Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 1–10 of 43

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

Alif, Lam, Meem, Ra. These are the verses of the Book; and what has been revealed to you from your Lord is the truth, but most of the people do not believe.

صفحة ٧٨

﴿المر﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظائِرِ (المر) مِمّا وقَعَ في أوائِلِ بَعْضِ السُّورِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ

* * *

﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ القَوْلُ في ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ مِن طالِعَةِ سُورَةِ يُونُسَ.

والمُشارُ إلَيْهِ بِ (تِلْكَ) هو ما سَبَقَ نُزُولُهُ مِنَ القُرْآنِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أخْبَرَ عَنْها بِأنَّها آياتٌ، أيْ دَلائِلُ إعْجازٍ، ولِذَلِكَ أُشِيرَ إلَيْهِ بِاسْمِ إشارَةِ المُؤَنَّثِ مُراعاةً لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ.

وقَوْلُهُ ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارٍ. ولَمْ يُكْتَفَ بِعَطْفِ خَبَرٍ عَلى خَبَرِ اسْمِ الإشارَةِ بَلْ جِيءَ بِجُمْلَةٍ كامِلَةٍ مُبْتَدِئَةٍ بِالمَوْصُولِ لِلتَّعْرِيفِ بِأنَّ آياتِ الكِتابِ مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِأنَّها لَمّا تَقَرَّرَ أنَّها آياتٌ اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ أنَّها مُنَزَّلَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَوْلا أنَّها كَذَلِكَ لَما كانَتْ آياتٍ.

وأخْبَرَ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ بِأنَّهُ الحَقُّ بِصِيغَةِ القَصْرِ، أيْ هو الحَقُّ لا غَيْرُهُ مِنَ الكُتُبِ، فالقَصْرُ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى كُتُبٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَهم مِثْلَ قِصَّةِ رُسْتَمَ وإسْفِنْدِيارَ اللَّتَيْنِ عَرَفَهُما النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ. فالمَقْصُودُ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ زَعَمُوهُ كَأساطِيرِ الأوَّلِينَ، أوِ القَصْرُ حَقِيقِيٌّ ادِّعائِيٌّ مُبالَغَةً لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ السّابِقَةِ، أيْ هو الحَقُّ الكامِلُ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ مِنَ الكُتُبِ لَمْ يَسْتَكْمِلْ مُنْتَهى مُرادِ

صفحة ٧٩

اللَّهِ مِنَ النّاسِ إذْ كانَتْ دَرَجاتٍ مُوَصِّلَةً إلى الدَّرَجَةِ العُلْيا، فَلِذَلِكَ ما جاءَ مِنها كِتابٌ إلّا ونُسِخَ العَمَلُ بِهِ أوْ عُيِّنَ لِأُمَّةٍ خاصَّةٍ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ مُفْرَدٍ عَلى قَوْلِهِ (الكِتابِ) مُفْرَدٍ، مِن بابِ عَطْفِ الصِّفَةِ عَلى الِاسْمِ، مِثْلَ ما أنْشَدَ الفَرّاءُ:

إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمَـ ـامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ بِالمُزْدَحَمْ

والإتْيانُ بِـ (رَبِّكَ) دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّلَطُّفِ. والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ راجِعٌ إلى ما أفادَهُ القَصْرُ مِن إبْطالِ مُساواةِ غَيْرِهِ لَهُ في الحَقِّيَّةِ إبْطالًا يَقْتَضِي ارْتِفاعَ النِّزاعِ في أحَقِّيَّتِهِ، أيْ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ بِما دَلَّتِ الأدِلَّةُ عَلى الإيمانِ بِهِ، فَمِن أجْلِ هَذا الخُلُقِ الذَّمِيمِ فِيهِمْ يَسْتَمِرُّ النِّزاعُ مِنهم في كَوْنِهِ حَقًّا.

وابْتِداءُ السُّورَةِ بِهَذا تَنْوِيهٌ بِما في القُرْآنِ الَّذِي هَذِهِ السُّورَةُ جُزْءٌ مِنهُ، مَقْصُودٌ بِهِ تَهْيِئَةُ السّامِعِ لِلتَّأمُّلِ مِمّا سَيَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ.

2

ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ

It is Allah who erected the heavens without pillars that you [can] see; then He established Himself above the Throne and made subject the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. He arranges [each] matter; He details the signs that you may, of the meeting with your Lord, be certain.

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ هو ابْتِداءُ المَقْصُودِ مِنَ السُّورَةِ وما قَبْلَهُ بِمَنزِلَةِ الدِّيباجَةِ مِنَ الخُطْبَةِ، ولِذا تَجِدُ الكَلامَ في هَذا الغَرَضِ قَدْ طالَ واطَّرَدَ.

ومُناسَبَةُ هَذا الِاسْتِئْنافِ لِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١]؛ لِأنَّ أصْلَ كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ ناشِئٌ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِالكُفْرِ وعَنْ تَطَبُّعِهِمْ بِالِاسْتِكْبارِ والإعْراضِ عَنْ دَعْوَةِ الحَقِّ.

صفحة ٨٠

والِافْتِتاحُ بِاسْمِ الجَلالَةِ دُونَ الضَّمِيرِ الَّذِي يَعُودُ إلى (رَبِّكَ) لِأنَّهُ مُعَيَّنٌ بِهِ لا يَشْتَبِهُ غَيْرُهُ مِن آلِهَتِهِمْ لِيَكُونَ الخَبَرُ المَقْصُودُ جارِيًا عَلى مُعَيَّنٍ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ إبْلاغًا في قَطْعِ شائِبَةِ الإشْراكِ.

والَّذِي رَفَعَ هو الخَبَرُ. وجُعِلَ اسْمَ مَوْصُولٍ لِكَوْنِ الصِّلَةِ مَعْلُومَةَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَن تَثْبُتُ لَهُ هو المُتَوَحِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ إذْ لا يَسْتَطِيعُ مِثْلَ تِلْكَ الصِّلَةِ غَيْرُ المُتَوَحِّدِ ولِأنَّهُ مُسَلَّمٌ لَهُ ذَلِكَ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِيَقُولُنَّ اللَّهُ. والسَّماواتُ تَقَدَّمَتْ مِرارًا، وهي الكَواكِبُ السَّيّارَةُ وطَبَقاتُ الجَوِّ الَّتِي تَسْبَحُ فِيها.

ورَفَعَها: خَلَقَها مُرْتَفِعَةً، كَما يُقالُ: وسِّعْ طَوْقَ الجُبَّةِ وضَيِّقْ كُمَّها، لا تُرِيدُ وُسِّعْهُ بَعْدَ أنْ كانَ ضَيِّقًا ولا ضَيِّقْهُ بَعْدَ أنْ كانَ واسِعًا وإنَّما يُرادُ اجْعَلْهُ واسِعًا واجْعَلْهُ ضَيِّقًا، فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهُ رَفَعَها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُنْخَفِضَةً.

والعَمَدُ: جَمْعُ عِمادٍ، مِثْلُ إهابٍ وأُهُبٍ، والعامِدُ: ما تُقامُ عَلَيْهِ القُبَّةُ والبَيْتُ. وجُمْلَةُ (تَرَوْنَها) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ السَّماواتِ، أيْ لا شُبْهَةَ في كَوْنِها بِغَيْرِ عَمَدٍ.

والقَوْلُ في مَعْنى ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ وفي سُورَةِ يُونُسَ.

وكَذَلِكَ الكَلامُ عَلى سَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والجَرْيُ: السَّيْرُ السَّرِيعُ. وسَيْرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ في مَسافاتٍ شاسِعَةٍ، فَهو أسْرَعُ التَّنَقُّلاتِ في بابِها وذَلِكَ سَيْرُها في مَداراتِها.

صفحة ٨١

واللّامُ لِلْعِلَّةِ. والأجَلُ: هو المُدَّةُ الَّتِي قَدَّرَها اللَّهُ لِدَوامِ سَيْرِها، وهي مُدَّةُ بَقاءِ النِّظامِ الشَّمْسِيِّ الَّذِي إذا اخْتَلَّ انْتَثَرَتِ العَوالِمُ وقامَتِ القِيامَةُ.

والمُسَمّى: أصْلُهُ المَعْرُوفُ بِاسْمِهِ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ المُعَيَّنِ المُحَدَّدِ إذِ التَّسْمِيَةُ تَسْتَلْزِمُ التَّعْيِينَ والتَّمْيِيزَ عَنِ الِاخْتِلاطِ.

* * *

﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾ جُمْلَةُ (يُدَبِّرُ الأمْرَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ. وجُمْلَةُ يُفَصِّلُ الآياتِ حالٌ ثانِيَةٌ تُرِكَ عَطْفُها عَلى الَّتِي قَبْلَها لِتَكُونَ عَلى أُسْلُوبِ التَّعْدادِ والتَّوْقِيفِ وذَلِكَ اهْتِمامٌ بِاسْتِقْلالِها. وتَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى يُدَبِّرُ الأمْرَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ [يونس: ٣١] في سُورَةِ يُونُسَ. وتَفْصِيلُ الآياتِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] في طالِعَةِ سُورَةِ هُودٍ.

ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُما هُنا أنَّ تَدْبِيرَ الأمْرِ يَشْمَلُ …

3

وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَٰرًۭا ۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

And it is He who spread the earth and placed therein firmly set mountains and rivers; and from all of the fruits He made therein two mates; He causes the night to cover the day. Indeed in that are signs for a people who give thought.

﴿وهْوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] فَبَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ شِبْهُ التَّضادِّ اشْتَمَلَتِ الأُولى عَلى ذِكْرِ العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ وأحْوالِها، واشْتَمَلَتِ الثّانِيَةُ عَلى ذِكْرِ العَوالِمِ السُّفْلِيَّةِ. والمَعْنى: أنَّهُ خالِقُ جَمِيعِ العَوالِمِ وأعْراضِها.

والمَدُّ: البَسْطُ والسِّعَةُ، ومِنهُ: ظِلٌّ مَدِيدٌ. ومِنهُ مَدُّ البَحْرِ وجَزْرُهُ، ومَدَّ يَدَهُ إذا بَسَطَها. والمَعْنى: خَلَقَ الأرْضَ مَمْدُودَةً مُتَّسِعَةً لِلسَّيْرِ والزَّرْعِ لِأنَّهُ لَوْ خَلَقَها أسْنِمَةً مِن حَجَرٍ أوْ جِبالًا شاهِقَةً مُتَلاصِقَةً لَما تَيَسَّرَ لِلْأحْياءِ الَّتِي عَلَيْها الِانْتِفاعُ بِها والسَّيْرُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ في طَلَبِ الرِّزْقِ وغَيْرِهِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّها كانَتْ غَيْرَ مَمْدُودَةٍ فَمَدَّها بَلْ هو كَقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] . فَهَذِهِ خِلْقَةٌ دالَّةٌ عَلى القُدْرَةِ وعَلى اللُّطْفِ بِعِبادِهِ فَهي آيَةٌ ومِنَّةٌ.

والرَّواسِي: جَمْعُ راسٍ. وهو الثّابِتُ المُسْتَقِرُّ، أيْ جِبالًا رَواسِيَ. وقَدْ حُذِفَ مَوْصُوفُهُ لِظُهُورِهِ فَهو كَقَوْلِهِ ﴿ولَهُ الجَوارِي﴾ [الرحمن: ٢٤]، أيِ السُّفُنُ الجارِيَةُ. وسَيَأْتِي في قَوْلِهِ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ [النحل: ١٥] في سُورَةِ النَّحْلِ بِأبْسَطَ مِمّا هُنا.

وجِيءَ في جَمْعِ راسٍ بِوَزْنِ فَواعِلَ؛ لِأنَّ المَوْصُوفَ بِهِ غَيْرُ عاقِلٍ، ووَزْنُ فَواعِلَ يَطَّرِدُ فِيما مُفْرَدُهُ صِفَةٌ لِغَيْرِ عاقِلٍ مِثْلَ: صاهِلٍ وبازِلٍ.

والِاسْتِدْلالُ بِخَلْقِ الجِبالِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ لِما في خَلْقِها مِنَ العَظَمَةِ المُشاهَدَةِ بِخِلافِ خِلْقَةِ المَعادِنِ والتُّرابِ فَهي خَفِيَّةٌ، كَما قالَ تَعالى ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] .

صفحة ٨٣

والأنْهارُ: جَمْعُ نَهْرٍ، وهو الوادِي العَظِيمُ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] . وقَوْلُهُ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ عَطْفٌ عَلى (أنْهارًا) فَهو مَعْمُولٌ لِـ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ، ودُخُولُ (مِن) عَلى (كُلِّ) جَرى عَلى الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ في ذِكْرِ أجْناسِ غَيْرِ العاقِلِ كَقَوْلِهِ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ، و(مِن) هَذِهِ تُحْمَلُ عَلى التَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ حَقائِقَ الأجْناسِ لا تَنْحَصِرُ والمَوْجُودُ مِنها ما هو إلّا بَعْضُ جُزْئِيّاتِ الماهِيَّةِ؛ لِأنَّ مِنها جُزْئِيّاتٍ انْقَضَتْ ومِنها جُزْئِيّاتٍ سَتُوجَدُ.

والمُرادُ بِـ (الثَّمَراتِ) هي وأشْجارُها. وإنَّما ذُكِرَتِ الثَّمَراتُ لِأنَّها مَوْقِعُ مِنَّةٍ مَعَ العِبْرَةِ كَقَوْلِهِ ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [الأعراف: ٥٧] . فَيَنْبَغِي الوَقْفُ عَلى ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، وبِذَلِكَ انْتَهى تَعْدادُ المَخْلُوقاتِ المُتَّصِلَةِ بِالأرْضِ. وهَذا أحْسَنُ تَفْسِيرًا. ويُعَضِّدُهُ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١] في سُورَةِ النَّحْلِ.

وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ ابْتِداءُ كَلامٍ.

وتَتَعَلَّقُ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ بِـ ﴿جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، وبِهَذا فَسَّرَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. ويُبْعِدُهُ أنَّهُ لا نُكْتَةَ في تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ المَذْكُورِ مَحَلُّ اهْتِمامٍ فَلا …

4

وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَٰوِرَٰتٌۭ وَجَنَّٰتٌۭ مِّنْ أَعْنَٰبٍۢ وَزَرْعٌۭ وَنَخِيلٌۭ صِنْوَانٌۭ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

And within the land are neighboring plots and gardens of grapevines and crops and palm trees, [growing] several from a root or otherwise, watered with one water; but We make some of them exceed others in [quality of] fruit. Indeed in that are signs for a people who reason.

﴿وفي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٍ ونَخِيلٍ صِنْوانٍ وغَيْرِ صِنْوانٍ تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكْلِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

لِلَّهِ بَلاغَةُ القُرْآنِ في تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ عِنْدَ الِانْتِقالِ إلى ذِكْرِ النِّعَمِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فِيما ألْهَمَ النّاسَ مِنَ العَمَلِ في الأرْضِ بِفَلْحِها وزَرْعِها وغَرْسِها

صفحة ٨٦

والقِيامِ عَلَيْها، فَجاءَ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى الأشْياءِ الَّتِي أُسْنِدَ جَعْلُها إلى اللَّهِ تَعالى، ولَكِنَّهُ لَمْ يُسْنَدْ إلى اللَّهِ حَتّى بَلَغَ إلى قَوْلِهِ ﴿ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ بِأسْرارٍ أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى فِيها هي مُوجِبُ تَفاضُلِها. وأمْثالُ هَذِهِ العِبَرِ، ولَفْتُ النَّظَرِ مِمّا انْفَرَدَ بِهِ القُرْآنُ مِن بَيْنِ سائِرِ الكُتُبِ.

وأُعِيدَ اسْمُ الأرْضِ الظّاهِرُ دُونَ ضَمِيرِها الَّذِي هو المُقْتَضى لِيَسْتَقِلَّ الكَلامُ ويَتَجَدَّدَ الأُسْلُوبُ، وأصْلُ انْتِظامِ الكَلامِ أنْ يُقالَ: جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، وفِيها قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ، فَعَدَلَ إلى هَذا تَوْضِيحًا وإيجازًا.

والقِطَعُ: جَمْعُ قِطْعَةٍ بِكَسْرِ القافِ، وهي الجُزْءُ مِنَ الشَّيْءِ تَشْبِيهًا لَها بِما يُقْتَطَعُ. ولَيْسَ وصْفُ القِطَعِ بِمُتَجاوِراتٍ مَقْصُودًا بِالذّاتِ في هَذا المَقامِ إذْ لَيْسَ هو مَحَلَّ العِبْرَةِ بِالآياتِ، بَلِ المَقْصُودُ وصْفُ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ تَقْدِيرُهُ: مُخْتَلِفاتُ الألْوانِ والمَنابِتِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ .

وإنَّما وُصِفَتْ بِمُتَجاوِراتٍ؛ لِأنَّ اخْتِلافَ الألْوانِ والمَنابِتِ مَعَ التَّجاوُزِ أشَدُّ دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] .

فَمَعْنى ﴿قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ بِقاعٌ مُخْتَلِفَةٌ مَعَ كَوْنِها مُتَجاوِرَةً مُتَلاصِقَةً. والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الأرْضِ وقِطَعِها يُشِيرُ إلى اخْتِلافٍ حاصِلٍ فِيها عَنْ غَيْرِ صُنْعِ النّاسِ وذَلِكَ اخْتِلافُ المَراعِي والكَلَأِ. ومُجَرَّدُ ذِكْرِ القِطَعِ كافٍ في ذَلِكَ فَأحالَهم عَلى المُشاهَدَةِ المَعْرُوفَةِ مِنِ اخْتِلافِ مَنابِتِ قِطَعِ الأرْضِ مِنَ الأبِّ والكَلَأِ وهي مَراعِي أنْعامِهِمْ ودَوابِّهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ التَّعَرُّضُ هُنا لِاخْتِلافِ أكْلِهِ إذْ لا مَذاقَ لِلْآدَمِيِّ فِيهِ ولَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ شَرَهُ بَعْضِ الحَيَوانِ عَلى بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] .

صفحة ٨٧

والزَّرْعُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ [الأنعام: ١٤١] . والنَّخِيلُ: اسْمُ نَخْلَةٍ مِثْلَ النَّخْلِ، وتَقَدَّمَ في تِلْكَ الآيَةِ، وكِلاهُما في سُورَةِ الأنْعامِ.

والزَّرْعُ يَكُونُ في الجَنّاتِ يُزْرَعُ بَيْنَ أشْجارِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ وزَرْعٍ ونَخِيلٍ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى أعْنابٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، ويَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (جَنّاتٌ)، والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ الزَّرْعَ الَّذِي في الجَنّاتِ مُساوٍ لِلَّذِي في غَيْرِها فاكْتُفِيَ بِهِ قَضاءً لِحَقِّ الإيجازِ. وكَذَلِكَ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ هو يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الزَّرْعِ الَّذِي في الجَنّاتِ، والنَّخْلُ لا يَكُونُ إلّا في جَنّاتٍ. …

5

۞ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌۭ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْأَغْلَٰلُ فِىٓ أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And if you are astonished, [O Muhammad] - then astonishing is their saying, "When we are dust, will we indeed be [brought] into a new creation?" Those are the ones who have disbelieved in their Lord, and those will have shackles upon their necks, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

صفحة ٨٩

﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد: ٢] فَلَمّا قُضِيَ حَقُّ الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ نُقِلَ الكَلامُ إلى الرَّدِّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ وهو غَرَضٌ مُسْتَقِلٌّ مَقْصُودٌ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وقَدْ أُدْمِجَ ابْتِداءً خِلالَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢] تَمْهِيدًا لِما هُنا، ثُمَّ نُقِلَ الكَلامُ إلَيْهِ بِاسْتِقْلالِهِ بِمُناسَبَةِ التَّدْلِيلِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ مُسْتَخْرَجًا مِنَ الأدِلَّةِ السّابِقَةِ عَلَيْهِ أيْضًا كَقَوْلِهِ ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] وقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] فَصِيغَ بِصِيغَةِ التَّعْجِيبِ مِن إنْكارِ مُنْكِرِي البَعْثِ؛ لِأنَّ الأدِلَّةَ السّالِفَةَ لَمْ تَبْقَ عُذْرًا لَهم في ذَلِكَ فَصارَ في إنْكارِهِمْ مَحَلُّ عَجَبِ المُتَعَجِّبِ.

فَلَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ الشَّرْطِ في مِثْلِ هَذا تَعْلِيقَ حُصُولِ مَضْمُونِ جَوابِ الشَّرْطِ عَلى حُصُولِ فِعْلِ الشَّرْطِ كَما شَأْنُ الشُّرُوطِ؛ لِأنَّ كَوْنَ قَوْلِهِمْ ﴿أإذا كُنّا تُرابًا﴾ عَجَبًا أمْرٌ ثابِتٌ سَواءٌ عُجِبَ مِنَ المُتَعَجِّبِ أمْ لَمْ يُعْجَبْ، ولَكِنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ إنْ كانَ اتِّصافٌ بِتَعَجُّبٍ فَقَوْلُهم ذَلِكَ هو أسْبَقُ مِن كُلِّ عَجَبٍ لِكُلِّ مُتَعَجِّبٍ، ولِذَلِكَ فالخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا إلى النَّبِيءِ ﷺ وهو المُناسِبُ بِما وقَعَ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ [الرعد: ٦] وما بَعْدَهُ مِنَ الخِطابِ الَّذِي لا يَصْلُحُ لِغَيْرِ النَّبِيءِ ﷺ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ هُنا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِثْلَ ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] .

والفِعْلُ الواقِعُ في سِياقِ الشَّرْطِ لا يُقْصَدُ تَعَلُّقُهُ بِمَعْمُولٍ مُعَيَّنٍ فَلا يُقَدَّرُ: إنْ تَعْجَبْ مِن قَوْلٍ أوْ إنْ تَعْجَبْ مِن إنْكارٍ، بَلْ يُنَزَّلُ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ولا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ. والتَّقْدِيرُ: إنْ يَكُنْ مِنكَ تَعَجُّبٌ فاعْجَبْ مِن قَوْلِهِمْ الَخْ. . .

صفحة ٩٠

عَلى أنَّ وُقُوعَ الفِعْلِ في سِياقِ الشَّرْطِ يُشْبِهُ وُقُوعَهُ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَكُونُ لِعُمُومِ المَفاعِيلِ في المَقامِ الخِطابِيِّ، أيْ إنْ تَعْجَبْ مِن شَيْءٍ فَعَجَبٌ قَوْلُهم. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (وإنْ تَعْجَبْ) إلَخْ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١] . فالتَّقْدِيرُ: إنْ تَعْجَبْ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ، فَعَجَبٌ إنْكارُهُمُ البَعْثَ.

وفائِدَةُ هَذا هو التَّشْوِيقُ لِمَعْرِفَةِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ تَهْوِيلًا لَهُ أوْ نَحْوَهُ، ولِذَلِكَ فالتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ (فَعَجَبٌ) لِلتَّنَوُّعِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ صالِحٌ لِلتَّعْجِيبِ مِنهُ، ثُمَّ هو يُفِيدُ مَعْنى التَّعْظِيمِ في بابِهِ تَبَعًا لِما أفادَهُ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ مِنَ التَّشْوِيقِ.

والِاسْتِفْهامُ في ﴿أإذا كُنّا تُرابًا﴾ إنْكارِيٌّ، لِأنَّهم مُوقِنُونَ بِأنَّهم لا يَكُونُونَ في خَلْقٍ جَدِيدٍ بَعْدَ أنْ يَكُونُوا تُرابًا. والقَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم هو في مَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَنْ مَجْمُوعِ أمْرَيْنِ وهُما كَوْنُهم …

6

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَٰتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

They impatiently urge you to bring about evil before good, while there has already occurred before them similar punishments [to what they demand]. And indeed, your Lord is full of forgiveness for the people despite their wrongdoing, and indeed, your Lord is severe in penalty.

﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ جُمْلَةُ (﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وإنْ تَعْجَبْ﴾ [الرعد: ٥])؛ لِأنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ حِكايَةٌ لِغَرِيبِ أحْوالِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ والِاسْتِخْفافِ بِالوَعِيدِ. فابْتَدَأ بِذِكْرِ تَكْذِيبِهِمْ بِوَعِيدِ الآخِرَةِ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ تَكْذِيبَهم بِوَعِيدِ الدُّنْيا لِتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ . وفي الِاسْتِخْفافِ بِوَعِيدِ نُزُولِ العَذابِ وعَدِّهِمْ إيّاهُ مُسْتَحِيلًا في حالِ أنَّهم شاهَدُوا آثارَ العَذابِ النّازِلِ

صفحة ٩٢

بِالأُمَمِ قَبْلَهم، وما ذَلِكَ إلّا لِذُهُولِهِمْ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي سَبَقَتِ الكَلامَ لِلِاسْتِدْلالِ عَلَيْها والتَّفْرِيعِ عَنْها، فَهم يَسْتَعْجِلُونَ بِنُزُولِهِ بِهِمُ اسْتِخْفافًا واسْتِهْزاءً كَقَوْلِهِمْ ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقَوْلِهِمْ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] .

والباءُ في (بِالسَّيِّئَةِ) لِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى ما لَمْ يَكُنْ يَتَعَدّى إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والسَّيِّئَةُ: الحالَةُ السَّيِّئَةُ. وهي هُنا المُصِيبَةُ الَّتِي تَسُوءُ مَن تَحُلُّ بِهِ. والحَسَنَةُ ضِدُّها، أيْ أنَّهم سَألُوا مِنَ الآياتِ ما فِيهِ عَذابٌ بِسُوءٍ، كَقَوْلِهِمْ ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] دُونَ أنْ يَسْألُوا آيَةً مِنَ الحَسَناتِ.

فَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ حِكايَةً لِبَعْضِ أحْوالِ سُؤالِهِمُ الظّانِّينَ أنَّهُ تَعْجِيزٌ، والدّالِّينَ بِهِ عَلى التَّهَكُّمِ بِالعَذابِ.

وقَبْلِيَّةُ السَّيِّئَةِ قَبْلِيَّةٌ اعْتِبارِيَّةٌ، أيْ مُخْتارِينَ السَّيِّئَةَ دُونَ الحَسَنَةِ. وسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ [النمل: ٤٦] في سُورَةِ النَّمْلِ فانْظُرْهُ.

وجُمْلَةُ (﴿وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ. وهو مَحَلُّ زِيادَةِ التَّعْجِيبِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ يُعْذُرُونَ فِيهِ لَوْ كانُوا لَمْ يَرَوْا آثارَ الأُمَمَ المُعَذَّبَةِ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ.

والمَثُلاتُ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ المُثَلَّثَةِ: جَمْعُ مَثُلَةٍ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الثّاءِ كَسَمُرَةٍ، وبِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ كَعُرْفَةٍ: وهي العُقُوبَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَكُونُ مِثالًا تُمَثَّلُ بِهِ العُقُوباتُ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾)، وهَذا كَشْفٌ لِغُرُورِهِمْ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم لِأنَّهم لَمّا

صفحة ٩٣

اسْتَهْزَءُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ وتَعَرَّضُوا لِسُؤالِ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ ورَأوْا أنَّهُ لَمْ يُعَجَّلْ لَهم حُلُولُهُ اعْتَرَتْهم ضَراوَةٌ بِالتَّكْذِيبِ وحَسِبُوا تَأْخِيرَ العَذابِ عَجْزًا مِنَ المُتَوَعِّدِ وكَذَّبُوا النَّبِيءَ ﷺ وهم يَجْهَلُونَ أنَّ اللَّهَ حَلِيمٌ يُمْهِلُ عِبادَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ، فالمَغْفِرَةُ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في المَغْفِرَةِ المُوَقَّتَةِ، وهي التَّجاوُزُ عَنْ ضَراوَةِ تَكْذِيبِهِمْ، وتَأْخِيرُ العَذابِ إلى أجَلٍ، كَما قالَ تَعالى ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ …

7

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" You are only a warner, and for every people is a guide.

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ [الرعد: ٦]) الآيَةَ. وهَذِهِ حالَةٌ مِن أُعْجُوباتِهِمْ وهي عَدَمُ اعْتِدادِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي تَأيَّدَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ وأعْظَمُها آياتُ القُرْآنِ، فَلا يَزالُونَ يَسْألُونَ آيَةً كَما يَقْتَرِحُونَها، فَلَهُ اتِّصالٌ بِجُمْلَةِ (﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١]) .

ومُرادُهم بِالآيَةِ في هَذا خارِقُ عادَةٍ عَلى حِسابِ ما يَقْتَرِحُونَ، فَهي مُخالِفَةٌ لِما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ؛ لِأنَّ تِلْكَ في تَعْجِيلِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ. وما هُنا في مَجِيءِ آيَةٍ تُؤَيِّدُهُ كَقَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] .

ولِكَوْنِ اقْتِراحِهِمْ آيَةً يَشِفُّ عَنْ إحالَتِهِمْ حُصُولَها لِجَهْلِهِمْ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى سِيقَ هَذا في عِدادِ نَتائِجِ عَظِيمِ القُدْرَةِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] .

فَبِذَلِكَ انْتَظَمَ تَفَرُّعُ الجُمَلِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ وتَفَرُّعُ جَمِيعِها عَلى الغَرَضِ الأصْلِيِّ. والَّذِينَ كَفَرُوا هم عَيْنُ أصْحابِ ضَمِيرِ (﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ [العنكبوت: ٥٤]) وإنَّما عَدَلَ عَنْ ضَمِيرِهِمْ إلى اسْمِ المَوْصُولِ لِزِيادَةِ تَسْجِيلِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ، ولِما يُومِئُ إلَيْهِ المَوْصُولُ مِن تَعْلِيلِ صُدُورِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ.

صفحة ٩٥

وصِيغَةُ المُضارِعِ تَدُلُّ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ وتَكَرُّرِهِ. و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ. يُمَوِّهُونَ بِالتَّحْضِيضِ أنَّهم حَرِيصُونَ وراغِبُونَ في نُزُولِ آيَةٍ غَيْرِ القُرْآنِ لِيُؤْمِنُوا، وهم كاذِبُونَ في ذَلِكَ إذْ لَوْ أُوتُوا آيَةً كَما يَقْتَرِحُونَ لَكَفَرُوا بِها، كَما قالَ تَعالى ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] .

وقَدْ رَدَّ اللَّهُ اقْتِراحَهم مِن أصْلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾، فَقَصَرَ النَّبِيءَ ﷺ عَلى صِفَةِ الإنْذارِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ أنْتَ مُنْذِرٌ لا مُوجِدُ خَوارِقِ عادَةٍ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ قَصْرِهِ عَلى الإنْذارِ دُونَ البِشارَةِ لِأنَّهُ قَصْرٌ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِأحْوالِهِ نَحْوَ المُشْرِكِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ تَذْيِيلٌ بِالأعَمِّ. أيْ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ لِهَؤُلاءِ لِهِدايَتِهِمْ. ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ أرْسَلَهُ اللَّهُ يُنْذِرُهم لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ. فَما كُنْتَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما كانَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ آياتٌ عَلى مُقْتَرَحِ أقْوامِهِمْ بَلْ كانَتْ آياتُهم بِحَسَبِ ما أرادَ اللَّهُ أنْ يُظْهِرَهُ عَلى أيْدِيهِمْ. عَلى أنَّ مُعْجِزاتِ الرُّسُلِ تَأْتِي عَلى حَسَبِ ما يُلائِمُ حالَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ.

ولَمّا كانَ الَّذِينَ ظَهَرَتْ بَيْنَهم دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ عَرَبًا أهْلَ فَصاحَةٍ وبَلاغَةٍ جَعَلَ اللَّهُ مُعْجِزَتَهُ العُظْمى القُرْآنَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. وإلى هَذا المَعْنى يُشِيرُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» .

وبِهَذا العُمُومِ الحاصِلِ بِالتَّذْيِيلِ والشّامِلِ …

8

ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ

Allah knows what every female carries and what the wombs lose [prematurely] or exceed. And everything with Him is by due measure.

﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾

انْتِقالٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، فَهو مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] إلَخَّ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. فَلَمّا قامَتِ البَراهِينُ العَدِيدَةُ بِالآياتِ السّابِقَةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ وعَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ الَّتِي أوْدَعَ بِها في المَخْلُوقاتِ دَقائِقَ الخِلْقَةِ، انْتَقَلَ الكَلامُ إلى إثْباتِ العِلْمِ لَهُ تَعالى عِلْمًا عامًّا بِدَقائِقِ الأشْياءِ وعَظائِمِها، ولِذَلِكَ جاءَ افْتِتاحُهُ عَلى الأُسْلُوبِ الَّذِي افْتَتَحَ بِهِ الغَرَضَ السّابِقَ بِأنِ ابْتُدِئَ بِاسْمِ الجَلالَةِ كَما ابْتُدِئَ بِهِ هُنالِكَ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] .

وجُعِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ في هَذا المَوْقِعِ؛ لِأنَّ لَها مُناسَبَةً بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٧]، فَإنَّ ما ذُكِرَ فِيها مِن عِلْمِ اللَّهِ وعَظِيمِ صُنْعِهِ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يُعْجِزُهُ الإتْيانُ بِما اقْتَرَحُوا مِنَ الآياتِ؛ ولَكِنَّ بِعْثَةَ الرَّسُولِ لَيْسَ المَقْصِدُ مِنها المُنازَعاتِ بَلْ هي دَعْوَةٌ لِلنَّظَرِ في الأدِلَّةِ.

صفحة ٩٧

وإذْ قَدْ كانَ خَلْقُ اللَّهِ العَوالِمَ وغَيْرَها مَعْلُومًا لَدى المُشْرِكِينَ ولَكِنَّ الإقْبالَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ يُذْهِلُهم عَنْ تَذَكُّرِهِ، كانُوا غَيْرَ مُحْتاجِينَ لِأكْثَرَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِذَلِكَ وبِالتَّنْبِيهِ إلى ما قَدْ يَخْفى مِن دَقائِقِ التَّكْوِينِ كَقَوْلِهِ آنِفًا (بِغَيْرِ عَمَدٍ) وقَوْلِهِ ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ [الرعد: ٤] إلَخْ؛ صِيغَ الإخْبارُ عَنِ الخَلْقِ في آيَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] إلَخْ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِ لِلْعِلْمِ بِثُبُوتِ مَضْمُونِ الصِّلَةِ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ.

وجِيءَ في تِلْكَ الصِّلَةِ بِفِعْلِ المُضِيِّ فَقالَ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا. فَأمّا هُنا فَصِيغَ الخَبَرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُفِيدِ لِلتَّجَدُّدِ والتَّكْرِيرِ لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدُ التَّعَلُّقِ بِمُقْتَضى أحْوالِ المَعْلُوماتِ المُتَنَوِّعَةِ والمُتَكاثِرَةِ عَلى نَحْوِ ما قُرِّرَ في قَوْلِهِ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الرعد: ٢] .

وذُكِرَ مِن مَعْلُوماتِ اللَّهِ ما لا نِزاعَ في أنَّهُ لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ يَوْمَئِذٍ ولا تُسْتَشارُ فِيهِ آلِهَتُهم عَلى وجْهِ المِثالِ بِإثْباتِ الجُزْئِيِّ لِإثْباتِ الكُلِّيِّ، فَما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى هي أجِنَّةُ الإنْسانِ والحَيَوانِ. ولِذَلِكَ جِيءَ بِفِعْلِ الحَمْلِ دُونَ الحَبَلِ لِاخْتِصاصِ الحَبَلِ بِحَمْلِ المَرْأةِ.

و(ما) مَوْصُولَةٌ، وعُمُومُها يَقْتَضِي عِلْمَ اللَّهِ بِحالِ الحَمْلِ المَوْجُودِ مِن ذُكُورَةٍ وأُنُوثَةٍ، وتَمامٍ ونَقْصٍ، وحُسْنٍ وقُبْحٍ، وطُولٍ وقِصَرٍ، ولَوْنٍ. وتَغِيضُ: تَنْقُصُ. والظّاهِرُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ العُلُوقِ؛ لِأنَّ غَيْضَ الرَّحِمِ انْحِباسُ دَمِ الحَيْضِ عَنْها، وازْدِيادُها: فَيَضانُ الحَيْضِ مِنها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الغَيْضُ مُسْتَعارًا لِعَدَمِ التَّعَدُّدِ.

والِازْدِيادُ: التَّعَدُّدُ أيْ ما يَكُونُ في الأرْحامِ مِن جَنِينٍ واحِدٍ أوْ عِدَّةِ أجِنَّةٍ وذَلِكَ في الإنْسانِ والحَيَوانِ. …

9

عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ

[He is] Knower of the unseen and the witnessed, the Grand, the Exalted.

﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾

انْتِقالٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، فَهو مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] إلَخَّ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. فَلَمّا قامَتِ البَراهِينُ العَدِيدَةُ بِالآياتِ السّابِقَةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ وعَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ الَّتِي أوْدَعَ بِها في المَخْلُوقاتِ دَقائِقَ الخِلْقَةِ، انْتَقَلَ الكَلامُ إلى إثْباتِ العِلْمِ لَهُ تَعالى عِلْمًا عامًّا بِدَقائِقِ الأشْياءِ وعَظائِمِها، ولِذَلِكَ جاءَ افْتِتاحُهُ عَلى الأُسْلُوبِ الَّذِي افْتَتَحَ بِهِ الغَرَضَ السّابِقَ بِأنِ ابْتُدِئَ بِاسْمِ الجَلالَةِ كَما ابْتُدِئَ بِهِ هُنالِكَ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] .

وجُعِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ في هَذا المَوْقِعِ؛ لِأنَّ لَها مُناسَبَةً بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٧]، فَإنَّ ما ذُكِرَ فِيها مِن عِلْمِ اللَّهِ وعَظِيمِ صُنْعِهِ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يُعْجِزُهُ الإتْيانُ بِما اقْتَرَحُوا مِنَ الآياتِ؛ ولَكِنَّ بِعْثَةَ الرَّسُولِ لَيْسَ المَقْصِدُ مِنها المُنازَعاتِ بَلْ هي دَعْوَةٌ لِلنَّظَرِ في الأدِلَّةِ.

صفحة ٩٧

وإذْ قَدْ كانَ خَلْقُ اللَّهِ العَوالِمَ وغَيْرَها مَعْلُومًا لَدى المُشْرِكِينَ ولَكِنَّ الإقْبالَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ يُذْهِلُهم عَنْ تَذَكُّرِهِ، كانُوا غَيْرَ مُحْتاجِينَ لِأكْثَرَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِذَلِكَ وبِالتَّنْبِيهِ إلى ما قَدْ يَخْفى مِن دَقائِقِ التَّكْوِينِ كَقَوْلِهِ آنِفًا (بِغَيْرِ عَمَدٍ) وقَوْلِهِ ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ [الرعد: ٤] إلَخْ؛ صِيغَ الإخْبارُ عَنِ الخَلْقِ في آيَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] إلَخْ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِ لِلْعِلْمِ بِثُبُوتِ مَضْمُونِ الصِّلَةِ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ.

وجِيءَ في تِلْكَ الصِّلَةِ بِفِعْلِ المُضِيِّ فَقالَ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا. فَأمّا هُنا فَصِيغَ الخَبَرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُفِيدِ لِلتَّجَدُّدِ والتَّكْرِيرِ لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدُ التَّعَلُّقِ بِمُقْتَضى أحْوالِ المَعْلُوماتِ المُتَنَوِّعَةِ والمُتَكاثِرَةِ عَلى نَحْوِ ما قُرِّرَ في قَوْلِهِ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الرعد: ٢] .

وذُكِرَ مِن مَعْلُوماتِ اللَّهِ ما لا نِزاعَ في أنَّهُ لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ يَوْمَئِذٍ ولا تُسْتَشارُ فِيهِ آلِهَتُهم عَلى وجْهِ المِثالِ بِإثْباتِ الجُزْئِيِّ لِإثْباتِ الكُلِّيِّ، فَما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى هي أجِنَّةُ الإنْسانِ والحَيَوانِ. ولِذَلِكَ جِيءَ بِفِعْلِ الحَمْلِ دُونَ الحَبَلِ لِاخْتِصاصِ الحَبَلِ بِحَمْلِ المَرْأةِ.

و(ما) مَوْصُولَةٌ، وعُمُومُها يَقْتَضِي عِلْمَ اللَّهِ بِحالِ الحَمْلِ المَوْجُودِ مِن ذُكُورَةٍ وأُنُوثَةٍ، وتَمامٍ ونَقْصٍ، وحُسْنٍ وقُبْحٍ، وطُولٍ وقِصَرٍ، ولَوْنٍ. وتَغِيضُ: تَنْقُصُ. والظّاهِرُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ العُلُوقِ؛ لِأنَّ غَيْضَ الرَّحِمِ انْحِباسُ دَمِ الحَيْضِ عَنْها، وازْدِيادُها: فَيَضانُ الحَيْضِ مِنها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الغَيْضُ مُسْتَعارًا لِعَدَمِ التَّعَدُّدِ.

والِازْدِيادُ: التَّعَدُّدُ أيْ ما يَكُونُ في الأرْحامِ مِن جَنِينٍ واحِدٍ أوْ عِدَّةِ أجِنَّةٍ وذَلِكَ في الإنْسانِ والحَيَوانِ. …

10

سَوَآءٌۭ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ

It is the same [to Him] concerning you whether one conceals [his] speech or one publicizes it and whether one is hidden by night or conspicuous [among others] by day.

﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ مَضْمُونَها بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِعُمُومِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالخَفِيّاتِ والظَّواهِرِ. وعَدَلَ عَنِ الغَيْبَةِ المُتَّبَعَةِ في الضَّمائِرِ فِيما تَقَدَّمَ إلى الخِطابِ هُنا في قَوْلِهِ (﴿سَواءٌ مِنكُمْ﴾) لِأنَّهُ تَعْلِيمٌ يَصْلُحُ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.

وفِيها تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ المُتَآمِرِينَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ .

و(سَواءٌ) اسْمٌ بِمَعْنى مُسْتَوٍ. وإنَّما يَقَعُ مَعْناهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَصاعِدًا. واسْتُعْمِلَ سَواءٌ في الكَلامِ مُلازِمًا حالَةً واحِدَةً فَيُقالُ: هُما سَواءٌ وهم سَواءٌ، قالَ تَعالى ﴿فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ [الروم: ٢٨]، ومَوْقِعُ (سَواءٌ) هُنا مَوْقِعُ المُبْتَدَأِ. و(﴿مَن أسَرَّ القَوْلَ﴾) فاعِلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخَبَرِ، ويَجُوزُ جَعْلُ (سَواءٌ) خَبَرًا مُقَدَّمًا و(مَن أسَرَّ) مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا و(مِنكم) حالٌ مِن (أسَرَّ) .

والِاسْتِخْفاءُ: هُنا الخَفاءُ. فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ مِثْلَ اسْتَجابَ.

والسّارِبُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن سَرَبَ إذا ذَهَبَ في السَّرْبِ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ الرّاءِ وهو الطَّرِيقُ. وهَذا مِنَ الأفْعالِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ. وذِكْرُ الِاسْتِخْفاءِ مَعَ اللَّيْلِ لِكَوْنِهِ أشَدَّ خَفاءً. وذِكْرُ السُّرُوبِ مَعَ النَّهارِ لِكَوْنِهِ أشَدَّ ظُهُورًا. والمَعْنى: أنَّ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ سَواءٌ لَدى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.

صفحة ١٠٠

والواوُ الَّتِي عَطَفَتْ أسْماءَ المَوْصُولِ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ لِلتَّقْسِيمِ فَهي بِمَعْنى أوْ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.