Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 21–30 of 43

21

وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ

And those who join that which Allah has ordered to be joined and fear their Lord and are afraid of the evil of [their] account,

(والذين يصلون ما أمر به أن يوصل) ظاهره شمول كل ما أمر الله بصلته ونهى عن قطعه من حقوق الله وحقوق عباده، ومنه الإيمان بجميع الكتب والرسل ولا يفرق بين أحد منهم، ويدخل تحت ذلك صلة الأرحام دخولاً أولياً ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصل قرابة المؤمنين الثابتة بسبب الإيمان (إنما المؤمنون إخوة) بالإحسان إليهم على حسب الطاقة ونصرتهم والذب عنهم والشفقة عليهم وإفشاء السلام وعيادة المرضى.

ومنه مراعاة حق الأصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر إلى غير ذلك وقد قصره كثير من المفسرين على صلة الرحم، واللفظ أوسع من ذلك.

أخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن البر والصلة ليخففان سوء الحساب يوم القيامة " ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين يصلون ما أمر الله -إلى- ويخافون سوء الحساب وقد ورد في صلة الرحم وتحريم قطعها أحاديث كثيرة.

(ويخشون ربهم) خشية تحملهم على فعل ما وجب واجتناب ما لا يحل والخشية خوف يشوبه تعظيم وإجلال، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه (ويخافون سوء الحساب) وهو الإستقصاء فيه والمناقشة للعبد، فمن نوقش الحساب عذب ومن حق هذه الخيفة أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا.

22

وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ

And those who are patient, seeking the countenance of their Lord, and establish prayer and spend from what We have provided for them secretly and publicly and prevent evil with good - those will have the good consequence of [this] home -

(والذين صبروا) قيل مستأنف وقيل معطوف على ما قبله والتعبير عنه بلفظ الماضي للتنبيه على أنه ينبغي تحققه والمراد بالصبر الصبر على الإتيان بما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه. وقيل على الرزايا والمصائب، وقيل عن الشهوات والمعاصي والأولى حمله على العموم (ابتغاء وجه ربهم) أي ثوابه ورضاه معناه أن يكون خالصاً له لا شائبة فيه لغيره كأن يصبر ليقال ما أكمل صبره وأشد قوته على تحمل النوازل أو لأجل أن لا يعاب على الجزع أو لأجل أن لا يشمت به الأعداء.

(وأقاموا الصلاة) أى فعلوها في أوقاتها على ما شرعه الله سبحانه في أذكارها وأركانها مع الخشوع والإخلاص والمراد بها الصلوات المفروضة وقيل أعم من ذلك (وأنفقوا) في الطاعة (مما رزقناهم) أي بعضه (سراً وعلانية) المراد بالسر صدقة النفل والعلانية صدقة الفرض، وقيل السر لمن لم يعرف بالمال ولا يتهم بترك الزكاة والعلانية لمن كان يعرف بالمال أو يتهم بترك الزكاة والحمل على العموم أولى.

(ويدرؤون بالحسنة السيئة) أي يدفعون سيئة من أساء إليهم بالإحسان إليه كما في قوله تعالى ادفع بالتي هي أحسن، أو يدفعون بالعمل الصالح السيء فيمحوه أو يدفعون الشر بالخير أو المنكر بالمعروف أو الظلم بالعفو أو الذنب بالتوبة أو الحرمان بالإعطاء أو القطع بالوصل أو الهرب بالإنابة ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور.

(أولئك) الموصوفون بالصفات المتقدمة (لهم عقبى الدار) العقبى مصدر كالعاقبة والإضافة على معنى في، أي العقبى المحمودة فيها قال الخطيب العقبى الانتهاء الذي يؤدي إليه الابتداء من خير أو شر، والمراد بالدار الدنيا وعقباها الجنة، وقيل المراد دار الآخرة وعقباها الجنة للمطيعين والنار للعصاة.

23

جَنَّٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍۢ

Gardens of perpetual residence; they will enter them with whoever were righteous among their fathers, their spouses and their descendants. And the angels will enter upon them from every gate, [saying],

(جنات عدن يدخلونها) أي لهم جنات عدن والعدن أصله الإقامة ثم صار علماً لجنة من الجنان واسم المكان معدن مثال مجلس لأن أهله يقيمون عليه الصيف والشتاء أو لأن الجوهر الذي خلقه الله فيه عدن به، قال القشيري: وجنات عدن وسط الجنة وقصبتها وسقفها عرش الرحمن ولكن في صحيح البخاري وغيره إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة البخاري، كتاب التوحيد 22 - كتاب الجهاد 4..

وعن ابن مسعود قال: جنات عدن بطنان الجنة أي وسطها، وعن الحسن إن عمر قال لكعب: ما عدن قال هو قصر في الجنة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل.

وأخرج ابن مردويه عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جنة عدن قضيب غرسه الله بيده ثم قال له كن فكان الترمذي، كتاب الجنة، الباب 4..

(ومن صلح) أي آمن في الدنيا، قاله مجاهد (من آبائهم) أي أصولهم وهي تشمل الآباء والأمهات ومن لبيان الجنس (وأزواجهم) اللاتي متن في عصمتهم (وذرياتهم) أي ويدخلها هؤلاء الفرق الثلاث وإن لم تعمل بأعمالهم تكرمة لهم قاله ابن عباس ورجحه الواحدي.

قال الرازي: وليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه، وذكر الصلاح دليل على أنه لا يدخل الجنة إلا من كان كذلك من قرابات أولئك، ولا ينفع مجرد كونه من الآباء أو الأزواج أو الذرية بدون صلاح.

(والملائكة يدخلون عليهم) في قدر كل يوم وليلة ثلاث مرات للتهنئة، وقيل بل هو في أول دخولهم. قاله السيوطي في الجمل والتقييد بهذا لم نره لغيره من المفسرين. بل في كلام غيره ما يدل على عدمه (من كل باب) أي من جميع أبواب القصور والمنازل التي يسكنونها أو من كل باب من أبواب الجنة أو من كل باب من أبواب التحف والهدايا من الله سبحانه.

سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)

24

سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ

"Peace be upon you for what you patiently endured. And excellent is the final home."

(سلام عليكم) أي قائلين سلام عليكم، فأضمر القول هنا لدلالة الكلام عليه أي سلمتم من الآفات أو دامت لكم السلامة، وقيل دعاء لهم من الملائكة، أي سلمكم الله تعالى (بما صبرتم) أي بسبب صبركم في الدنيا على الآفات وهو متعلق بالسلام، أي إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم أو متعلق بعليكم أو بمحذوف، أي هذه الكرامة بسبب صبركم وبدل ما احتملتم من مشاق الصبر (فنعم عقبى الدار) أي نعم ما أعقبكم الله من الدنيا الجنة.

أخرج أحمد والبزار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أول من يدخل الجنة من خلق الله فقراء المهاجرين الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله لمن يشاء من ملائكته ائتوهم فحيوهم، فتقول اللائكة ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك أفتأمرنا إن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟.

قال الله: إن هؤلاء عبادي كانوا يعبدوني ولا يشركون بي شيئا وتسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب قائلين لهم سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " أحمد بن حنبل 2/ 168..

وفي القرطبي عن عبد الله بن سلام وعلي بن الحسين: إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس فيقال لهم انطلقوا إلى الجنة فتلقاهم الملائكة فتقول إلى أين؟ فيقولون إلى الجنة، قالوا: قبل الحساب؟ قالوا: نعم، فيقولون: من أنتم، فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معاصي الله، وصبرناها على البلاء والمحن في الدنيا.

قال علي بن الحسين: فتقول لهم الملائكة: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار أي نعم عاقبة الدار التي كنتم فيها وعملتم فيها ما أعقبكم هذا الذي أنتم فيه، فالعقبى على هذا اسم والدار هي الدنيا.

وقال أبو عمران الجوني: أي الجنة عن النار بضم الجيم، وعنه الجنة عن الدنيا وبالجملة فقد جاء سبحانه بهذه الجملة المتضمنة لمدح ما أعطاهم من عقبى الدار المتقدم ذكرها للترغيب والتشويق.

ثم أتبع أحوال السعداء بأحوال الأشقياء فقال:

25

وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ

But those who break the covenant of Allah after contracting it and sever that which Allah has ordered to be joined and spread corruption on earth - for them is the curse, and they will have the worst home.

(والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) من بعد ما أوثقوه به من الاعتراف والقبول بقولهم بلى (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) من الإيمان والرحم وغير ذلك، وقد مر تفسير عدم النقض وعدم القطع فعرف منهما تفسير النقض القطع ولم يتعرض لنفي الخشية والخوف عنهم وما بعدهما من الأوصاف المتقدمة لدخولها في النقض والقطع (ويفسدون في الأرض) بالكفر وارتكاب المعاصي والإضرار بالأنفس والأموال.

(أولئك) الموصوفون بهذه الصفات الذميمة (لهم) بسبب ذلك (اللعنة) أي الطرد والإبعاد من رحمة الله سبحانه (ولهم سوء الدار) أي سوء عاقبة دار الدنيا وهي النار أو عذاب جهنم فإنها دارهم.

26

ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٌۭ

Allah extends provision for whom He wills and restricts [it]. And they rejoice in the worldly life, while the worldly life is not, compared to the Hereafter, except [brief] enjoyment.

(الله يبسط الرزق) أي يوسعه (لمن يشاء) أي لمن كان كافراً استدراجاً (ويقدر) أي ويقتره على من كان مؤمناً إبتلاء وامتحاناً وتكفيراً لذنوبه ولا يدل البسط على الكرامة، ولا القبض على الإهانة، ومعنى يقدر يضيق، ومنه ومن قدر عليه رزقه، أي ضيق، وقيل معنى يقدر يعطي بقدر الكفاية، وقرأ السبعة يقدر بكسر الدال وهو أفصح، واستعمل بالضم أيضاً على ما في المصباح، ومعنى الآية إنه الفاعل لذلك وحده القادر عليه دون غيره.

(وفرحوا) أي مشركو مكة (بالحياة الدنيا) فرح بطر لا فرح سرور والفرح لذة تحصل في القلب عند حصول المشتهى وجهلوا ما عند الله، والجملة مستأنفة لبيان قبح أفعالهم مع ما وسعه عليهم، وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا والركون إليها حرام.

قيل وفي هذه الآية تقديم وتأخير، والتقدير ويفسدون في الأرض وفرحوا بالحياة الدنيا، والأولى أولى لأنه ماض وما قبله مستقبل، وقيل العطف على ينقضون ولا يصح لأنه يستلزم تخلل الفاصل بين أبعاض الصلة.

(وما الحياة الدنيا في الآخرة) أي بالنسبة إليها وفي جنبها ففي هنا للمقايسة وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لاحق وليست ظرفاً للحياة ولا للدنيا لأنهما لا يكونان في الآخرة (إلا متاع) أي ما هي إلا شيء يستمتع به. وقيل المتاع واحد الأمتعة كالقصعة والسكرجة ونحوهما، وقيل المعنى شيء قليل ذاهب، من متع النهار إذا ارتفع فلا بدّ من زوال، وقيل زاد كزاد الراكب يتزودونه منها إلى الآخرة. وقال عبد الرحمن بن سابط: كزاد الراعي يزوده أهله الكف من التمر أو الشيء من الدقيق أو الشيء يشرب عليه اللبن.

وعن ابن عباس قال: كان الرجل يخرج في الزمان الأول في إبله أو غنمه فيقول لأهله متعوني فيمتعونه فلقة الخبز أو التمر، فهذا مثل ضربه الله للدنيا.

وأخرج الترمذي وصححه عن ابن مسعود قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك، فقال: " ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها " الترمذي كتاب الزهد باب 44..

واخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن المستورد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم فلينظر بم يرجع " وأشار بالسبابة مسلم 2858..

27

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, [O Muhammad], "Indeed, Allah leaves astray whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him] -

(ويقول الذين كفروا) أي المشركون من أهل مكة (لولا) هلا (أنزل عليه) أي على محمد (آية) أي معجزة، مثل معجزة موسى وعيسى عليهما السلام (من ربه) كالعصا واليد والناقة، وقد تقدم تفسير هذا قريبا وتكرر في مواضع.

(قل إن الله يضل من يشاء) أمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بهذا وهو أن الضلال بمشيئة الله سبحانه من شاء أن يضله كما ضل هؤلاء القائلون (لولا أنزل عليه آية من ربه) ولا ينفعه نزول الآيات وكثرة المعجزات إن لم يهده الله عز وجل وإن أنزلت كل آية فإن ذلك في أقصى مراتب المكابرة والعناد وشدة الشكيمة والغلو في الفساد فلا سبيل له إلى الاهتداء.

(ويهدي إليه) أي إلى الحق أو إلى الإسلام أو إلى جنابه عز وجل (من أناب) أي رجع إلى الله بالتوبة والاقلاع عما كان عليه، وأصل الإنابة الدخول في نوبة الخير. كذا قال النيسابوري.

28

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ

Those who have believed and whose hearts are assured by the remembrance of Allah. Unquestionably, by the remembrance of Allah hearts are assured."

(الذين آمنوا) منصوب على البدل من أناب، والمعنى أنهم هم الذين هداهم الله وأنابوا إليه: أو خبر مبتدأ محذوف، أي هم الذين آمنوا (وتطمئن قلوبهم بذكر الله) أي تسكن عن القلق والاضطراب وتستأنس بذكره سبحانه بألسنتهم كتلاوة القرآن والتسبيح والتحميد والتكبير والتوحيد أو بسماع ذلك من غيرهم عبر بالمضارع لأن الطمأنينة تتجدد بعد الإيمان حيناً بعد حين، قاله الشهاب. وقال الكرخي المضارع قد لا يلاحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال فيدل إذ ذاك على الاستمرار ومنه الآية أهـ.

قال في الجمل: وهذا ينفع في مواضع كثيرة وقد سمى الله سبحانه القرآن ذكراً قال (وهذا ذكر مبارك أنزلناه) وقال (إنا نحن نزلنا الذكر).

قال الزجاج: أي إذا ذكر الله وحده آمنوا به غير شاكين بخلاف من وصف بقوله (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة).

وقيل الذكر هنا الطاعة وقيل بوعد الله وقيل بالحلف بالله فإذا حلف خصمه بالله سكن قلبه، قاله السدي، وقيل بذكر رحمته، وقيل بذكر دلائله الدالة على توحيده، وقال قتادة هشت إليه واستأنست به، وقال مجاهد بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولا مانع من حمل الآية على جميعها.

(ألا بذكر الله) وحده دون غيره من الأمور التي تميل إليها النفوس من الدنيويات (تطمئن القلوب) والنظر في مخلوقات الله سبحانه وبدائع صنعه وإن كان يفيد طمأنينة في الجملة لكن ليست كهذه الطمأنينة وكذلك النظر في المعجزات من الأمور التي لا يطيقها البشر فليس إفادتها للطمأنينة كإفادة ذكر الله، فهذا وجه ما يفيده هذا التركيب من القصر.

وأما قوله تعالى في الأنفال (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) والوجل ضد الاطمئنان فالمعنى أنهم إذا ذكروا العقوبات وجلوا وإذا ذكروا المثوبات سكنوا.

أخرج أبو الشيخ عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه حين نزلت هذه الآية: هل تدرون ما معنى ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: من أحب الله ورسوله وأحب أصحابي.

وأخرج ابن مردويه عن عليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال ذلك من أحب الله ورسوله وأحب أهل بيته صادقاً غير كاذب وأحب المؤمنين شاهداً وغائباً ألا بذكر الله يتحابون.

الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30)

29

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ

Those who have believed and done righteous deeds - a good state is theirs and a good return.

(الذين آمنوا وعملوا الصالحات) مبتدأ خبره جملة (طوبى لهم) وجاز الابتداء بطوبى إما لأنها علم لشيء بعينه وإما لأنها نكرة في معنى الدعاء كسلام عليك وويل له، قال أبو عبيدة والزجاج: وأهل اللغة طوبى فعلى من الطيب فهو يائي وأصله طيبي، قال ابن الأنباري: وتأويلها الحال المستطابة، وقيل طوبى شجرة في الجنة. وقيل هي الجنة وقيل هي البستان بلغة الهند وقيل هي اسم الجنة بالحبشية وقيل معناه حسنى لهم وقيل خير لهم وقيل كرامة لهم وقيل غبطة لهم قال النحاس: وهذه الأقوال متقاربة، واللام في لهم للبيان مثل سقياً لك ورعياً لك.

قال الأزهري: تقول طوبى لك وطوباك لحن لا تقوله العرب وهو قول أكثر النحويين وقيل هو مصدر من طاب كبشرى ورجعى وزلفى فالمصدر قد يجيء على وزن فعلى ومعناه أصبت خيراً وطيباً، وقيل هي شجرة في جنة عدن تظلل الجنان كلها، وقال ابن عباس: طوبى لهم فرح لهم وقرة أعين، وقال عكرمة: نعمى لهم، وقد روي عن جماعة من السلف نحو ما قدمنا ذكره من الأقوال.

والأرجح تفسير الآية بما روي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرجه أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن عتبة بن عبد قال: جاء إعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله في الجنة فاكهة قال: " نعم فيها شجرة تدعى طوبى " الحديث.

وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والخطيب في تاريخه عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلاً قال يا رسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك قال: " طوبى لمن آمن بي ورآني ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني، فقال رجل: وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها " أحمد بن حنبل 3/ 71. وفي الباب أحاديث وآثار عن السلف.

وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة اقرأوا إن شئتم وظل ممدود " وفي بعض الألفاظ إنها شجرة الخلد وفي بعضها شجرة غرسها الله بيده مسلم 2826 - البخاري 1539..

(وحسن مآب) من آب إذا رجع أي ولهم حسن مرجع وهو الدار الآخرة وهي الجنة قال السدي حسن منقلب وعن الضحاك مثله.

30

كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَٰكَ فِىٓ أُمَّةٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌۭ لِّتَتْلُوَا۟ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

Thus have We sent you to a community before which [other] communities have passed on so you might recite to them that which We revealed to you, while they disbelieve in the Most Merciful. Say, "He is my Lord; there is no deity except Him. Upon Him I rely, and to Him is my return."

(كذلك) أي مثل ذلك الإرسال العظيم الشأن المشتمل على المعجزة الباهرة (أرسلناك) يا محمد إرسالاً له شأن، وقيل شبه الإنعام على من أرسل إليه محمد صلى الله عليه وسلم بالإنعام على من أرسل إليه الأنبياء قبله، وقيل كما هدى الله من أناب كذلك أرسلناك.

وقال ابن عطية الذي يظهر لي أن المعنى كما أجرينا العادة بأن الله يضل ويهدي لا بالآيات المقترحة فكذلك أيضاً فعلنا في هذه الأمة أرسلناك إليها بوحي لا بالآيات المقترحة، وقال أبو البقاء: كذلك الأمر كذلك، وقال الحوفي: أي كفعلنا الهداية والإضلال، والإشارة بذلك إلى ما وصف به نفسه من أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وكل ذلك فيه تكلف وبعد، والأول أظهر وأولى.

(في أمة) أي قرن (قد خلت) مضت (من قبلها) أي قبل الأمة (أمم) قرون أو في جماعة من الناس كثيرة قد مضت من قبلها جماعات (لتتلو) لتقرأ (عليهم الذي أوحينا إليك) أي القرآن (و) الحال أن (هم يكفرون) أو استئناف وهم عائد على أمة من حيث المعنى، ولو عاد على لفظها لقيل وهي تكفر، وقيل على أمة، وعلى أمم، وقيل على الذين قالوا لولا أنزل (بالرحمن) أي بالكثير الرحمة لعباده، ومن رحمته لهم إرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم كما قال سبحانه (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حين صالح قريشاً كتب في الكتاب: " بسم الله الرحمن الرحيم، فقالت قريش أما الرحمن فلا نعرفه، وكان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم، فقال أصحابه دعنا نقاتلهم، فقال: لا ولكن اكتبوا كما يريدون " انظر تمام القصة في سيرة ابن هشام 24. وعن ابن جريج في هذه الآية نحوه وقيل حيث قالوا لما أمروا بالسجود له وما الرحمن كما ذكر في سورة الفرقان بقوله (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن) فهذه الآية متقدمة على ما هنا في النزول وإن تأخرت عنها في المصحف والتلاوة، وقيل غير ذلك، (قل هو ربي) مستأنفة بتقدير سؤال كأنهم قالوا وما الرحمن؟ فقال سبحانه: قل يا محمد هو ربي، أي الرحمن الذي أنكرتم معرفته ربي وخالقي.

(لا إله إلا هو) أي لا يستحق العبادة له والإيمان به سواه (عليه توكلت) في جميع أموري (وإليه) لا إلى غيره (متاب) أي توبتي قاله مجاهد، وفيه تعريض بالكفار وحث لهم على الرجوع إلى الله والتوبة من الكفر والدخول في الإسلام.

وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.