Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 21–30 of 43

21

وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ

And those who join that which Allah has ordered to be joined and fear their Lord and are afraid of the evil of [their] account,

﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ جاءَ لِمُناسَبَةِ ما أفادَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها مِن إنْكارِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ في هَذِهِ الجُمَلِ حالُ فَرِيقَيْنِ في المَحامِدِ والمَساوِي لِيَظْهَرَ أنَّ نَفْيَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ ذَلِكَ النَّفْيُ المُرادُ بِهِ تَفْضِيلُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ هو نَفْيٌ مُؤَيَّدٌ بِالحُجَّةِ، وبِذَلِكَ يَصِيرُ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُفِيدًا تَعْلِيلًا لِنَفْيِ التَّسْوِيَةِ المَقْصُودِ مِنهُ تَفْضِيلُ المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ الَّذِينَ يُوفُونَ مُسْنَدًا إلَيْهِ وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ مُسْنَدًا.

واجْتِلابُ اسْمِ الإشارَةِ ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الأوْصافِ الَّتِي قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

ونَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤] مِن قَوْلِهِ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] .

صفحة ١٢٥

وقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ كُلِّها وبِمَوْقِعِها تَفْضِيلُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما أُنْزِلَ حَقٌّ بِما لَهم مِن صِفاتِ الكَمالِ المُوجِبَةِ لِلْفَضْلِ في الدُّنْيا وحُسْنِ المَصِيرِ في الآخِرَةِ وبِما لِأضْدادِهِمْ مِن ضِدِّ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٥] إلى قَوْلِهِ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] .

والوَفاءُ بِالعَهْدِ: أنْ يُحَقِّقَ المَرْءُ ما عاهَدَ عَلى أنْ يَعْمَلَهُ. ومَعْنى العَهْدِ: الوَعْدُ المُوَثَّقُ بِإظْهارِ العَزْمِ عَلى تَحْقِيقِهِ مِن يَمِينٍ أوْ تَأْكِيدٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ نَعْتًا لِقَوْلِهِ أُولُو الألْبابِ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ نَعْتًا ثانِيًا. والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلْغَرَضِ المَذْكُورِ آنِفًا.

وعَهْدُ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ. أيْ ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلى فِعْلِهِ، أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، أيْ ما عَهِدَ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فالمُرادُ بِهِ الإيمانُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى الخَلْقِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، فَذَلِكَ عَهْدُهم رَبَّهم. وأيْضًا بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ وأنِ اعْبُدُونِي﴾ [يس: ٦٠]، وذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ لَهم بِأنْ يَعْبُدُوهُ ولا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ. فَحَصَلَ العَهْدُ بِاعْتِبارِ إضافَتِهِ إلى مَفْعُولِهِ وإلى فاعِلِهِ.

وذَلِكَ أمْرٌ أوْدَعَهُ …

22

وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ

And those who are patient, seeking the countenance of their Lord, and establish prayer and spend from what We have provided for them secretly and publicly and prevent evil with good - those will have the good consequence of [this] home -

﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ جاءَ لِمُناسَبَةِ ما أفادَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها مِن إنْكارِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ في هَذِهِ الجُمَلِ حالُ فَرِيقَيْنِ في المَحامِدِ والمَساوِي لِيَظْهَرَ أنَّ نَفْيَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ ذَلِكَ النَّفْيُ المُرادُ بِهِ تَفْضِيلُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ هو نَفْيٌ مُؤَيَّدٌ بِالحُجَّةِ، وبِذَلِكَ يَصِيرُ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُفِيدًا تَعْلِيلًا لِنَفْيِ التَّسْوِيَةِ المَقْصُودِ مِنهُ تَفْضِيلُ المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ الَّذِينَ يُوفُونَ مُسْنَدًا إلَيْهِ وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ مُسْنَدًا.

واجْتِلابُ اسْمِ الإشارَةِ ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الأوْصافِ الَّتِي قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

ونَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤] مِن قَوْلِهِ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] .

صفحة ١٢٥

وقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ كُلِّها وبِمَوْقِعِها تَفْضِيلُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما أُنْزِلَ حَقٌّ بِما لَهم مِن صِفاتِ الكَمالِ المُوجِبَةِ لِلْفَضْلِ في الدُّنْيا وحُسْنِ المَصِيرِ في الآخِرَةِ وبِما لِأضْدادِهِمْ مِن ضِدِّ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٥] إلى قَوْلِهِ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] .

والوَفاءُ بِالعَهْدِ: أنْ يُحَقِّقَ المَرْءُ ما عاهَدَ عَلى أنْ يَعْمَلَهُ. ومَعْنى العَهْدِ: الوَعْدُ المُوَثَّقُ بِإظْهارِ العَزْمِ عَلى تَحْقِيقِهِ مِن يَمِينٍ أوْ تَأْكِيدٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ نَعْتًا لِقَوْلِهِ أُولُو الألْبابِ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ نَعْتًا ثانِيًا. والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلْغَرَضِ المَذْكُورِ آنِفًا.

وعَهْدُ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ. أيْ ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلى فِعْلِهِ، أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، أيْ ما عَهِدَ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فالمُرادُ بِهِ الإيمانُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى الخَلْقِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، فَذَلِكَ عَهْدُهم رَبَّهم. وأيْضًا بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ وأنِ اعْبُدُونِي﴾ [يس: ٦٠]، وذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ لَهم بِأنْ يَعْبُدُوهُ ولا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ. فَحَصَلَ العَهْدُ بِاعْتِبارِ إضافَتِهِ إلى مَفْعُولِهِ وإلى فاعِلِهِ.

وذَلِكَ أمْرٌ أوْدَعَهُ …

23

جَنَّٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍۢ

Gardens of perpetual residence; they will enter them with whoever were righteous among their fathers, their spouses and their descendants. And the angels will enter upon them from every gate, [saying],

﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾

﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿عُقْبى الدّارِ﴾، والعَدْنُ: الِاسْتِقْرارُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢] في سُورَةِ بَراءَةَ.

وذِكْرُ يَدْخُلُونَها لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ البَهِيجَةِ. والجُمْلَةُ حالٌ مِن جَنّاتِ أوْ مِن ضَمِيرِ ﴿لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٢]، والواوُ في ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ واوُ المَعِيَّةِ وذَلِكَ زِيادَةُ الإكْرامِ بِأنْ جَعَلَ أُصُولَهم وفُرُوعَهم وأزْواجَهُمُ المُتَأهِّلِينَ لِدُخُولِ الجَنَّةِ لِصَلاحِهِمْ في الدَّرَجَةِ الَّتِي هم فِيها؛ فَمَن كانَتْ مَرْتَبَتُهُ دُونَ مَراتِبِهِمْ لَحِقَ بِهِمْ، ومَن كانَتْ مَرْتَبَتُهُ فَوْقَ مَراتِبِهِمْ لَحِقُوا هم بِهِ، فَلَهُمُ الفَضْلُ في الحالَيْنِ. وهَذا كَعَكْسِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] الآيَةَ؛ لِأنَّ مُشاهَدَةَ عَذابِ الأقارِبِ عَذابٌ مُضاعَفٌ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ بُشْرى لِمَن كانَ لَهُ سَلَفٌ صالِحٌ أوْ خَلَفٌ صالِحٌ أوْ زَوْجٌ صالِحٌ مِمَّنْ تَحَقَّقَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الصِّلاتُ أنَّهُ إذا صارَ إلى الجَنَّةِ لَحِقَ بِصالِحِ أُصُولِهِ أوْ فَرُوعِهِ أوْ زَوْجِهِ. وما ذَكَرَ اللَّهُ هَذا إلّا لِهَذِهِ البُشْرى كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] .

صفحة ١٣٢

والآباءُ يَشْمَلُ الأُمَّهاتِ عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ كَما قالُوا: الأبَوَيْنِ.

وجُمْلَةُ ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يَدْخُلُونَها فَهي في مَوْقِعِ الحالِ. وهَذا مِن كَرامَتِهِمْ والتَّنْوِيهِ بِهِمْ، فَإنَّ تَرَدُّدَ رُسُلِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ إكْرامِهِ.

وذِكْرُ ﴿مِن كُلِّ بابٍ﴾ كِنايَةٌ عَنْ كَثْرَةٍ غِشْيانِ المَلائِكَةِ إيّاهم بِحَيْثُ لا يَخْلُو بابٌ مِن أبْوابِ بُيُوتِهِمْ لا تَدْخُلُ مِنهُ مَلائِكَةٌ. ذَلِكَ أنَّ هَذا الدُّخُولَ لَمّا كانَ مَجْلَبَةَ مَسَرَّةٍ كانَ كَثِيرًا في الأمْكِنَةِ. ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الأزْمِنَةِ فَهو مُتَكَرِّرٌ لِأنَّهم ما دَخَلُوا مِن كُلِّ بابٍ إلّا لِأنَّ كُلَّ بابٍ مَشْغُولٌ بِطائِفَةٍ مِنهم، فَكَأنَّهُ قِيلَ مَن كُلِّ بابٍ في كُلِّ آنٍ.

وجُمْلَةُ سَلامٌ عَلَيْكم مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ هَذا لا يَكُونُ إلّا كَلامًا مِنَ الدّاخِلِينَ. وهَذا تَحِيَّةٌ يُقْصَدُ مِنها تَأْنِيسُ أهْلِ الجَنَّةِ.

والباءُ في بِما صَبَرْتُمْ لِلسَّبَبِيَّةِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِالكَوْنِ المُسْتَفادِ مِنَ المَجْرُورِ وهو عَلَيْكم، والتَّقْدِيرُ: نالَكم هَذا التَّكْرِيمُ بِالسَّلامِ بِسَبَبِ صَبْرِكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ مُسْتَفادٍ مِنَ المَقامِ، أيْ هَذا النَّعِيمُ المُشاهَدُ بِما صَبَرْتُمْ.

والمُرادُ: الصَّبْرُ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ وعَلى ما جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ.

وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ تَفْرِيعَ ثَناءٍ عَلى حُسْنِ عاقِبَتِهِمْ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ مَقامِ الخِطابِ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ دارُ عُقْباكم. وتَقَدَّمَ مَعْنى ﴿عُقْبى الدّارِ﴾ آنِفًا.

24

سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ

"Peace be upon you for what you patiently endured. And excellent is the final home."

﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾

﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿عُقْبى الدّارِ﴾، والعَدْنُ: الِاسْتِقْرارُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢] في سُورَةِ بَراءَةَ.

وذِكْرُ يَدْخُلُونَها لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ البَهِيجَةِ. والجُمْلَةُ حالٌ مِن جَنّاتِ أوْ مِن ضَمِيرِ ﴿لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٢]، والواوُ في ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ واوُ المَعِيَّةِ وذَلِكَ زِيادَةُ الإكْرامِ بِأنْ جَعَلَ أُصُولَهم وفُرُوعَهم وأزْواجَهُمُ المُتَأهِّلِينَ لِدُخُولِ الجَنَّةِ لِصَلاحِهِمْ في الدَّرَجَةِ الَّتِي هم فِيها؛ فَمَن كانَتْ مَرْتَبَتُهُ دُونَ مَراتِبِهِمْ لَحِقَ بِهِمْ، ومَن كانَتْ مَرْتَبَتُهُ فَوْقَ مَراتِبِهِمْ لَحِقُوا هم بِهِ، فَلَهُمُ الفَضْلُ في الحالَيْنِ. وهَذا كَعَكْسِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] الآيَةَ؛ لِأنَّ مُشاهَدَةَ عَذابِ الأقارِبِ عَذابٌ مُضاعَفٌ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ بُشْرى لِمَن كانَ لَهُ سَلَفٌ صالِحٌ أوْ خَلَفٌ صالِحٌ أوْ زَوْجٌ صالِحٌ مِمَّنْ تَحَقَّقَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الصِّلاتُ أنَّهُ إذا صارَ إلى الجَنَّةِ لَحِقَ بِصالِحِ أُصُولِهِ أوْ فَرُوعِهِ أوْ زَوْجِهِ. وما ذَكَرَ اللَّهُ هَذا إلّا لِهَذِهِ البُشْرى كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] .

صفحة ١٣٢

والآباءُ يَشْمَلُ الأُمَّهاتِ عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ كَما قالُوا: الأبَوَيْنِ.

وجُمْلَةُ ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يَدْخُلُونَها فَهي في مَوْقِعِ الحالِ. وهَذا مِن كَرامَتِهِمْ والتَّنْوِيهِ بِهِمْ، فَإنَّ تَرَدُّدَ رُسُلِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ إكْرامِهِ.

وذِكْرُ ﴿مِن كُلِّ بابٍ﴾ كِنايَةٌ عَنْ كَثْرَةٍ غِشْيانِ المَلائِكَةِ إيّاهم بِحَيْثُ لا يَخْلُو بابٌ مِن أبْوابِ بُيُوتِهِمْ لا تَدْخُلُ مِنهُ مَلائِكَةٌ. ذَلِكَ أنَّ هَذا الدُّخُولَ لَمّا كانَ مَجْلَبَةَ مَسَرَّةٍ كانَ كَثِيرًا في الأمْكِنَةِ. ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الأزْمِنَةِ فَهو مُتَكَرِّرٌ لِأنَّهم ما دَخَلُوا مِن كُلِّ بابٍ إلّا لِأنَّ كُلَّ بابٍ مَشْغُولٌ بِطائِفَةٍ مِنهم، فَكَأنَّهُ قِيلَ مَن كُلِّ بابٍ في كُلِّ آنٍ.

وجُمْلَةُ سَلامٌ عَلَيْكم مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ هَذا لا يَكُونُ إلّا كَلامًا مِنَ الدّاخِلِينَ. وهَذا تَحِيَّةٌ يُقْصَدُ مِنها تَأْنِيسُ أهْلِ الجَنَّةِ.

والباءُ في بِما صَبَرْتُمْ لِلسَّبَبِيَّةِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِالكَوْنِ المُسْتَفادِ مِنَ المَجْرُورِ وهو عَلَيْكم، والتَّقْدِيرُ: نالَكم هَذا التَّكْرِيمُ بِالسَّلامِ بِسَبَبِ صَبْرِكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ مُسْتَفادٍ مِنَ المَقامِ، أيْ هَذا النَّعِيمُ المُشاهَدُ بِما صَبَرْتُمْ.

والمُرادُ: الصَّبْرُ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ وعَلى ما جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ.

وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ تَفْرِيعَ ثَناءٍ عَلى حُسْنِ عاقِبَتِهِمْ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ مَقامِ الخِطابِ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ دارُ عُقْباكم. وتَقَدَّمَ مَعْنى ﴿عُقْبى الدّارِ﴾ آنِفًا.

25

وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ

But those who break the covenant of Allah after contracting it and sever that which Allah has ordered to be joined and spread corruption on earth - for them is the curse, and they will have the worst home.

صفحة ١٣٣

﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾

هَذا شَرْحُ حالِ أضْدادِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ، وهو يَنْظُرُ إلى شَرْحِ مُجْمَلِ قَوْلِهِ ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩]، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الَّذِينَ يُوفُونَ. ونَقْضُ العَهْدِ: إبْطالُهُ وعَدَمُ الوَفاءِ بِهِ.

وزِيادَةُ ﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ زِيادَةٌ في تَشْنِيعِ النَّقْضِ، أيْ مِن بَعْدِ تَوْثِيقِ العَهْدِ وتَأْكِيدِهِ.

وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦] في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ خَبَرٌ عَنْ ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾، وهي مُقابِلُ جُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٢] .

والبُعْدُ عَنِ الرَّحْمَةِ والخِزْيِ وإضافَةِ سُوءِ الدّارِ كَإضافَةِ عُقْبى الدّارِ. والسُّوءُ ضِدُّ العُقْبى كَما تَقَدَّمَ.

26

ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٌۭ

Allah extends provision for whom He wills and restricts [it]. And they rejoice in the worldly life, while the worldly life is not, compared to the Hereafter, except [brief] enjoyment.

﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ وفَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا عَمّا يَهْجِسُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مِن سَماعِ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]

صفحة ١٣٤

المُفِيدُ أنَّهم مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَيَقُولُونَ: كَيْفَ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لَهم في الدُّنْيا فازْدادُوا بِهِ طُغْيانًا وكُفْرًا وهَلّا عَذَّبَهم في الدُّنْيا بِالخَصاصَةِ كَما قَدَّرَ تَعْذِيبَهم في الآخِرَةِ، وذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ [يونس: ٨٨]، وأمّا الكافِرُونَ فَيَسْخَرُونَ مِنَ الوَعِيدِ مُزْدَهِينَ بِما لَهم مِن نِعْمَةٍ. فَأُجِيبَ الفَرِيقانِ بِأنَّ اللَّهَ يَشاءُ بَسْطَ الرِّزْقِ لِبَعْضِ عِبادِهِ ونَقْصَهُ لِبَعْضٍ آخَرَ لِحِكْمَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِأسْبابِ العَيْشِ في الدُّنْيا، ولِذَلِكَ اتِّصالٌ بِحالِ الكَرامَةِ عِنْدَهُ في الآخِرَةِ. ولِذَلِكَ جاءَ التَّعْمِيمُ في قَوْلِهِ لِمَن يَشاءُ، ومَشِيئَتُهُ تَعالى وأسْبابُها لا يَطَّلِعُ عَلَيْها أحَدٌ.

وأفادَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ اللَّهُ يَبْسُطُ تَقْوِيَةً لِلْحُكْمِ وتَأْكِيدًا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ أنْ يَعْلَمَهُ النّاسُ ولَفْتَ العُقُولِ إلَيْهِ عَلى رَأْيِ السَّكّاكِيِّ في أمْثالِهِ. ولَيْسَ المَقامُ مَقامَ إفادَةِ الحَصْرِ كَما دَرَجَ عَلَيْهِ الكَشّافُ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ مَن يَزْعُمُ الشَّرِكَةَ لِلَّهِ في ذَلِكَ، أوْ مَن يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فَيَقْصِدُ الرَّدَّ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ القَصْرِ.

والبَسْطُ: مُسْتَعارٌ لِلْكَثْرَةِ ولِلدَّوامِ. والقَدْرُ: كِنايَةٌ عَنِ القِلَّةِ.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا الكَلامِ تَعْلِيمَ المُسْلِمِينَ كانَ الكَلامُ مُوَجَّهًا إلَيْهِمْ.

وجِيءَ في جانِبِ الكافِرِينَ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ إشارَةً إلى أنَّهم أقَلُّ مِن أنْ يَفْهَمُوا هَذِهِ الدَّقائِقَ لِعُنْجُهِيَّةِ نُفُوسِهِمْ فَهم فَرِحُوا بِما لَهم في الحَياةِ الدُّنْيا وغَفَلُوا عَنِ الآخِرَةِ، فالفَرَحُ المَذْكُورُ فَرَحُ بَطَرٍ وطُغْيانٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ قارُونَ ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، فالمَعْنى فَرِحُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا دُونَ اهْتِمامٍ بِالآخِرَةِ. وهَذا المَعْنى أفادَهُ الِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الدُّنْيا في حِينِ ذَكَرَ الآخِرَةَ أيْضًا بِقَوْلِهِ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ .

صفحة ١٣٥

والمُرادُ بِالحَياةِ الدُّنْيا وبِالآخِرَةِ نَعِيمُهُما بِقَرِينَةِ السِّياقِ، فالكَلامُ مِن إضافَةِ الحُكْمِ إلى الذّاتِ والمُرادُ أحْوالُها.

و(في) ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ حالٌ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، ومَعْنى (في) الظَّرْفِيَّةُ المَجازِيَّةُ بِمَعْنى المُقايَسَةِ، أيْ إذا نُسِبَتْ أحْوالُ الحَياةِ الدُّنْيا بِأحْوالِ الآخِرَةِ ظَهَرَ أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا مَتاعٌ قَلِيلٌ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] في سُورَةِ بَراءَةَ.

والمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ بِهِ ويَنْقَضِي. وتَنْكِيرُهُ لِلتَّقْلِيلِ كَقَوْلِهِ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٦] .

27

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, [O Muhammad], "Indeed, Allah leaves astray whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him] -

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾

عُطِفَ غَرَضٌ عَلى غَرَضٍ وقِصَّةٌ عَلى قِصَّةٍ. والمُناسَبَةُ ذِكْرُ فَرَحِهِمْ بِحَياتِهِمُ الدُّنْيا وقَدِ اغْتَرُّوا بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الرِّزْقِ فَسَألُوا تَعْجِيلَ الضُّرِّ في قَوْلِهِمُ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَكْرِيرٌ لِنَظِيرَتِها السّابِقَةِ ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] . فَأُعِيدَتْ تِلْكَ الجُمْلَةُ إعادَةَ الخَطِيبِ كَلِمَةً مِن خُطْبَتِهِ لِيَأْتِيَ بِما بَقِيَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ الغَرَضِ بَعْدَ أنْ يَفْصِلَ بِما اقْتَضى المَقامُ الفَصْلَ بِهِ ثُمَّ يَتَفَرَّغُ إلى ما تَرَكَهُ مِن قَبْلُ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ بَيَّنَتِ الآياتُ السّابِقَةُ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُعَجِّلَ لَهُمُ العَذابَ ولَكِنَّ حِكْمَتَهُ اقْتَضَتْ عَدَمَ التَّنازُلِ لِيَتَحَدّى عَبِيدَهُ فَتَبَيَّنَ ذَلِكَ كُلُّهُ كَمالَ التَّبْيِينِ. وكُلُّ ذَلِكَ لاحِقٌ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥]، وعَوْدٌ إلى المُهِمِّ مِن غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِآيَةِ القُرْآنِ ودَلالَتِهِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، ولِهَذا أُطِيلَ الكَلامُ عَلى هَدْيِ القُرْآنِ عَقِبَ هَذِهِ الجُمْلَةِ.

صفحة ١٣٦

ولِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنَّ مَوْقِعَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ مَوْقِعَ الخَبَرِ المُسْتَعْمَلِ في تَعْجِيبِ الرَّسُولِ ﷺ مِن شِدَّةِ ضَلالِهِمْ بِحَيْثُ يُوقِنُ مَن شاهَدَ حالَهم أنَّ الضَّلالَ والِاهْتِداءَ بِيَدِ اللَّهِ وأنَّهم لَوْلا أنَّهم جُبِلُوا مِن خِلْقَةِ عُقُولِهِمْ عَلى اتِّباعِ الضَّلالِ لَكانُوا مُهْتَدِينَ؛ لِأنَّ أسْبابَ الهِدايَةِ واضِحَةٌ.

وتَحْتَ هَذا التَّعْجِيبِ مَعانٍ أُخْرى:

أحَدُهُما: أنَّ آياتِ صِدْقِ النَّبِيءِ ﷺ واضِحَةٌ لَوْلا أنَّ عُقُولَهم لَمْ تُدْرِكْها لِفَسادِ إدْراكِهِمْ.

الثّانِي: أنَّ الآياتِ الواضِحَةَ الحِسِّيَّةَ قَدْ جاءَتْ لِأُمَمٍ أُخْرى فَرَأوْها ولَمْ يُؤْمِنُوا. كَما قالَ تَعالى ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ [الإسراء: ٥٩] .

الثّالِثُ: أنَّ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ أسْبابًا خَفِيَّةً يَعْلَمُها اللَّهُ قَدْ أُبْهِمَتْ بِالتَّعْلِيقِ عَلى المَشِيئَةِ في قَوْلِهِ ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ مِنها ما يُومِئُ إلَيْهِ قَوْلُهُ في مُقابَلَةِ ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ وذَلِكَ أنَّهم تَكَبَّرُوا وأعْرَضُوا حِينَ سَمِعُوا الدَّعْوَةَ إلى التَّوْحِيدِ فَلَمْ يَتَأمَّلُوا، وقَدْ أُلْقِيَتْ إلَيْهِمُ الأدِلَّةُ القاطِعَةُ فَأعْرَضُوا عَنْها ولَوْ أنابُوا وأذْعَنُوا لَهَداهُمُ اللَّهُ ولَكِنَّهم نَفَرُوا. وبِهَذا يَظْهَرُ مَوْقِعُ ما أُمِرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُجِيبَ بِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ بِأنْ يَقُولَ ﴿إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ وأنَّ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَكُونُوا ضالِّينَ وبِأنَّ حالَهم مَثارُ تَعْجَبٍ.

والإنابَةُ: حَقِيقَتُها الرُّجُوعُ. وأُطْلِقَتْ هُنا عَلى الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ عِنْدَ ظُهُورِ دَلائِلِهِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ تَنْفِرُ مِنَ الحَقِّ ابْتِداءً ثُمَّ تَرْجِعُ إلَيْهِ، …

28

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ

Those who have believed and whose hearts are assured by the remembrance of Allah. Unquestionably, by the remembrance of Allah hearts are assured."

صفحة ١٣٧

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾

اسْتِئْنافٌ اعْتِراضِيٌّ مُناسَبَتُهُ المُضادَّةُ لِحالِ الَّذِينَ أضَلَّهُمُ اللَّهُ، والبَيانُ لِحالِ الَّذِينَ هَداهم مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مِثالَ الَّذِينَ ضَلُّوا هو عَدَمُ اطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ لِذِكْرِ اللَّهِ، وهو القُرْآنُ؛ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] يَتَضَمَّنُ أنَّهم لَمْ يَعُدُّوا القُرْآنَ آيَةً مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ التَّصْرِيحُ بِجِنْسِ عاقِبَةِ هَؤُلاءِ، والتَّعْرِيضُ بِضِدِّ ذَلِكَ لِأُولَئِكَ، فَذِكْرُها عَقِبَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ يُفِيدُ الغَرَضَيْنِ ويُشِيرُ إلى السَّبَبَيْنِ. ولِذَلِكَ لَمْ يُجْعَلِ الَّذِينَ آمَنُوا بَدَلًا مِن مَن أنابَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ عَلى الصِّلَةِ جُمْلَةُ ﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ ولا عَطْفُ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ عَلى الصِّلَةِ الثّانِيَةِ، فَـ الَّذِينَ آمَنُوا الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، والَّذِينَ آمَنُوا الثّانِي بَدَلٌ مُطابِقٌ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا الأوَّلِ، وجُمْلَةُ طُوبى لَهم خَبَرُ المُبْتَدَأِ.

والِاطْمِئْنانُ: السُّكُونُ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلْيَقِينِ وعَدَمِ الشَّكِّ؛ لِأنَّ الشَّكَّ يُسْتَعارُ لَهُ الِاضْطِرابُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وبِذِكْرِ اللَّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ خَشْيَةُ اللَّهِ ومُراقَبَتُهُ بِالوُقُوفِ عِنْدَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ القُرْآنُ قالَ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، وهو المُناسِبُ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] لِأنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِالقُرْآنِ آيَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ فَقالُوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧]، وعَلى هَذا المَعْنى جاءَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، أيْ لِلَّذِينَ كانَ قَدْ زادَهم قَسْوَةَ قُلُوبٍ، وقَوْلُهُ في آخِرِها ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] .

صفحة ١٣٨

والذِّكْرُ مِن أسْماءِ القُرْآنِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ذِكْرُ اللَّهِ بِاللِّسانِ فَإنَّ إجْراءَهُ عَلى اللِّسانِ يُنَبِّهُ القُلُوبَ إلى مُراقَبَتِهِ.

وهَذا وصْفٌ لِحُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ ومُقايَسَتِهِ بِسُوءِ حالَةِ الكافِرِينَ الَّذِينَ غَمَرَ الشَّكُّ قُلُوبَهم، قالَ تَعالى ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] .

واخْتِيرَ المُضارِعُ في تَطْمَئِنُّ مَرَّتَيْنِ لِدَلالَتِهِ عَلى تَجَدُّدِ الِاطْمِئْنانِ واسْتِمْرارِهِ وأنَّهُ لا يَتَخَلَّلُهُ شَكٌّ ولا تَرَدُّدٌ.

وافْتُتِحَتْ جُمْلَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ اهْتِمامًا بِمَضْمُونِها وإغْراءً بِوَعْيِهِ. وهي بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِما في تَعْرِيفِ القُلُوبُ مِنَ التَّعْمِيمِ. وفِيهِ إثارَةُ الباقِينَ عَلى الكُفْرِ عَلى أنْ يَتَّسِمُوا بِسِمَةِ المُؤْمِنِينَ مِنَ التَّدَبُّرِ في القُرْآنِ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهم، كَأنَّهُ يَقُولُ: إذا عَلِمْتُمْ راحَةَ بالِ المُؤْمِنِينَ فَماذا يَمْنَعُكم بِأنْ تَكُونُوا مِثْلَهم فَإنَّ تِلْكَ في مُتَناوَلِكم؛ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ بِمَسامِعِكم.

وطُوبى: مَصْدَرٌ مِن طابَ طِيبًا إذا حَسُنَ. وهي بِوَزْنِ البُشْرى والزُّلْفى، قُلِبَتْ ياؤُها واوًا …

29

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ

Those who have believed and done righteous deeds - a good state is theirs and a good return.

صفحة ١٣٧

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾

اسْتِئْنافٌ اعْتِراضِيٌّ مُناسَبَتُهُ المُضادَّةُ لِحالِ الَّذِينَ أضَلَّهُمُ اللَّهُ، والبَيانُ لِحالِ الَّذِينَ هَداهم مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مِثالَ الَّذِينَ ضَلُّوا هو عَدَمُ اطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ لِذِكْرِ اللَّهِ، وهو القُرْآنُ؛ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] يَتَضَمَّنُ أنَّهم لَمْ يَعُدُّوا القُرْآنَ آيَةً مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ التَّصْرِيحُ بِجِنْسِ عاقِبَةِ هَؤُلاءِ، والتَّعْرِيضُ بِضِدِّ ذَلِكَ لِأُولَئِكَ، فَذِكْرُها عَقِبَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ يُفِيدُ الغَرَضَيْنِ ويُشِيرُ إلى السَّبَبَيْنِ. ولِذَلِكَ لَمْ يُجْعَلِ الَّذِينَ آمَنُوا بَدَلًا مِن مَن أنابَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ عَلى الصِّلَةِ جُمْلَةُ ﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ ولا عَطْفُ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ عَلى الصِّلَةِ الثّانِيَةِ، فَـ الَّذِينَ آمَنُوا الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، والَّذِينَ آمَنُوا الثّانِي بَدَلٌ مُطابِقٌ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا الأوَّلِ، وجُمْلَةُ طُوبى لَهم خَبَرُ المُبْتَدَأِ.

والِاطْمِئْنانُ: السُّكُونُ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلْيَقِينِ وعَدَمِ الشَّكِّ؛ لِأنَّ الشَّكَّ يُسْتَعارُ لَهُ الِاضْطِرابُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وبِذِكْرِ اللَّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ خَشْيَةُ اللَّهِ ومُراقَبَتُهُ بِالوُقُوفِ عِنْدَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ القُرْآنُ قالَ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، وهو المُناسِبُ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧] لِأنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِالقُرْآنِ آيَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ فَقالُوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧]، وعَلى هَذا المَعْنى جاءَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، أيْ لِلَّذِينَ كانَ قَدْ زادَهم قَسْوَةَ قُلُوبٍ، وقَوْلُهُ في آخِرِها ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] .

صفحة ١٣٨

والذِّكْرُ مِن أسْماءِ القُرْآنِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ذِكْرُ اللَّهِ بِاللِّسانِ فَإنَّ إجْراءَهُ عَلى اللِّسانِ يُنَبِّهُ القُلُوبَ إلى مُراقَبَتِهِ.

وهَذا وصْفٌ لِحُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ ومُقايَسَتِهِ بِسُوءِ حالَةِ الكافِرِينَ الَّذِينَ غَمَرَ الشَّكُّ قُلُوبَهم، قالَ تَعالى ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] .

واخْتِيرَ المُضارِعُ في تَطْمَئِنُّ مَرَّتَيْنِ لِدَلالَتِهِ عَلى تَجَدُّدِ الِاطْمِئْنانِ واسْتِمْرارِهِ وأنَّهُ لا يَتَخَلَّلُهُ شَكٌّ ولا تَرَدُّدٌ.

وافْتُتِحَتْ جُمْلَةُ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ اهْتِمامًا بِمَضْمُونِها وإغْراءً بِوَعْيِهِ. وهي بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِما في تَعْرِيفِ القُلُوبُ مِنَ التَّعْمِيمِ. وفِيهِ إثارَةُ الباقِينَ عَلى الكُفْرِ عَلى أنْ يَتَّسِمُوا بِسِمَةِ المُؤْمِنِينَ مِنَ التَّدَبُّرِ في القُرْآنِ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهم، كَأنَّهُ يَقُولُ: إذا عَلِمْتُمْ راحَةَ بالِ المُؤْمِنِينَ فَماذا يَمْنَعُكم بِأنْ تَكُونُوا مِثْلَهم فَإنَّ تِلْكَ في مُتَناوَلِكم؛ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ بِمَسامِعِكم.

وطُوبى: مَصْدَرٌ مِن طابَ طِيبًا إذا حَسُنَ. وهي بِوَزْنِ البُشْرى والزُّلْفى، قُلِبَتْ ياؤُها واوًا …

30

كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَٰكَ فِىٓ أُمَّةٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌۭ لِّتَتْلُوَا۟ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

Thus have We sent you to a community before which [other] communities have passed on so you might recite to them that which We revealed to you, while they disbelieve in the Most Merciful. Say, "He is my Lord; there is no deity except Him. Upon Him I rely, and to Him is my return."

صفحة ١٣٩

﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾

هَذا الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٢٧]؛ لِأنَّ الجَوابَ السّابِقَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ [الرعد: ٢٧] جَوابٌ بِالإعْراضِ عَنْ جَهالَتِهِمْ والتَّعَجُّبِ مِن ضَلالِهِمْ وما هُنا هو الجَوابُ الرّادُّ لِقَوْلِهِمْ. فَيَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن مَقُولِ القَوْلِ. ويَجُوزُ جَعْلُها مَقْطُوعَةً عَنْ جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ [الرعد: ٢٧]، وأيًّا ما كانَ فَهي بِمَنزِلَةِ البَيانِ لِجُمْلَةِ القَوْلِ كُلِّها، أوِ البَيانِ لِجُمْلَةِ المَقُولِ وهو التَّعَجُّبُ.

وفِي افْتِتاحِها بِقَوْلِهِ كَذَلِكَ الَّذِي هو اسْمُ إشارَةٍ تَأْكِيدٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ وهو التَّعَجُّبُ مِن ضَلالَتِهِمْ إذْ عَمُوا عَنْ صِفَةِ الرِّسالَةِ.

والمُشارُ إلَيْهِ: الإرْسالُ المَأْخُوذُ مِن فِعْلِ أرْسَلْناكَ، أيْ مِثْلَ الإرْسالِ البَيِّنِ أرْسَلْناكَ، فالمُشَبَّهُ بِهِ عَيْنُ المُشَبَّهِ، إشارَةً إلى أنَّهُ لِوُضُوحِهِ لا يُبَيِّنُ ما وضَحَ مِن نَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ولَمّا كانَ الإرْسالُ قَدْ عُلِّقَ بِقَوْلِهِ ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ صارَتِ الإشارَةُ أيْضًا مُتَحَمِّلَةً لِمَعْنى إرْسالِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ إلى أُمَمٍ يَقْتَضِي مُرْسَلِينَ، أيْ ما كانَتْ رِسالَتُكَ إلّا مِثْلَ رِسالَةِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] وقَوْلِهِ وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ لِإبْطالِ تَوَهُّمِ المُشْرِكِينَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا لَمْ يَأْتِهِمْ بِما سَألُوهُ فَهو غَيْرُ مُرْسَلٍ مِنَ اللَّهِ. وفي هَذا الِاسْتِدْلالِ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ الآياتِ.

صفحة ١٤٠

ولِذَلِكَ أُرْدِفَتِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ.

والأُمَّةُ: هي أُمَّةُ الدَّعْوَةِ فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ.

وتَقَدَّمَ مَعْنى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ، ويَتَضَمَّنُ قَوْلُهُ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ التَّعْرِيضَ بِالوَعِيدِ بِمِثْلِ مَصِيرِ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَها.

وتَضَمَّنَ لامُ التَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ﴾ أنَّ الإرْسالَ لِأجْلِ الإرْشادِ والهِدايَةِ بِما أمَرَ اللَّهُ لا لِأجْلِ الِانْتِصابِ لِخَوارِقِ العاداتِ.

والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. فالمَقْصُودُ لِتَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، كَقَوْلِهِ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٩٢] الآيَةَ.

وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ القُرْآنَ هو مُعْجِزَتُهُ لِأنَّهُ ذَكَرَهُ في مُقابَلَةِ إرْسالِ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ ومُقابَلَةِ قَوْلِهِ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ: «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.