Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib

Ayahs 1–10 of 43

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

Alif, Lam, Meem, Ra. These are the verses of the Book; and what has been revealed to you from your Lord is the truth, but most of the people do not believe.

قوله: ﴿الۤمۤر﴾ إلى قوله ﴿تُوقِنُونَ﴾: قال ابن عباس معناها: أنا الله أرى، وقيل: معناه: أنا الله أعلم، وأرى.

* *

وقوله: ﴿الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ (مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ)﴾ المعنى: يا محمد تلك الآيات التي قصصت عليك خـ[ـبرها] هي آيات الكتاب التي أنزلت قبل هذا الكتاب، (الذي أنزلته إليك). أعني: بذلك: التوراة والإنجيل، قاله قتادة، ومجاهد.

وقيل: المعنى: هذه آيات الكتاب، يعني القرآن.

ثم ابتدأ فقال: ﴿وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ﴾ على وجه الإخبار لمحمد (ﷺ) أن الذي أنزل إليه، نَزَّله الله عليه هو حق. فعلى هذا المعنى تقف على الكتاب، وعلى القول الأول، لا تقف عليه لأن الإخبار عن الكتب الثلاثة أنها حق.

ثم قال (تعالى): ﴿وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ﴾ أي: وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك يا محمد! هو الحق أيضاً. فاعمل بما فيه، واعتصم به.

قاله قتادة، ومجاهد، فيكون على هذا القول (الكتاب): تمام حسن، ويكون "الذي" (مبتدأ والحق خبره. فإن قدر أن "الذي" في موضع خفض على معنى: وآية ﴿وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، كان الوقف على (ربك). وتبتدأ الحق، وترفعه على إضمار مبتدأ: أي: هو الحق، وذلك الحق.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (أي: لا يؤمنون) بعد وضوح الحق بهذه الآيات.

* *

ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ﴾ الآية. المعنى: أنه أخبرنا تعالى ذكره أن من آياته أن رفع السماوات، فجعلها سقفاً للأرض ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ مرئية، فهي على عمد، ولكنها لا ترى، فيكون "ترونها" نعتاً للعمد. والهاء والألف تعود على العمد، هذا قول ابن عباس وعكرمة، (وهو قول مجاهد). وفي مصحف أبي "ترونه"، رده على العمد. فهذا يدل على أن لها عمداً لا ترى. قال أبو محمد: وأقول إن عمدها القدرة، فهي لا ترى.

قال ابن عباس: عمدها قاف الجبل الأخضر.

وقال قتادة: ليستعلى عمد، بل خلقها عز وجل، بغير عمد، وهو أولى بظاهر النص، وأعظم في القدرة، ودل عليه قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١]: فهذا يدل على أنها غير عمد يُمسكها، ولو كان لها عمد لم يمسكها العمد حتى يعتمد العمد على شيء آخر إلى ما لا نهاية له. فالقدرة نهاية ذلك كله. فيكون "ترونها" على هذا القول [حا]لاً من السماوات: (أي: خلق السماوات مرئية بغير عمد. وتكون "الهاء" و "الألف" تعود على السماوات)، فإذا رجع [الضمير] على العمد احتمل أن يكون المعنى: بغير عمد مرئية البتة، فلا عمد لها. ويحتمل أن يكون المعنى: بغير (عمد) مرئية لكم: أي: لا ترون العمد. وثَمَّ عمد لا ترى، وإذا رجع الضمير على "السماوات" فلا عمد ثم البتة.

ثم قال (تعالى): ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾: أي: علا عليه علو قدرة، لا علو مكان.

ثم قال (تعالى): ﴿سَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى﴾: أي: لوقت معلوم، وذلك إلى فناء الدنيا، وقيام الساعة. فَتُكَوُّرُ الشمس حينئذ، ويُخسف القمر، وتنكدر النجوم التي سخرها في السماء لصالح عباده ومنافعهم فيعلمون بجريها عدد (السنين) والحساب، والأوقات، ويفرقون بين الليل والنهار. ودل تعالى بذلك أنها مخلوقات. إذ كُلٌ مدبر مملوك مقهور، لا يملك لنفسه نفعاً فيخلصها مما هي فيه.

* *

ثم قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ﴾: أي: بحكمه وحده بغير شريك، ولا ظهير. ومن الأمر الذي دبره: خلق السماوات [بـ]ـغير عمد، وسخر الشمس، والقمر والنجوم فيهن.

* *

ثم قال: ﴿يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ﴾: أي: يبين آياته في كتابه لكم، لتقوم بها عليكم الحجة، إن لم تؤمنوا، ثم بين تعالى لِمَ فعل هذا؟ فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾: أي: لعلكم تصدقون بوعده، ووعيده، وتزدجرون عن عبادة الأوثان.

2

ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ

It is Allah who erected the heavens without pillars that you [can] see; then He established Himself above the Throne and made subject the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. He arranges [each] matter; He details the signs that you may, of the meeting with your Lord, be certain.

قوله: ﴿الۤمۤر﴾ إلى قوله ﴿تُوقِنُونَ﴾: قال ابن عباس معناها: أنا الله أرى، وقيل: معناه: أنا الله أعلم، وأرى.

* *

وقوله: ﴿الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ (مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ)﴾ المعنى: يا محمد تلك الآيات التي قصصت عليك خـ[ـبرها] هي آيات الكتاب التي أنزلت قبل هذا الكتاب، (الذي أنزلته إليك). أعني: بذلك: التوراة والإنجيل، قاله قتادة، ومجاهد.

وقيل: المعنى: هذه آيات الكتاب، يعني القرآن.

ثم ابتدأ فقال: ﴿وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ﴾ على وجه الإخبار لمحمد (ﷺ) أن الذي أنزل إليه، نَزَّله الله عليه هو حق. فعلى هذا المعنى تقف على الكتاب، وعلى القول الأول، لا تقف عليه لأن الإخبار عن الكتب الثلاثة أنها حق.

ثم قال (تعالى): ﴿وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ﴾ أي: وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك يا محمد! هو الحق أيضاً. فاعمل بما فيه، واعتصم به.

قاله قتادة، ومجاهد، فيكون على هذا القول (الكتاب): تمام حسن، ويكون "الذي" (مبتدأ والحق خبره. فإن قدر أن "الذي" في موضع خفض على معنى: وآية ﴿وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، كان الوقف على (ربك). وتبتدأ الحق، وترفعه على إضمار مبتدأ: أي: هو الحق، وذلك الحق.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (أي: لا يؤمنون) بعد وضوح الحق بهذه الآيات.

* *

ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ﴾ الآية. المعنى: أنه أخبرنا تعالى ذكره أن من آياته أن رفع السماوات، فجعلها سقفاً للأرض ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ مرئية، فهي على عمد، ولكنها لا ترى، فيكون "ترونها" نعتاً للعمد. والهاء والألف تعود على العمد، هذا قول ابن عباس وعكرمة، (وهو قول مجاهد). وفي مصحف أبي "ترونه"، رده على العمد. فهذا يدل على أن لها عمداً لا ترى. قال أبو محمد: وأقول إن عمدها القدرة، فهي لا ترى.

قال ابن عباس: عمدها قاف الجبل الأخضر.

وقال قتادة: ليستعلى عمد، بل خلقها عز وجل، بغير عمد، وهو أولى بظاهر النص، وأعظم في القدرة، ودل عليه قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: ٤١]: فهذا يدل على أنها غير عمد يُمسكها، ولو كان لها عمد لم يمسكها العمد حتى يعتمد العمد على شيء آخر إلى ما لا نهاية له. فالقدرة نهاية ذلك كله. فيكون "ترونها" على هذا القول [حا]لاً من السماوات: (أي: خلق السماوات مرئية بغير عمد. وتكون "الهاء" و "الألف" تعود على السماوات)، فإذا رجع [الضمير] على العمد احتمل أن يكون المعنى: بغير عمد مرئية البتة، فلا عمد لها. ويحتمل أن يكون المعنى: بغير (عمد) مرئية لكم: أي: لا ترون العمد. وثَمَّ عمد لا ترى، وإذا رجع الضمير على "السماوات" فلا عمد ثم البتة.

ثم قال (تعالى): ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾: أي: علا عليه علو قدرة، لا علو مكان.

ثم قال (تعالى): ﴿سَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى﴾: أي: لوقت معلوم، وذلك إلى فناء الدنيا، وقيام الساعة. فَتُكَوُّرُ الشمس حينئذ، ويُخسف القمر، وتنكدر النجوم التي سخرها في السماء لصالح عباده ومنافعهم فيعلمون بجريها عدد (السنين) والحساب، والأوقات، ويفرقون بين الليل والنهار. ودل تعالى بذلك أنها مخلوقات. إذ كُلٌ مدبر مملوك مقهور، لا يملك لنفسه نفعاً فيخلصها مما هي فيه.

* *

ثم قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ﴾: أي: بحكمه وحده بغير شريك، ولا ظهير. ومن الأمر الذي دبره: خلق السماوات [بـ]ـغير عمد، وسخر الشمس، والقمر والنجوم فيهن.

* *

ثم قال: ﴿يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ﴾: أي: يبين آياته في كتابه لكم، لتقوم بها عليكم الحجة، إن لم تؤمنوا، ثم بين تعالى لِمَ فعل هذا؟ فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾: أي: لعلكم تصدقون بوعده، ووعيده، وتزدجرون عن عبادة الأوثان.

3

وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَٰرًۭا ۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

And it is He who spread the earth and placed therein firmly set mountains and rivers; and from all of the fruits He made therein two mates; He causes the night to cover the day. Indeed in that are signs for a people who give thought.

قوله ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ﴾ - إلى قوله - ﴿يَعْقِلُونَ﴾: المعنى: أن الله، جل ذكره، دلهم بعد أن بين آية السماوات والأرض، أنه هو بسط الأرض طولاً وعرضاً.

قيل: إنها كانت مدورة فمدت.

﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ﴾ ثابتة: أي: جبالاً، والرواسي جمع راسية، وهي الثابتة، وجعل فيها أنهاراً للسقي، والشرب، والعسل، وغير ذلك.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾: أي: نوعين، والزوج: الواحد الذي له قرين، والزوج: الصنف، والنوع.

وقال أبو عبيدة، والفراء: والمراد بالزوجين: الذكر والأنثى من كل صنف، وهذا خلاف ظاهر النص، لأنه تعالى إنما ذكر الثمرات، ولم يذكر الحيوان.

فالمعنى: من كل الثمرات جعل صنفين حلواً وحامضاً، وأحمر وأبيض، ونحو ذلك ودليله قوله: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ﴾ [يس: ٣٦] أي: خلق الأصناف كلها من نبات الأرض ومن غيرها.

* *

ثم قال: ﴿يُغْشِى ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ﴾: أي: يلبس الليل النهار، فذلك كله فيه: آية لمن تفكر فيه، واعتبر، فعلم أن العبادة لا تصلح إلا لمن خلق هذه الأشياء، ودبرها، دون أن يملك ضراً، ولا نفعاً.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ الآية والمعنى: وفي الأرض قطع متدانيات، وتتـ[فـ]ـاضل في النبات، فمنها قطعة سبخة، لا تنبت شيئاً، وتجاورها قطعة طيبة تنبت. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك.

وقيل المعنى: وفي الأرض أمكنة متجاورة تسقى كلها بماء واحد، وهي مختلفة. طعام النبات والثمر: بعضها حلو، وبعضها حامض، وبعضها مُرٌّ، وبعضها سباخ لا تنبت شيئاً. ففي ذلك مع اتفاق شرب جميعها من ماء واحد، دلالة على نفاذ قدرة الله (تعالى)، وتعظيم سلطانه، و [بـ]ـدائع تركيباته سبحانه.

وقيل: في (الـ)ـكلام حذف، والمعنى: وفي الأرض قطع متجاورات وغير متجاورات، ثم حذف لعلم السامع.

وقيل: المتجاورات: المدن، وما كان عامراً، والتي غير متجاورات: الصحاري، وما كان غير عامر.

وقوله (﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: معنى صنوان: النخلة، والنخلتان، والثلاث، والأربع أصلهن واحد)، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخلة، والنخلتان، والأكثر كل واحدة في أصل متفرق، قاله البراء بن عازب.

وقال ابن عباس: معنى: الصنوان: النخلة التي يخرج من أصلها النخلات، فيحمل بعضه، ولا يحمل البعض. فيكون أصله واحداً، ورؤوسه متفرقة.

﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: كل واحدة من النخل في أصل واحد.

ومعنى الآية عند الحسن، (رحمة الله عليه)، أنه مثل ضربه الله [تعالى] لقلوب بني آدم، وذلك أن الأرض كانت في يد الرحمن طينة واحدة، فبسطها، وبطحها فصارت قط[ـعاً] متجاورات. فينزل عليها الماء، فتخرج هذه زهرتها، وثمرتها، وشجرها، وتخرج هذه ملحها، وسبخها، وخبثها: وكلتاهما تسقى بماء واحد. فلو اختلفـ(ـت) مياهها لقيل: إنما وقع الاختلاف لأجل الماء، كذلك الناس خلقوا من آدم.

وينزل عليهم من السماء ماءاً: يذكرهم فترق قلوب، وتخشع قلوب وتخضع، وتقسو قلوب، وتلهو وتسهو.

قال الحسن: والله ما جالس القرآن أحدٌ، إلا قام من عنده بزيادة، أو نقصان. دليله قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً﴾ [الإسراء: ٨٢].

قال أبو محمد، رضي الله عنه، هذه الآية نبه الله تعالى (فيها على) قدرته وحكمته، وأنه المدير للأشياء كلها. وذلك أن الشجرة تخرج أغصانها، وثمارها في وقت معلوم لا تتأخر عنه، ولا تتجاوزه. فدل ذلك على مدبر فعل ذلك. إذ لا يقدر الشجر على ذلك، ثم يتصعد الماء في ذلك الوقت علواً علواً، وليس من طبعه إلا التسفل. فدل ذلك على مصعد صعَّده، إذ لا يقدر الماء والشجر على ذلك، ثم يتفرق ذلك الماء في الورق والأغصان، والثمرة كل بقسطه، وبقدر ما فيه صلاحه، فدل ذلك على مقسم قسَّمة، ومجزئ جزأه على …

4

وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَٰوِرَٰتٌۭ وَجَنَّٰتٌۭ مِّنْ أَعْنَٰبٍۢ وَزَرْعٌۭ وَنَخِيلٌۭ صِنْوَانٌۭ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

And within the land are neighboring plots and gardens of grapevines and crops and palm trees, [growing] several from a root or otherwise, watered with one water; but We make some of them exceed others in [quality of] fruit. Indeed in that are signs for a people who reason.

قوله ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ﴾ - إلى قوله - ﴿يَعْقِلُونَ﴾: المعنى: أن الله، جل ذكره، دلهم بعد أن بين آية السماوات والأرض، أنه هو بسط الأرض طولاً وعرضاً.

قيل: إنها كانت مدورة فمدت.

﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ﴾ ثابتة: أي: جبالاً، والرواسي جمع راسية، وهي الثابتة، وجعل فيها أنهاراً للسقي، والشرب، والعسل، وغير ذلك.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾: أي: نوعين، والزوج: الواحد الذي له قرين، والزوج: الصنف، والنوع.

وقال أبو عبيدة، والفراء: والمراد بالزوجين: الذكر والأنثى من كل صنف، وهذا خلاف ظاهر النص، لأنه تعالى إنما ذكر الثمرات، ولم يذكر الحيوان.

فالمعنى: من كل الثمرات جعل صنفين حلواً وحامضاً، وأحمر وأبيض، ونحو ذلك ودليله قوله: ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ﴾ [يس: ٣٦] أي: خلق الأصناف كلها من نبات الأرض ومن غيرها.

* *

ثم قال: ﴿يُغْشِى ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ﴾: أي: يلبس الليل النهار، فذلك كله فيه: آية لمن تفكر فيه، واعتبر، فعلم أن العبادة لا تصلح إلا لمن خلق هذه الأشياء، ودبرها، دون أن يملك ضراً، ولا نفعاً.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ الآية والمعنى: وفي الأرض قطع متدانيات، وتتـ[فـ]ـاضل في النبات، فمنها قطعة سبخة، لا تنبت شيئاً، وتجاورها قطعة طيبة تنبت. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك.

وقيل المعنى: وفي الأرض أمكنة متجاورة تسقى كلها بماء واحد، وهي مختلفة. طعام النبات والثمر: بعضها حلو، وبعضها حامض، وبعضها مُرٌّ، وبعضها سباخ لا تنبت شيئاً. ففي ذلك مع اتفاق شرب جميعها من ماء واحد، دلالة على نفاذ قدرة الله (تعالى)، وتعظيم سلطانه، و [بـ]ـدائع تركيباته سبحانه.

وقيل: في (الـ)ـكلام حذف، والمعنى: وفي الأرض قطع متجاورات وغير متجاورات، ثم حذف لعلم السامع.

وقيل: المتجاورات: المدن، وما كان عامراً، والتي غير متجاورات: الصحاري، وما كان غير عامر.

وقوله (﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: معنى صنوان: النخلة، والنخلتان، والثلاث، والأربع أصلهن واحد)، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخلة، والنخلتان، والأكثر كل واحدة في أصل متفرق، قاله البراء بن عازب.

وقال ابن عباس: معنى: الصنوان: النخلة التي يخرج من أصلها النخلات، فيحمل بعضه، ولا يحمل البعض. فيكون أصله واحداً، ورؤوسه متفرقة.

﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: كل واحدة من النخل في أصل واحد.

ومعنى الآية عند الحسن، (رحمة الله عليه)، أنه مثل ضربه الله [تعالى] لقلوب بني آدم، وذلك أن الأرض كانت في يد الرحمن طينة واحدة، فبسطها، وبطحها فصارت قط[ـعاً] متجاورات. فينزل عليها الماء، فتخرج هذه زهرتها، وثمرتها، وشجرها، وتخرج هذه ملحها، وسبخها، وخبثها: وكلتاهما تسقى بماء واحد. فلو اختلفـ(ـت) مياهها لقيل: إنما وقع الاختلاف لأجل الماء، كذلك الناس خلقوا من آدم.

وينزل عليهم من السماء ماءاً: يذكرهم فترق قلوب، وتخشع قلوب وتخضع، وتقسو قلوب، وتلهو وتسهو.

قال الحسن: والله ما جالس القرآن أحدٌ، إلا قام من عنده بزيادة، أو نقصان. دليله قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً﴾ [الإسراء: ٨٢].

قال أبو محمد، رضي الله عنه، هذه الآية نبه الله تعالى (فيها على) قدرته وحكمته، وأنه المدير للأشياء كلها. وذلك أن الشجرة تخرج أغصانها، وثمارها في وقت معلوم لا تتأخر عنه، ولا تتجاوزه. فدل ذلك على مدبر فعل ذلك. إذ لا يقدر الشجر على ذلك، ثم يتصعد الماء في ذلك الوقت علواً علواً، وليس من طبعه إلا التسفل. فدل ذلك على مصعد صعَّده، إذ لا يقدر الماء والشجر على ذلك، ثم يتفرق ذلك الماء في الورق والأغصان، والثمرة كل بقسطه، وبقدر ما فيه صلاحه، فدل ذلك على مقسم قسَّمة، ومجزئ جزأه على …

5

۞ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌۭ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْأَغْلَٰلُ فِىٓ أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And if you are astonished, [O Muhammad] - then astonishing is their saying, "When we are dust, will we indeed be [brought] into a new creation?" Those are the ones who have disbelieved in their Lord, and those will have shackles upon their necks, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

قوله: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ المعنى: ﴿وَإِن تَعْجَبْ﴾ يا محمد من هؤلاء المشركين، فعجب إنكارهم للبعث.

قال قتادة: عجب الرحمن من تكذيبهم البعث بعد الموت.

وقال ابن زيد: المعنى: أن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك، وقد رأوا قدرة الله، عز وجل في الحياة، وفي جميع ما ضرب لهم به الأمثال، فعجباً إنكارهم البعث. على معنى: فذلك من فعلهم مما يجب لكم أن تعجبوا منه.

وقد قرأ الكسائي ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] بضم التاء على أَحَدِ المعنيين المذكورين. ثم أخبرنا الله، عز وجل، أن من أنكر البعث، بعدما بين له من الآيات الدالات على قدرة الله، (سبحانه) فالأغلال في أعناقهم يوم القيامة، وأنهم أصحاب النار خالدين فيها.

وقيل: الأغلال: أعمالهم، كما تقول للرجل عمل عملاً سيئاً: "هذا غل في عنقك"، فسمي العمل السيء بالغل، لأنه سبب إلى الغل.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ (قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ)﴾ الآية.

والمعنى: يستعجلك يا محمد، مشركو قومك بالعذاب والعقوبة، قبل الرخاء والعافية، فيقولون: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] - الآية وهم يعلمون ما حل بالأمم قبلهم من العقوبات وهو قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ﴾: أي: العقوبات في الأمم الماضية على تكذيبهم الرسل، فهلك قوم بالخسف، وقوم بالرجفة، وقوم بالغرق في أشباه لذلك من العقوبات.

قال قتادة: المُثلاتُ: وقائع الله، عز وجل في الأمم الماضية.

وقال الشعبي: المثلات: القردة والخنازير.

ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾: أي: لذو ستر على ذنوبهم، وهم ظالمون.

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ (أي):، لمن مات مصراً على كفره.

ولما نزلت هذه الآية، قال النبي ﷺ: لولا عفو الله، ورحمته، وتجاوزه ما هنأ لأحَدٍ عيش، ولولا عقابه، ووعيده، وعذابه لا تكل كل واحد

وقال ابن عباس: ما في كتاب الله، (عز وجل) آية أرْجَى من قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾.

(وقيل: المعنى) هو أن العبد يمحو الله بحسنته عشر سيئات، وإذا همّ بالحسنة كتب له، وإن لم يعملها.

6

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَٰتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

They impatiently urge you to bring about evil before good, while there has already occurred before them similar punishments [to what they demand]. And indeed, your Lord is full of forgiveness for the people despite their wrongdoing, and indeed, your Lord is severe in penalty.

قوله: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ المعنى: ﴿وَإِن تَعْجَبْ﴾ يا محمد من هؤلاء المشركين، فعجب إنكارهم للبعث.

قال قتادة: عجب الرحمن من تكذيبهم البعث بعد الموت.

وقال ابن زيد: المعنى: أن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك، وقد رأوا قدرة الله، عز وجل في الحياة، وفي جميع ما ضرب لهم به الأمثال، فعجباً إنكارهم البعث. على معنى: فذلك من فعلهم مما يجب لكم أن تعجبوا منه.

وقد قرأ الكسائي ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] بضم التاء على أَحَدِ المعنيين المذكورين. ثم أخبرنا الله، عز وجل، أن من أنكر البعث، بعدما بين له من الآيات الدالات على قدرة الله، (سبحانه) فالأغلال في أعناقهم يوم القيامة، وأنهم أصحاب النار خالدين فيها.

وقيل: الأغلال: أعمالهم، كما تقول للرجل عمل عملاً سيئاً: "هذا غل في عنقك"، فسمي العمل السيء بالغل، لأنه سبب إلى الغل.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ (قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ)﴾ الآية.

والمعنى: يستعجلك يا محمد، مشركو قومك بالعذاب والعقوبة، قبل الرخاء والعافية، فيقولون: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] - الآية وهم يعلمون ما حل بالأمم قبلهم من العقوبات وهو قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ﴾: أي: العقوبات في الأمم الماضية على تكذيبهم الرسل، فهلك قوم بالخسف، وقوم بالرجفة، وقوم بالغرق في أشباه لذلك من العقوبات.

قال قتادة: المُثلاتُ: وقائع الله، عز وجل في الأمم الماضية.

وقال الشعبي: المثلات: القردة والخنازير.

ثم قال (تعالى): ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾: أي: لذو ستر على ذنوبهم، وهم ظالمون.

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ (أي):، لمن مات مصراً على كفره.

ولما نزلت هذه الآية، قال النبي ﷺ: لولا عفو الله، ورحمته، وتجاوزه ما هنأ لأحَدٍ عيش، ولولا عقابه، ووعيده، وعذابه لا تكل كل واحد

وقال ابن عباس: ما في كتاب الله، (عز وجل) آية أرْجَى من قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾.

(وقيل: المعنى) هو أن العبد يمحو الله بحسنته عشر سيئات، وإذا همّ بالحسنة كتب له، وإن لم يعملها.

7

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" You are only a warner, and for every people is a guide.

قوله: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ﴾ إلى قوله ﴿ٱلْمُتَعَالِ﴾ المعنى: أن الله عز وجل أخبرنا أن المشركين يقولون هلا أنزل على محمد آية، تدل على نبوته، وهي قوله: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢].

ثم قال الله عز وجل، لنبيه عليه السلام: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ﴾ لهم لا غير. ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾: أي: ولكل أمة هاد، يهديهم؛ إما إلى هدى، وإما إلى ضلال، دليله قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ [القصص: ٤١]

وقال قتادة: معناه: ولكل قوم داعٍ يدعوهم إلى الله (سبحانه).

فأنت يا محمد داعي هؤلاء. فمحمد، عليه السلام، هو الهادي، وهو المنذر.

وقال ابن جبير: الهادي هو الله، (عز وجل)، والمعنى: إنما أنت يا محمد منذر، ولكل قوم اهتدوا هادٍ يهديهم، وهو الله (تعالى).

(و) قال مجاهد: المنذر: النبي ﷺ، والهادي الله (عز وجل)، وقالـ(ـه) ابن عباس، والضحاك.

وقال أبو صالح: معناه: ولكل (قوم) قادة يقودونهم، إما إلى هدى، وإما إلى ضلال.

وعن ابن عباس رضي الله عنه معناه: ولكل قوم داع يدعوهم إلى الله تعالى.

ثم قال تعالى (جل ذكره): ﴿ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ﴾ الآية المعنى: إنه ذكر عن قريش أنهم ينكرون البعث، فذكرهم بعلمه ﴿مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ﴾، وما يزيد الرحم في حمله على التسعة أشهر، وما ينقص من التسعة أشهر. وإِنَّ من عَلِمَ هذا قادر على إعادتكم بعد موتكم، لأن الابتداء أصعب من الإعادة.

﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾: أي: قدره، ودبره، فلا تنكروا البعث بعد الموت.

وقال قتادة: ﴿تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ﴾: هو ما يسقط من الأولاد قبل التسعة.

وقال مجاهد: الغيض: النقصان، وذلك أن المرأة إذا أهرقت الدم، وهي حامل (انتقص) المولود، وإذا لم تهرق الدم، عظم الولد وتم. وقال أيضاً" (إذا حاضت) المرأة في حملها كان (ذلك) نقصاناً في ولدها. فإن زادت على تسعة أشهر كان ذلك تماماً لما نَقْصَ من ولدها.

وقال الحسن: الغيض أن تضع لثمانية أشهر، وأقل الازدياد أن تز(يـ)ـد على تسعة أشهر.

وعنه: (أيضاً) أنه قال: (الغيض الذي يولد لغير تمام، وهو السِّقط. والاز(د)ياد: ما ولد لتمام كقوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]: أي تامة وغير تامة.

وقال ابن جبير: إذا حملت المرأة، ثم حاضت نقص ولدها، ثم تزداد في الحمل مقدار ما جاءها الدم فيه، فتزيد على تسعة أشهر مثل أيام الدم.

وقال عكرمة: غيضها: الحيض على الحمل، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: تزداد كل يوم حاضته في حملها يوماً طاهراً في حملها حتى تُوِفي عُدَّةَ حملها، وهي طاهرة.

وعن مجاهد أيضاً: غيضها دون التسعة أشهر، والزيادة فوق التسعة أشهر. واجتمع العلماء على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر.

واختلفوا في أكثره. فقال قوم: أكثره سنتان، وهو مروي عن عائشة (رضي الله عنها).

وروي عن الضحاك بن مزاحم، وهرم بن حيان أنهما قاما كل واحد منهما في بطن أمه سنتين.

وقال الليث بن سعد: أكثر الحمل ثلاث سنين.

وحكي أن مولاةً لعمر بن عبد العزيز، (رضي الله عنه) حملت ثلاث سنين.

وقال الشافعي مدته: أربع سنين.

وروي عن مالك: مثل قول الشافعي (رضي الله عنهما).

وروي أيضاً عن مالك أنه قال: خمس سنين، وحكي عن امرأة ابن عجلان أنها كانت تحمل خمس سنين.

وقال الزهري: المرأة تحمل ست سنين، وسبع سنين.

وقال قوم: لا يجوز التحديد (في هذا)، ومذهب الشافعي ، ومالك: أن الحامل تحيض.

وقال عطاء، والشعبي، والحكم، وحماد، وغيرهم: الحامل لا تحيض، ولو حاضت ما جاز أن تستبرىء الأمة بحيضة، واستبراء الأمة (بحيضة) إجماع. فلا يعترض به على من أجاز حيض الحامل، لأن الأمة خرجت بالإجماع على …

8

ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ

Allah knows what every female carries and what the wombs lose [prematurely] or exceed. And everything with Him is by due measure.

قوله: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ﴾ إلى قوله ﴿ٱلْمُتَعَالِ﴾ المعنى: أن الله عز وجل أخبرنا أن المشركين يقولون هلا أنزل على محمد آية، تدل على نبوته، وهي قوله: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢].

ثم قال الله عز وجل، لنبيه عليه السلام: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ﴾ لهم لا غير. ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾: أي: ولكل أمة هاد، يهديهم؛ إما إلى هدى، وإما إلى ضلال، دليله قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ [القصص: ٤١]

وقال قتادة: معناه: ولكل قوم داعٍ يدعوهم إلى الله (سبحانه).

فأنت يا محمد داعي هؤلاء. فمحمد، عليه السلام، هو الهادي، وهو المنذر.

وقال ابن جبير: الهادي هو الله، (عز وجل)، والمعنى: إنما أنت يا محمد منذر، ولكل قوم اهتدوا هادٍ يهديهم، وهو الله (تعالى).

(و) قال مجاهد: المنذر: النبي ﷺ، والهادي الله (عز وجل)، وقالـ(ـه) ابن عباس، والضحاك.

وقال أبو صالح: معناه: ولكل (قوم) قادة يقودونهم، إما إلى هدى، وإما إلى ضلال.

وعن ابن عباس رضي الله عنه معناه: ولكل قوم داع يدعوهم إلى الله تعالى.

ثم قال تعالى (جل ذكره): ﴿ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ﴾ الآية المعنى: إنه ذكر عن قريش أنهم ينكرون البعث، فذكرهم بعلمه ﴿مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ﴾، وما يزيد الرحم في حمله على التسعة أشهر، وما ينقص من التسعة أشهر. وإِنَّ من عَلِمَ هذا قادر على إعادتكم بعد موتكم، لأن الابتداء أصعب من الإعادة.

﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾: أي: قدره، ودبره، فلا تنكروا البعث بعد الموت.

وقال قتادة: ﴿تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ﴾: هو ما يسقط من الأولاد قبل التسعة.

وقال مجاهد: الغيض: النقصان، وذلك أن المرأة إذا أهرقت الدم، وهي حامل (انتقص) المولود، وإذا لم تهرق الدم، عظم الولد وتم. وقال أيضاً" (إذا حاضت) المرأة في حملها كان (ذلك) نقصاناً في ولدها. فإن زادت على تسعة أشهر كان ذلك تماماً لما نَقْصَ من ولدها.

وقال الحسن: الغيض أن تضع لثمانية أشهر، وأقل الازدياد أن تز(يـ)ـد على تسعة أشهر.

وعنه: (أيضاً) أنه قال: (الغيض الذي يولد لغير تمام، وهو السِّقط. والاز(د)ياد: ما ولد لتمام كقوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]: أي تامة وغير تامة.

وقال ابن جبير: إذا حملت المرأة، ثم حاضت نقص ولدها، ثم تزداد في الحمل مقدار ما جاءها الدم فيه، فتزيد على تسعة أشهر مثل أيام الدم.

وقال عكرمة: غيضها: الحيض على الحمل، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: تزداد كل يوم حاضته في حملها يوماً طاهراً في حملها حتى تُوِفي عُدَّةَ حملها، وهي طاهرة.

وعن مجاهد أيضاً: غيضها دون التسعة أشهر، والزيادة فوق التسعة أشهر. واجتمع العلماء على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر.

واختلفوا في أكثره. فقال قوم: أكثره سنتان، وهو مروي عن عائشة (رضي الله عنها).

وروي عن الضحاك بن مزاحم، وهرم بن حيان أنهما قاما كل واحد منهما في بطن أمه سنتين.

وقال الليث بن سعد: أكثر الحمل ثلاث سنين.

وحكي أن مولاةً لعمر بن عبد العزيز، (رضي الله عنه) حملت ثلاث سنين.

وقال الشافعي مدته: أربع سنين.

وروي عن مالك: مثل قول الشافعي (رضي الله عنهما).

وروي أيضاً عن مالك أنه قال: خمس سنين، وحكي عن امرأة ابن عجلان أنها كانت تحمل خمس سنين.

وقال الزهري: المرأة تحمل ست سنين، وسبع سنين.

وقال قوم: لا يجوز التحديد (في هذا)، ومذهب الشافعي ، ومالك: أن الحامل تحيض.

وقال عطاء، والشعبي، والحكم، وحماد، وغيرهم: الحامل لا تحيض، ولو حاضت ما جاز أن تستبرىء الأمة بحيضة، واستبراء الأمة (بحيضة) إجماع. فلا يعترض به على من أجاز حيض الحامل، لأن الأمة خرجت بالإجماع على …

9

عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ

[He is] Knower of the unseen and the witnessed, the Grand, the Exalted.

قوله: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ﴾ إلى قوله ﴿ٱلْمُتَعَالِ﴾ المعنى: أن الله عز وجل أخبرنا أن المشركين يقولون هلا أنزل على محمد آية، تدل على نبوته، وهي قوله: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢].

ثم قال الله عز وجل، لنبيه عليه السلام: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ﴾ لهم لا غير. ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾: أي: ولكل أمة هاد، يهديهم؛ إما إلى هدى، وإما إلى ضلال، دليله قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ [القصص: ٤١]

وقال قتادة: معناه: ولكل قوم داعٍ يدعوهم إلى الله (سبحانه).

فأنت يا محمد داعي هؤلاء. فمحمد، عليه السلام، هو الهادي، وهو المنذر.

وقال ابن جبير: الهادي هو الله، (عز وجل)، والمعنى: إنما أنت يا محمد منذر، ولكل قوم اهتدوا هادٍ يهديهم، وهو الله (تعالى).

(و) قال مجاهد: المنذر: النبي ﷺ، والهادي الله (عز وجل)، وقالـ(ـه) ابن عباس، والضحاك.

وقال أبو صالح: معناه: ولكل (قوم) قادة يقودونهم، إما إلى هدى، وإما إلى ضلال.

وعن ابن عباس رضي الله عنه معناه: ولكل قوم داع يدعوهم إلى الله تعالى.

ثم قال تعالى (جل ذكره): ﴿ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ﴾ الآية المعنى: إنه ذكر عن قريش أنهم ينكرون البعث، فذكرهم بعلمه ﴿مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ﴾، وما يزيد الرحم في حمله على التسعة أشهر، وما ينقص من التسعة أشهر. وإِنَّ من عَلِمَ هذا قادر على إعادتكم بعد موتكم، لأن الابتداء أصعب من الإعادة.

﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾: أي: قدره، ودبره، فلا تنكروا البعث بعد الموت.

وقال قتادة: ﴿تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ﴾: هو ما يسقط من الأولاد قبل التسعة.

وقال مجاهد: الغيض: النقصان، وذلك أن المرأة إذا أهرقت الدم، وهي حامل (انتقص) المولود، وإذا لم تهرق الدم، عظم الولد وتم. وقال أيضاً" (إذا حاضت) المرأة في حملها كان (ذلك) نقصاناً في ولدها. فإن زادت على تسعة أشهر كان ذلك تماماً لما نَقْصَ من ولدها.

وقال الحسن: الغيض أن تضع لثمانية أشهر، وأقل الازدياد أن تز(يـ)ـد على تسعة أشهر.

وعنه: (أيضاً) أنه قال: (الغيض الذي يولد لغير تمام، وهو السِّقط. والاز(د)ياد: ما ولد لتمام كقوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]: أي تامة وغير تامة.

وقال ابن جبير: إذا حملت المرأة، ثم حاضت نقص ولدها، ثم تزداد في الحمل مقدار ما جاءها الدم فيه، فتزيد على تسعة أشهر مثل أيام الدم.

وقال عكرمة: غيضها: الحيض على الحمل، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: تزداد كل يوم حاضته في حملها يوماً طاهراً في حملها حتى تُوِفي عُدَّةَ حملها، وهي طاهرة.

وعن مجاهد أيضاً: غيضها دون التسعة أشهر، والزيادة فوق التسعة أشهر. واجتمع العلماء على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر.

واختلفوا في أكثره. فقال قوم: أكثره سنتان، وهو مروي عن عائشة (رضي الله عنها).

وروي عن الضحاك بن مزاحم، وهرم بن حيان أنهما قاما كل واحد منهما في بطن أمه سنتين.

وقال الليث بن سعد: أكثر الحمل ثلاث سنين.

وحكي أن مولاةً لعمر بن عبد العزيز، (رضي الله عنه) حملت ثلاث سنين.

وقال الشافعي مدته: أربع سنين.

وروي عن مالك: مثل قول الشافعي (رضي الله عنهما).

وروي أيضاً عن مالك أنه قال: خمس سنين، وحكي عن امرأة ابن عجلان أنها كانت تحمل خمس سنين.

وقال الزهري: المرأة تحمل ست سنين، وسبع سنين.

وقال قوم: لا يجوز التحديد (في هذا)، ومذهب الشافعي ، ومالك: أن الحامل تحيض.

وقال عطاء، والشعبي، والحكم، وحماد، وغيرهم: الحامل لا تحيض، ولو حاضت ما جاز أن تستبرىء الأمة بحيضة، واستبراء الأمة (بحيضة) إجماع. فلا يعترض به على من أجاز حيض الحامل، لأن الأمة خرجت بالإجماع على …

10

سَوَآءٌۭ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ

It is the same [to Him] concerning you whether one conceals [his] speech or one publicizes it and whether one is hidden by night or conspicuous [among others] by day.

قوله: ﴿سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ - إلى قوله - ﴿مِن وَالٍ﴾ قوله: سواء منكم، [هو مصدر]، مرفوع لأنه خبر ابتداء مقدم، ومن في الموضعين رفع بالابتداء، (لأن) "سواء" يطلب اسمين، و "من" الثانية مرفوعة بالابتداء أيضاً، والتقدير: وسواء، كما تقول: رجل عدل، أي: ذو عدل، وتقول: سواء زيد وعمرو، أي: ذو سواء، زيد، وعمرو. إنما احتجت إلى هذا الإضمار، لأن سواء مصدر ولا يرتفع، إذا كان الاسم بعده إلا على حذف، لأن الخبر ليس هو الابتداء، إلا أن تضمر، فيكون الخبر هو الابتداء في المعنى، ويكون فيه ذكر يعود على الابتداء، وهذا في الحذف كما قالت الخنساء: "فإنما هي إقبال وإدبار: أي: ذات إقبال وإدبار. وإن كان في موضع هذا المصدر اسم فاعل، لم يحتج إلى إضمار لأنه يكون هو الاسم المبتدأ، وليس المصدر هو الاسم المبتدأ. وقد كثر استعمالهم "لسواء"، حتى جرى مجرى أسماء الفاعلين، ويجوز أن يرتفع "سواء" على أن يكون في موضع "مستوٍ". ويكون أيضاً خبراًَ مقدماً، كالأول، لكن يكون هو الابتداء (في) المعنى: فيستغنى (عند سيبويه)، عن الإضمار، وقبيح عند سيبويه أن يكون مبتدأ، لأن النكرات لا يبتدأ بها، وإن كانت اسماً لفاعلين لضعفها عن الفعل.

وقد جمعوا "سواء" على "أسوأ" قال الشاعر:

؎ ترى القوم أسواء إذا جلسوا معاً ∗∗∗ وفي القوم زيفٌ مثل زيف الدراهم

ومعنى الآية: معتدل منكم عند الله عز وجل، أيها الناس: الذي أسرّ القول، والذي جهر به، والذي يستخفي بالليل، وبظلمته بمعصية الله (سبحانه)، والذي يظهر بالنهار في المعصية، وفي غيرها. كل ذلك عند الله (سبحانه) سواء لا يخفى عليه منه شيء.

ويقال: هو آمن في سِربه، وسَربه، بالفتح والكسر. والسارب في الآية: الظاهر وقيل: السارب المستخفي، من قولهم: انسرب الوحش: إذا دخل كناسَهُ، قالـ(ـه) قطرب. وأكثر الناس على أن السارب: الظاهر، لأنه عديل المستخفي المتواري، والسارب: الظاهر.

* *

ثم قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ - الآية: قيل المعنى (لله عز وجل) معقبات، وهي الملائكة تتعاقب على ابن آدم بالليل والنهار. فالهاء في "له" لله، والهاء في "يديه" و "خلفه: للمستخفي بالليل، والسارب بالنهار.

وقيل: الهاء في "له" تعود على "من" وهو المستخفي. ومعنى: من خلفه: "من وراء ظهره".

وروي أن عثمان بن عفان: رضي الله عنه، سأل النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! أخبرني عن العبد كم معه ملكاً. فقال النبي ﷺ: ملك على يمينك على حسناتك، وهو أمين على الذي على شمالك. فإذا فعلت حسنة كتب عشراً. (و) إذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين: اكتب، فيقول له: لعله يستغفر الله، ويتوب. فإذا لم يتب منها، قال: نعم اكتب أراحنا الله منه، فبئس القرين

ما أقل مراقبته لله عز وجل، وأقل استحياء! يقول الله (تعالى):

﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، ومَلَكان من بين يديك، ومن خلفك. يقول الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ﴾ وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على النبي (محمد) ﷺ. وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك، وملكان على عينيك: فهؤلاء عشرة أملاك، على كل آدمي ينزلون ملائكة الليل على ملائكة النهار، لأن ملائكة الليل ينيبون ملائكة النهار. فهؤلاء عشرون ملكـ[ـاً] على كل آدمي، وإبليس بالنهار، وولده بالليل.

ورُوي أنهم يجتمعون عند صلاة العصر، وصلاة الصبح.

وعن ابن عباس، وعكرمة: أن المعقبات (هنا): الحرس الذين يتعاقبون على الأمراء من بين أيديهم ومن خلفهم.

قال الضحاك: هو السلطان يتحرس من الله (سبحانه).

وقال عكرمة: هي المواكب بين يدي الأمراء وخلفهم.

فتكون الهاء في "له" على …

Commentary: Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.