى ما فيه هدايتهم، ورشادهم بما يعطيه من الآيات لا بما يقترحون وإن لم تقع الهداية لهم بالفعل ولم يقبلوها، وآيات الرسل مختلفة، هذا يأتي بآياته أو آيات لم يأت بها الآخر بحسب ما يعطيه الله منها، ومن طلب من بعضهم ما جاء به البعض الآخر فقد بلغ في التعنت إلى مكان عظيم فليس المراد من الآيات إلا الدلالة على النبوة لكونها معجزة خارجة عن القدرة البشرية، وذلك لا يختص بفرد منها ولا بأفراد معينة. قال الرازي: فهذا هو الوجه الذي قرره القاضي، وهو الوجه الصحيح الذي يبقى الكلام معه منتظما. انتهى.

وقيل أن المعنى ولكل قوم هاد هو الله سبحانه عز وجل فإنه القادر على ذلك وليس على أنبيائه إلا مجرد الإنذار. قال ابن عباس: هاد أي داع، وقال مجاهد: المنذر محمد صلى الله عليه وسلم، ولكل قوم هاد نبي يدعوهم إلى الله، وعن سعيد بن جبير ومجاهد وابن عباس نحوه، وعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المنذر وهو الهادي. أخرجه ابن مردويه، وعن عكرمة وأبي الضحى نحوه.

وقيل الهادي هو العمل الصالح، وقيل الهادي هو القائد إلى الخير لا إلى الشر وهو يعم الرسل وأتباعهم إلى آخر الدهر.

وعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال: أنا المنذر، وأومأ بيده إلى منكب عليّ فقال (أنت الهادي يا عليّ بك يهتدي المهتدون من بعدي ابن كثير/502.)، أخرجه ابن جرير وأبو نعيم في المعرفة، والديلمي وابن عساكر وابن النجار، قال ابن كثير في تفسيره، وهذا الحديث فيه نكارة شديدة.

وجملة

8

ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ

Allah knows what every female carries and what the wombs lose [prematurely] or exceed. And everything with Him is by due measure.

(الله يعلم ما تحمل كل أنثى) مستأنفة مسوقة لبيان إحاطته سبحانه بالعلم وعلمه بالغيب الذي هذه الأمور منه، وقيل الاسم الشريف خبر، أي لكل قوم هاد هو الله، وجملة (يعلم ما تحمل كل أنثى) تفسير لهاد، وهذا بعيد جداً، والعلم هنا متعد لواحد بمعنى العرفان وما موصولة، أي يعلم الذي تحمله كل أنثى في بطنها من علقة أو مضغة أو ذكر أو أنثى أو صبيح أو قبيح أو سعيد أو شقي أو طويل أو قصير، أو تام أو ناقص، أو استفهامية، أي يعلم أي شيء في بطنها وعلى أي حال هو؛ أو مصدرية، أي يعلم حملها.

(وما تغيض الأرحام وما تزداد) وما في الموضعين محتملة للأوجه المتقدمة وغاض وازداد سمع تعديهما ولزومهما ولك أن تدعي حذف العائد على القول بتعديهما وأن تجعل ما مصدرية على القول بلزومهما، والغيض النقص وعليه أكثر المفسرين أي يعلم الذي تغيضه الأرحام أي تنقصه، ويعلم ما تزداده لا يخفى عليه شيء من ذلك ولا من أوقاته وأحواله فقيل المراد نقص خلقة الحمل وزيادته كنقص أصبع أو زيادتها.

وقيل أن المراد نقص مدة الحمل عن تسعة أشهر أو زيادتها، وقيل إذا حاضت المرأة في حال حملها كان ذلك نقصا في ولدها، قاله ابن عباس وإذا لم تحض يزداد الولد وينمو فالنقصان نقصان خلقة الولد بخروج الدم والزيادة تمام خلقه باستمساك الدم، وقال سعيد بن جبير: الغيض ما تنقصه الأرحام من الدم، والزيادة ما تزداده منه، وقال الضحاك: ما تغيض السقط وما تزداد، ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما؛ وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر ومنهن من تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله وكل ذلك يعلمه الله.

وقال مجاهد: الغيض خروج الدم؛ والزيادة استمساكه؛ ومدة الحمل أكثرها عند قوم سنتان، وبه قالت عائشة وأبو حنيفة، وقيل أن الضحاك ولد لسنتين، وقيل أكثرها أربع سنين، وإليه ذهب الشافعي وقيل خمس سنين، وبه قال مالك وأقلها ستة أشهر، وقد يولد لهذه المدة ويعيش.

(وكل شيء) من الأشياء التي من جملتها الأشياء المذكورة (عنده) سبحانه (بمقدار) هو القدر الذي قدره الله وهو معنى قوله سبحانه (إنا كل شيء خلقناه بقدر) أي كل الأشياء عند الله سبحانه جارية على قدره الذي قد سبق وفرغ منه لا يخرج عن ذلك شيء، وهذا مذهب السلف، وقال الكرخي: هذه عندية علم، أي يعلم كيفية كل شيء وكميته على الوجه المفصل المبين.

ويحتمل أن يكون المراد بالعندية أنه تعالى خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، ويدخل في هذه الآية أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم وهي من أدل الدلائل على بطلان قول المعتزلة.

عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13)

9

عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ

[He is] Knower of the unseen and the witnessed, the Grand, the Exalted.

(عالم الغيب والشهادة) أي عالم كل غائب عن الحس وكل مشهود حاضر أو كل معدوم وموجود، وقال الضحاك: عالم السر والعلانية ولا مانع من حمل الكلام على ما هو أعم من ذلك (الكبير المتعال) أي العظيم الذي كل شيء دونه المتعالي عما يقوله المشركون أو المستعلى على كل شيء بقدرته وعظمته وقهره أو المتعالي عن الخلق باستوائه على عرشه ومباينته عن خلقه وهو الأولي.

ثم لما ذكر سبحانه أنه يعلم تلك المغيبات لا يغادر شيئاً منها بين أنه عالم بما يسرونه في أنفسهم وما يجهرون به لغيره تعالى وأن ذلك لا يتفاوت عنده فقال

10

سَوَآءٌۭ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ

It is the same [to Him] concerning you whether one conceals [his] speech or one publicizes it and whether one is hidden by night or conspicuous [among others] by day.

(سواء منكم من أسر القول ومن جهر به) فهو يعلم ما أسره الإنسان كعلمه بما جهر به من خير أو شر أي سواء ما أضمرته القلوب أو نطقت به الألسن، وسر من أسر، وجهر من جهر.

(ومن هو مستخف بالليل) أي مستتر في الظلمة الكائنة في الليل المتواري عن الأعين يقال خفى الشيء واستخفى أي استتر وتوارى (وسارب بالنهار).

قال الكسائي: سرب يسرب سراباً وسروباً إذا ذهب، وقال القتيبي: أي متصرف في حوائجه بسرعة من قولهم أسرب الماء.

قال الأصمعي: حل سربه أي طريقته، والسرب بالكسر النفس يقال هو واسع السرب أي رخى البال والسرب بفتحتين بيت في الأرض لا منفذ له وهو الوكر.

وقال الزجاج: معنى الآية الجاهر بنطقه والمضمر في نفسه، والظاهر في الطرقات والمستخفي في الظلمات، علم الله فيهم جميعاً سواء وهذا الصق بمعنى الآية كما تفيده المقابلة بين المستخفي والسارب، فالمستخفي المستتر، والسارب البارز الظاهر، ولنعم ما قاله بعضهم:

يا من ترى مدَّ البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل

وترى عروق نياطها في نحرها ... والمخ في ذاك العظام النحل

اغفر لعبد تاب من فرطاته ... ما كان منه في الزمان الأول

وقيل مستخف راكب رأسه في المعاصي، وسارب ظاهر بالنهار بالمعاصي.

وعن ابن عباس: قال هو صاحب ريبة مستخف بالليل، وإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم.

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.