Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) by Ibn Jarir al-Tabari

Ayahs 1–10 of 43

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

Alif, Lam, Meem, Ra. These are the verses of the Book; and what has been revealed to you from your Lord is the truth, but most of the people do not believe.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١) ﴾

قال أبو جعفر: قد بينا القول في تأويل قوله ﴿الر﴾

و ﴿المر﴾ ، ونظائرهما من حروف المعجم التي افتتح بها أوائل بعض سور القرآن، فيما مضى، بما فيه الكفاية من إعادتها انظر ما سلف ١: ٢٠٥ - ٢٢٤ / ٦: ١٤٩ / ١٢: ٢٩٣، ٢٩٤ / ١٥: ٩، ٢٢٥، ٥٤٩. غير أنا نذكر من الرواية ما جاء خاصًّا به كل سورة افتتح أولها بشيء منها.

فما جاء من الرواية في ذلك في هذه السورة عن ابن عباس من نقل أبي الضحى مسلم بن صبيح وسعيد بن جبير عنه، التفريقُ بين معنى ما ابتدئ به أولها، مع زيادة الميم التي فيها على سائر السور ذوات ﴿الر﴾ في المطبوعة والمخطوطة:" على سائر سور ذوات الراء"، والصواب ما أثبت. ومعنى ما ابتدئ به أخواتها السياق:" ... التفريق بين معنى ما ابتدئ به أولها ... ومعنى ما ابتدئ به أخواتها". مع نقصان ذلك منها عنها.

ذكر الرواية بذلك عنه:

٢٠٠٤٤- حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن، عن هشيم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿المر﴾ قال: أنا الله أرى.

٢٠٠٤٥- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: قوله: ﴿المر﴾ قال: أنا الله أرى.

٢٠٠٤٦- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا سفيان، عن مجاهد: ﴿المر﴾ : فواتح يفتتح بها كلامه.

* *

وقوله: ﴿تلك آيات الكتاب﴾ يقول تعالى ذكره: تلك التي قصصت عليك خبرَها، آيات الكتاب الذي أنزلته قبل هذا الكتاب الذي أنزلته إليك إلى من أنزلته إليه من رسلي قبلك.

* *

وقيل: عنى بذلك: التوراة والإنجيل.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٠٤٧- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿المر تلك آيات الكتاب﴾ الكتُب التي كانت قبل القرآن.

٢٠٠٤٨- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان، عن مجاهد: ﴿تلك آيات الكتاب﴾ قال: التوراة والإنجيل.

* *

وقوله: ﴿والذي أنزل إليك من ربك الحق﴾ [القرآن] ، الزيادة بين القوسين واجبة، يدل على وجوبها ما بعدها من الآثار. فاعمل بما فيه واعتصم به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٠٤٩- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا سفيان، عن مجاهد: ﴿والذي أنزل إليك من ربك الحق﴾ قال: القرآن.

٢٠٠٥٠- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿والذي أنزل إليك من ربك الحق﴾ : أي: هذا القرآن.

* *

وفي قوله: ﴿والذي أنزل إليك﴾ وجهان من الإعراب:

أحدهما: الرفع، على أنه كلام مبتدأ، فيكون مرفوعا بـ"الحق" و"الحق به". وعلى هذا الوجه تأويل مجاهد وقتادة الذي ذكرنا قبل عنهما.

* *

والآخر: الخفض على العطف به على ﴿الكتاب﴾ ، فيكون معنى الكلام حينئذ: تلك آياتُ التوراة والإنجيل والقرآن. ثم يبتدئ ﴿الحق﴾ بمعنى: ذلك الحق = فيكون رفعه بمضمر من الكلام قد استغنى بدلالة الظاهر عليه منه.

* *

ولو قيل: معنى ذلك: تلك آيات الكتاب الذي أنزل إليك من ربك الحق = وإنما أدخلت الواو في"والذي"، وهو نعت للكتاب، كما أدخلها الشاعر في قوله:

إلَى المَلِكِ القَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثَ الكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَمْ مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ٣: ٣٥٢، ٣٥٣، وقوله:" ليث"، منصوب على المدح، كما بينه الطبري هناك.

فعطف بـ"الواو"، وذلك كله من صفة واحد=، كان مذهبًا من التأويل. السياق:" ولو قيل: معنى ذلك ... كان مذهبًا من التأويل".

ولكن ذلك إذا تُؤُوِّل كذلك فالصواب من القراءة في ﴿الحق﴾ الخفض، على أنه نعت لـ ﴿الذي﴾ .

* *

وقوله: ﴿ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾ ولكن أكثر الناس من مشركي قومك لا يصدقون بالحقّ الذي أنزل إليك من ربك، [[في …

2

ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ

It is Allah who erected the heavens without pillars that you [can] see; then He established Himself above the Throne and made subject the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. He arranges [each] matter; He details the signs that you may, of the meeting with your Lord, be certain.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الله، يا محمد، هو الذي رفع السموات السبع بغير عَمَد ترونها، فجعلها للأرض سقْفًا مسموكًا.

* *

و"العَمَد" جمع"عمود"، وهي السَّواري، وما يعمد به البناء، كما قال النابغة:

وَخَيِّسِ الجِنَّ إنِّي قَدْ أذِنْتُ لَهُمْ ... يَبْنُون تَدْمُرَ بِالصُّفَّاحِ وَالعَمَدِ [[ديوانه: ٢٩، ومجاز القرآن ١: ٣٢٠، وشمس العلوم لنشوان الحميري: ٣٧، وغيرها كثير، من قصيدته المشهورة التي اعتذر فيها للنعمان، لما قذفوه بأمر المتجردة، يقول قبله: ولاَ أَرَى فَاعلاً فِي النَّاسِ يُشْبِهُهُ ... ولاَ أُحَاشِي مِنَ الأقْوامِ مِنْ أَحَدِ

إلاَّ سُلَيْمَانَ إذْ قَالَ الإلهُ لَهُ ... قُمْ فِي البَرِيَّةِ فَاحْدُدْهَا عن الفَنَدِ

وقوله:" وخيس الجن"، أي: ذللها ورضها. و" الصفاح"، حجارة رقاق عراض صلاب.

و" تدمر" مدينة بالشام. قال نشوان الحميري في شمس العلوم:" مدينة الشأم مبنية بعظام الصخر، فيها بناء عجيب، سميت بتدمر الملكة العمليقية بنت حسان بن أذينة، لأنها أول من بناها. ثم سكنها سليمان بن داود عليه السلام بعد ذلك. فبنت له فيها الجن بناء عظيمًا، فنسبت اليهود والعرب بناءها إلى الجن، لما استعظموه".

وهذا نص جيد من أخبارهم وقصصهم في الجاهلية.]] وجمع"العمود:""عَمَد،"كما جمع الأديم:"أدَم"، ولو جمع بالضم فقيل:"عُمُد"جاز، كما يجمع"الرسول""رسل"، و"الشَّكور""شكر".

* *

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿رفع السموات بغير عمد ترونها﴾ .

فقال بعضهم: تأويل ذلك: الله الذي رفع السموات بعَمَدٍ لا ترونها.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٠٥١- حدثنا أحمد بن هشام قال: حدثنا معاذ بن معاذ قال: حدثنا عمران بن حدير، عن عكرمة قال: قلت لابن عباس: إن فلانًا يقول: إنها على عمد = يعنى السماء؟ قال: فقال: اقرأها ﴿بغير عمَدٍ ترونها﴾ : أي لا ترونها.

٢٠٠٥٢- حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح قال: حدثنا معاذ بن معاذ، عن عمران بن حدير، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله.

٢٠٠٥٣- حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا عفان قال: حدثنا حماد قال: حدثنا حميد، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهد في قوله: ﴿بغير عمد ترونها﴾ ، قال: بعمد لا ترونها.

٢٠٠٥٤- حدثني المثنى قال: حدثنا الحجاج قال: حدثنا حماد، عن حميد، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهد، في قول الله: ﴿بغير عمد ترونها﴾ قال: هي لا ترونها الأثران: ٢٠٠٥٣، ٢٠٠٥٤ -" الحسن بن مسلم بن يناق المكي"، ثقة، وله أحاديث مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ٣٠٤، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٣٦. .

٢٠٠٥٥- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿بغير عمد﴾ يقول: عمد [لا ترونها] . ما بين القوسين زيادة لا بد منها، وليست في المخطوطة.

٢٠٠٥٦- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٢٠٠٥٧-...... قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن وقتادة قوله: ﴿الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها﴾ قال قتادة: قال ابن عباس: بعَمَدٍ ولكن لا ترونها.

٢٠٠٥٨- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قوله: ﴿رفع السموات بغير عمد ترونها﴾ قال: ما يدريك؟ لعلها بعمد لا ترونها.

* *

ومن تأوَّل ذلك كذلك، قصد مذهب تقديم العرب الجحدَ من آخر الكلام إلى أوله، كقول الشاعر هو ابن هرمة.

وَلا أرَاهَا تَزَالُ ظَالِمَةً ... تُحْدِثُ لِي نَكْبَةً وتَنْكَؤُهَا [[شرح شواهد المغني ٢٧٧، ٢٧٩ من تسعة أبيات، ومعاني القرآن للفراء …

3

وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَٰرًۭا ۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

And it is He who spread the earth and placed therein firmly set mountains and rivers; and from all of the fruits He made therein two mates; He causes the night to cover the day. Indeed in that are signs for a people who give thought.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله الذي مَدَّ الأرض، فبسطها طولا وعرضًا.

* *

وقوله: ﴿وجعل فيها رواسي﴾ يقول جل ثناؤه: وجعل في الأرض جبالا ثابتة.

* *

و"الرواسي:"جمع"راسية"، وهي الثابتة، يقال منه:"أرسيت الوتد في الأرض": إذا أثبته، انظر تفسير" الإرساء" فيما سلف ١٣: ٢٩٣. كما قال الشاعر: هو الأحوص.

بهِ خَالِدَاتٌ مَا يَرِمْنَ وهَامِدٌ ... وَأشْعَثُ أرْسَتْهُ الوَلِيدَةُ بِالفِهْرِ مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٣٢١، واللسان (رسا) ، وروايته" سوى خالدات" و" ترسيه الوليدة". و" الخالدات"، و" الخوالد" صخور الأثافي، سميت بذلك لطول بقائها بعد دروس أطلال الديار.: ما يرمن"، ما يبرحن مكانهن، من" رام المكان يريمه"، إذا فارقه. و" الهامد" الرماد المتلبد بعضه على بعض. و" الأشعث"، الوتد، لأنه يدق رأسه فيتشعث ويتفرق، و" الوليدة": الجارية، و" الفهر" حجر ملء الكف، يدق به.

يعني: أثبتته.

* *

وقوله: ﴿وأنهارًا﴾ يقول: وجعل في الأرض أنهارًا من ماء.

* *

وقوله: ﴿ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين فـ (من﴾ في قوله ﴿ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين﴾ من صلة ﴿جعل﴾ الثاني لا الأول.

* *

ومعنى الكلام: وجعل فيها زوجين اثنين من كل الثمرات. وعنى بـ ﴿زوجين اثنين﴾ : من كل ذكر اثنان، ومن كل أنثى اثنان، فذلك أربعة، من الذكور اثنان، ومن الإناث اثنتان في قول بعضهم.

* *

وقد بينا فيما مضى أن العرب تسمي الاثنين: ﴿زوجين﴾ ، والواحد من الذكور"زوجًا" لأنثاه، وكذلك الأنثى الواحدة"زوجًا" و"زوجة" لذكرها، بما أغمى عن إعادته في هذا الموضع. انظر تفسير" الزوج" فيما سلف ١: ٣٩٧، ٥١٤ / ٧: ٥١٥ / ١٢: ١٨٤ / ١٥: ٣٢٢ - ٣٢٤.

ويزيد ذلك إيضاحًا قول الله عز وجل: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى﴾ [سورة النجم: ٤٥] فسمى الاثنين الذكر والأنثى ﴿زوجين﴾ .

وإنما عنى بقوله: ﴿زوجين اثنين﴾ ، في المخطوطة والمطبوعة:" من كل زوجين اثنين"، وهم الناسخ، فزاد في الكلام ما ليس منه هنا، وإنما ذلك من قوله تعالى في آية أخرى. فحذفت" من كل"، ليبقى نص الآية التي يفسرها هنا. نوعين وضربين.

* *

وقوله: ﴿يغشى الليل النهار﴾ ، يقول: يجلِّل الليلُ النهارَ فيلبسه ظلمته، والنهارُ الليلَ بضيائه، انظر تفسير" الإغشاء" فيما سلف ١٢: ٤٨٣ / ١٥: ٧٥. كما:-

٢٠٠٦٦- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يغشي الليل النهار﴾ أي: يلبس الليل النهار.

* *

وقوله: ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ ، يقول تعالى ذكره: إن فيما وصفت وذكرت من عجائب خلق الله وعظيم قدرته التي خلق بها هذه الأشياء، لَدلالات وحججًا وعظات، لقوم يتفكرون فيها، فيستدلون ويعتبرون بها، فيعلمون أن العبادة لا تصلح ولا تجوز إلا لمن خلقها ودبَّرها دون غيره من الآلهة والأصنام التي لا تقدر على ضر ولا نفع ولا لشيء غيرها، إلا لمن أنشأ ذلك فأحدثه من غير شيء تبارك وتعالى= وأن القدرة التي أبدع بها ذلك، هي القدرة التي لا يتعذَّر عليه إحياء من هلك من خلقه، وإعادة ما فني منه وابتداع ما شاء ابتداعَه = بها. السياق:" وهي القدرة التي لا يتعذر عليه ... بها".

4

وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَٰوِرَٰتٌۭ وَجَنَّٰتٌۭ مِّنْ أَعْنَٰبٍۢ وَزَرْعٌۭ وَنَخِيلٌۭ صِنْوَانٌۭ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

And within the land are neighboring plots and gardens of grapevines and crops and palm trees, [growing] several from a root or otherwise, watered with one water; but We make some of them exceed others in [quality of] fruit. Indeed in that are signs for a people who reason.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ ، وفي الأرض قطع منها متقاربات متدانيات، يقرب بعضها من بعض بالجوار، وتختلف بالتفاضل مع تجاورها وقرب بعضها من بعض، فمنها قِطْعة سَبَخَةٌ لا تنبت شيئًا في جوار قطعة طيبة تنبت وتنفع.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٠٦٧- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ قال: السَّبَخة والعَذِيَة، " السبخة" (بفتح السين والباء، وبفتح السين وكسر الباء) : هي الأرض المالحة، ذات الملح والنز، ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. و" العذية" (بفتح العين وسكون الذال، وفتح الياء بغير تشديد) ، و" العذاة" أيضًا: وهي الأرض التربة، الكريمة المنبت، التي ليست بسبخة، ولا تكون ذات وخامة ولا وباء. والمالح والطيب.

٢٠٠٦٨- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قوله: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ قال: سِبَاخٌ وعَذَويّة.

٢٠٠٦٩- حدثني المثنى قال: ثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، مثله.

٢٠٠٧٠- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا سعيد بن سليمان قال: حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن ابن عباس في قوله: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ قال: العَذِيَة والسَّبخة.

٢٠٠٧١- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ يعني: الأرض السبخة، والأرض العذية، يكونان جميعًا متجاورات، يُفضِّل بعضها على بعض في الأكُل. في المخطوطة والمطبوعة، ذكر بعد هذا الخبر التالي رقم: ٢٠٠٧٢، مبتور الآخر، ثم عاد فروى هذا الخبر (رقم: ٢٠٠٧١) بنصه وإسناده، ثم اتبعه الخبر رقم: ٢٠٠٧٢، فحذفت ما بين ذلك، لأنه تكرار لا شك فيه، وسهو من ناسخ الكتاب.

٢٠٠٧٢- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ﴿قطع متجاورات﴾ العذية والسبخة، متجاورات جميعًا، تنبت هذه، وهذه إلى جنبها لا تُنْبِت.

٢٠٠٧٣- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿قطع متجاورات﴾ طيِّبها: عذبُها، وخبيثها: السَّباخ.

٢٠٠٧٤- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

٢٠٠٧٥-...... قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٢٠٠٧٦- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ قُرًى قَرُبت متجاورات بعضها من بعض.

٢٠٠٧٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات﴾ قال: قُرًى متجاورات.

٢٠٠٧٨- حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا هشيم، عن أبي إسحاق الكوفي، عن الضحاك، في قوله: ﴿قطع متجاورات﴾ قال: الأرض السبخة، في المطبوعة:" الأرض السبخة بينها الأرض العذية"، لم يحسن قراءة المخطوطة، لأنها غير منقوطة. تليها الأرض العَذِية. الأثر: ٢٠٠٧٨ -" أبو إسحاق الكوفي"،" عبد الله بن ميسرة الحارثي"، كنيته" أبو ليلى"، وكناه هشيم:" أبا إسحاق" تارة و" أبا عبد الجليل" تارة أخرى، كأنه يدلس بكنيته وهو ضعيف، مضى برقم: ٦٩٢٠، ٩٢٥٠، ١٣٤٨٩.

٢٠٠٧٩- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وفي الأرض قطع متجاورات) يعني الأرض السَّبِخة والأرض العَذِيَة، متجاورات بعضها عند بعض. …

5

۞ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌۭ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْأَغْلَٰلُ فِىٓ أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And if you are astonished, [O Muhammad] - then astonishing is their saying, "When we are dust, will we indeed be [brought] into a new creation?" Those are the ones who have disbelieved in their Lord, and those will have shackles upon their necks, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿وإن تعجب﴾ يا محمد، من هؤلاء المشركين المتَّخذين ما لا يضرُّ ولا ينفع آلهةً يعبدونها من دوني= فعجب قولهم ﴿أئذا كنا ترابا﴾ وبَلِينا فعُدِمنا= ﴿أئنا لفي خلق جديد﴾ إنا لمجدَّدٌ إنشاؤنا وإعادتنا خلقًا جديدًا كما كنا قبل وفاتنا!! = تكذيبًا منهم بقدرة الله، وجحودًا للثواب والعقاب والبعث بعد الممات، كما:-

٢٠١٢٨- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وإن تعجب فعجب﴾ إن عجبت يا محمد، = ﴿فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد﴾ ، عجب الرحمن تبارك وتعالى من تكذيبهم بالبعث بعد الموت.

٢٠١٢٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وإن تعجب فعجب قولهم﴾ قال: إن تعجب من تكذيبهم، وهم قد رأوا من قدرة الله وأمره وما ضرب لهم من الأمثال، فأراهم من حياة الموتى في الأرض الميتة، إن تعجب من هذه فتعجَّب من قولهم: ﴿أئذا كنا ترابًا أئنا لفي خلق جديد﴾ ، أو لا يرون أنا خلقناهم من نطفة؟ فالخلق من نطفة أشدُّ أم الخلق من ترابٍ وعظام؟ الأثر: ٢٠١٢٩ - في المطبوعة وحدها مكان" ابن وهب":" إبراهيم"، لا أدري من أين جاء بهذا؟ وهو إسناد دائر في التفسير. .

* *

واختَلَف في وَجْه تكرير الاستفهام في قوله: ﴿أئنا لفي خلق جديد﴾ ، بعد الاستفهام الأول في قوله: ﴿أئذا كنا ترابا﴾ ، أهلُ العربية. " أهل العربية"، فاعل قوله آنفًا:" واختلف ... ".

فقال بعض نحويي البصرة: الأوّل ظرف، والآخر هو الذي وقع عليه الاستفهام، كما تقول: أيوم الجمعة زيدٌ منطلق؟ قال: ومن أوقع استفهامًا آخر على قوله: ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ ، في المطبوعة والمخطوطة:" أئذا متنا وكنا ترابًا"، وأثبت نص الآية التي في هذه السورة. جعله ظرفًا لشيء مذكور قبله، كأنهم قيل لهم:"تبعثون"، فقالوا: ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ ؟ ثم جعل هذا استفهامًا آخر. قال: وهذا بعيدٌ. قال: وإن شئت لم تجعل في قولك: ﴿أئذا﴾ استفهامًا، وجعلت الاستفهام في اللفظ على ﴿أئنا﴾ ، كأنك قلت: أيوم الجمعة أعبد الله منطلق؟ وأضمرت نفيه. في المطبوعة والمخطوطة:" وأضمر نفيه"، والأجود ما أثبت. ويعني بقوله:" نفيه" أي إلغاءه وإسقاطه. فهذا موضعُ ما ابتدأت فيه بـ ﴿أئذا﴾ ، في المطبوعة:" قد ابتدأت فيه أئذا"، وفي المخطوطة:" قد ابتدأت فيه بأئذا"، ولكنه خلط كتابة" بأئذا"، ورأيت أن الصواب أن تكون مكان" قد"" ما". وفي المخطوطة والمطبوعة بعد هذا" بكبير في الكلام"، وهذا أجود. وليس بكثير في الكلام لو قلت:"اليوم إنّ عبد الله منطلق"، في المطبوعة وحدها:" اليوم أإن" بهمزة الاستفهام، زاد ما ليس في المخطوطة وأساء غاية الإساءة. لم يحسن، وهو جائز، وقد قالت العرب:"ما علمت إنَّه لصالح، تريد: إنه لصالح ما علمت. [[أشار أبو جعفر فيما سلف ٧: ٢٦٠، إلى أنه سيأتي على الصواب من القول في ترك إعادة الاستفهام ثانية، وأن الاستفهام في أول الكلام دال على موضعه ومكانه. وهذا هو الموضع الذي أشار إليه، فيما أرجح، فراجع ما سلف ٧: ٢٥٩، ٢٦٠.

* *

حاشية مهمة: كلام أبي جعفر في هذا الموضع يحتاج إلى بيان، فإنه قد أغمض القول فيه إغماضًا مخلًا، حتى ألجأ ناشر النسخة الأولى أن يصحح ما صحح، ويغير ما غير، لغموض ما كتب أبو جعفر ههنا، ولذلك فارقت ما لزمته قبل، من ترك التعليق على ما في التفسير من أبواب النحو. وأنا أخشى أن يكون سقط من الكلام شيء.

وكلام أبي جعفر في هذه الفقرة، أراد به بيان تكرير الاستفهام، كما ذكر في ترجمة اختلاف أهل العربية، ولكنه أضمر الكلام إضمارًا هذا بيانه …

6

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَٰتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

They impatiently urge you to bring about evil before good, while there has already occurred before them similar punishments [to what they demand]. And indeed, your Lord is full of forgiveness for the people despite their wrongdoing, and indeed, your Lord is severe in penalty.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿ويستعجلونك﴾ يا محمد، انظر تفسير" الاستعجال" فيما سلف ١٥، ٣٣، ١٠١. مشركو قومك بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية، فيقولون: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة الأنفال: ٣٢] وهم يعلمون ما حَلَّ بمن خلا قبلهم من الأمم التي عصت ربها وكذبت رسلها من عقوبات الله وعظيم بلائه، انظر تفسير" خلا" فيما سلف ١٢: ٤١٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك. فمن بين أمة مسخت قردة وأخرى خنازير، ومن بين أمّة أهلكت بالرَّجْفة، وأخرى بالخسف، وذلك هو ﴿المثلات﴾ التي قال الله جل ثناؤه. ﴿وقد خلت من قبلهم المثلات﴾ .

و ﴿المثلات﴾ ، العقوبات المنكِّلات، والواحدة منها:"مَثُلة" بفتح الميم وضم الثاء، ثم تجمع"مَثُلات"، كما واحدة"الصَّدُقَات""صَدُقَة"، ثم تجمع"صَدُقَات". الصدقة"، مهر المرأة، وقد مضى آنفًا في سورة النساء، آية: ٤ في ٧: ٥٥٢، ولم يشرحها كل الشرح هناك. وذكر أن تميمًا من بين العرب تضم الميم والثاء جميعًا من"المُثُلات"، فالواحدة على لغتهم منها:"مُثْلة"، ثم تجمع "مُثُلات"، مثل"غُرْفة"وغُرُفات، والفعل منه:"مَثَلْت به أمْثُلُ مَثْلا" بفتح الميم وتسكين الثاء، فإذا أردت أنك أقصصته من غيره، قلت:"أمثلته من صاحبه أُمْثِلُه إمْثالا وذلك إذا أقصصته منه.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٠١٣٠- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وقد خلت من قبلهم المثلات﴾ ، وقائع الله في الأمم فيمن خلا قبلكم= وقوله: ﴿ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة﴾ ، وهم مشركو العرب استعجلوا بالشرّ قبل الخير، وقالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ، [سورة الأنفال:٣٢] .

٢٠١٣١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة﴾ قال: بالعقوبة قبل العافية= ﴿وقد خلت من قبلهم المثلات﴾ قال: العقوبات.

٢٠١٣٢- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿المثلات﴾ قال: الأمْثَال.

٢٠١٣٣- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد=

٢٠١٣٤- وحدثني المثنى: قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٢٠١٣٥- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وقد خلت من قبلهم المثلات﴾ قال: ﴿المثلات﴾ ، الذي مَثَل الله به الأممَ من العذاب الذي عذَّبهم، في المطبوعة:" مثل الله في الأمم"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب. تولَّت المثلات من العذاب، قد خلت من قبلهم، وعرفوا ذلك، وانتهى إليهم ما مَثَلَ الله بهم حين عصَوه وعَصوا رُسُله.

٢٠١٣٦- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا سليم قال: سمعت الشعبي يقول في قوله: ﴿وقد خلت من قبلهم المثلاث﴾ ، قال: القردة والخنازير هي المثلات.

* *

وقوله: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾ ، يقول تعالى ذكره: وإن ربك يا محمد لذو سترٍ على ذنوب من تاب من ذنوبه من الناس، فتاركٌ فضيحته بها في موقف القيامة، وصافحٌ له عن عقابه عليها عاجلا وآجلا= ﴿على ظلمهم﴾ ، يقول: على فعلهم ما فعلوا من ذلك بغير إذني لهم بفعله في المطبوعة:" بغير إذن"، وأثبت ما في المخطوطة. ﴿وإن ربك لشديد العقاب﴾ ، لمن هلك مُصِرًّا على …

7

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" You are only a warner, and for every people is a guide.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿ويقول الذين كفروا﴾ يا محمد، من قومك= ﴿لولا أنزل عليه آية من ربه﴾ هلا أنزل على محمد آية من ربه؟ انظر تفسير" لولا" فيما سلف ١٥: ٢٠٥، تعليق (١) : والمراجع هناك ثم ١٥: ٢١٠. يعنون علامةً وحجةً له على نبوّته انظر تفسير الآية" فيما سلف من فهارس اللغة (أبى) . وذلك قولهم: ﴿لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ كَنز أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [سورة هود: ١٢] يقول الله له: يا محمد ﴿إنما أنت منذر﴾ لهم، تنذرهم بأسَ الله أن يحلّ بهم على شركهم انظر تفسير" الإنذار" فيما سلف من فهارس اللغة نذر. . ﴿ولكل قوم هاد﴾ . يقول ولكل قوم إمام يأتمُّون به وهادٍ يتقدمهم، فيهديهم إما إلى خيرٍ وإما إلى شرٍّ.

* *

وأصله من"هادي الفرس"، وهو عنقه الذي يهدي سائر جسده. انظر تفسير" الهادي" فيما سلف ٢: ٢٩٣.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في المعنيِّ بالهادي في هذا الموضع.

فقال بعضهم: هو رسول الله ﷺ.

ذكر من قال ذلك:

٢٠١٣٨- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه﴾ هذا قول مشركي العرب قال الله: ﴿إنما أنت منذر ولكلّ قوم هاد﴾ لكل قوم داعٍ يدعوهم إلى الله.

٢٠١٣٩- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع. عن سفيان. عن السدي.

عن عكرمة= ومنصور، عن أبي الضحى: ﴿إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ قالا محمد هو"المنذر" وهو"الهاد".

٢٠١٤٠- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان، عن السدي، عن عكرمة، مثله.

٢٠١٤١- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، مثله.

* *

وقال آخرون: عنى بـ"الهادي" في هذا الموضع: الله.

ذكر من قال ذلك:

٢٠١٤٢- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: ﴿إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ قال: محمد"المنذر"، والله"الهادي". الأثر: ٢٠١٤٢ - سقط آخر الخبر من المخطوطة، وقف عند قوله:" هاد"، وكأنه أتمه من الذي يليه.

٢٠١٤٣- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: ﴿وإنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ قال محمد"المنذر"، والله"الهادي".

٢٠١٤٤- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: ﴿إنما أنت منذر﴾ قال: أنت يا محمد منذر، والله"الهادي".

٢٠١٤٥- حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد في قوله: ﴿إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ ، قال:"المنذر"، النبي ﷺ= ﴿ولكل قوم هاد﴾ قال: الله هادي كل قوم.

٢٠١٤٦- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ يقول: أنت يا محمد منذر، وأنا هادي كل قوم.

٢٠١٤٧- حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول: ﴿إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ ،"المنذر": محمد ﷺ، و"الهادي": الله عز وجل.

* *

وقال آخرون:"الهادي" في هذا الموضع معناه نبيٌّ.

ذكر من قال ذلك:

٢٠١٤٨- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد قال:"المنذر" محمد ﷺ. ﴿ولكل قوم هاد﴾ قال: نبيٌّ.

٢٠١٤٩- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿إنما أنت منذر ولكل قوم هاد﴾ قال: نبيٌّ.

٢٠١٥٠-............ قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد، مثله.

٢٠١٥١- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا أسباط بن محمد، عن عبد الملك، عن …

8

ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ

Allah knows what every female carries and what the wombs lose [prematurely] or exceed. And everything with Him is by due measure.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿وإن تعجب فعجبٌ قولهم أئذا كنا ترابًا أئنا لفي خلق جديد﴾ منكرين قدرة الله على إعادتهم خلقًا جديدًا بعد فنائهم وبلائهم، ولا ينكرون قدرته على ابتدائهم وتصويرهم في الأرحام، وتدبيرهم وتصريفهم فيها حالا بعد حال= فابتدأ الخبر عن ذلك ابتداءً، والمعنى فيه ما وصفت، في المطبوعة والمخطوطة:" ما وصف"، والصواب ما أثبت. فقال جل ثناؤه: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ ، يقول: وما تنقص الأرحام من حملها في الأشهر التسعة بإرسالها دم الحيض انظر تفسير" الغيض" فيما سلف ١٥: ٣٣٤، وما بعدها. ﴿وما تزداد﴾ في حملها على الأشهر التسعة لتمام ما نقص من الحمل في الأشهر التسعة بإرسالها دم الحيض= ﴿وكل شي عنده بمقدار﴾ لا يجاوز شيء من قَدَره عن تقديره، ولا يقصر أمر أراده فَدَبَره عن تدبيره، كما لا يزداد حمل أنثى على ما قُدِّرَ له من الحمل، ولا يُقصِّر عما حُدّ له من القدر.

* *

و"المقدار"، مِفْعال من"القدر".

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٠١٦٣- حدثني يعقوب بن ماهان قال: حدثنا القاسم بن مالك، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام﴾ ، قال: ما رأت المرأة من يوم دمًا على حملها زاد في الحمل يومًا. [[الأثر: ٢٠١٦٣ -" يعقوب بن ماهان البغدادي"، ثقة، مضى برقم: ٤٩٠١، ١٠٣٣٩، ١٩٩٠٨.

و" القاسم بن مالك المزني"، ثقة من شيوخ أحمد، مضى برقم: ١٠٣٣٩.]]

٢٠١٦٤- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام﴾ ، يعني السِّقْط= ﴿وما تزداد﴾ ، يقول: ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تمامًا. وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص. فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله، وكل ذلك بعلمه.

٢٠١٦٥- حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال: حدثنا عبد السلام قال: حدثنا خصيف، عن مجاهد أو سعيد بن جبير في قول الله: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ قال: غَيْضُها، دون التسعة= والزيادة فوق التسعة.

٢٠١٦٦- حدثني يعقوب قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد، أنه قال:"الغيض"، ما رأت الحامل من الدم في حملها فهو نقصان من الولد، و"الزيادة" ما زاد على التسعة أشهر، فهو تمام للنقصان وهو زيادة.

٢٠١٦٧- حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الصمد قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، في قوله: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ قال: ما ترى من الدم، وما تزداد على تسعة أشهر.

٢٠١٦٨- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، أنه قال: ﴿يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ ، قال: ما زاد على التسعة الأشهر= ﴿وما تغيض الأرحام﴾ ، قال: الدم تراه المرأة في حملها.

٢٠١٦٩- حدثني المثنى حدثنا عمرو بن عون، والحجاج بن المنهال قالا حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن مجاهد، في قوله: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ قال: الغيض: الحامل ترى الدم في حملها فهو"الغيض"، وهو نقصانٌ من الولد. وما زاد على تسعة أشهر فهو تمام لذلك النقصان، وهي الزيادة.

٢٠١٧٠- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا عبد السلام، عن خصيف، عن مجاهد: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ قال: إذا رأت دون التسعة، زاد على التسعة مثل أيام الحيض.

٢٠١٧١- حدثنا أحمد قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ قال: خروج الدم= ﴿وما تزداد﴾ قال: استمساك الدم.

٢٠١٧٢- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو …

9

عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ

[He is] Knower of the unseen and the witnessed, the Grand, the Exalted.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله عالم ما غاب عنكم وعن أبصاركم فلم تروه، وما شاهدتموه، فعاينتم بأبصاركم، لا يخفى عليه شيء، لأنهم خلقه انظر تفسير" الغيب والشهادة" فيما سلف ١١: ٤٦٤، ٤٦٥. وتدبيره="الكبير الذي كل شيء دونه"، انظر تفسير" الكبير" فيما سلف ٨: ٣١٨. ="المتعال" المستعلي على كل شيء بقدرته.

= وهو"المتفاعل" من"العلو" مثل"المتقارب" من القرب و"المتداني" من الدنوّ. وانظر تفسير" التعالي" فيما سلف ١٥: ٤٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: معتدلٌ عند الله منكم، انظر تفسير" سواء" فيما سلف من فهارس اللغة (سوى) . أيها الناس، الذي أسر القول، انظر تفسير" الإسرار" فيما سلف ص: ١٩٨، تعليق: ١، والمراجع هناك. والذي جهر به، انظر تفسير" الجهر" فيما سلف ٩: ٣٤٣ - ٣٤٩، ٣٥٨ /١١: ٣٦٨ / ١٣: ٣٥٣، تعليق: ٤، والمراجع هناك. والذي هو مستخفٍ بالليل في ظلمته بمعصية الله="وسارب بالنهار"، يقول: وظاهر بالنهار في ضوئه، لا يخفى عليه شيء من ذلك. سواء عنده سِرُّ خلقه وعلانيتهم، لأنه لا يستسرّ عنده شيء ولا يخفى.

* *

يقال منه:"سَرَبَ يَسْرَبُ سُرُوبًا" إذا ظهر، كما قال قيس بن الخطيم:

أَنَّى سَرَيْتِ وَكُنْتِ غَيْرَ سَرُوبِ ... وَتُقَرِّبُ الأحْلامُ غَيْر قَرِيب ديوانه: ٥، واللسان (سرب) وغيرها كثير. ويروى" سربت" بالباء الموحدة أيضًا وقوله:" غير سروب"، أي: غير مبعدة في مذهبك، أو كما قال أبو جعفر في تفسيره بعد.

يقول: كيف سريت بالليل [على] بُعْد هذا الطريق، الزيادة بين القوسين لا بد منها لتصحيح معنى الكلام. ولم تكوني تبرُزين وتظهرين؟

وكان بعضهم يقول: هو السَّالك في سَرْبه: أي في مذهبه ومكانه. أرجح أنه يعني أبا عبيدة في مجاز القرآن ١: ٣٢٣، ولكن لفظه:" سالك في سربه، أي مذاهبه ووجوهه"، وهو أجود مما في التفسير، وأخشى أن يكون من تحريف الناسخ أو سهوه.

واختلف أهل العلم بكلام العرب في"السّرب".

فقال بعضهم:"هو آمن في سَرْبه"، بفتح السين.

وقال بعضهم:"هو آمن في سِرْبه" بكسر السين.

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٢٠٢- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخفٍ بالليل وسارب بالنهار﴾ ، يقول: هو صاحبُ ريبة مستخف بالليل. وإذا خرج بالنهار أرَى الناس أنه بريء من الإثم.

٢٠٢٠٣- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ﴿وسارب بالنهار﴾ ، ظاهر.

٢٠٢٠٤- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن أبي رجاء، في قوله: (سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخفٍ بالليل وساربٌ بالنهار) قال: إن الله أعلم بهم، سواء من اسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار.

٢٠٢٠٥- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا علي بن عاصم، عن عوف، عن أبي رجاء: ﴿سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار﴾ قال: من هو مستخف في بيته= ﴿وسارب بالنهار﴾ ، ذاهب على وجهه. علمه فيهم واحدٌ.

٢٠٢٠٦- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به﴾ ، يقول: السر والجهر عنده سواء= ﴿ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار﴾ أما"المستخفي" ففي بيته، وأما"السارب": الخارج بالنهار حيثما كان. المستخفي غَيْبَه الذي يغيب فيه والخارجُ، عنده سواء.

٢٠٢٠٧- ... قال: حدثنا الحماني …

10

سَوَآءٌۭ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ

It is the same [to Him] concerning you whether one conceals [his] speech or one publicizes it and whether one is hidden by night or conspicuous [among others] by day.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله عالم ما غاب عنكم وعن أبصاركم فلم تروه، وما شاهدتموه، فعاينتم بأبصاركم، لا يخفى عليه شيء، لأنهم خلقه انظر تفسير" الغيب والشهادة" فيما سلف ١١: ٤٦٤، ٤٦٥. وتدبيره="الكبير الذي كل شيء دونه"، انظر تفسير" الكبير" فيما سلف ٨: ٣١٨. ="المتعال" المستعلي على كل شيء بقدرته.

= وهو"المتفاعل" من"العلو" مثل"المتقارب" من القرب و"المتداني" من الدنوّ. وانظر تفسير" التعالي" فيما سلف ١٥: ٤٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: معتدلٌ عند الله منكم، انظر تفسير" سواء" فيما سلف من فهارس اللغة (سوى) . أيها الناس، الذي أسر القول، انظر تفسير" الإسرار" فيما سلف ص: ١٩٨، تعليق: ١، والمراجع هناك. والذي جهر به، انظر تفسير" الجهر" فيما سلف ٩: ٣٤٣ - ٣٤٩، ٣٥٨ /١١: ٣٦٨ / ١٣: ٣٥٣، تعليق: ٤، والمراجع هناك. والذي هو مستخفٍ بالليل في ظلمته بمعصية الله="وسارب بالنهار"، يقول: وظاهر بالنهار في ضوئه، لا يخفى عليه شيء من ذلك. سواء عنده سِرُّ خلقه وعلانيتهم، لأنه لا يستسرّ عنده شيء ولا يخفى.

* *

يقال منه:"سَرَبَ يَسْرَبُ سُرُوبًا" إذا ظهر، كما قال قيس بن الخطيم:

أَنَّى سَرَيْتِ وَكُنْتِ غَيْرَ سَرُوبِ ... وَتُقَرِّبُ الأحْلامُ غَيْر قَرِيب ديوانه: ٥، واللسان (سرب) وغيرها كثير. ويروى" سربت" بالباء الموحدة أيضًا وقوله:" غير سروب"، أي: غير مبعدة في مذهبك، أو كما قال أبو جعفر في تفسيره بعد.

يقول: كيف سريت بالليل [على] بُعْد هذا الطريق، الزيادة بين القوسين لا بد منها لتصحيح معنى الكلام. ولم تكوني تبرُزين وتظهرين؟

وكان بعضهم يقول: هو السَّالك في سَرْبه: أي في مذهبه ومكانه. أرجح أنه يعني أبا عبيدة في مجاز القرآن ١: ٣٢٣، ولكن لفظه:" سالك في سربه، أي مذاهبه ووجوهه"، وهو أجود مما في التفسير، وأخشى أن يكون من تحريف الناسخ أو سهوه.

واختلف أهل العلم بكلام العرب في"السّرب".

فقال بعضهم:"هو آمن في سَرْبه"، بفتح السين.

وقال بعضهم:"هو آمن في سِرْبه" بكسر السين.

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٢٠٢- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخفٍ بالليل وسارب بالنهار﴾ ، يقول: هو صاحبُ ريبة مستخف بالليل. وإذا خرج بالنهار أرَى الناس أنه بريء من الإثم.

٢٠٢٠٣- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ﴿وسارب بالنهار﴾ ، ظاهر.

٢٠٢٠٤- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن أبي رجاء، في قوله: (سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخفٍ بالليل وساربٌ بالنهار) قال: إن الله أعلم بهم، سواء من اسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار.

٢٠٢٠٥- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا علي بن عاصم، عن عوف، عن أبي رجاء: ﴿سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار﴾ قال: من هو مستخف في بيته= ﴿وسارب بالنهار﴾ ، ذاهب على وجهه. علمه فيهم واحدٌ.

٢٠٢٠٦- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به﴾ ، يقول: السر والجهر عنده سواء= ﴿ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار﴾ أما"المستخفي" ففي بيته، وأما"السارب": الخارج بالنهار حيثما كان. المستخفي غَيْبَه الذي يغيب فيه والخارجُ، عنده سواء.

٢٠٢٠٧- ... قال: حدثنا الحماني …

Commentary: Jami' al-Bayan (Tafsir al-Tabari) by Ibn Jarir al-Tabari. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.