Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 31–40 of 43

31

وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًۭا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا۟ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًۭا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

And if there was any qur'an by which the mountains would be removed or the earth would be broken apart or the dead would be made to speak, [it would be this Qur'an], but to Allah belongs the affair entirely. Then have those who believed not accepted that had Allah willed, He would have guided the people, all of them? And those who disbelieve do not cease to be struck, for what they have done, by calamity - or it will descend near their home - until there comes the promise of Allah. Indeed, Allah does not fail in [His] promise.

﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها أنَّ رِسالَتَهُ لَمْ تَكُنْ إلّا مِثْلَ رِسالَةِ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما أشارَ إلَيْهِ صِفَةُ ﴿أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ [الرعد: ٣٠]، فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ تَتِمَّةً لِلْجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] .

صفحة ١٤٣

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قُلْ هو رَبِّي﴾ [الرعد: ٣٠] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: ٣٣] كَما سَيَأْتِي هُنالِكَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَحْكِيَّةً بِالقَوْلِ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿هُوَ رَبِّي لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [الرعد: ٣٠] .

والمَعْنى: لَوْ أنَّ كِتابًا مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ اشْتَمَلَ عَلى أكْثَرَ مِنَ الهِدايَةِ فَكانَتْ مَصادِرَ لِإيجادِ العَجائِبِ لَكانَ هَذا القُرْآنُ كَذَلِكَ ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنٌ كَذَلِكَ، فَهَذا القُرْآنُ لا يُتَطَلَّبُ مِنهُ الِاشْتِمالُ عَلى ذَلِكَ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن سُنَنِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ.

وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ. وحَذْفُ جَوابِ لَوْ كَثِيرٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وقَوْلِهِ ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] .

ويُفِيدُ ذَلِكَ مَعْنًى تَعْرِيضِيًّا بِالنِّداءِ عَلَيْهِمْ بِنِهايَةِ ضَلالَتِهِمْ، إذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهَدْيِ القُرْآنِ ودَلائِلِهِ، والحالُ لَوْ أنَّ قُرْآنًا أمَرَ الجِبالَ أنْ تَسِيرَ والأرْضَ أنْ تَتَقَطَّعَ والمَوْتى أنْ تَتَكَلَّمَ لَكانَ هَذا القُرْآنُ بالِغًا ذَلِكَ ولَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن شَأْنِ الكُتُبِ، فَيَكُونُ عَلى حَدِّ قَوْلِ أُبَيِّ بْنِ سُلْمى مِنَ الحَماسَةِ:

ولَوْ طارَ ذُو حافِرٍ قَبْلَها لَطارَتْ ولَكِنَّهُ لَمْ يَطِرِ

ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ مِن بَيْنِ الخَوارِقِ المَفْرُوضَةِ ما رَواهُ الواحِدِيُّ والطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ أبا جَهْلٍ وابْنَ أبِي أُمَيَّةَ جَلَسُوا خَلْفَ الكَعْبَةِ ثُمَّ أرْسَلُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالُوا: لَوْ وسَّعْتَ لَنا جِبالَ مَكَّةَ فَسَيَّرْتَها حَتّى تَتَّسِعَ أرْضُنا فَنَحْتَرِثَها فَإنَّها ضَيِّقَةٌ، أوْ قَرِّبْ إلَيْنا الشّامَ فَإنّا نَتَّجِرُ إلَيْها، أوْ أخْرِجْ قُصَيًّا نُكَلِّمْهُ.

وقَدْ يُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوايَةَ أنَّهُ تَكَرَّرَ فَرْضُ تَكْلِيمِ المَوْتى بِقَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ [الأنعام: ١١١]، فَكانَ في ذِكْرِ

صفحة ١٤٤

هَذِهِ الأشْياءِ إشارَةٌ إلى تَهَكُّمِهِمْ. وعَلى هَذا يَكُونُ ﴿قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ قُطِّعَتْ مَسافاتُ الأسْفارِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] .

وجُمْلَةُ ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ بِحَرْفِ الإضْرابِ. أيْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن شَأْنِ الكُتُبِ بَلْ لِلَّهِ أمْرُ كُلِّ مُحْدَثٍ فَهو الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ وهو الَّذِي يَخْلُقُ العَجائِبَ إنْ شاءَ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلى النَّبِيءِ ﷺ ولا عِنْدَ سُؤالِكم. فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِأنْ يَقُولَ هَذا الكَلامَ إجْراءً لِكَلامِهِمْ عَلى خِلافِ …

32

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ

And already were [other] messengers ridiculed before you, and I extended the time of those who disbelieved; then I seized them, and how [terrible] was My penalty.

﴿ولَقَدُ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْءانًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] إلَخَّ؛ لِأنَّ تِلْكَ المُثُلَ الثَّلاثَةَ الَّتِي فُرِضَتْ أُرِيدَ بِها أُمُورٌ سَألَها المُشْرِكُونَ النَّبِيءَ ﷺ اسْتِهْزاءً وتَعْجِيزًا لا لِتَرَقُّبِ حُصُولِها.

وجاءَتْ عَقِبَ الجُمْلَتَيْنِ لِما فِيها مِنَ المُناسَبَةِ لَهُما مِن جِهَةِ المُثُلِ الَّتِي في الأُولى ومِن جِهَةِ الغايَةِ الَّتِي في الثّانِيَةِ.

صفحة ١٤٨

وقَدِ اسْتَهْزَأ قَوْمُ نُوحٍ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ [هود: ٣٨]، واسْتَهْزَأتْ عادٌ بِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧]، واسْتَهْزَأتْ ثَمُودُ بِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ [الأعراف: ٦٦]، واسْتَهْزَءُوا بِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنَّتِ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، واسْتَهْزَأ فِرْعَوْنُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] .

والِاسْتِهْزاءُ: مُبالِغَةٌ في الهَزْءِ مِثْلَ الِاسْتِسْخارِ في السُّخْرِيَةِ.

والإمْلاءُ: الإمْهالُ والتَّرْكُ مُدَّةً. ومِنهُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وأُمْلِي لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٢] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والِاسْتِفْهامُ في ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ لِلتَّعْجِيبِ.

وعِقابِ أصْلُهُ عِقابِي مِثْلَ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿وإلَيْهِ مَتابِ﴾ [الرعد: ٣٠] والكَلامُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، ووَعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ.

33

أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَٰهِرٍۢ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ

Then is He who is a maintainer of every soul, [knowing] what it has earned, [like any other]? But to Allah they have attributed partners. Say, "Name them. Or do you inform Him of that which He knows not upon the earth or of what is apparent of speech?" Rather, their [own] plan has been made attractive to those who disbelieve, and they have been averted from the way. And whomever Allah leaves astray - there will be for him no guide.

﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصَدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾

الفاءُ الواقِعَةُ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ مُؤَخَّرَةٌ مِن تَقْدِيمٍ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لَها الصَّدارَةُ. فَتَقْدِيرُ أصْلِ النَّظْمِ: أفَمَنَ هو قائِمٌ. فالفاءُ لِتَفْرِيعِ الِاسْتِفْهامِ

صفحة ١٤٩

ولَيْسَ اسْتِفْهامًا عَلى التَّفْرِيعِ، وذَلِكَ هو الوَجْهُ في وُقُوعِ حُرُوفِ العَطْفِ الثَّلاثَةِ الواوِ والفاءِ وثُمَّ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ وهو رَأْيُ المُحَقِّقِينَ، خِلافًا لِمَن يَجْعَلُونَ الِاسْتِفْهامَ وارِدًا عَلى حَرْفِ العَطْفِ وما عَطَفَهُ.

فالفاءُ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [الرعد: ٣٠] المُجابِ بِهِ حِكايَةُ كَفْرِهِمُ المُضَمَّنِ في جُمْلَةِ ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠]، فالتَّفْرِيعُ في المَعْنى عَلى مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ: كُفْرِهِمْ وإيمانِ النَّبِيءِ ﷺ بِاللَّهِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْءانًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١]، فَيَكُونُ تَرَقِّيًا في إنْكارِ سُؤالِهِمْ إتْيانَ مُعْجِزَةٍ غَيْرِ القُرْآنِ، أيْ إنْ تَعْجَبْ مِن إنْكارِهِمْ آياتِ القُرْآنِ فَإنَّ أعْجَبَ مِنهُ جَعْلُهُمُ القائِمَ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مُماثِلًا لِمَن جَعَلُوهم لِلَّهِ شُرَكاءَ.

واعْتُرِضَ أثَرَ ذَلِكَ بِرَدِّ سُؤالِهِمْ أنْ تُسَيَّرَ الجِبالُ أوْ تُقَطَّعَ الأرْضُ أوْ تُكَلَّمَ المَوْتى، وتَذْكِيرُهم بِما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِن قَبْلِهِمْ مَعَ إدْماجِ تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِمَ فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في تَصْوِيرِ الآيَةِ مَحامِلُ مُخْتَلِفَةٌ وكَثِيرٌ مِنها مُتَقارِبَةٌ، ومَرْجِعُ المُتَّجَهِ مِنها إلى أنَّ في النَّظْمِ حَذْفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ ما هو مَذْكُورٌ فِيهِ، أوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِياقُ. والوَجْهُ في بَيانِ النَّظْمِ أنَّ التَّفْرِيعَ عَلى مَجْمُوعِ قَوْلِهِ ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [الرعد: ٣٠] أيْ أنَّ كُفْرَهم بِالرَّحْمَنِ وإيمانَكَ بِأنَّهُ رَبُّكَ المَقْصُورَةَ عَلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةُ يَتَفَرَّعُ عَلى مَجْمُوعِ ذَلِكَ اسْتِفْهامُهُمُ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ عَلَيْهِمْ تَسْوِيَتَهم مَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِمَن لَيْسَ مِثْلُهُ مَن جَعَلُوهم لَهُ شُرَكاءَ، أيْ كَيْفَ يُشْرِكُونَهم وهم لَيْسُوا سَواءً مَعَ اللَّهِ.

وماصَدَقُ مَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ هو اللَّهُ الإلَهُ الحَقُّ الخالِقُ المُدَبِّرُ.

صفحة ١٥٠

وخَبَرُ مَن هو قائِمٌ مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ والتَّقْدِيُ: أمَّنْ هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ومَن جَعَلُوهم بِهِ شُرَكاءَ سَواءٌ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ. دَلَّ عَلى تَقْدِيرِهِ ما تَقْتَضِيهِ الشَّرِكَةُ في العِبادَةِ مِنَ التَّسْوِيَةِ في الإلَهِيَّةِ واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ لِتِلْكَ التَّسْوِيَةِ المُفادِ مِن لَفْظِ شُرَكاءَ، وبِهَذا المَحْذُوفِ اسْتُغْنِيَ عَنْ تَقْدِيرِ مُعادِلٍ لِلْهَمْزَةِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ صاحِبُ مُغْنِي اللَّبِيبِ؛ لِأنَّ هَذا المُقَدَّرَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِدَلِيلٍ خاصٍّ أقْوى فائِدَةً مِن تَقْدِيرِ المُعادِلِ الَّذِي حاصِلُهُ أنْ يَقْدِّرَ: أمْ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ. وسَيَأْتِي قَرِيبًا بَيانُ …

34

لَّهُمْ عَذَابٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ

For them will be punishment in the life of [this] world, and the punishment of the Hereafter is more severe. And they will not have from Allah any protector.

﴿لَّهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِّنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الرعد: ٣٣]؛ لِأنَّ هَذا التَّهْدِيدَ يُومِئُ إلى وعِيدٍ يُسْألُ عَنْهُ السّامِعُ. وفِيهِ تَكْمِلَةٌ لِلْوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ مَعَ زِيادَةِ الوَعِيدِ بِما بَعْدَ ذَلِكَ في الدّارِ الآخِرَةِ.

وتَنْكِيرُ عَذابٍ لِلتَّعْظِيمِ، وهو عَذابُ القَتْلِ والخِزْيِ والأسْرِ. وإضافَةُ (عَذابٌ) إلى الآخِرَةِ عَلى مَعْنى في.

صفحة ١٥٥

و(مِنَ) الدّاخِلَةُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِتَعْدِيَةِ واقٍ، و(مِن) الدّاخِلَةُ عَلى واقٍ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ.

والواقِي: الحائِلُ دُونَ الضُّرِّ، والوِقايَةُ مِنَ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِن عَذابِهِ بِقَرِينَةِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ.

35

۞ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ أُكُلُهَا دَآئِمٌۭ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ ۖ وَّعُقْبَى ٱلْكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ

The example of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.

﴿مَّثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكْلُها دائِمٌ وِظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ يَرْتَبِطُ بُقُولِهِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ﴾ [الرعد: ٢٩] . ذُكِرَ هُنا بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ ضِدِّهِ في قَوْلِهِ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ [الرعد: ٣٤] .

والمَثَلُ: هُنا الصِّفَةُ العَجِيبَةُ، قِيلَ: هو حَقِيقَةٌ مِن مَعانِي المَثَلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠]، وقِيلَ: هو مُسْتَعارٌ مِنَ المَثَلِ الَّذِي هو الشَّبِيهُ في حالَةٍ عَجِيبَةٍ أُطْلِقَ عَلى الحالَةِ العَجِيبَةِ غَيْرِ الشَّبِيهَةِ لِأنَّها جَدِيرَةٌ بِالتَّشْبِيهِ بِها.

وجُمْلَةُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ خَبَرٌ عَنْ مَثَلٍ بِاعْتِبارِ أنَّها مِن أحْوالِ المُضافِ إلَيْهِ. فَهي مِن أحْوالِ المُضافِ لِشِدَّةِ المُلابَسَةِ بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ، كَما يُقالُ: صِفَةُ زَيْدِ أسْمَرُ.

وجُمْلَةُ ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، والأُكُلُ بِالضَّمِّ: المَأْكُولُ، وتَقَدَّمَ.

ودَوامُ الظِّلِّ كِنايَةٌ عَنِ التِفافِ الأشْجارِ بِحَيْثُ لا فَراغَ بَيْنِها تَنْفُذُ مِنهُ الشَّمْسُ، كَما قالَ تَعالى ﴿وجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ [النبإ: ١٦]، وذَلِكَ مِن مَحامِدِ الجَنّاتِ ومَلاذِّها.

وجُمْلَةُ ﴿تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ.

صفحة ١٥٦

والإشارَةُ إلى الجَنَّةِ بِصِفاتِها بِحَيْثُ صارَتْ كالمُشاهَدَةِ، والمَعْنى: تِلْكَ هي الَّتِي سَمِعْتُمْ أنَّها عُقْبى الدّارِ لِلَّذِينِ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ إلى قَوْلِهِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] هي ﴿الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ . وقَدْ عُلِمَ أنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا هُمُ المُؤْمِنُونَ الصّالِحُونَ كَما تَقَدَّمَ. وأوَّلُ مَراتِبِ التَّقْوى الإيمانُ. وجُمْلَةُ ﴿وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْمُناسَبَةِ بِالمُضادَّةِ. وهي كالبَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] .

36

وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ ٱلْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُۥ ۚ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهِۦٓ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُوا۟ وَإِلَيْهِ مَـَٔابِ

And [the believers among] those to whom We have given the [previous] Scripture rejoice at what has been revealed to you, [O Muhammad], but among the [opposing] factions are those who deny part of it. Say, "I have only been commanded to worship Allah and not associate [anything] with Him. To Him I invite, and to Him is my return."

﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ. وهَذا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتُقِلَ بِهِ إلى فَضْلٍ لِبَعْضِ أهْلِ الكِتابِ في حُسْنِ تَلَقِّيهِمْ لِلْقُرْآنِ بَعْدَ الفَراغِ مِن ذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرعد: ٣٠] إلَخَّ، ولِذَلِكَ جاءَتْ عَلى أُسْلُوبِها في التَّعْقِيبِ بِجُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ .

والمُناسَبَةُ هي أنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ انْقَسَمُوا في التَّصْدِيقِ بِالقُرْآنِ فِرَقًا: فَفَرِيقٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وفَرِيقٌ كَفَرُوا بِهِ وهم مِصْداقُ قَوْلِهِ ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] . كَما تَقَدَّمَ أنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ المَفْهُومِينَ مِنَ المَقامِ كَما هو مُصْطَلَحُ القُرْآنِ.

وهَذا فَرِيقٌ آخَرُ أيْضًا أهْلُ الكِتابِ وهو مُنْقَسِمٌ أيْضًا في تَلَقِّي القُرْآنِ فِرْقَتَيْنِ: فالفَرِيقُ الأوَّلُ صَدَّقُوا بِالقُرْآنِ وفَرِحُوا بِهِ وهُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] في سُورَةِ العُقُودِ، وكُلُّهم مِنَ النَّصارى مِثْلَ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ بَلَغَهُمُ القُرْآنُ أيّامَ مَقامِ النَّبِيءِ ﷺ بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَهم دَعْوَةُ النَّبِيءِ ﷺ فَإنَّ اليَهُودَ

صفحة ١٥٧

كانُوا قَدْ سُرُّوا بِنُزُولِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ، وكانُوا يَحْسَبُونَ دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ مَقْصُورَةً عَلى العَرَبِ فَكانَ اليَهُودُ يَسْتَظْهِرُونَ بِالقُرْآنِ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَ تَعالى ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]، وكانَ النَّصارى يَسْتَظْهِرُونَ بِهِ عَلى اليَهُودِ؛ وفَرِيقٌ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمُ الفَرَحُ بِالقُرْآنِ وهم مُعْظَمُ اليَهُودِ والنَّصارى البُعَداءُ عَنْ مَكَّةَ. وما كَفَرَ الفَرِيقانِ بِهِ إلّا حِينَ عَلِمُوا أنَّ دَعْوَةَ الإسْلامِ عامَّةٌ.

وبِهَذا التَّفْسِيرِ تَظْهَرُ بَلاغَةُ التَّعْبِيرِ عَنْهم بِ (يَفْرَحُونَ) دُونَ يُؤْمِنُونَ، وإنَّما سَلَكْنا هَذا الوَجْهَ بِناءً عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ كانَ نُزُولُها قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ وبَعْضُ نَصارى نَجْرانَ وبَعْضُ نَصارى اليَمَنِ. فَإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً أوْ كانَ هَذا مِنَ المَدَنِيِّ فَلا إشْكالَ. فالمُرادُ بِالَّذِينِ آتَيْناهُمُ الكِتابَ الَّذِينَ أُوتُوهُ إيتاءً كامِلًا، وهو المُجَرَّدُ عَنِ العَصَبِيَّةِ لِما كانُوا عَلَيْهِ وعَنِ الحَسَدِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] .

فالأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِالأحْزابِ أحْزابُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧] في سُورَةِ مَرْيَمَ، أيْ ومِن أحْزابِهِمْ مَن يُنْكِرُ بَعْضَ القُرْآنِ. فاللّامُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. ولَعَلَّ هَؤُلاءِ هم خُبَثاؤُهم ودُهاتُهُمُ الَّذِينَ تَوَسَّمُوا أنَّ القُرْآنَ يُبْطِلُ شَرائِعَهم فَأنْكَرُوا بَعْضَهُ. وهو ما فِيهِ مِنِ الإيماءِ إلى ذَلِكَ مِن إبْطالِ أُصُولِ عَقائِدِهِمْ مِثْلَ عُبُودِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّصارى. ونُبُوءَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْيَهُودِ.

وفِي التَّعْبِيرِ عَنْهم …

37

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّۭا ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَمَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا وَاقٍۢ

And thus We have revealed it as an Arabic legislation. And if you should follow their inclinations after what has come to you of knowledge, you would not have against Allah any ally or any protector.

﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ اعْتِراضٌ وعَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦] . لَمّا ذَكَرَ حالُ تَلَقِّي أهْلِ الكِتابَيْنِ لِلْقُرْآنِ عِنْدَ نُزُولِهِ عَرَّجَ عَلى حالِ العَرَبِ في ذَلِكَ بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِسُوءِ تَلَقِّي مُشْرِكِيهِ لَهُ مَعَ أنَّهم أوْلى النّاسِ بِحُسْنِ تَلَقِّيهِ إذْ نَزَلَ بِلِسانِهِمْ مُشْتَمِلًا عَلى ما فِيهِ صَلاحُهم وتَنْوِيرُ عُقُولِهِمْ. وقَدْ جُعِلَ أهَمَّ هَذا الغَرَضِ التَّنْوِيهُ بِعُلُوِّ شَأْنِ القُرْآنِ لَفْظًا ومَعْنًى. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ تَعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ.

والقَوْلُ في اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ وكَذَلِكَ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرعد: ٣٠] .

وضَمِيرُ الغائِبِ في أنْزَلْناهُ عائِدٌ إلى ما أُنْزِلَ إلَيْكَ في قَوْلِهِ ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٦] .

صفحة ١٦٠

والجارُّ والمَجْرُورُ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ نائِبٌ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ. والتَّقْدِيرُ: أنْزَلْناهُ إنْزالًا كَذَلِكَ الإنْزالُ.

و﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ حالانِ مِن ضَمِيرِ أنْزَلْناهُ، والحُكْمُ: هُنا بِمَعْنى الحِكْمَةِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، وجُعِلَ نَفْسُ الحُكْمِ حالًا مِنهُ مُبالَغَةً. والمُرادُ أنَّهُ ذُو حُكْمٍ، أيْ حِكْمَةٍ. والحِكْمَةُ تَقَدَّمَتْ.

و(عَرَبِيًّا) حالٌ ثانِيَةٌ ولَيْسَ صِفَةً لِ (حُكْمًا) إذِ الحِكْمَةُ لا تُوصَفُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَمِ وإنَّما المَعْنى أنَّهُ حِكْمَةٌ مُعَبَّرٌ عَنْها بِالعَرَبِيَّةِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ بِلُغَةِ العَرَبِ الَّتِي هي أفْصَحُ اللُّغاتِ وأجْمَلُها وأسْهَلُها، وفي ذَلِكَ إعْجازُهُ. فَحَصَلَ لِهَذا الكِتابِ كِمالانِ: كَمالٌ مِن جِهَةِ مَعانِيهِ ومَقاصِدِهِ وهو كَوْنُهُ حُكْمًا، وكَمالٌ مِن جِهَةِ ألْفاظِهِ وهو المُكَنّى عَنْهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وذَلِكَ ما لَمْ يَبْلُغْ إلَيْهِ كِتابٌ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ الحِكْمَةَ أشْرَفُ المَعْقُولاتِ فَيُناسِبُ شَرَفَها أنْ يَكُونَ إبْلاغُها بِأشْرَفِ لُغَةٍ وأصْلَحِها لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الحِكْمَةِ، قالَ تَعالى ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] .

ثُمَّ في كَوْنِهِ عَرَبِيًّا امْتِنانٌ عَلى العَرَبِ المُخاطَبِينَ بِهِ ابْتِداءً بِأنَّهُ بِلُغَتِهِمْ وبِأنَّ في ذَلِكَ حُسْنَ سُمْعَتِهِمْ، فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأفْنِ رَأْيِ الكافِرِينَ مِنهم إذْ لَمْ يَشْكُرُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ كَما قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠] . قالَ مالِكٌ: فِيهِ بَقاءُ ذِكْرِكم.

وجُمْلَةُ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقِسْمِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ أهْواءَهم عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ وُجِّهَ إلَيْهِمُ الكَلامُ.

واتِّباعُ أهْوائِهِمْ يَحْتَمِلُ السَّعْيَ لِإجابَةِ طَلَبَتِهِمْ إنْزالَ آيَةٍ غَيْرِ القُرْآنِ تَحْذِيرًا مِن أنْ يَسْألَ اللَّهُ إجابَتَهم لِما طَلَبُوهُ كَما قالَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] .

صفحة ١٦١

ومَعْنى ما جاءَكَ …

38

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًۭا وَذُرِّيَّةًۭ ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍۢ كِتَابٌۭ

And We have already sent messengers before you and assigned to them wives and descendants. And it was not for a messenger to come with a sign except by permission of Allah. For every term is a decree.

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذَرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾

هَذا عَوْدٌ إلى الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في إنْكارِهِمْ آيَةَ القُرْآنِ وتَصْمِيمِهِمْ عَلى المُطالَبَةِ بِآيَةٍ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ تُماثِلُ ما يُؤْثَرُ مِن آياتِ مُوسى وآياتِ عِيسى

صفحة ١٦٢

- عَلَيْهِما السَّلامُ - بِبَيانِ أنَّ الرَّسُولَ لا يَأْتِي بِآياتٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى مُقْتَرَحاتِ الأقْوامِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧] .

وأُدْمِجَ في هَذا الرَّدِّ إزالَةُ شُبْهَةٍ قَدْ تَعْرِضُ أوْ قَدْ عَرَضَتْ لِبَعْضِ المُشْرِكِينَ فَيَطْعَنُونَ أوْ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّهُ يَتَزَوَّجُ النِّساءَ وأنَّ شَأْنَ النَّبِيءِ أنْ لا يَهْتَمَّ بِالنِّساءِ. قالَ البَغَوِيُّ: رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ وقِيلَ إنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: إنَّ هَذا الرَّجُلَ لَيْسَتْ لَهُ هِمَّةٌ إلّا في النِّساءِ اهـ. فَتَعَيَّنَ إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ القائِلِينَ هُمُ المُشْرِكُونَ إذْ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ لِلْيَهُودِ حَدِيثٌ مَعَ أهْلِ مَكَّةَ ولا كانَ مِنهم في مَكَّةَ أحَدٌ. ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هَذا نازِلًا عَلى سَبَبٍ. وقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَدِيجَةَ ثُمَّ سَوْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في مَكَّةَ فاحْتَمَلَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا قالَةَ إنْكارٍ تَعَلُّقًا بِأوْهَنِ أسْبابِ الطَّعْنِ في النُّبُوءَةِ. وهَذِهِ شُبْهَةٌ تَعْرِضُ لِلسُّذَّجِ أوْ لِأصْحابِ التَّمْوِيهِ، وقَدْ يُمَوِّهُ بِها المُبَشِّرُونَ مِنَ النَّصارى عَلى ضُعَفاءِ الإيمانِ فَيُفَضِّلُونَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّ عِيسى لَمْ يَتَزَوَّجِ النِّساءَ. وهَذا لا يَرُوجُ عَلى العُقَلاءِ؛ لِأنَّ تِلْكَ بَعْضُ الحُظُوظِ المُباحَةِ لا تَقْتَضِي تَفْضِيلًا. وإنَّما التَّفاضُلُ في كُلِّ عَمَلٍ بِمَقادِيرِ الكِمالاتِ الدّاخِلَةِ في ذَلِكَ العَمَلِ. ولا يَدْرِي أحَدٌ الحِكْمَةَ الَّتِي لِأجْلِها لَمْ يَتَزَوَّجْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - امْرَأةً. وقَدْ كانَ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَصُورًا فَلَعَلَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ كانَ مِثْلَهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّفُهُ بِما يَشُقُّ عَلَيْهِ وبِما لَمْ يُكَلِّفْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. وأمّا وصْفُ اللَّهِ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ وحَصُورًا فَلَيْسَ مَقْصُودًا مِنهُ أنَّهُ فَضِيلَةٌ ولَكِنَّهُ أعْلَمَ أباهُ زَكَرِيّاءَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ نَسْلٌ لِيَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ أجابَ دَعْوَتَهُ فَوَهَبَ لَهُ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَرامَةً لَهُ. ثُمَّ قَدَّرَ أنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ نَسْلٌ إنْفاذًا لِتَقْدِيرِهِ فَجَعَلَ امْرَأتَهُ عاقِرًا. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَدْ

صفحة ١٦٣

كانَ لِأكْثَرِ الرُّسُلِ أزْواجٌ ولِأكْثَرِهِمْ ذَرِّيَّةٌ مِثْلَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ولُوطٍ ومُوسى وداوُدَ وسُلَيْمانَ وغَيْرِ هَؤُلاءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - .

والأزْواجُ: جَمَعُ زَوْجٍ، وهو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، فَقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ الرُّسُلِ زَوْجَةٌ واحِدَةٌ مِثْلَ: نُوحٍ ولُوطٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ -، وقَدْ يَكُونُ لِلْبَعْضِ عِدَّةُ زَوْجاتٍ مِثْلَ: إبْراهِيمَ ومُوسى وداوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - .

ولَمّا كانَ …

39

يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ

Allah eliminates what He wills or confirms, and with Him is the Mother of the Book.

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذَرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾

هَذا عَوْدٌ إلى الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في إنْكارِهِمْ آيَةَ القُرْآنِ وتَصْمِيمِهِمْ عَلى المُطالَبَةِ بِآيَةٍ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ تُماثِلُ ما يُؤْثَرُ مِن آياتِ مُوسى وآياتِ عِيسى

صفحة ١٦٢

- عَلَيْهِما السَّلامُ - بِبَيانِ أنَّ الرَّسُولَ لا يَأْتِي بِآياتٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى مُقْتَرَحاتِ الأقْوامِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧] .

وأُدْمِجَ في هَذا الرَّدِّ إزالَةُ شُبْهَةٍ قَدْ تَعْرِضُ أوْ قَدْ عَرَضَتْ لِبَعْضِ المُشْرِكِينَ فَيَطْعَنُونَ أوْ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّهُ يَتَزَوَّجُ النِّساءَ وأنَّ شَأْنَ النَّبِيءِ أنْ لا يَهْتَمَّ بِالنِّساءِ. قالَ البَغَوِيُّ: رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ وقِيلَ إنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: إنَّ هَذا الرَّجُلَ لَيْسَتْ لَهُ هِمَّةٌ إلّا في النِّساءِ اهـ. فَتَعَيَّنَ إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ القائِلِينَ هُمُ المُشْرِكُونَ إذْ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ لِلْيَهُودِ حَدِيثٌ مَعَ أهْلِ مَكَّةَ ولا كانَ مِنهم في مَكَّةَ أحَدٌ. ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ هَذا نازِلًا عَلى سَبَبٍ. وقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَدِيجَةَ ثُمَّ سَوْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في مَكَّةَ فاحْتَمَلَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا قالَةَ إنْكارٍ تَعَلُّقًا بِأوْهَنِ أسْبابِ الطَّعْنِ في النُّبُوءَةِ. وهَذِهِ شُبْهَةٌ تَعْرِضُ لِلسُّذَّجِ أوْ لِأصْحابِ التَّمْوِيهِ، وقَدْ يُمَوِّهُ بِها المُبَشِّرُونَ مِنَ النَّصارى عَلى ضُعَفاءِ الإيمانِ فَيُفَضِّلُونَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّ عِيسى لَمْ يَتَزَوَّجِ النِّساءَ. وهَذا لا يَرُوجُ عَلى العُقَلاءِ؛ لِأنَّ تِلْكَ بَعْضُ الحُظُوظِ المُباحَةِ لا تَقْتَضِي تَفْضِيلًا. وإنَّما التَّفاضُلُ في كُلِّ عَمَلٍ بِمَقادِيرِ الكِمالاتِ الدّاخِلَةِ في ذَلِكَ العَمَلِ. ولا يَدْرِي أحَدٌ الحِكْمَةَ الَّتِي لِأجْلِها لَمْ يَتَزَوَّجْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - امْرَأةً. وقَدْ كانَ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَصُورًا فَلَعَلَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ كانَ مِثْلَهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّفُهُ بِما يَشُقُّ عَلَيْهِ وبِما لَمْ يُكَلِّفْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. وأمّا وصْفُ اللَّهِ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ وحَصُورًا فَلَيْسَ مَقْصُودًا مِنهُ أنَّهُ فَضِيلَةٌ ولَكِنَّهُ أعْلَمَ أباهُ زَكَرِيّاءَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ نَسْلٌ لِيَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ أجابَ دَعْوَتَهُ فَوَهَبَ لَهُ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَرامَةً لَهُ. ثُمَّ قَدَّرَ أنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ نَسْلٌ إنْفاذًا لِتَقْدِيرِهِ فَجَعَلَ امْرَأتَهُ عاقِرًا. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَدْ

صفحة ١٦٣

كانَ لِأكْثَرِ الرُّسُلِ أزْواجٌ ولِأكْثَرِهِمْ ذَرِّيَّةٌ مِثْلَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ولُوطٍ ومُوسى وداوُدَ وسُلَيْمانَ وغَيْرِ هَؤُلاءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - .

والأزْواجُ: جَمَعُ زَوْجٍ، وهو مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، فَقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ الرُّسُلِ زَوْجَةٌ واحِدَةٌ مِثْلَ: نُوحٍ ولُوطٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ -، وقَدْ يَكُونُ لِلْبَعْضِ عِدَّةُ زَوْجاتٍ مِثْلَ: إبْراهِيمَ ومُوسى وداوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - .

ولَمّا كانَ …

40

وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ

And whether We show you part of what We promise them or take you in death, upon you is only the [duty of] notification, and upon Us is the account.

﴿وإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] بِاعْتِبارِ ما تُفِيدُهُ مِن إبْهامِ مُرادِ اللَّهِ في آجالِ الوَعِيدِ ومَواقِيتِ إنْزالِ الآياتِ، فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَيْسَ مَأْمُورًا بِالِاشْتِغالِ بِذَلِكَ ولا بِتَرَقُّبِهِ وإنَّما هو مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ لِعِبادِهِ واللَّهُ يَعْلَمُ ما يُحاسِبُ بِهِ عِبادَهُ سَواءٌ شَهِدَ النَّبِيءُ ﷺ ذَلِكَ أمْ لَمْ يَشْهَدْهُ.

وجَعَلَ التَّوَفِّيَ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ رُؤْيَةِ حُلُولِ الوَعِيدِ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بُقُولِهِ نُرِيَنَّكَ، والمَعْنى: ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ سَواءً رَأيْتَ عَذابَهم أمْ لَمْ تَرَهُ.

وفِي الإتْيانِ بِكَلِمَةِ (بَعْضَ) إيماءٌ إلى أنَّهُ يَرى البَعْضَ. وفي هَذا إنْذارٌ لَهم بِأنَّ الوَعِيدَ نازِلٌ بِهِمْ ولَوْ تَأخَّرَ؛ وأنَّ هَذا الدِّينَ يَسْتَمِرُّ بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّهُ إذا كانَ الوَعِيدُ الَّذِي أمَرَ بِإبْلاغِهِ واقِعًا ولَوْ بَعْدَ وفاتِهِ فَبِالأوْلى أنْ يَكُونَ شَرْعُهُ الَّذِي لِأجْلِهِ جاءَ وعِيدُ الكافِرِينَ بِهِ شَرْعًا مُسْتَمِرًّا بَعْدَهُ، ضَرُورَةَ أنَّ الوَسِيلَةَ لا تَكُونُ مِنَ الأهَمِّيَّةِ بِأشَدَّ مِنَ المَقْصِدِ المَقْصُودَةِ لِأجْلِهِ.

وتَأْكِيدُ الشَّرْطِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ و(ما) المَزِيدَةِ بَعْدَ إنْ الشَّرْطِيَّةِ مُرادٌ مِنهُ تَأْكِيدُ الرَّبْطِ بَيْنَ هَذا الشَّرْطِ وجَوابِهِ وهو ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ . عَلى أنَّ نُونَ التَّوْكِيدِ لا يَقْتَرِنُ بِها فِعْلُ الشَّرْطِ إلّا إذا زِيدَتْ (ما) بَعْدَ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ فَتَكُونُ إرادَةُ التَّأْكِيدِ مُقْتَضِيَةً لِاجْتِلابِ مُؤَكِّدَيْنِ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِغَرَضِ تَأْكِيدٍ قَوِيٍّ.

صفحة ١٧٠

وقَدْ أرى اللَّهُ نَبِيَّهُ بَعْضَ ما تَوَّعَدَ بِهِ المُشْرِكِينَ مِنَ الهَلاكِ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ الفَتْحِ ويَوْمَ حُنَيْنٍ وغَيْرَها مِن أيّامِ الإسْلامِ في حَياةِ النَّبِيءِ ﷺ ولَمْ يُرِهِ بَعْضَهُ مِثْلَ عَذابِ أهْلِ الرِّدَّةِ فَإنَّ مُعْظَمَهم كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ المُبْطِنِينَ الكُفْرَ مِثْلَ: مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ.

وفِي الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ العَذابَ الَّذِي يَحِلُّ بِالمُكَذِّبِينَ لِرَسُولِهِ ﷺ عَذابٌ قاصِرٌ عَلى المُكَذِّبِينَ لا يُصِيبُ غَيْرَ المُكَذِّبِ لِأنَّهُ اسْتِئْصالٌ بِالسَّيْفِ قابِلٌ لِلتَّجْزِئَةِ، واخْتِلافُ الأزْمانِ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِأُمَّةِمُحَمَّدٍ ﷺ .

و(عَلى) في قَوْلِهِ ﴿عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإيجابِ والإلْزامِ، وهو في الأوَّلِ حَقِيقَةٌ وفي الثّانِي مُجازٌ في الوُجُوبِ لِلَّهِ بِالتِزامِهِ بِهِ.

و(إنَّما) لِلْحَصْرِ، والمَحْصُورُ فِيهِ هو البَلاغُ لِأنَّهُ المُتَأخِّرُ في الذِّكْرِ مِنَ الجُمْلَةِ المَدْخُولَةِ لِحَرْفِ الحَصْرِ، والتَّقْدِيرُ: عَلَيْكَ البَلاغُ لا غَيْرُهُ مِن إنْزالِ الآياتِ أوْ مِن تَعْجِيلِ العَذابِ، ولِهَذا قَدَّمَ الخَبَرَ عَلى المُبْتَدَأِ لِتَعْيِينِ المَحْصُورِ فِيهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ فَهي مَدْخُولَةٌ في المَعْنى لِحَرْفِ الحَصْرِ. والتَّقْدِيرُ: وإنَّما عَلَيْنا الحِسابُ، أيْ: مُحاسَبَتُهم عَلى التَّكْذِيبِ لا غَيْرَ الحِسابِ مِن إجابَةِ مُقْتَرَحاتِهِمْ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.