Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 31–40 of 43

31

وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًۭا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا۟ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًۭا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ

And if there was any qur'an by which the mountains would be removed or the earth would be broken apart or the dead would be made to speak, [it would be this Qur'an], but to Allah belongs the affair entirely. Then have those who believed not accepted that had Allah willed, He would have guided the people, all of them? And those who disbelieve do not cease to be struck, for what they have done, by calamity - or it will descend near their home - until there comes the promise of Allah. Indeed, Allah does not fail in [His] promise.

(ولو أن قرآنا سيرت به) أي بإنزاله وقراءته (الجبال) عن محل استقرارها وانتقلت عن أماكنها وأذهبت عن وجه الأرض، قيل هذا متصل بقوله (لولا أنزل عليه آية من ربه) وإن جماعة من الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسير لهم جبال مكة حتى تتفسح فإنها أرض ضيقة فأمره الله سبحانه بأن يجيب عليهم بهذا الجواب المتضمن لتعظيم شأن القرآن وفساد رأي الكفار حيث لم يقنعوا به وأصروا على تعنتهم وطلبهم ما لو فعله الله سبحانه لم يبق ما تقتضيه الحكمة الإلهية من عدم إنزال الآيات التي يؤمن عندها جميع العباد.

(أو قطعت به الأرض) أي صدعت وشققت حتى صارت قطعاً متفرقة من خشية الله عند قراءته وجعلت أنهاراً أو عيوناً (أو كلم به الموتى) أي صاروا أحياء بقراءته عليهم فكانوا يفهمونه عند تكليمهم به كما يفهمه الأحياء وقد اختلف في جواب لو فقيل لكان هذا القرآن، وقيل لكفروا بالرحمن أي لو فعل بهم هذا وقيل لما آمنوا كما سبق في قوله (وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله).

وقيل التقدير وهم يكفرون بالرحمن لو أن قرآنا إلخ وكثيراً ما تحذف العرب جواب لو إذا دل عليه سياق الكلام وتذكير كلَّم خاصة دون الفعلين قبله لأن الموتى تشتمل على المذكر الحقيقي والتغليب له فكان حذف التاء أحسن، والجبال والأرض ليستا كذلك قاله الكرخي.

قال ابن عباس: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن كان كما تقول فأرنا أشياخنا الأول من الموتى نكلمهم وافسح لنا هذه الجبال فنزلت هذه الآية، وعن عطية العوفي قال: قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان عليه السلام يقطع لقومه بالريح أو أحييت لنا كما كان يحيي عيسى الموتى لقومه فأنزل الله هذه الآية.

(بل لله الأمر جميعاً) أي لو إن قرآنا فعل به ذلك لكان هذا القرآن ولكن لم يفعل بل فعل ما عليه الشأن الآن فلو شاء أن يؤمنوا لآمنوا وإذا لم يشأ أن يؤمنوا لم ينفع تسيير الجبال وسائر ما اقترحوه من الآيات، فالإضراب متوجه إلى ما يؤدي إليه كون الأمر لله سبحانه ويستلزمه من توقف الأمر على ما تقتضيه حكمته ومشيئته ويدل على أن هذا هو المعنى المراد من ذلك قوله.

(أفلم ييأس الذين آمنوا) قال الكلبي: بمعنى ألم يعلم وهي لغة النخع قال في الصحاح، وقيل هي لغة هوازن، وبهذا قال جماعة من السلف، قال أبو عبيدة: أفلم يعلموا ويتبينوا قال الزجاج: وهو مجاز لأن اليائس من الشيء عالم بأنه لا يكون نظيره استعمال الرجاء في معنى الخوف والنسيان في الترك لتضمنهما إياهما.

وقرأ جماعة من الصحابة والتابعين أفلم يتبين بطريق التفسير فمعنى الآية على هذا أفلم يعلموا (أن) أي أنه (لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً) من غير أن يشاهدوا الآيات ولكن لم يفعل ذلك لعدم تعلق المشيئة باهتدائهم، وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره؛ والمعنى أنه تعالى لم يهد جميع الناس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الكفار لعلمهم أن الله تعالى لو أراد هدايتهم لهداهم لأن المؤمنين تمنوا نزول الآيات التي اقترحها الكفار طمعاً في إيمانهم.

قال ابن عباس: لا يصنع من ذلك إلا ما يشاء ولم يكن ليفعل وقال ييأس يعلم وعن ابن زيد نحوه وعن أبي العالية، قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا ولو شاء لهدى الناس جميعاً وفيه دلالة على أن الله لم يشأ هداية جميع الخلائق.

(ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة) هذا وعيد للكفار على العموم ولكفار مكة على الخصوص أي لا يزال تصيبهم بسبب ما صنعوا من الكفر والتكذيب للرسل والأعمال الخبيثة داهية تفجؤهم وتهلكهم وتستأصلهم يقال قرعه الأمر إذا أصابه والجمع قوارع والأصل في القرع الضرب والقارعة الشديدة من شدائد الدهر وهي الداهية، والمعنى أن الكفار لا يزالون كذلك حتى تصيبهم نازلة وداهية مهلكة من قتل أو أسر أو جدب أو حرب أو نحو ذلك من العذاب وقد قيل أن القارعة النكبة، وقيل الطلائع والسرايا قاله …

32

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ

And already were [other] messengers ridiculed before you, and I extended the time of those who disbelieved; then I seized them, and how [terrible] was My penalty.

(ولقد استهزئ برسل) التنكير للتكثير أي برسل كثيرة (من قبلك) كما استهزئ بك وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.

(فأمليت للذين كفروا) الإملاء الإمهال مدة طويلة من الزمان في دعةٍ وأمن، وقد مر تحقيقه في آل عمران (ثم أخذتهم) في الدنيا بالعذاب الذي أنزلته بهم من القحط والقتل والأسر وفي الآخرة بالنار.

(فكيف كان عقاب) الاستفهام للتقريع والتهديد، أي فكيف كان عقابي لهؤلاء الكفار الذين استهزؤوا بالرسل فأمليت لهم ثم أخذتهم هل كان ظلماً لهم أو كان عدلاً؟ أي هو واقع موقعه فكذلك أفعل بمن استهزأ بك.

ثم استفهم سبحانه استفهاماً آخر للتوبيخ والتقريع يجرى مجرى الحجاج للكفار واستركاك صنعهم والإزراء عليهم فقال

33

أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَٰهِرٍۢ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ

Then is He who is a maintainer of every soul, [knowing] what it has earned, [like any other]? But to Allah they have attributed partners. Say, "Name them. Or do you inform Him of that which He knows not upon the earth or of what is apparent of speech?" Rather, their [own] plan has been made attractive to those who disbelieve, and they have been averted from the way. And whomever Allah leaves astray - there will be for him no guide.

(أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) القائم الحفيظ والمتولي للأمور، وأراد سبحانه نفسه فإنه المتولي لأمور خلقه المدبر لأحوالهم بالآجال والأرزاق وإحصاء الأعمال على كل نفس من الأنفس كائنة ما كانت، والجواب محذوف، أي أفمن هو بهذه الصفة كمن ليس بهذه الصفة من معبوداتكم التي لا تنفع ولا تضر.

قال الفراء: كأنه في المعنى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم الذين اتخذوهم من دون الله، والمراد من الآية إنكار المماثلة بينهما، وقيل المراد بالقائم الملائكة الموكلون ببني آدم والأول أولى، وبه قال ابن عباس، وقال عطاء: الله قائم بالقسط والعدل على كل نفس.

(و) قد (جعلوا لله شركاء) استئناف وهو الظاهر جيء به للدلالة على الخبر المحذوف كما تقدم، وقيل الواو للحال وأقيم الظاهر مقام المضمر تقريراً للإلهية وتصريحاً بها، وقيل عطف على استهزئ أي ولقد استهزؤوا وجعلوا، وقال أبو البقاء: معطوف على كسبت أي وجعلهم لله شركاء والأول أولى.

(قل سموهم) أي عينوا حقيقتهم من أي جنس ومن أي نوع أي وما أسماؤهم، وفي هذا تبكيت لهم وتوبيخ، لأنه إنما يقال هكذا في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه فيقال سمه إن شئت، يعني أنه أحقر من أن يسمى وقيل أن المعنى صفوهم وبينوا أوصافهم بما يستحقون ويستأهلون به، ثم انظروا هل هي أهل لأن تعبد، وقيل المعنى سموهم بالآلهة كما تزعمون فيكون ذلك تهديداً لهم.

(أم تنبئونه) أي بل أتنبئون الله (بما لا يعلم في الأرض) من الشركاء الذين تعبدونهم مع كونه العالم بما في السماوات والأرض، وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها وإن لم يكن له شريك في غير الأرض أيضاً لأنهم ادعوا له شريكاً فيها (أم) أي بل أتسمونهم شركاء (بظاهر من القول) من غير أن يكون له حقيقة كتسمية الزنجي كافوراً.

وقيل المعنى قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه أم بظاهر يعلمه، فإن قالوا بباطن لا يعلمه فقد جاءوا بدعوى باطلة، وإن قالوا بظاهر يعلمه فقل لهم سموهم فإذا سموا اللات والعزى ونحوهما فقل لهم إن الله لا يعلم لنفسه شريكاً، وقيل المعنى أم بزائل من القول باطل، قاله مجاهد، وقيل بكذب من القول، وقيل بظن باطل لا حقيقية له في الباطن، وقيل المعنى بحجة من القول ظاهرة على زعمهم قال الطيبي في هذه الآية احتجاج بليغ مبني على فنون من علم البيان.

أولها: أفمن هو قائم الخ احتجاج عليهم وتوبيخ لهم على القياس الفاسد لفقد الجهة الجامعة لها.

ثانيها: وجعلوا لله شركاء وفيه وضع المظهر موضع المضمر للتنبيه على أنهم جعلوا شركاء لمن هو فرد واحد لا يشاركه أحد في اسمه.

ثالثها: قل سموهم أي عينوا اسماءهم فقولوا فلان وفلان فهو إنكار لوجودها على وجه برهاني، كما تقول إن كان الذي تدعيه موجوداً فسمه، لأن المراد بالاسم العلم.

رابعها: أم تنبئونه بما لا يعلم، احتجاج من باب نفي الشيء، أعني المعلوم بنفي لازمه وهو العلم وهو كناية.

خامسها: أم بظاهر من القول احتجاج من باب الاستدراج والهمزة للتقرير لبعثهم على التفكير، المعنى أتقولون بأفواهكم من غير روية وأنتم ألبَّاء فتفكروا فيه لتقفوا على بطلانه.

سادسها: التدريج في كل من الإضرابات على ألطف وجه، وحيث كانت الآية مشتملة على هذه الأسأليب البديعة مع اختصارها كان الاحتجاج المذكور منادياً على نفسه بالإعجاز وإنه ليس من كلام البشر. أهـ.

(بل) إضراب عن محاجتهم بالكلية، فكأنه قيل دع ذا فإنه لا فائدة فيه لأنه (زين للذين كفروا) قرأ ابن عباس زين على البناء للفاعل على أن الذي زين لهم ذلك هو (مكرُهم) وقرأ غيره على البناء للمفعول، والمزين هو الله سبحانه أو الشيطان بإلقاء الوسوسة، ويجوز أن يسمى المكر كفراً لأن مكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم كان كفراً، وأما معناه الحقيقي فهو الكيد أو التمويه بالأباطيل، أي كيدهم للإسلام بشركهم.

(وصدوا عن السبيل) أي صدهم الله أو صدهم الشيطان، وقرئ بالبناء للفاعل، أي صدوا …

34

لَّهُمْ عَذَابٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ

For them will be punishment in the life of [this] world, and the punishment of the Hereafter is more severe. And they will not have from Allah any protector.

(لهم عذاب في الحياة الدنيا) بما يصابون به من القتل والأسر وأنواع المحن (ولعذاب الآخرة أشق) عليهم من عذاب الحياة الدنيا وأشد وأغلظ، لأن المشقة غلظ الأمر على النفس وشدته، مما يكاد يصدع القلب من شدته فهو من الشق الذي هو الصدع (وما لهم من الله من واق) يقيهم عذابه ولا عاصم يعصمهم منه.

ثم لما ذكر سبحانه ما يستحقه الكفار من العذاب في الأولى والأخرى ذكر ما أعده للمؤمنين فقال

35

۞ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ أُكُلُهَا دَآئِمٌۭ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ ۖ وَّعُقْبَى ٱلْكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ

The example of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.

(مثل الجنة) أي صفتها العجيبة الشأن التي هي في الغرابة كالمثل، قال ابن قتيبة: المثل الشبه في أصل اللغة، ثم قد يصير بمعنى صورة الشيء وصفته، يقال مثلت لك كذا أي صورته ووصفته، فأراد هنا بمثل الجنة صورتها وصفتها وجريان الأنهار من تحتها كالتفسير للمثل.

قال سيبويه: وتقديره فيما قصصنا عليك مثل الجنة، وقال الفراء المثل مقحم للتأكيد والمعنى الجنة.

(التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار) والعرب تفعل ذلك كثيراً، وقال الخليل وغيره: أن مثل الجنة مبتدأ والخبر تجري، وقال الزجاج: أنه تمثيل للغائب بالشاهد ومعناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار. وقال عكرمة: نعت الجنة ليس للجنة مثل، وقيل أن فائدة الخبر ترجع إلى قوله.

(أكلها) أي ما يؤكل فيها (دائم) أي لا ينقطع أبداً ولا يفنى، ومثله قوله تعالى (لا مقطوعة ولا ممنوعة) قال إبراهيم التيمي: لذاتها دائمة في أفواههم، وقيل دائم بحسب نوعه، فكل شيء أكل يتجدد غيره لا بحسب شخصه إذ عين المأكول لا ترجع (وظلها) كذلك دائم لا يتقلص ولا ينسخه الشمس لأنه ليس في الجنة شمس ولا قمر ولا ظلمة بل ظل ممدود لا ينقطع ولا يزول.

وفي الآية رد على جهم وأصحابه فإنهم يقولون إن نعيم الجنة يفنى وينقطع، وفيها دليل على أن حركات أهل الجنة لا تنتهي إلى سكون دائم كما يقوله أبو الهذيل واستدل عبد الجبار المعتزلي بهذه الآية على أن الجنة لم تخلق بعد، ويرده قوله تعالى (أعدت للمتقين) إلى غير ذلك من الآيات والأخبار الصحيحة.

(تلك) الجنة الموصوفة بالصفات المتقدمة وهو مبتدأ خبره (عقبى) أي عاقبة (الذين اتقوا) المعاصي أي مآلهم ومنتهى أمرهم (وعقبى الكافرين النار) ليس لهم عاقبة ولا منتهى إلا ذلك.

36

وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ ٱلْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُۥ ۚ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهِۦٓ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُوا۟ وَإِلَيْهِ مَـَٔابِ

And [the believers among] those to whom We have given the [previous] Scripture rejoice at what has been revealed to you, [O Muhammad], but among the [opposing] factions are those who deny part of it. Say, "I have only been commanded to worship Allah and not associate [anything] with Him. To Him I invite, and to Him is my return."

(والذين آتيناهم الكتاب) أي التوراة والإنجيل (يفرحون بما أنزل إليك) يا محمد وهم أهل الكتابين مطلقاً أو من أسلم منهم لكون ذلك موافقاً لما في كتبهم مصدقاً له.

وعلى الأخير يكون المراد بقوله (ومن الأحزاب من ينكر بعضه) من لم يسلم من اليهود والنصارى، وعلى الأول يكون المراد به المشركين من أهل مكة ومن يماثلهم أو يكون المراد به بعض أهل الكتابين أي من أحزابهما، فإنهم أنكروه لما اشتمل عليه من كونه ناسخاً لشرائعهم فيتوجه فرح من فرح به منهم إلى ما هو موافق لما في الكتابين، وإنكار من أنكر منهم إلى ما خالفهما.

وقيل المراد بالكتاب القرآن والمراد بمن يفرح به المسلمون والمراد بالأحزاب المتحزبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين واليهود والنصارى، والمراد بالبعض الذي أنكروه ما خالف ما يعتقدونه على اختلاف اعتقادهم.

واعترض على هذا بأن فرح المسلمين بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره واجيب عنه بأن المراد زيادة الفرح والاستبشار بما يتجدد من الأحكام والتوحيد والنبوة والحشر بعد الموت، وقال كثير من المفسرين إن عبد الله بن سلام والذين آمنوا معه من أهل الكتاب ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة فأنزل الله (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) ففرحوا بذلك.

قال قتادة: الذين يفرحون أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرحوا بكتاب الله وصدقوا به وبرسله، والأحزاب اليهود والنصارى والمجوس، وقال ابن زيد: هؤلاء من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب يفرحون بذلك ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به.

ثم لما بين ما يحصل بنزول القرآن من الفرح للبعض والإنكار للبعض صرح بما عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمره أن يقول لهم ذلك فقال (قل إنما أمرت أن أعبد الله) وحده (ولا أشرك به) بوجه من الوجوه أي قل لهم يا محمد ذلك إلزاماً للحجة ورداً للإنكار إنما أمرت فيما أنزل إليّ بعبادة الله وتوحيده وهذا أمر اتفقت عليه الشرائع وتطابقت على عدم إنكاره جميع الملل المقتدية بالرسل.

(إليه) أي إلى الله لا إلى غيره (أدعو) أو إلى ما أجمرت به وهو عبادة الله وحده والأول أولى لقوله (وإليه مآب) فإن الضمير لله سبحانه أي إليه وحده لا إلى غيره مرجعي يوم القيامة للجزاء، قال قتادة: إليه مصير كل عبد.

وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39)

ثم ذكر بعض فضائل القرآن وأوعد على الإعراض عن اتباعه مع التعريض لرد ما أنكروه من اشتماله على نسخ بعض شرائعهم فقال:

37

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّۭا ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَمَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا وَاقٍۢ

And thus We have revealed it as an Arabic legislation. And if you should follow their inclinations after what has come to you of knowledge, you would not have against Allah any ally or any protector.

(وكذلك) الإنزال البديع (أنزلناه) أي القرآن مشتملاً على أصول الشرائع وفروعها.

وقيل المعنى وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم ولسانهم كذلك أنزلنا عليك القرآن بلسان العرب (حكماً عربياً) يريد بالحكم ما فيه من الأحكام والنقض والإبرام أو أنزلناه حكمة عربية مترجمة بلسان العرب ولغتها ليسهل عليها فهمها وحفظها وتحكم بها بين الناس فيما يقع لهم من الحوادث الفرعية وإن خالفت ما في الكتب القديمة إذ لا يجب عليك توافق الشرائع.

(ولئن) اللام هي الموطئة للقسم (اتبعت أهواءهم) التي يطلبون منك موافقتهم عليها كالاستمرار منك على التوجه إلى قبلتهم وعدم مخالفتك لشيء مما يعتقدونه (بعدما جاءك من العلم) الذي علمك الله إياه (مالك) ساد مسد جواب القسم والشرط (من الله) أي من جنابه (من ولي) يلي أمرك وينصرك (ولا واق) يقيك من عذابه والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعريض لأمته لأن من هو أرفع منزلة وأعظم قدراً وأعلى رتبة إذا حذر كان غيره ممن هو دونه بطريق الأولى.

38

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًۭا وَذُرِّيَّةًۭ ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍۢ كِتَابٌۭ

And We have already sent messengers before you and assigned to them wives and descendants. And it was not for a messenger to come with a sign except by permission of Allah. For every term is a decree.

(ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية) أي أن الرسل الذين أرسلناهم من جنس البشر لهم أزواج من النساء ولهم ذرية توالدوا منهم ومن أزواجهم ولم نرسل الرسل من الملائكة الذين لا يتزوجون ولا يكون لهم ذرية.

وفي هذا رد على من كان ينكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجه بالنساء أي أن هذا شأن رسل الله المرسلين قبل هذا الرسول فما بالكم تنكرون عليه ما كانوا عليه فإنه قد كان لسليمان ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية فلم يقدح ذلك في نبوته وكان لأبيه داود مائة امرأة وكانوا ينكحون ويأكلون ويشربون فكيف يجعل هذا قادحاً في نبوتك.

وعن الحسن عن سمرة قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التبتل " أحمد بن حنبل 3/ 158 - 245 - 5/ 17 - 6/ 125 - 157 - 253. أخرجه ابن ماجة والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وعن سعد بن هشام قال: دخلت على عائشة وقلت: إني أريد أن أتبتل. قالت: لا تفعل أما سمعت الله يقول (ولقد أرسلنا رسلاً) الآية أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه.

وقد ورد في النهي عن التبتل والترغيب في النكاح ما هو معروف وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة أولاد أربع اناث وثلاثة ذكور وكانوا في الترتيب في الولادة هكذا القاسم فزينب فرقية ففاطمة فأم كلثوم فعبد الله ويلقب بالطيب والطاهر فإبراهيم وكلهم من خديجة إلا إبراهيم فمن مارية القبطية وماتوا جميعاً في حياته إلا فاطمة فعاشت بعده ستة أشهر.

(وما كان) أي لم يكن (لرسول) من الرسل (أن يأتي بآية) من الآيات (إلا بإذن الله) سبحانه فإن شاء أظهر وإن شاء لم يظهرها وليس ذلك إلى الرسول لأن الرسل مربوبون ومقهورون ومغلوبون محكوم عليهم متصرف فيهم بتدبير أمرهم.

(لكل أجل كتاب) أي لكل أمر مما قضاه الله أو لكل وقت من الأوقات التي قضى الله بوقوع أمر فيها كتاب الله يكتبه على عباده ويحكم به فيهم، وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير، والمعنى لكل كتاب أجل أي لكل أمر كتبه الله أجل مؤجل ووقت معلوم كقوله سبحانه (لكل نبأ مستقر) وليس الأمر على إرادة الكفار واقتراحاتهم بل على حسب ما يشاؤه الله ويختاره، وفيه رد لاستعجالهم الآجال والأعمار وإتيان المعجزات والعذاب، فقد كان يخوفهم بذلك فاستعجلوه عناداً فرد الله عليهم ذلك.

والمراد بالأجل هنا أزمنة الموجودات فلكل موجود زمان يوجد فيه محدود لا يزاد عليه ولا ينقص، والمراد بالكتاب صحف الملائكة التي تنسخها من اللوح المحفوظ أو اللوح نفسه.

39

يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ

Allah eliminates what He wills or confirms, and with Him is the Mother of the Book.

(يمحو الله ما يشاء ويثبت) أي يمحو من ذلك الكتاب ويثبت ما يشاء منه يقال محوت الكتاب محواً إذا أذهبت أثره، قرئ مخففاً ومشدداً وعن مجاهد قال: قالت قريش حين أنزل هذه الآية ما نراك يا محمد تملك من شيء ولقد فرغ الأمر فأنزلت هذه الآية تخويفاً لهم ووعيداً لهم أي إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا ويحدث الله في كل رمضان فيمحو ما يشاء ويثبت من أرزاق الناس ومصائبهم ما يعطيهم وما يقسم لهم.

وقال ابن عباس: ينزل الله في كل شهر رمضان إلى سماء الدنيا فيدبر أمر السنة إلى السنة فيمحو ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة والحياة والموت، وعنه قال: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله، وقد سبق له خير حتى يموت على طاعة الله وقال أيضاً: هما كتابان يمح الله ما يشاء من أحدهما ويثبت.

وظاهر النظم القرآني العموم في كل شيء مما في الكتاب فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر أو خير أو شر ويبدل هذا بهذا ويجعل هذا مكان هذا، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وأبو وائل وقتادة والضحاك وابن جريج وغيرهم، وقيل الآية خاصة بالسعادة والشقاوة.

وقيل يمحو ما يشاء من ديوان الحفظة، وهو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب ويثبت ما فيه الثواب والعقاب.

وقيل يمحو ما يشاء من الرزق، وقيل من الأجل، وقيل من الشرائع فينسخه ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وقيل يمحو ما يشاء من ذنوب عباده ويترك ما يشاء وقيل يمحو ما يشاء من الذنوب بالتوبة ويترك ما يشاء منها مع عدم التوبة.

وقيل يمحو الآباء ويثبت الأبناء.

وقيل يمحو القمر ويثبت الشمس كقوله (فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) وقيل يمحو ما يشاء من الأرواح التي يقبضها حال النوم فيميت صاحبه ويثبت ما يشاء فيرده إلى صاحبه.

وقيل يمحو ما يشاء من القرون ويثبت ما يشاء منها.

وقيل يمحو الدنيا ويثبت الآخرة، وقيل غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره والأول أولى كما يفيده ما في قوله ما يشاء من العموم مع تقدم ذكر الكتاب في قوله لكل أجل كتاب ومع قوله (وعنده أم الكتاب) أي جملة الكتاب قاله ابن عباس.

والمعنى أصله وهو اللوح المحفوظ، والأم أصل الشيء والعرب تسمى

كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أماً له ومنه أم الرأس للدماغ وأم القرى لمكة، فالمراد من الآية أنه يمحو ما يشاء مما في اللوح المحفوظ فيكون كالعدم ويثبت ما يشاء مما فيه فيجري فيه قضاؤه وقدره على حسب ما يقتضيه مشئيته.

وهذا لا ينافي ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله " جف القلم بما هو كائن " المعنى جزء من حديث طويل من حديث رسول الله: يا غلام احفظ الله يحفظك .... وذلك لأن المحو والإثبات هو من جملة ما قضاه الله سبحانه، وقيل أن أم الكتاب هو علم الله تعالى بما خلق وما هو خالق.

قال ابن عباس: أن لله لوحاً محفوظاً مسيرته خمسمائة عام من درة بيضاء له دفتان من ياقوتة والدفتان لوحان لله فيه في كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.

وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ينزل في ثلاث ساعات تبقين من الليل فيفتح الذكر في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو الله ما يشاء ويثبت " الحديث أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم وغيرهما.

ْوأخرج الطبراني بإسناد قال السيوطي ضعيف عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة والحياة والممات " وعن ابن عباس قال " لا ينفع الحذر من القدر ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر " أحمد بن حنبل 5/ 234..

وقال قيس بن عباد: العاشر من رجب هو يوم يمحو الله فيه ما يشاء. وعن عمر بن الخطاب أنه قال وهو يطوف بالبيت: اللهم إن كنت كتبت عليَّ شقوة …

40

وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ

And whether We show you part of what We promise them or take you in death, upon you is only the [duty of] notification, and upon Us is the account.

(وإما نرينك) ما زائدة وأصله وأن نرك (بعض الذي نعدهم) به من العذاب في حياتك كما وعدناهم بذلك بقولنا (لهم عذاب في الحياة الدنيا) وبقولنا (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة)، والمراد أريناك ما نعدهم قبل موتك، وجواب الشرط محذوف، أي فذاك شافيك من أعدائك ودليل على صدقك.

(أو نتوفينك) أي أو توفيناك قبل إراءتك لذلك، وجوابه أيضا محذوف أي فلا تقصير منك ولا لوم عليك، وقوله (فإنما عليك البلاغ) تعليل لهذا المحذوف، والبلاغ اسم أقيم مقام التبليغ، أي ليس عليك إلا تبليغ أحكام الرسالة ولا يلزمك حصول الإجابة منهم لما بلغته إليهم.

(وعلينا الحساب) أي محاسبتهم إذا صاروا إلينا يوم القيامة بأعمالهم ومجازاتهم عليها وليس ذلك عليك؛ وهذا تسلية من الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم وإخبار له أنه قد فعل ما أمره الله به وليس عليه غيره، وأن من لم يجب دعوته ويصدق نبوته فالله سبحانه محاسبه على ما اجترم واجترى عليه من ذلك.

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.