Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 41–43 of 43

41

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

Have they not seen that We set upon the land, reducing it from its borders? And Allah decides; there is no adjuster of His decision. And He is swift in account.

﴿أوَلَمَ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهْوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [يونس: ٤٦] المُتَعَلِّقَةِ بِجُمْلَةِ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] . عُقِّبَتْ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِإنْذارِ المُكَذِّبِينَ بِأنَّ مَلامِحَ نَصْرِ النَّبِيءِ ﷺ قَدْ لاحَتْ، وتَباشِيرُ ظَفَرِهِ قَدْ طَلَعَتْ لِيَتَدَبَّرُوا في

صفحة ١٧١

أمْرِهِمْ، فَكانَ تَعْقِيبُ المَعْطُوفِ عَلَيْها بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِلِاحْتِراسِ مِن أنْ يَتَوَهَّمُوا أنَّ العِقابَ بَطِيءٌ وغَيْرُ واقِعٍ بِهِمْ. وهي أيْضًا بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأَّنَ اللَّهَ مُظْهِرُ نَصْرِهِ في حَياتِهِ وقَدْ جاءَتْ أشْراطُهُ، فَهي أيْضًا احْتِراسٌ مِن أنْ يَيْأسَ النَّبِيءُ ﷺ مِن رُؤْيَةِ نَصْرِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ مُتِمٌّ نُورَهُ بِهَذا الدِّينِ.

والِاسْتِفْهامُ في أوَلَمْ يَرَوْا إنْكارِيٌّ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُكَذِّبِينَ العائِدُ إلَيْهِمْ ضَمِيرُ (نَعِدُهم)، والكَلامُ تَهْدِيدٌ لَهم بِإيقاظِهِمْ إلى ما دَبَّ إلَيْهِمْ مِن أشْباحِ الِاضْمِحْلالِ بِإنْقاصِ الأرْضِ، أيْ: سُكّانِها.

والرُّؤْيَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً. والمُرادُ: رُؤْيَةُ آثارِ ذَلِكَ النَّقْصِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً، أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا ما حَلَّ بِأرْضِي الأُمَمِ السّابِقَةِ مِن نَقْصِ.

وتَعْرِيفُ ”الأرْضِ“ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ: نَأْتِي أيَّةَ أرْضٍ مِن أرْضِي الأُمَمِ. وأُطْلِقَتِ الأرْضُ هُنا عَلى أهْلِها مَجازًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] بِقَرِينَةِ تَعَلُّقِ فِعْلِ النَّقْصِ بِها؛ لِأنَّ النَّقْصَ لا يَكُونُ في ذاتِ الأرْضِ ولا يُرى نَقْصٌ فِيها ولَكِنَّهُ يَقَعُ فَيِمَن عَلَيْها. وهَذا بابُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] .

وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ أرْضُ الكافِرِينَ مِن قُرَيْشٍ فَيَكُونُ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، وتَكُونُ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً، ويَكُونُ ذَلِكَ إيقاظًا لَهم كَما غَلَبَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِن أرْضِ العَدُوِّ فَخَرَجَتْ مِن سُلْطانِهِ فَتَنْقُصُ الأرْضُ الَّتِي كانَتْ في تَصَرُّفِهِمْ وتَزِيدُ الأرْضُ الخاضِعَةُ لِأهْلِ الإسْلامِ. وبَنَوْا عَلى ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهو الَّذِي حَمَلَ فَرِيقًا عَلى القَوْلِ بِأنَّ سُورَةَ الرَّعْدِ مَدَنِيَّةٌ فَإذا اعْتُبِرَتْ مَدَنِيَّةً صَحَّ أنْ تُفَسَّرَ الأطْرافُ بِطَرَفَيْنِ وهَما مَكَّةُ

صفحة ١٧٢

والمَدِينَةُ فَإنَّهُما طَرَفا بِلادِ العَرَبِ، فَمَكَّةُ طَرَفُها مِن جِهَةِ اليَمَنِ، والمَدِينَةُ طَرَفُ البِلادِ مِن جِهَةِ الشّامِ، ولَمْ يَزَلْ عَدَدُ الكُفّارِ في البَلَدَيْنِ في انْتِقاصٍ بِإسْلامِ كُفّارِها إلى أنْ تَمَحَّضَتِ المَدِينَةُ ثُمَّ تَمَحَّضَتْ مَكَّةُ لَهُ بَعْدَ يَوْمِ الفَتْحِ.

وأيًّا ما كانَ تَفْسِيرُ الآيَةِ وسَبَبُ نُزُولِها ومَكانُهُ فَهي لِلْإنْذارِ بِأنَّهم صائِرُونَ إلى زَوالٍ وأنَّهم مَغْلُوبُونَ زائِلُونَ، كَقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤]، أيْ: ما هُمُ الغالِبُونَ. وهَذا إمْهالٌ لَهم وإعْذارٌ لَعَلَّهم يَتَدارَكُونَ أمْرَهم.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ أوَلَمْ يَرَوْا مُؤَكِّدَةً …

42

وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًۭا ۖ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍۢ ۗ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّٰرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ

And those before them had plotted, but to Allah belongs the plan entirely. He knows what every soul earns, and the disbelievers will know for whom is the final home.

﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وسَيَعْلَمُ الكافِرُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ لَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١] تَهْدِيدًا وإنْذارًا مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ [محمد: ١٨] وهو إنْذارٌ بِوَعِيدٍ عَلى تَظاهُرِهِمْ بِطَلَبِ الآياتِ وهم يُضْمِرُونَ التَّصْمِيمَ عَلى التَّكْذِيبِ والِاسْتِمْرارَ عَلَيْهِ. شُبِّهَ عَمَلُهم بِالمَكْرِ وشُبِّهَ بِعَمَلِ المُكَذِّبِينَ السّابِقِينَ كَقَوْلِهِ ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٦]، وفي هَذا التَّشْبِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ عاقِبَتَهم كَعاقِبَةِ الأُمَمِ الَّتِي عَرَفُوها. فَنَقْصُ أرْضِ هَؤُلاءِ مِن أطْرافِها مِن مَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ جَزاءُ مَكْرِهِمْ، فَلِذَلِكَ أُعْقِبَ بِقَوْلِهِ ﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: كَما مَكَرَ هَؤُلاءِ.

فَجُمْلَةُ ﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ حالٌ أوْ مُعْتَرِضَةٌ.

وجُمْلَةُ ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١] وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] .

صفحة ١٧٤

والمَعْنى: مَكَرَ هَؤُلاءِ ومَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وحَلَّ العَذابُ بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ فَمَكَرَ اللَّهُ بِهِمْ وهو يَمْكُرُ بِهَؤُلاءِ مَكْرًا عَظِيمًا كَما مَكَرَ بِمَن قَبْلَهم.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ: لَهُ لا لِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ مَكْرَهُ لا يَدْفَعُهُ دافِعٌ فَمَكْرُ غَيْرِهِ كَلا مَكْرٍ بِقَرِينَةِ أنَّهُ أثْبَتَ لَهم مَكْرًا بُقُولِهِ ﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، وهَذا بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] .

وأكَّدَ مَدْلُولَ الِاخْتِصاصِ بِقَوْلِهِ (جَمِيعًا) وهو حالٌ مِنَ المَكْرِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٤] في سُورَةِ يُونُسَ.

وإنَّما جُعِلَ جَمِيعُ المَكْرِ لِلَّهِ بِتَنْزِيلِ مَكْرِ غَيْرِهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ، فالقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ﴾ ادِّعائِيٌّ، والعُمُومُ في قَوْلِهِ جَمِيعًا تَنْزِيلِيٌّ.

وجُمْلَةُ ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ بِمَنزِلَةِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾، لِأنَّهُ لَمّا كانَ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ مِن ظاهِرِ الكَسْبِ وباطِنِهِ كانَ مَكْرُهُ أشَدَّ مِن مَكْرِ كُلِّ نَفْسٍ لِأنَّهُ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِمّا تُضْمِرُهُ النُّفُوسُ مِنَ المَكْرِ فَيَبْقى بَعْضُ مَكْرِهِمْ دُونَ مُقابَلَةٍ بِأشَدَّ مِنهُ، فَإنَّ القَوِيَّ الشَّدِيدَ الَّذِي لا يَعْلَمُ الغُيُوبَ قَدْ يَكُونُ عِقابُهُ أشَدَّ ولَكِنَّهُ قَدْ يَفُوقُهُ الضَّعِيفُ بِحِيلَتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وسَيَعْلَمُ الكافِرُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾، والمُرادُ بِالكافِرِ الجِنْسُ، أيِ الكُفّارُ. و﴿عُقْبى الدّارِ﴾ تَقَدَّمَ آنِفًا، أيْ: سَيَعْلَمُ أنَّ عُقْبى الدّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ لا لِلْكافِرِينَ، فالكَلامُ تَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وسَيَعْلَمُ الكافِرُ) بِإفْرادِ الكافِرِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ ﴿وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ. والمُفْرَدُ والجَمْعُ سَواءٌ في المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ.

43

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَسْتَ مُرْسَلًۭا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَٰبِ

And those who have disbelieved say, "You are not a messenger." Say, [O Muhammad], "Sufficient is Allah as Witness between me and you, and [the witness of] whoever has knowledge of the Scripture."

صفحة ١٧٥

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ عَطْفٌ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الرعد: ٤٢] مِنَ التَّعْرِيضِ بِأنَّ قَوْلَهم ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] ضَرْبٌ مِنَ المَكْرِ بِإظْهارِهِمْ أنَّهم يَتَطَلَّبُونَ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، مُظْهِرِينَ أنَّهم في شَكٍّ قَدْ أفْصَحُوا تاراتٍ بِما أبْطَنُوهُ فَنَطَقُوا بِصَرِيحِ التَّكْذِيبِ وخَرَجُوا مِن طَوْرِ المَكْرِ إلى طَوْرِ المُجاهَرَةِ بِالكُفْرِ فَقالُوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ .

وقَدْ حُكِيَ قَوْلُهم بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم ولِاسْتِحْضارِ حالِهِمْ العَجِيبَةِ مِنَ الِاسْتِمْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ بَعْدَ أنْ رَأوْا دَلائِلَ الصِّدْقِ، كَما عَبَّرَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] وقَوْلِهِ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] . ولَمّا كانَتْ مَقالَتُهم المَحْكِيَّةُ هُنا صَرِيحَةً لا مُوارَبَةَ فِيها أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِجَوابٍ لا جِدالَ فِيهِ وهو تَحْكِيمُ اللَّهِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم.

وقَدْ أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يُجِيبَهم جَوابَ الواثِقِ بِصِدْقِهِ المُسْتَشْهِدِ عَلى ذَلِكَ بِشَهادَةِ الصِّدْقِ مِن إشْهادِ اللَّهِ تَعالى وإشْهادِ العالِمِينَ بِالكُتُبِ والشَّرائِعِ.

ولَمّا كانَتِ الشَّهادَةُ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالصِّدْقِ شَهادَةً عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم كاذِبُونَ جُعِلَتِ الشَّهادَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم.

وإشْهادُ اللَّهِ في مَعْنى الحَلِفِ عَلى الصِّدْقِ كَقَوْلِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ [هود: ٥٤] .

والباءُ الدّاخِلَةُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ الَّذِي هو فاعِلُ كَفى في المَعْنى لِلتَّأْكِيدِ.

صفحة ١٧٦

وأصْلُ التَّرْكِيبِ: كَفى اللَّهُ، و(شَهِيدًا) حالٌ لازِمَةٌ أوْ تَمْيِيزٌ، أيْ: كَفى اللَّهُ مِن جِهَةِ الشّاهِدِ.

﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ.

والمَوْصُولُ في ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ جِنْسُ مَن يَتَّصِفُ بِالصِّلَةِ. والمَعْنى: وكُلُّ مَن عِنْدَهم عِلْمُ الكِتابِ. وإفْرادُ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ ”عِنْدَ“ لِمُراعاةِ لَفْظِ ”مَن“ . وتَعْرِيفُ الكِتابِ تَعْرِيفٌ لِلْعَهْدِ، وهو التَّوْراةُ. أيْ: وشَهادَةُ عُلَماءِ الكِتابِ. وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ كانُوا قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ يَسْتَظْهِرُونَ عَلى المُشْرِكِينَ بِمَجِيءِ النَّبِيءِ المُصَدِّقِ لِلتَّوْراةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ مُعَيَّنًا، فَهو ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ إذْ عَلِمَ أهْلُ مَكَّةَ أنَّهُ شَهِدَ بِأنَّ ما أُوحِيَ بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو النّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما في حَدِيثِ بَدْءِ الوَحْيِ في الصَّحِيحِ. وكانَ ورَقَةُ مُنْفَرِدًا بِمَعْرِفَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وقَدْ كانَ خَبَرُ قَوْلِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ ما قالَهُ مَعْرُوفًا عِنْدَ قُرَيْشٍ.

فالتَّعْرِيفُ في الكِتابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُنْحَصِرِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.

وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ الَّذِي آمَنَ بِالنَّبِيءِ ﷺ في أوَّلِ مَقْدَمِهِ المَدِينَةَ. ويُبْعِدُهُ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ. ووَجْهُ شَهادَةِ عُلَماءِ الكِتابِ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وِجْدانُهُمُ البِشارَةَ بِنَبِيءٍ خاتَمٍ لِلرُّسُلِ ﷺ ووِجْدانُهم ما جاءَ في القُرْآنِ مُوافِقًا لِسُنَنِ الشَّرائِعِ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.