أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
Have they not seen that We set upon the land, reducing it from its borders? And Allah decides; there is no adjuster of His decision. And He is swift in account.
﴿أوَلَمَ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهْوَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [يونس: ٤٦] المُتَعَلِّقَةِ بِجُمْلَةِ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] . عُقِّبَتْ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِإنْذارِ المُكَذِّبِينَ بِأنَّ مَلامِحَ نَصْرِ النَّبِيءِ ﷺ قَدْ لاحَتْ، وتَباشِيرُ ظَفَرِهِ قَدْ طَلَعَتْ لِيَتَدَبَّرُوا في
صفحة ١٧١
أمْرِهِمْ، فَكانَ تَعْقِيبُ المَعْطُوفِ عَلَيْها بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِلِاحْتِراسِ مِن أنْ يَتَوَهَّمُوا أنَّ العِقابَ بَطِيءٌ وغَيْرُ واقِعٍ بِهِمْ. وهي أيْضًا بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأَّنَ اللَّهَ مُظْهِرُ نَصْرِهِ في حَياتِهِ وقَدْ جاءَتْ أشْراطُهُ، فَهي أيْضًا احْتِراسٌ مِن أنْ يَيْأسَ النَّبِيءُ ﷺ مِن رُؤْيَةِ نَصْرِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ مُتِمٌّ نُورَهُ بِهَذا الدِّينِ.
والِاسْتِفْهامُ في أوَلَمْ يَرَوْا إنْكارِيٌّ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُكَذِّبِينَ العائِدُ إلَيْهِمْ ضَمِيرُ (نَعِدُهم)، والكَلامُ تَهْدِيدٌ لَهم بِإيقاظِهِمْ إلى ما دَبَّ إلَيْهِمْ مِن أشْباحِ الِاضْمِحْلالِ بِإنْقاصِ الأرْضِ، أيْ: سُكّانِها.
والرُّؤْيَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً. والمُرادُ: رُؤْيَةُ آثارِ ذَلِكَ النَّقْصِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً، أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا ما حَلَّ بِأرْضِي الأُمَمِ السّابِقَةِ مِن نَقْصِ.
وتَعْرِيفُ ”الأرْضِ“ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ: نَأْتِي أيَّةَ أرْضٍ مِن أرْضِي الأُمَمِ. وأُطْلِقَتِ الأرْضُ هُنا عَلى أهْلِها مَجازًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] بِقَرِينَةِ تَعَلُّقِ فِعْلِ النَّقْصِ بِها؛ لِأنَّ النَّقْصَ لا يَكُونُ في ذاتِ الأرْضِ ولا يُرى نَقْصٌ فِيها ولَكِنَّهُ يَقَعُ فَيِمَن عَلَيْها. وهَذا بابُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] .
وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ أرْضُ الكافِرِينَ مِن قُرَيْشٍ فَيَكُونُ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، وتَكُونُ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً، ويَكُونُ ذَلِكَ إيقاظًا لَهم كَما غَلَبَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِن أرْضِ العَدُوِّ فَخَرَجَتْ مِن سُلْطانِهِ فَتَنْقُصُ الأرْضُ الَّتِي كانَتْ في تَصَرُّفِهِمْ وتَزِيدُ الأرْضُ الخاضِعَةُ لِأهْلِ الإسْلامِ. وبَنَوْا عَلى ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهو الَّذِي حَمَلَ فَرِيقًا عَلى القَوْلِ بِأنَّ سُورَةَ الرَّعْدِ مَدَنِيَّةٌ فَإذا اعْتُبِرَتْ مَدَنِيَّةً صَحَّ أنْ تُفَسَّرَ الأطْرافُ بِطَرَفَيْنِ وهَما مَكَّةُ
صفحة ١٧٢
والمَدِينَةُ فَإنَّهُما طَرَفا بِلادِ العَرَبِ، فَمَكَّةُ طَرَفُها مِن جِهَةِ اليَمَنِ، والمَدِينَةُ طَرَفُ البِلادِ مِن جِهَةِ الشّامِ، ولَمْ يَزَلْ عَدَدُ الكُفّارِ في البَلَدَيْنِ في انْتِقاصٍ بِإسْلامِ كُفّارِها إلى أنْ تَمَحَّضَتِ المَدِينَةُ ثُمَّ تَمَحَّضَتْ مَكَّةُ لَهُ بَعْدَ يَوْمِ الفَتْحِ.
وأيًّا ما كانَ تَفْسِيرُ الآيَةِ وسَبَبُ نُزُولِها ومَكانُهُ فَهي لِلْإنْذارِ بِأنَّهم صائِرُونَ إلى زَوالٍ وأنَّهم مَغْلُوبُونَ زائِلُونَ، كَقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤]، أيْ: ما هُمُ الغالِبُونَ. وهَذا إمْهالٌ لَهم وإعْذارٌ لَعَلَّهم يَتَدارَكُونَ أمْرَهم.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ أوَلَمْ يَرَوْا مُؤَكِّدَةً …