Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 21–30 of 43

21

وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ

And those who join that which Allah has ordered to be joined and fear their Lord and are afraid of the evil of [their] account,

﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ مِنَ الرَّحِمِ، ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ، والإيمانِ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ المُجْمِعِينَ عَلى الحَقِّ مِن غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ مُراعاةُ جَمِيعِ حُقُوقِ النّاسِ، بَلْ حُقُوقُ كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، مِنَ الهِرِّ والدَّجاجِ.

﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ خَشْيَةَ جَلالٍ وهَيْبَةٍ ورَهْبَةٍ فَلا يَعْصُونَهُ فِيما أمَرَ بِهِ.

﴿وَيَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ فَيُحاسِبُونَ أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَمالِ فَظاعَتِهِ حَسْبَما ذُكِرَ فِيما قَبْلُ.

22

وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ

And those who are patient, seeking the countenance of their Lord, and establish prayer and spend from what We have provided for them secretly and publicly and prevent evil with good - those will have the good consequence of [this] home -

﴿والَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى كُلِّ ما تَكْرَهُهُ النَّفْسُ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ ﴿ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ طَلَبًا لِرِضاهُ خاصَّةً مِن غَيْرِ أنْ يُنْظَرَ إلى جانِبِ الخَلْقِ رِياءً، وسُمْعَةً. ولا إلى جانِبِ النَّفْسِ زِينَةً، وعُجْبًا. وحَيْثُ كانَ الصَّبْرُ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، مِلاكُ الأمْرِ في كُلِّ ما ذُكِرَ مِنَ الصِّلاتِ السّابِقَةِ، واللّاحِقَةِ. أُورِدَ عَلى صِيغَةِ الماضِي اعْتِناءً بِشَأْنِهِ، ودَلالَةً عَلى وُجُوبِ تَحَقُّقِهِ. فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ إمّا في نَفْسِ الصِّلاتِ كَما فِيما عَدا الأُولى والرّابِعَةِ والخامِسَةِ، أوْ في إظْهارِ أحْكامِها كَما في الصِّلاتِ الثَّلاثِ المَذْكُوراتِ، فَإنَّها وإنِ اسْتَغْنَتْ عَنِ الصَّبْرِ في أنْفُسِها، حَيْثُ لا مَشَقَّةَ عَلى النَّفْسِ في الِاعْتِرافِ بِالربوبية، والخَشْيَةِ، والخَوْفِ، لَكِنَّ إظْهارَ أحْكامِها، والجَرْيَ عَلى مُوجِبِها غَيْرُ خالٍ عَنِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ ﴿وَأقامُوا الصَّلاةَ﴾ المَفْرُوضَةَ ﴿وَأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ: بَعْضَهُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ إنْفاقُهُ ﴿سِرًّا﴾ لِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ أوْ لِمَن لا يُتَّهَمُ بِتَرْكِ الزَّكاةِ، أوْ عِنْدَ إنْفاقِهِ، وإعْطائِهِ، مَن تَمْنَعُهُ المُرُوءَةُ مِن أخْذِهِ ظاهِرًا ﴿وَعَلانِيَةً﴾ لِمَن لَمْ يَكُنْ كَما ذُكِرَ، أوِ الأوَّلُ في التَّطَوُّعِ، والثّانِي في الفَرْضِ.

﴿وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ﴾ أيْ: يُجازُونَ الإساءَةَ بِالإحْسانِ، أوْ يُتْبِعُونَ الحَسَنَةَ السَّيِّئَةَ فَنَمْحُوها. عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَدْفَعُونَ بِالحَسَنِ مِنَ الكَلامِ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن سَيِّئِ غَيْرِهِمْ. وعَنِ الحَسَنِ: إذا حُرِمُوا أعْطَوْا، وإذا ظُلِمُوا عَفَوْا، وإذا قُطِّعُوا وصَلُوا. وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ: إذا أذْنَبُوا تابُوا. وقِيلَ: إذا رَأوْا مُنْكَرًا أمَرُوا بِتَغْيِيرِهِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِالحَسَنَةِ.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ، والمَلَكاتِ الجَمِيلَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الظَّرْفِيَّةُ، أعْنِي: قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ أيْ: عاقِبَةُ الدُّنْيا، وما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَآلُ أمْرِ أهْلِها، وهي الجَنَّةُ. وقِيلَ: الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ لِأُولَئِكَ. وعُقْبى الدّارِ فاعِلُ الِاسْتِقْرارِ. وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ فِيهِ قَصْرٌ، حَتّى يَرِدَ أنَّ بَعْضَ ما في الصِّلَةِ لَيْسَ مِنَ العَزائِمِ؛ الَّتِي يُخِلُّ إخْلالُها بِالمَوْصُولِ إلى حُسْنِ العاقِبَةِ. والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولاتِ المُتَعاطِفَةِ، أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما اسْتَوْجَبُوهُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، أنْ جُعِلَتِ المَوْصُولاتُ المُتَعاطِفَةُ صِفاتٍ لِأُولِي الألباب، عَلى طَرِيقَةِ المَدْحِ مِن غَيْرِ أنْ يُقْصَدَ أنْ يَكُونَ لِلصِّلاتِ المَذْكُورَةِ مُدْخَلٌ في التَّذَكُّرِ.

23

جَنَّٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍۢ

Gardens of perpetual residence; they will enter them with whoever were righteous among their fathers, their spouses and their descendants. And the angels will enter upon them from every gate, [saying],

﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِن عُقْبى الدّارِ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يَدْخُلُونَها﴾ والعَدْنُ: الإقامَةُ. ثُمَّ صارَ عَلَمًا لِجَنَّةٍ مِنَ الجَنّاتِ، أيْ: جَنّاتٌ يُقِيمُونَ فِيها، وقِيلَ: هو بُطْنانُ الجَنَّةِ ﴿وَمَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ جَمْعُ: أبَوَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مِن آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ.

﴿وَأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى المَرْفُوعِ في يَدْخُلُونَ، وإنَّما ساغَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بِالضَّمِيرِ الآخَرِ، أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُلْحِقُ بِهِمْ مَن صَلَحَ مِن أهْلِهِمْ، وإنْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ فَضْلِهِمْ تَبَعًا لَهُمْ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الدَّرَجَةَ تَعْلُو بِالشَّفاعَةِ. وأنَّ المَوْصُوفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ يُقْرَنُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، لِما بَيْنَهم مِنَ القَرابَةِ، والوَصْلَةِ في دُخُولِ الجَنَّةِ. زِيادَةً في أُنْسِهِمْ، وفي التَّقْيِيدِ بِالصَّلاحِ، قَطْعٌ لِلْأطْماعِ الفارِغَةِ لِمَن يَتَمَسَّكُ بِمُجَرَّدِ حَبْلِ الأنْسابِ ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ مِن أبْوابِ المَنازِلِ، أوْ مِن أبْوابِ الفُتُوحِ، والتُّحَفِ قائِلِينَ:

24

سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ

"Peace be upon you for what you patiently endured. And excellent is the final home."

﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بِشارَةٌ لَهم بِدَوامِ السَّلامَةِ ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِعَلَيْكُمْ، أوْ بِمَحْذُوفٍ. أيْ: هَذِهِ الكَرامَةُ العُظْمى بِما صَبَرْتُمْ أيْ: بِسَبَبِ صَبْرِكُمْ، أوْ بَدَلُ ما احْتَمَلْتُمْ مِن مَشاقِّ الصَّبْرِ، ومَتاعِبِهِ. والمَعْنى: لَئِنْ تَعِبْتُمْ في الدُّنْيا لَقَدِ اسْتَرَحْتُمُ السّاعَةَ، وتَخْصِيصُ الصَّبْرِ بِما ذُكِرَ مِن بَيْنِ الصِّلاتِ السّابِقَةِ، لِما قَدَّمْناهُ مِن أنْ لَهُ دَخْلًا في كُلٍّ مِنها، ومَزِيَّةً زائِدَةً مِن حَيْثُ إنَّهُ مِلاكُ الأمْرِ في كُلٍّ مِنها، وأنْ شَيْئًا مِنها لا يُعْتَدُّ بِهِ، إلّا بِأنْ يَكُونَ لِابْتِغاءِ وجْهِ الرَّبِّ تَعالى، وتَقَدَّسَ ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ أيْ: فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ الجَنَّةُ، وقُرِئَ: بِفَتْحِ النُّونِ، والأصْلُ نَعْمَ فَسُكِّنَ العَيْنُ بِنَقْلِ حَرَكَتِها إلى النُّونِ تارَةً، وبِدُونِهِ أُخْرى. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَأْتِي قُبُورَ الشُّهَداءِ عَلى رَأْسِ كُلِّ حَوْلٍ فَيَقُولُ: "سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ، فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ"» وكَذا عَنِ الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.

25

وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ

But those who break the covenant of Allah after contracting it and sever that which Allah has ordered to be joined and spread corruption on earth - for them is the curse, and they will have the worst home.

﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ أُرِيدَ بِهِمْ مَن يُقابِلُ الأوَّلِينَ، ويُعانِدُهم في الِاتِّصافِ بِنَقائِضِ صِفاتِهِمْ.

﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ مِن بَعْدِ ما أوْثَقُوهُ مِنَ الِاعْتِرافِ والقَبُولِ ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ مِنَ الإيمانِ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ المُجْمِعِينَ عَلى الحَقِّ، حَيْثُ يُؤْمِنُونَ بِبَعْضِهِمْ، ويَكْفُرُونَ بِبَعْضِهِمْ، ومِن حُقُوقِ الأرْحامِ ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ. مِمّا لا يُراعُونَ حُقُوقَهُ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ فِيما سَلَفَ. وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ الخَشْيَةِ والخَوْفِ عَنْهم صَرِيحًا، لِدَلالَةِ النَّقْضِ، والقَطْعِ عَلى ذَلِكَ. وأمّا عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنَفْيِ الصَّبْرِ المَذْكُورِ فَلِأنَّهُ إنَّما اعْتُبِرَ تَحَقُّقُهُ في ضِمْنِ الحَسَناتِ المَعْدُودَةِ، لِيَقَعْنَ مُعْتَدًّا بِهِنَّ فَلا وجْهَ لِنَفْيِهِ عَمَّنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَسَناتِ بُعْدُ المَشْرِقَيْنِ. كَما لا وجْهَ لِنَفْيِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ مِمَّنْ لا يَحُومُ حَوْلَ أصْلِ الإيمان باللَّهِ تَعالى فَضْلًا عَنْ فُرُوعِ الشَّرائِعِ، وإنْ أُرِيدَ بِالإنْفاقِ التَّطَوُّعُ فَنَفْيُهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ قَطْعِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِوَصْلِهِ، وأمّا دَرْءُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ فانْتِفاؤُهُ عَنْهم ظاهِرٌ مِمّا سَبَقَ ولَحِقَ. فَإنَّ مَن يُجازِي إحْسانَهُ عَزَّ وجَلَّ بِنَقْضِ العَهْدِ، ومُخالِفَةِ الأمْرِ، ويُباشِرُ الفَسادَ. بَدَأ حَسْبَما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ تَعالى عَزَّ وعَلا ﴿وَيُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: بِالظُّلْمِ وتَهَيُّجِ الفِتَنِ. كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهُ مُجازاةُ الإساءَةِ بِالإحْسانِ، عَلى أنْ يُشْعِرَ بِأنَّ لَهُ دَخْلًا في الإفْضاءِ إلى العُقُوبَةِ الَّتِي يُنْبِئُ عَنْها قَوْلُهُ تَعالى ﴿أُولَئِكَ﴾ ..إلَخْ؟ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ ﴿لَهُمُ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿اللَّعْنَةُ﴾ أيِ: الإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿وَلَهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿سُوءُ الدّارِ﴾ أيْ: سُوءُ عاقِبَةِ الدُّنْيا أوْ عَذابُ جَهَنَّمَ، فَإنَّها دارُهُمْ، لِأنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ مُشْعِرٌ بِعِلِّيَّةِ الصِّلَةِ لَهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا دَخْلَ لَهُ في ذَلِكَ عَلى أكْثَرِ التَّفاسِيرِ. فَإنَّ مُجازاةَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها مَأْذُونٌ فِيها. ودَفْعَ الكَلامِ السَّيِّئِ بِالحَسَنِ. وكَذا الإعْطاءُ عِنْدَ المَنعِ، والعَفْوُ عِنْدَ الظُّلْمِ، والوَصْلُ عِنْدَ القَطْعِ، لَيْسَ مِمّا يُورِثُ تَرْكُهُ تَبِعَةً. وأمّا ما اعْتُبِرَ انْدِراجُهُ تَحْتَ الصِّلَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الإخْلالِ بِبَعْضِ الحُقُوقِ المَندُوبَةِ. فَلا ضَيْرَ في ذَلِكَ لِأنَّ اعْتِبارَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مِن مُسْتَتْبَعاتِ الإخْلالِ بِالعَزائِمِ بِالكُفْرِ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ، وعُقُوقِ الوالِدَيْنِ، وتَرْكِ سائِرِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ، وتَكْرِيرُ لَهم لِلتَّأْكِيدِ، والإيذانِ بِاخْتِلافِهِما، واسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في الثُّبُوتِ.

26

ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٌۭ

Allah extends provision for whom He wills and restricts [it]. And they rejoice in the worldly life, while the worldly life is not, compared to the Hereafter, except [brief] enjoyment.

﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ أيْ: يُوَسِّعُهُ ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أيْ: يُضَيِّقُهُ عَلى مَن يَشاءُ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ، ولا شُعُورٌ بِحِكْمَتِهِ، فَرُبَّما يَبْسُطُهُ لِلْكافِرِ إمْلاءً واسْتِدْراجًا، ورُبَّما يُضَيِّقُهُ عَلى المُؤْمِنِ زِيادَةً لِأجْرِهِ، فَلا يُغْتَرَّ بِبَسْطِ الكافِرِ، كَما لا يَقْنَطُ بِقَدْرِهِ المُؤْمِنُ.

﴿وَفَرِحُوا﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ فَرَحَ أشَرٍ، وبَطَرٍ. لا فَرَحَ سُرُورٍ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى.

﴿بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ وما بُسِطَ لَهم فِيها مِن نَعِيمِها ﴿وَما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ وما يَتْبَعُها مِنَ النَّعِيمِ ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ أيْ: في جَنْبِ نَعِيمِ الآخِرَةِ ﴿إلا مَتاعٌ﴾ إلّا شَيْءٌ نَزْرٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ كَعُجالَةِ الرّاكِبِ، وزادِ الرّاعِي، والمَعْنى: أنَّهم رَضُوا بِحَظِّ الدُّنْيا مُعْرِضِينَ عَنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ، والحالُ أنَّ ما أشِرُوا بِهِ في جَنْبِ ما أعْرَضُوا عَنْهُ شَيْءٌ قَلِيلُ النَّفْعِ، سَرِيعُ النَّفادِ.

27

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, [O Muhammad], "Indeed, Allah leaves astray whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him] -

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ، وإيثارُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَلى الإضْمارِ مَعَ ظُهُورِ إرادَتِهِمْ عَقِيبَ ذِكْرِ فَرَحِهِمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا لِذَمِّهِمْ، والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ. فِيما حُكِيَ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ في أقْصى مَراتِبِ المُكابَرَةِ، والعِنادِ. كَأنَّ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الآياتِ العِظامِ الباهِرَةِ، لَيْسَ بِآيَةٍ حَتّى اقْتَرَحُوا ما لا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ الآياتِ المَحْسُوسَةِ، الَّتِي لا يَبْقى لِأحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ طاقَةٌ بِعَدَمِ القَبُولِ. ولِذَلِكَ أُمِرَ في الجَوابِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ إضْلالُهُ مَشِيئَةٌ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْها، أيْ: يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ لِصَرْفِهِ اخْتِيارَهُ إلى تَحْصِيلِهِ، ويَدَعُهُ مُنْهَمِكًا فِيهِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يَنْجَعُ فِيهِ اللُّطْفُ، ولا يَنْفَعُهُ الإرْشادُ، كَمَن كانَ عَلى صِفَتِكم في المُكابَرَةِ، والعِنادِ، وشَدَّةِ الشَّكِيمَةِ، والغُلُوِّ في الفَسادِ، فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى الِاهْتِداءِ. ولَوْ جاءَتْهُ كُلُّ آيَةٍ ﴿وَيَهْدِي إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى جَنابِهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ هِدايَةً مُوصِلَةً إلَيْهِ، لا دَلالَةً مُطْلَقَةً عَلى ما يُوصِلُ إلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُخْتَصٍ بِالمُهْتَدِينَ، وفِيهِ مِن تَشْرِيفِهِمْ ما لا يُوصَفُ ﴿مَن أنابَ﴾ أقْبَلَ إلى الحَقِّ وتَأمَّلَ في تَضاعِيفَ ما نَزَلَ مِن دَلائِلِهِ الواضِحَةِ، وحَقِيقَةُ الإنابَةِ: الدُّخُولُ في نَوْبَةِ الخَيْرِ، وإيثارُ إيرادِها في الصِّلَةِ عَلى إيرادِ المَشِيئَةِ، كَما في الصِّلَةِ الأُولى لِلتَّنْبِيهِ عَلى الدّاعِي إلى الهِدايَةِ: بَلْ إلى مَشِيئَتِها والإشْعارِ بِما دَعا إلى المَشِيئَةِ الأُولى مِنَ المُكابَرَةِ، وفِيهِ حَثٌّ لِلْكَفَرَةِ عَلى الإقْلاعِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ، والعِنادِ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلْإيماءِ إلى اسْتِدْعاءِ الهِدايَةِ لِسابِقَةِ الإنابَةِ، كَما أنَّ إيثارَ صِيغَةِ المُضارِعِ في الصِّلَةِ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ المَشِيئَةِ حَسْبَ اسْتِمْرارِ مُكابَرَتِهِمْ.

28

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ

Those who have believed and whose hearts are assured by the remembrance of Allah. Unquestionably, by the remembrance of Allah hearts are assured."

﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَدَلٌ مِمَّنْ أنابَ، فَإنْ أُرِيدَ بِالهِدايَةِ الهِدايَةُ المُسْتَمِرَّةُ، فالأمْرُ ظاهِرٌ لِظُهُورِ كَوْنِ الإيمانِ مُؤَدِّيًا إلَيْها. وإنْ أُرِيدَ إحْداثُها، فالمُرادُ: "بِالَّذِينَ آمَنُوا" الَّذِينَ صارَ أمْرُهم إلى الإيمانِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ " أيِ: الصّائِرِينَ إلى التَّقْوى، وإلّا فالإيمانُ لا يُؤَدِّي إلى الهِدايَةِ نَفْسِها، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا. أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ.

﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: تَسْتَقِرُّ وتَسْكُنُ ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ بِكَلامِهِ المُعْجِزِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ " وقَوْلُهُ: " ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ " ويَعَلَمُونَ أنْ لا أعْظَمَ مِنهُ فَيَقْتَرِحُوها، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ دَوامِ الِاطْمِئْنانِ، وتَجَدُّدِهِ حَسْبَ تَجَدُّدِ الآياتِ، وتَعَدُّدِها ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ وحْدَهُ ﴿تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَمِيلُ إلَيْها النُّفُوسُ مِنَ الدُّنْياوِيّاتِ، وهَذا ظاهِرٌ. وأمّا سائِرُ المُعْجِزاتِ فالقَصْرُ مِن حَيْثُ إنَّها لَيْسَتْ في إفادَةِ الطُّمَأْنِينَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن لَمْ يُشاهِدْها، بِمَثابَةِ القرآن المَجِيدِ. فَإنَّهُ مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، يُشاهِدُها كُلُّ أحَدٍ،، وتَطْمَئِنُ بِهِ القُلُوبُ كافَّةً، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الكَفَرَةَ لَيْسَتْ لَهم قُلُوبٌ، وأفْئِدَتُهم هَواءٌ حَيْثُ لَمْ يَطْمَئِنُوا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يَعُدُّوهُ آيَةً وهو أظْهَرُ الآياتِ، وأبْهَرُها. وقِيلَ: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ، ومَغْفِرَتِهِ بَعْدَ القَلَقِ، والِاضْطِرابِ مِن خَشْيَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ "، أوْ بِذِكْرِ دَلائِلِهِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، أوْ بِذِكْرِهِ جَلَّ وعَلا أُنْسًا بِهِ، وتَبَتُّلًا إلَيْهِ. فالمُرادُ بِالهِدايَةِ: دَوامُها واسْتِمْرارُها.

29

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ

Those who have believed and done righteous deeds - a good state is theirs and a good return.

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَدَلٌ مِنَ القُلُوبِ عَلى حَذْفِ المُضافِ بَدَلَ الكُلِّ حَسْبَما رُمِزَ إلَيْهِ، أيْ: قُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ الإنْسانَ إنَّما هو القَلْبُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الدِّعائِيَّةُ عَلى التَّأْوِيلِ. أعْنِي: قَوْلَهُ: ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ. فَطُوبى لَهم حالٌ عامِلُها الفِعْلانِ، وطُوبى مَصْدَرٌ مِن طابَ. كَبُشْرى، وزُلْفى، والواوُ مُنْقَلِبَةٌ مِنَ الياءِ، كَمُوقِنٍ، ومُوسِرٍ. وقَرَأ مَكْوَزَةُ الأعْرابِيُّ: طِيبِي لِتَسْلَمَ الياءُ. والمَعْنى: أصابُوا خَيْرًا، ومَحَلُّها النَّصْبُ كَسَلامًا لَكَ، أوِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وإنْ كانَتْ نَكِرَةً لِكَوْنِها في مَعْنى الدُّعاءِ، كَسَلامٌ عَلَيْكَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ القِراءَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ، واللّامُ في لَهُمْ، لِلْبَيانِ مِثْلُها في سُقْيًا لَكَ.

30

كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَٰكَ فِىٓ أُمَّةٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌۭ لِّتَتْلُوَا۟ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

Thus have We sent you to a community before which [other] communities have passed on so you might recite to them that which We revealed to you, while they disbelieve in the Most Merciful. Say, "He is my Lord; there is no deity except Him. Upon Him I rely, and to Him is my return."

﴿كَذَلِكَ﴾ مَثَلُ ذَلِكَ الإرْسالِ العَظِيمِ الشَّأْنِ المَصْحُوبِ بِهَذِهِ المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ ﴿أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ: مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ كَثِيرَةٌ قَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رُسُلٌ.

﴿لِتَتْلُوَ﴾ لِتَقْرَأ.

﴿عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مِنَ الكِتابِ العَظِيمِ الشَّأْنِ، وتَهْدِيَهِمْ إلى الحَقِّ رَحْمَةً لَهُمْ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ مِن قَبِيلِ الإبْهامِ، ثُمَّ البَيانُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ " وفِيهِ ما لا يَخْفى مَن تَرَقُّبِ النَّفْسِ إلى ما سَيَرِدُ، وحُسْنِ قَبُولِها لَهُ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها ﴿وَهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم ﴿يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ بِالبَلِيغِ الرَّحْمَةِ الَّذِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَتُهُ، وأحاطَتْ بِهِ نِعْمَتُهُ، والعُدُولُ إلى المُظْهِرِ المُتَعَرِّضِ لِوَصْفِ الرَّحْمَةِ. مِن حَيْثُ إنَّ الإرْسالَ ناشِئٌ مِنها، كَما قالَ تَعالى: " ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ " فَلَمْ يَقْدِرُوا قَدْرَهُ، ولَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَهُ لا سِيَّما ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ مِثْلِكَ إلَيْهِمْ، وإنْزالِ القرآن الَّذِي هو مَدارُ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ، والدُّنْياوِيَّةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ؛ حِينَ أُمِرُوا بِالسُّجُودِ فَقالُوا وما الرَّحْمَنُ ﴿قُلْ هُوَ﴾ أيِ: الرَّحْمَنُ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ، وأنْكَرْتُمْ مَعْرِفَتَهُ.

﴿رَبِّي﴾ الرَّبُّ في الأصْلِ بِمَعْنى: التَّرْبِيَةِ وهِيَ: تَبْلِيغُ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً كالصَّوْمِ والعَدْلِ، وقِيلَ: هو نَعْتٌ أيْ: خالِقِي ومُبَلِّغِي إلى مَراتِبِ الكَمالِ، وإيرادُهُ قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: لا مُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ سِواهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ العِبادَةِ مَنُوطٌ بِالربوبية، وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ سَمِعَ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: يا اللَّهُ، يا رَحْمَنُ، فَرَجَعَ إلى المُشْرِكِينَ فَقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُو إلَهَيْنِ. فَنَزَلَتْ، ونَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: "قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ" الآيَةَ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِي، لا سِيَّما في النُّصْرَةِ عَلَيْكُمْ، لا عَلى أحَدٍ سِواهُ.

﴿وَإلَيْهِ﴾ خاصَّةً ﴿مَتابِ﴾ أيْ: تَوْبَتِي. كَقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ إبانَةً لِفَضْلِ التَّوْبَةِ، ومِقْدارِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّها صِفَةُ الأنْبِياءِ، وبَعْثًا لِلْكَفَرَةِ عَلى الرُّجُوعِ عَمّا هم عَلَيْهِ بِأبْلَغِ وجْهٍ، وألْطَفِهِ. فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ أُمِرَ بِها وهو مُنَزَّهٌ عَنْ شائِبَةِ اقْتِرافِ ما يُوجِبُها مِنَ الذَّنْبِ، وإنْ قَلَّ فَتَوْبَتُهم وهم عاكِفُونَ عَلى أنْواعِ الكُفْرِ، والمَعاصِي مِمّا لا بُدَّ مِنهُ أصْلًا. وقَدْ فُسِّرَ المَتابُ بِمُطْلَقِ الرُّجُوعِ، فَقِيلَ: مَرْجِعِي ومَرْجِعُكُمْ، وزِيدَ فَيَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، وقَدْ قِيلَ: فَيُثِيبُنِي عَلى مُصابِرَتِكم فَتَأمَّلْ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.