Muslim99Muslim99
← Tafsir library

13. Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

سُورَةُ الرَّعۡدِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 11–20 of 43

11

لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٌۭ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ

For each one are successive [angels] before and behind him who protect him by the decree of Allah. Indeed, Allah will not change the condition of a people until they change what is in themselves. And when Allah intends for a people ill, there is no repelling it. And there is not for them besides Him any patron.

﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ جُمْلَةُ (لَهُ مُعَقِّباتٌ) إلى آخِرِها، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِـ (مَنِ) المَوْصُولَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد: ١٠] . عَلى أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ (مَن أسَرَّ القَوْلَ) وما عُطِفَ عَلَيْهِ.

والضَّمِيرُ في (لَهُ) والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (يَحْفَظُونَهُ)، وضَمِيرا (مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ) جاءَتْ مُفْرَدَةً؛ لِأنَّ كُلًّا مِنها عائِدٌ إلى أحَدِ أصْحابِ تِلْكَ الصَّلاةِ حَيْثُ إنَّ ذِكْرَهم ذِكْرُ أقْسامٍ مِنَ الَّذِينَ جُعِلُوا سَواءً في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، أيْ لِكُلِّ مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ مُعَقِّباتٌ يَحْفَظُونَهُ مِن غَوائِلِ تِلْكَ الأوْقاتِ.

ويَجُوزُ أنْ تَتَّصِلَ الجُمْلَةُ بِـ (﴿مَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد: ١٠])، وإفْرادُ الضَّمِيرِ لِمُراعاةِ عَطْفِ صِلَةٍ عَلى صِلَةٍ دُونَ ٧ إعادَةِ المَوْصُولِ. والمَعْنى كالوَجْهِ الأوَّلِ.

والمُعَقِّباتُ جُمَعُ مُعَقِّبَةٍ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ القافِ مَكْسُورَةً اسْمُ فاعِلِ عَقَبَهُ إذا تَبِعَهُ. وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في العَقِبِ. يُقالُ: عَقَبَهُ إذا اتَّبَعَهُ واشْتِقاقُهُ مِنَ العَقِبِ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وهو اسْمٌ لِمُؤَخَّرِ الرَّجُلِ فَهو فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَتْبَعُ غَيْرَهُ كَأنَّهُ يَطَأُ عَلى عَقِبَهُ، والمُرادُ: مَلائِكَةٌ مُعَقِّباتٌ. والواحِدُ مُعَقِّبٌ. وإنَّما جُمِعَ جَمْعَ مُؤَنَّثٍ بِتَأْوِيلِ الجَماعاتِ.

صفحة ١٠١

والحِفْظُ: المُراقَبَةُ، ومِنهُ سُمِّي الرَّقِيبُ حَفِيظًا، والمَعْنى: يُراقِبُونَ كُلَّ أحَدٍ في أحْوالِهِ مِن إسْرارٍ وإعْلانٍ، وسُكُونٍ وحَرَكَةٍ، أيْ في أحْوالِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] .

و(﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الإحاطَةِ مِنَ الجِهاتِ كُلِّها. وقَوْلُهُ (﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾) صِفَةُ (﴿مُعَقِّباتٌ﴾)، أيْ جَماعاتٌ مِن جُنْدِ اللَّهِ وأمْرِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]) وقَوْلِهِ (﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]) يَعْنِي القُرْآنَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحِفْظُ عَلى الوَجْهِ المُرادِ بِهِ الوِقايَةُ والصِّيانَةُ، أيْ يَحْفَظُونَ مَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ، أيْ يَقُونَهُ أضْرارَ اللَّيْلِ مِنَ اللُّصُوصِ وذَواتِ السُّمُومِ، وأضْرارَ النَّهارِ نَحْوَ الزِّحامِ والقِتالِ، فَيَكُونُ (﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾) جارًّا ومَجْرُورًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـ (﴿يَحْفَظُونَهُ﴾)، أيْ يَقُونَهُ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ. وهَذا مِنَّةٌ عَلى العِبادِ بِلُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ وإلّا لَكانَ أدْنى شَيْءٍ يَضُرُّ بِهِمْ. قالَ تَعالى ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] .

* * *

﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ المَسُوقَةِ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ بِمَصْنُوعاتِهِ وبَيْنَ التَّذْكِيرِ بِقُوَّةِ قُدْرَتِهِ وبَيْنَ جُمْلَةِ (﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢])، والمَقْصُودُ تَحْذِيرُهم مِنِ الإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ …

12

هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ

It is He who shows you lightening, [causing] fear and aspiration, and generates the heavy clouds.

صفحة ١٠٣

﴿هو الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مَن خِيفَتِهِ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ وهْوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عَلى أُسْلُوبِ تَعْدادِ الحُجَجِ الواحِدَةُ تُلْوى الأُخْرى، فَلِأجْلِ أُسْلُوبِ التَّعْدادِ إذْ كانَ كالتَّكْرِيرِ لَمْ يُعْطَفْ عَلى جُمْلَةِ (﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ﴾ [الرعد: ١٠]) .

وقَدْ أعْرَبَ هَذا عَنْ مَظْهَرٍ مِن مَظاهِرِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعَجِيبِ صُنْعِهِ. وفِيهِ مِنَ المُناسَبَةِ لِلْإنْذارِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ [الرعد: ١١] إلَخْ أنَّهُ مِثالٌ لِتَصَرُّفِ اللَّهِ بِالإنْعامِ والِانْتِقامِ في تَصَرُّفٍ واحِدٍ مَعَ تَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي هم فِيها. وكُلُّ ذَلِكَ مُناسِبٌ لِمَقاصِدِ الآياتِ الماضِيَةِ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨] وقَوْلِهِ (﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨])، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ جَدِيرَةً بِالِاسْتِقْلالِ وأنْ يُجاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةً لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةً في عِدادِ الجُمَلِ المُسْتَقِلَّةِ الوارِدَةِ في غَرَضِ السُّورَةِ.

وجاءَ هُنا بِطَرِيقِ الخِطابِ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ﴾ [الرعد: ١٠]؛ لِأنَّ الخَوْفَ والطَّمَعَ يَصْدُرانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويُهَدَّدُ بِهِما الكَفَرَةُ.

وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِضَمِيرِ الجَلالَةِ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ المُفْتَتَحِ بِهِ في الجُمَلِ السّابِقَةِ، فَجاءَتْ عَلى أُسْلُوبٍ مُخْتَلِفٍ. وأحْسَبُ أنَّ ذَلِكَ مُراعاةٌ لِكَوْنِ هاتِهِ الجُمْلَةِ مُفَرَّعَةً عَنْ أغْراضِ الجُمَلِ السّابِقَةِ فَإنَّ جُمَلَ فَواتِحِ الأغْراضِ افْتُتِحَتْ بِالِاسْمِ العَلَمِ كَقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد: ٢] وقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨] وقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ [الرعد: ١١]، وجُمَلُ التَّفارِيعِ افْتُتِحَتْ بِالضَّمائِرِ كَقَوْلِهِ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ [الرعد: ٢] وقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ [الرعد: ٣] وقَوْلِهِ ﴿جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] .

و﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾ مَصْدَرانِ بِمَعْنى التَّخْوِيفِ والإطْماعِ، فَهُما في مَحَلِّ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ لِظُهُورِ المُرادِ.

صفحة ١٠٤

وجَعَلَ البَرْقَ آيَةً نِذارَةً وبِشارَةً مَعًا لِأنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ البَرْقَ فَيَتَوَسَّمُونَ الغَيْثَ وكانُوا يَخْشَوْنَ صَواعِقَهُ.

وإنْشاءُ السَّحابِ: تَكْوِينُهُ مِن عَدَمٍ بِإثارَةِ الأبْخِرَةِ الَّتِي تَتَجَمَّعُ سَحابًا.

والسَّحابُ: اسْمُ جَمْعٍ لِسَحابَةٍ. والثِّقالُ: جَمْعُ ثَقِيلَةٍ. والثِّقْلُ كَوْنُ الجِسْمِ أكْثَرَ كَمِّيَّةِ أجْزاءٍ مِن أمْثالِهِ، فالثِّقْلُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أنْواعِ الأجْسامِ، فَرُبَّ شَيْءٍ يُعَدُّ ثَقِيلًا في نَوْعِهِ وهو خَفِيفٌ بِالنِّسْبَةِ لِنَوْعٍ آخَرَ. والسَّحابُ يَكُونُ ثَقِيلًا بِمِقْدارِ ما في خِلالِهِ مِنَ البُخارِ. وعَلامَةُ ثِقَلِهِ قُرْبُهُ مِنَ الأرْضِ وبُطْءُ تَنَقُّلِهِ بِالرِّياحِ. والخَفِيفُ مِنهُ يُسَمّى جَهامًا.

وعَطَفَ الرَّعْدَ عَلى ذِكْرِ البَرْقِ والسَّحابِ لِأنَّهُ مُقارِنُهُما في كَثِيرٍ مِنَ الأحْوالِ.

ولَمّا كانَ الرَّعْدُ صَوْتًا عَظِيمًا جَعَلَ ذِكْرَهُ عِبْرَةً لِلسّامِعِينَ؛ لِدَلالَةِ الرَّعْدِ بِلَوازِمَ عَقْلِيَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَمّا يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ مِنِ ادِّعاءِ الشُّرَكاءِ، وكانَ …

13

وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِۦ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ

And the thunder exalts [Allah] with praise of Him - and the angels [as well] from fear of Him - and He sends thunderbolts and strikes therewith whom He wills while they dispute about Allah; and He is severe in assault.

صفحة ١٠٣

﴿هو الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مَن خِيفَتِهِ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ وهْوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عَلى أُسْلُوبِ تَعْدادِ الحُجَجِ الواحِدَةُ تُلْوى الأُخْرى، فَلِأجْلِ أُسْلُوبِ التَّعْدادِ إذْ كانَ كالتَّكْرِيرِ لَمْ يُعْطَفْ عَلى جُمْلَةِ (﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ﴾ [الرعد: ١٠]) .

وقَدْ أعْرَبَ هَذا عَنْ مَظْهَرٍ مِن مَظاهِرِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعَجِيبِ صُنْعِهِ. وفِيهِ مِنَ المُناسَبَةِ لِلْإنْذارِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ [الرعد: ١١] إلَخْ أنَّهُ مِثالٌ لِتَصَرُّفِ اللَّهِ بِالإنْعامِ والِانْتِقامِ في تَصَرُّفٍ واحِدٍ مَعَ تَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي هم فِيها. وكُلُّ ذَلِكَ مُناسِبٌ لِمَقاصِدِ الآياتِ الماضِيَةِ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨] وقَوْلِهِ (﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨])، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ جَدِيرَةً بِالِاسْتِقْلالِ وأنْ يُجاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةً لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةً في عِدادِ الجُمَلِ المُسْتَقِلَّةِ الوارِدَةِ في غَرَضِ السُّورَةِ.

وجاءَ هُنا بِطَرِيقِ الخِطابِ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ﴾ [الرعد: ١٠]؛ لِأنَّ الخَوْفَ والطَّمَعَ يَصْدُرانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويُهَدَّدُ بِهِما الكَفَرَةُ.

وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِضَمِيرِ الجَلالَةِ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ المُفْتَتَحِ بِهِ في الجُمَلِ السّابِقَةِ، فَجاءَتْ عَلى أُسْلُوبٍ مُخْتَلِفٍ. وأحْسَبُ أنَّ ذَلِكَ مُراعاةٌ لِكَوْنِ هاتِهِ الجُمْلَةِ مُفَرَّعَةً عَنْ أغْراضِ الجُمَلِ السّابِقَةِ فَإنَّ جُمَلَ فَواتِحِ الأغْراضِ افْتُتِحَتْ بِالِاسْمِ العَلَمِ كَقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد: ٢] وقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨] وقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ [الرعد: ١١]، وجُمَلُ التَّفارِيعِ افْتُتِحَتْ بِالضَّمائِرِ كَقَوْلِهِ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ [الرعد: ٢] وقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ [الرعد: ٣] وقَوْلِهِ ﴿جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] .

و﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾ مَصْدَرانِ بِمَعْنى التَّخْوِيفِ والإطْماعِ، فَهُما في مَحَلِّ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ لِظُهُورِ المُرادِ.

صفحة ١٠٤

وجَعَلَ البَرْقَ آيَةً نِذارَةً وبِشارَةً مَعًا لِأنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ البَرْقَ فَيَتَوَسَّمُونَ الغَيْثَ وكانُوا يَخْشَوْنَ صَواعِقَهُ.

وإنْشاءُ السَّحابِ: تَكْوِينُهُ مِن عَدَمٍ بِإثارَةِ الأبْخِرَةِ الَّتِي تَتَجَمَّعُ سَحابًا.

والسَّحابُ: اسْمُ جَمْعٍ لِسَحابَةٍ. والثِّقالُ: جَمْعُ ثَقِيلَةٍ. والثِّقْلُ كَوْنُ الجِسْمِ أكْثَرَ كَمِّيَّةِ أجْزاءٍ مِن أمْثالِهِ، فالثِّقْلُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أنْواعِ الأجْسامِ، فَرُبَّ شَيْءٍ يُعَدُّ ثَقِيلًا في نَوْعِهِ وهو خَفِيفٌ بِالنِّسْبَةِ لِنَوْعٍ آخَرَ. والسَّحابُ يَكُونُ ثَقِيلًا بِمِقْدارِ ما في خِلالِهِ مِنَ البُخارِ. وعَلامَةُ ثِقَلِهِ قُرْبُهُ مِنَ الأرْضِ وبُطْءُ تَنَقُّلِهِ بِالرِّياحِ. والخَفِيفُ مِنهُ يُسَمّى جَهامًا.

وعَطَفَ الرَّعْدَ عَلى ذِكْرِ البَرْقِ والسَّحابِ لِأنَّهُ مُقارِنُهُما في كَثِيرٍ مِنَ الأحْوالِ.

ولَمّا كانَ الرَّعْدُ صَوْتًا عَظِيمًا جَعَلَ ذِكْرَهُ عِبْرَةً لِلسّامِعِينَ؛ لِدَلالَةِ الرَّعْدِ بِلَوازِمَ عَقْلِيَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَمّا يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ مِنِ ادِّعاءِ الشُّرَكاءِ، وكانَ …

14

لَهُۥ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦ ۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍۢ

To Him [alone] is the supplication of truth. And those they call upon besides Him do not respond to them with a thing, except as one who stretches his hands toward water [from afar, calling it] to reach his mouth, but it will not reach it [thus]. And the supplication of the disbelievers is not but in error [i.e. futility].

﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ إلّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هو بِبالِغِهِ وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ ونُهُوضِ المُدَلَّلِ عَلَيْهِ بِالآياتِ السّالِفَةِ الَّتِي هي بَراهِينُ الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ الأوَّلِ، ثُمَّ الخَلْقِ الثّانِي، وبِالقُدْرَةِ التّامَّةِ الَّتِي لا تُدانِيها قُدْرَةُ قَدِيرٍ، وبِالعِلْمِ العامِّ، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ صاحِبُ تِلْكَ الصِّفاتِ هو المَعْبُودَ بِالحَقِّ وأنَّ عِبادَةَ غَيْرِهِ ضَلالٌ.

والدَّعْوَةُ: طَلَبُ الإقْبالِ، وكَثُرَ إطْلاقُها عَلى طَلَبِ الإقْبالِ لِلنَّجْدَةِ أوْ لِلْبَذْلِ وذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ فِيها إذا أُطْلِقَتْ في جانِبِ اللَّهِ لِاسْتِحالَةِ الإقْبالِ الحَقِيقِيِّ، فالمُرادُ طَلَبُ الإغاثَةِ أوِ النِّعْمَةِ.

صفحة ١٠٨

وإضافَةُ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ إمّا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ إنْ كانَ الحَقُّ بِمَعْنى مُصادَفَةِ الواقِعِ، أيِ الدَّعْوَةُ الَّتِي تُصادِفُ الواقِعَ، أيِ اسْتِحْقاقُهُ إيّاها، وإمّا مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى مَنشَئِهِ كَقَوْلِهِمْ: بُرُودُ اليَمَنِ، أيِ الدَّعْوَةُ الصّادِرَةُ عَنْ حَقٍّ وهو ضِدُّ الباطِلِ، فَإنَّ دُعاءَ اللَّهِ يَصْدُرُ عَنِ اعْتِقادِ الوَحْدانِيَّةِ وهو الحَقُّ، وعِبادَةَ الأصْنامِ تَصْدُرُ عَنِ اعْتِقادِ الشِّرْكِ وهو الباطِلُ.

واللّامُ لِلْمِلْكِ المَجازِيِّ وهو الِاسْتِحْقاقُ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المُبْتَدَأِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيْ دَعْوَةُ الحَقِّ مِلْكُهُ لا مِلْكُ غَيْرِهِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ.

وقَدْ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ جُمْلَةِ القَصْرِ بِجُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ﴾، فَكانَتْ بَيانًا لَها. وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ تُفْصَلَ ولا تُعْطَفَ وإنَّما عُطِفَتْ لِما فِيها مِنَ التَّفْضِيلِ والتَّمْثِيلِ، فَكانَتْ زائِدَةً عَلى مِقْدارِ البَيانِ. والمَقْصُودُ بَيانُ عَدَمِ اسْتِحْقاقِ الأصْنامِ أنْ يَدْعُوَها الدّاعُونَ. واسْمُ المَوْصُولِ صادِقٌ عَلى الأصْنامِ. وضَمِيرُ (يَدْعُونَ) لِلْمُشْرِكِينَ. ورابَطُ الصِّلَةِ ضَمِيرُ نَصْبٍ مَحْذُوفٌ. والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ يَدْعُونَهم مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم.

وأُجْرِيَ عَلى الأصْنامِ ضَمِيرُ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ (لا يَسْتَجِيبُونَ) مُجاراةً لِلِاسْتِعْمالِ الشّائِعِ في كَلامِ العَرَبِ لِأنَّهم يُعامِلُونَ الأصْنامَ مُعامَلَةَ عاقِلِينَ.

والِاسْتِجابَةُ: إجابَةُ نِداءِ المُنادِي ودَعْوَةِ الدّاعِي، فالسِّينُ والتّاءُ لِقُوَّةِ الفِعْلِ.

والباءُ في (بِشَيْءٍ) لِتَعْدِيَةِ (يَسْتَجِيبُونَ)؛ لِأنَّ فِعْلَ الإجابَةِ يَتَعَدّى إلى الشَّيْءِ المُجابِ بِهِ بِالباءِ. وإذا أُرِيدَ مِنَ الِاسْتِجابَةِ تَحْقِيقُ المَأْمُولِ اقْتُصِرَ عَلى الفِعْلِ، كَقَوْلِهِ (﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣٤]) .

فَلَمّا أُرِيدَ هُنا نَفِيُ إجْداءِ دُعائِهِمُ الأصْنامَ جُعِلَ نَفْيُ الإجابَةِ مُتَعَدِّيًا بِالباءِ إلى انْتِفاءِ أقَلِّ ما يُجِيبُ بِهِ المَسْئُولُ وهو الوَعْدُ بِالعَطاءِ أوِ الِاعْتِذارُ عَنْهُ، فَهم عاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ وهم أعْجَزُ عَمّا فَوْقَهُ.

صفحة ١٠٩

وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّحْقِيرِ. والمُرادُ أقَلُّ ما يُجابُ بِهِ مِنَ الكَلامِ.

والِاسْتِثْناءُ في (﴿إلّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ﴾) مِن عُمُومِ أحْوالِ الدّاعِينَ والمُسْتَجِيبِينَ والدَّعْوَةِ والِاسْتِجابَةِ، لِأنَّهُ تَشْبِيهُ هَيْئَةٍ فَهو يَسْرِي إلى جَمِيعِ أجْزائِها فَلَكَ أنْ تُقَدِّرَ الكَلامَ …

15

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًۭا وَكَرْهًۭا وَظِلَٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْءَاصَالِ ۩

And to Allah prostrates whoever is within the heavens and the earth, willingly or by compulsion, and their shadows [as well] in the mornings and the afternoons.

﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]) أيْ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ ولَهُ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ وذَلِكَ شِعارُ الإلَهِيَّةِ، فَأمّا الدَّعْوَةُ فَقَدِ اخْتَصَّ بِالحَقَّةِ مِنها دُونَ الباطِلَةِ، وأمّا السُّجُودُ وهو الهَوِيُّ إلى الأرْضِ بِقَصْدِ الخُضُوعِ فَقَدِ اخْتَصَّ اللَّهُ بِهِ عَلى الإطْلاقِ؛ لِأنَّ المَوْجُوداتِ العُلْيا والمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ يَسْجُدُونَ لَهُ، والمُشْرِكِينَ لا يَسْجُدُونَ لِلْأصْنامِ ولا لِلَّهِ تَعالى، ولَعَلَّهم يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في بَعْضِ الأحْوالِ.

وعُدِلَ عَنْ ضَمِيرِ الجَلالَةِ إلى اسْمِهِ تَعالى العَلَمِ تَبَعًا لِلْأُسْلُوبِ السّابِقِ في افْتِتاحِ الأغْراضِ الأصْلِيَّةِ.

والعُمُومُ المُسْتَفادُ مِن (مَنِ) المَوْصُولَةِ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ يُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ الكاثِرَةُ.

والمَقْصُودُ مِن (﴿طَوْعًا وكَرْهًا﴾) تَقْسِيمُ أحْوالِ السّاجِدِينَ. والمُرادُ بِالطَّوْعِ الِانْسِياقُ مِنَ النَّفْسِ تَقَرُّبًا وزُلْفى لِمَحْضِ التَّعْظِيمِ ومَحَبَّةِ اللَّهِ. وبِالكُرْهِ الِاضْطِرارُ عِنْدَ الشِّدَّةِ والحاجَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، ومِنهُ قَوْلُهم: مُكْرَهٌ أخُوكَ لا بَطَلٌ، أيْ مُضْطَرٌّ إلى المُقاتَلَةِ.

صفحة ١١١

ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الكُرْهِ الضَّغْطَ والإلْجاءَ كَما فَسَّرَ بِهِ بَعْضُهم فَهو بَعِيدٌ عَنِ الغَرَضِ كَما سَيَأْتِي.

والظِّلالُ: - جَمْعُ ظِلٍّ، وهو صُورَةُ الجِسْمِ المُنْعَكِسِ إلَيْهِ نُورٌ.

والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مَخْصُوصٌ بِالصّالِحِ لَهُ مِنَ الأجْسامِ الكَثِيفَةِ ذاتِ الظِّلِّ تَخْصِيصًا بِالعَقْلِ والعادَةِ. وهو عَطْفٌ عَلى (مَن) أيْ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ وتَسْجُدُ ظِلالُهم.

والغُدُوُّ: الزَّمانُ الَّذِي يَغْدُو فِيهِ النّاسُ، أيْ يَخْرُجُونَ إلى حَوائِجِهِمْ: إمّا مَصْدَرًا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ. أيْ وقْتُ الغُدُوِّ، وإمّا جَمْعُ غَدْوَةٍ. فَقَدْ حُكِيَ جَمْعُها عَلى غُدُوٍّ، وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ.

والآصالُ: جَمْعُ أصِيلٍ، وهو وقْتُ اصْفِرارِ الشَّمْسِ في آخِرِ المَساءِ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِما اسْتِيعابُ أجْزاءِ أزْمِنَةِ الظِّلِّ.

ومَعْنى سُجُودِ الظِّلالِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَها مِن أعْراضِ الأجْسامِ الأرْضِيَّةِ، فَهي مُرْتَبِطَةٌ بِنِظامِ انْعِكاسِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ عَلَيْها وانْتِهاءِ الأشِعَّةِ إلى صَلابَةِ وجْهِ الأرْضِ حَتّى تَكُونَ الظِّلالُ واقِعَةً عَلى الأرْضِ وُقُوعَ السّاجِدِ، فَإذا كانَ مِنَ النّاسِ مَن يَأْبى السُّجُودَ لِلَّهِ أوْ يَتْرُكُهُ اشْتِغالًا عَنْهُ بِالسُّجُودِ لِلْأصْنامِ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ مِثالَهُ شاهِدًا عَلى اسْتِحْقاقِ اللَّهِ السُّجُودَ إلَيْهِ شَهادَةً رَمْزِيَّةً ولَوْ جَعَلَ اللَّهُ الشَّمْسَ شَمْسَيْنِ مُتَقابِلَتَيْنِ عَلى السَّواءِ لانْعَدَمَتِ الظِّلالُ، ولَوْ جَعَلَ وجْهَ الأرْضِ شَفّافًا أوْ لامِعًا كالماءِ لَمْ يَظْهَرِ الظِّلُّ بَيِّنًا، فَهَذا مِن رُمُوزِ الصَّنْعَةِ الَّتِي أوْجَدَها اللَّهُ وأدَقَّها دِقَّةً بَدِيعَةً. وجَعَلَ نِظامَ المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ مُهَيَّئَةً لَها في الخِلْقَةِ لِحِكَمٍ مُجْتَمِعَةٍ، مِنها: أنْ تَكُونَ رُمُوزًا دالَّةً عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، وعَلى حاجَةِ المَخْلُوقاتِ إلَيْهِ، وجَعَلَ أكْثَرَها في نَوْعِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ نَوْعَهُ مُخْتَصٌّ بِالكُفْرانِ دُونَ الحَيَوانِ.

صفحة ١١٢

والغَرَضُ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ الرَّمْزِيِّ …

16

قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ۚ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّۭا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُوا۟ كَخَلْقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُوَ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّٰرُ

Say, "Who is Lord of the heavens and earth?" Say, "Allah." Say, "Have you then taken besides Him allies not possessing [even] for themselves any benefit or any harm?" Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Or is darkness equivalent to light? Or have they attributed to Allah partners who created like His creation so that the creation [of each] seemed similar to them?" Say, "Allah is the Creator of all things, and He is the One, the Prevailing."

﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ لَمّا نَهَضَتِ الأدِلَّةُ الصَّرِيحَةُ بِمَظاهِرِ المَوْجُوداتِ المُتَنَوِّعَةِ عَلى انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ مِن قَوْلِهِ (﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢]) وقَوْلِهِ (﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ [الرعد: ٣]) وقَوْلِهِ (﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨]) وقَوْلِهِ (﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ﴾ [الرعد: ١٢]) الآياتِ، وبِما فِيها مِن دَلالَةٍ رَمْزِيَّةٍ دَقِيقَةٍ مِن قَوْلِهِ (﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]) وقَوْلِهِ (﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ﴾ [الرعد: ١٥]) إلى آخِرِها لا جَرَمَ تَهَيَّأ المَقامُ لِتَقْرِيرِ المُشْرِكِينَ تَقْرِيرًا لا يَجِدُونَ مَعَهُ عَنِ الإقْرارِ مَندُوحَةً، ثُمَّ لِتَقْرِيعِهِمْ عَلى الإشْراكِ تَقْرِيعًا لا يَسَعُهم إلّا تَجَرُّعُ مَرارَتِهِ، لِذَلِكَ اسْتُؤْنِفَ الكَلامُ وافْتُتِحَ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ تَنْوِيهًا بِوُضُوحِ الحُجَّةِ.

صفحة ١١٣

ولِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ جاءَ جَوابُهُ مِن قِبَلِ المُسْتَفْهِمِ. وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ وهو مِن بَدِيعِ أسالِيبِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وإعادَةُ فِعْلِ الأمْرِ بِالقَوْلِ في ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ الَّذِي هو تَفْرِيعٌ عَلى الإقْرارِ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ التَّفْرِيعِ لِما فِيهِ مِنَ الحُجَّةِ الواضِحَةِ.

فالِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ وتَسْفِيهٌ لِرَأْيِهِمْ بِناءً عَلى الإقْرارِ المُسَلَّمِ. وفِيهِ اسْتِدْلالٌ آخَرُ عَلى عَدَمِ أهْلِيَّةِ أصْنامِهِمْ لِلْإلَهِيَّةِ فَإنَّ اتِّخاذَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ مَعْلُومٌ لا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنْهُ.

وجُمْلَةُ (لا يَمْلِكُونَ) صِفَةٌ لِـ (أوْلِياءَ)، والمَقْصُودُ مِنها تَنْبِيهُ السّامِعِينَ لِلنَّظَرِ في تِلْكَ الصِّفَةِ فَإنَّهم إنْ تَدَبَّرُوا عَلِمُوها وعَلِمُوا أنَّ مَن كانَتْ تِلْكَ صِفَتَهُ فَلَيْسَ بِأهْلٍ لِأنْ يُعْبَدَ.

ومَعْنى المُلْكِ هُنا القُدْرَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] في سُورَةِ العُقُودِ. وفي الحَدِيثِ: «أوَأمْلِكُ لَكَ أنْ نَزَعَ اللَّهُ مِن قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ» .

وعَطْفُ الضُّرِّ عَلى النَّفْعِ اسْتِقْصاءٌ في عَجْزِهِمْ؛ لِأنَّ شَأْنَ الضُّرِّ أنَّهُ أقْرَبُ لِلِاسْتِطاعَةِ وأسْهَلُ.

* * *

صفحة ١١٤

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾

إعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ لِلِاهْتِمامِ الخاصِّ بِهَذا الكَلامِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ إبْطالٌ لِاسْتِحْقاقِ آلِهَتِهِمُ العِبادَةَ. وهَذا إظْهارٌ لِمَزِيَّةِ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ عَلى أهْلِ الشِّرْكِ، ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ (﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾) تَضَمَّنَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ دَعا إلى إفْرادِ اللَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وأنَّ المُخاطَبِينَ أثْبَتُوا الرُّبُوبِيَّةَ لِلْأصْنامِ فَكانَ حالُهم وحالُهُ كَحالِ الأعْمى والبَصِيرِ وحالِ الظُّلُماتِ والنُّورِ.

ونَفْيُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الحالَيْنِ يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهًا بِالحالَيْنِ وهَذا مِن صِيَغِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. …

17

أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌۢ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًۭا رَّابِيًۭا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَٰعٍۢ زَبَدٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَٰطِلَ ۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءًۭ ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ

He sends down from the sky, rain, and valleys flow according to their capacity, and the torrent carries a rising foam. And from that [ore] which they heat in the fire, desiring adornments and utensils, is a foam like it. Thus Allah presents [the example of] truth and falsehood. As for the foam, it vanishes, [being] cast off; but as for that which benefits the people, it remains on the earth. Thus does Allah present examples.

﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ جُمْلَةُ (﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾) اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ أفادَ تَسْجِيلَ حِرْمانِ المُشْرِكِينَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِدَلائِلِ الِاهْتِداءِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَهْدِيَ مَن لَمْ يَطْبَعِ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ فاهْتَدى بِها المُؤْمِنُونَ.

وجِيءَ في هَذا التَّسْجِيلِ بِطَرِيقَةِ ضَرْبِ المَثَلِ بِحالَيْ فَرِيقَيْنِ في تَلَقِّي شَيْءٍ واحِدٍ انْتَفَعَ فَرِيقٌ بِما فِيهِ مِن مَنافِعَ وتَعَلَّقَ فَرِيقٌ بِما فِيهِ مِن مَضارَّ. وجِيءَ في ذَلِكَ التَّمْثِيلِ بِحالَةٍ فِيها دَلالَةٌ عَلى بَدِيعِ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى لِيَحْصُلَ التَّخَلُّصُ مِن ذِكْرِ دَلائِلِ القُدْرَةِ إلى ذِكْرِ عِبَرِ المَوْعِظَةِ، فالمُرَكَّبُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ﴾ إلَخْ.

صفحة ١١٧

شُبِّهَ إنْزالُ القُرْآنِ - الَّذِي بِهِ الهُدى - مِنَ السَّماءِ بِإنْزالِ الماءِ الَّذِي بِهِ النَّفْعُ والحَياةُ مِنَ السَّماءِ. وشُبِّهَ وُرُودُ القُرْآنِ عَلى أسْماعِ النّاسِ بِالسَّيْلِ يَمُرُّ عَلى مُخْتَلَفِ الجِهاتِ فَهو يَمُرُّ عَلى التِّلالِ والجِبالِ فَلا يَسْتَقِرُّ فِيها ولَكِنَّهُ يَمْضِي إلى الأوْدِيَةِ والوِهادِ فَيَأْخُذُ مِنهُ كُلٌّ بِقَدْرِ سَعَتِهِ. وتِلْكَ السُّيُولُ في حالِ نُزُولِها تَحْمِلُ في أعالِيها زَبَدًا، وهو رَغْوَةُ الماءِ الَّتِي تَرْبُو وتَطْفُو عَلى سَطْحِ الماءِ، فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ ويَبْقى الماءُ الخالِصُ الصّافِي يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ لِلشَّرابِ والسَّقْيِ.

ثُمَّ شُبِّهَتْ هَيْئَةُ نُزُولِ الآياتِ وما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِن إيقاظِ النَّظَرِ فِيها فَيَنْتَفِعُ بِهِ مَن دَخَلَ الإيمانُ قُلُوبَهم عَلى مَقادِيرِ قُوَّةِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمْ، ويَمُرُّ عَلى قُلُوبِ قَوْمٍ لا يَشْعُرُونَ بِهِ وهُمُ المُنْكِرُونَ المُعْرِضُونَ، ويُخالِطُ قُلُوبَ قَوْمٍ فَيَتَأمَّلُونَهُ فَيَأْخُذُونَ مِنهُ ما يُثِيرُ لَهم شُبُهاتٍ وإلْحادًا، كَقَوْلِهِمْ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧]، ومِنهُ الأخْذُ بِالمُتَشابِهِ قالَ تَعالى ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] .

شُبِّهَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِهَيْئَةِ نُزُولِ الماءِ فانْحِدارُهُ عَلى الجِبالِ والتِّلالِ وسَيَلانُهُ في الأوْدِيَةِ عَلى اخْتِلافِ مَقادِيرِها، ثُمَّ ما يَدْفَعُ مِن نَفْسِهِ زَبَدًا لا يُنْتَفَعُ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثِ الزَّبَدُ أنْ ذَهَبَ وفَنِيَ والماءُ بَقِيَ في الأرْضِ لِلنَّفْعِ.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ التَّشْبِيهَ بِالهَيْئَةِ كُلِّها جِيءَ في حِكايَةِ ما تَرَتَّبَ عَلى إنْزالِ الماءِ بِالعَطْفِ بِفاءِ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ (فَسالَتْ) وقَوْلِهِ (فاحْتَمَلَ) . فَهَذا تَمْثِيلٌ صالِحٌ لِتَجْزِئَةِ التَّشْبِيهاتِ الَّتِي تَرَكَّبَ مِنها وهو أبْلَغُ التَّمْثِيلِ.

وعَلى نَحْوِ هَذا التَّمْثِيلِ وتَفْسِيرِهِ جاءَ ما يُبَيِّنُهُ مِنَ التَّمْثِيلِ الَّذِي في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا فَكانَ مِنها …

18

لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُۥ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

For those who have responded to their Lord is the best [reward], but those who did not respond to Him - if they had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby. Those will have the worst account, and their refuge is Hell, and wretched is the resting place.

﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ [الرعد: ١٧]، أيْ فائِدَةُ هَذِهِ الأمْثالِ أنَّ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ حِينَ يَضْرِبُها لَهُمُ الحُسْنى إلى آخِرِهِ.

فَمُناسَبَتُهُ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّمْثِيلَيْنِ أنَّهُما عائِدانِ إلى أحْوالِ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ. فَفي ذِكْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ زِيادَةُ تَنْبِيهٍ لِلتَّمْثِيلِ ولِلْغَرَضِ مِنهُ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ بِما عَقَلُوا الأمْثالَ فَجُوزُوا بِالحُسْنى، وأمّا المُشْرِكُونَ فَأعْرَضُوا ولَمْ يَعْقِلُوا الأمْثالَ، قالَ تَعالى ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، فَكانَ جَزاؤُهم عَذابًا عَظِيمًا وهو سُوءُ الحِسابِ الَّذِي عاقِبَتُهُ المَصِيرُ إلى جَهَنَّمَ. فَمَعْنى ﴿اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ اسْتَجابُوا لِدَعْوَتِهِ بِما تَضَمَّنَهُ المَثَلُ السّابِقُ وغَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ الحُسْنى مُبْتَدَأٌ و﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ خَبَرُهُ. وفي العُدُولِ إلى المَوْصُولَيْنِ وصِلَتَيْهِما في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ - ﴿والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ الصِّلَتَيْنِ سَبَبانِ لِما حَصَلَ لِلْفَرِيقَيْنِ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ لِأنَّهُ الأهَمُّ؛ لِأنَّ الغَرَضَ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ الَّذِينَ اسْتَجابُوا مَعَ جَعْلِ الحُسْنى في مَرْتَبَةِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِها أيْضًا.

صفحة ١٢٣

وأمّا الخَبَرُ عَنْ وعِيدِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا فَقَدْ أُجْرِيَ عَلى أصْلِ نَظْمِ الكَلامِ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٦] في سُورَةِ العُقُودِ.

وأُتِيَ بِاسْمِ الإشارَةِ في ﴿أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ بِسَبَبِ ما قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الصِّلَةِ.

وسُوءُ الحِسابِ ما يَحُفُّ بِالحِسابِ مِن إغْلاظٍ وإهانَةٍ لِلْمُحاسَبِ، وأمّا أصْلُ الحِسابِ فَهو حَسَنٌ لِأنَّهُ عَدْلٌ.

19

۞ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰٓ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

Then is he who knows that what has been revealed to you from your Lord is the truth like one who is blind? They will only be reminded who are people of understanding -

﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾ [الرعد: ١٨] الآيَةَ. فالكَلامُ لِنَفْيِ اسْتِواءِ المُؤْمِنِ والكافِرِ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ تَنْبِيهًا عَلى غَفْلَةِ الضّالِّينَ عَنْ عَدَمِ الِاسْتِواءِ، كَقَوْلِهِ ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] .

واسْتُعِيرَ لِمَن لا يَعْلَمُ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ اسْمُ الأعْمى لِأنَّهُ انْتَفى عِلْمُهُ بِشَيْءٍ ظاهِرٍ بَيِّنٍ فَأشْبَهَ الأعْمى. فالكافُ لِلتَّشابُهِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّماثُلِ. والِاسْتِواءُ المُرادُ بِهِ التَّماثُلُ في الفَضْلِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ العَمى. ولِهَذِهِ الجُمْلَةِ في المَعْنى اتِّصالٌ بِقَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ [الرعد: ١] إلى لا يُؤْمِنُونَ.

وجُمْلَةُ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ الَّذِي هو بِمَعْنى الِانْتِفاءِ بِأنَّ سَبَبَ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالحَقِّ أنَّهم لَيْسُوا أهْلًا لِلتَّذَكُّرِ؛ لِأنَّ التَّذَكُّرَ مِن شِعارِ أُولِي الألْبابِ. أيِ العُقُولِ.

والقَصْرُ بِـ (إنَّما) إضافِيٌّ، أيْ لا غَيْرَ أُولِي الألْبابِ. فَهو تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّهم لا عُقُولَ لَهم إذِ انْتَفَتْ عَنْهم فائِدَةُ عُقُولِهِمْ.

صفحة ١٢٤

والألْبابُ: العُقُولُ. وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

20

ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَٰقَ

Those who fulfill the covenant of Allah and do not break the contract,

﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ﴾ ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ جاءَ لِمُناسَبَةِ ما أفادَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها مِن إنْكارِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ في هَذِهِ الجُمَلِ حالُ فَرِيقَيْنِ في المَحامِدِ والمَساوِي لِيَظْهَرَ أنَّ نَفْيَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ ذَلِكَ النَّفْيُ المُرادُ بِهِ تَفْضِيلُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ هو نَفْيٌ مُؤَيَّدٌ بِالحُجَّةِ، وبِذَلِكَ يَصِيرُ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُفِيدًا تَعْلِيلًا لِنَفْيِ التَّسْوِيَةِ المَقْصُودِ مِنهُ تَفْضِيلُ المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ الَّذِينَ يُوفُونَ مُسْنَدًا إلَيْهِ وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ مُسْنَدًا.

واجْتِلابُ اسْمِ الإشارَةِ ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الأوْصافِ الَّتِي قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

ونَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤] مِن قَوْلِهِ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] .

صفحة ١٢٥

وقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ كُلِّها وبِمَوْقِعِها تَفْضِيلُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما أُنْزِلَ حَقٌّ بِما لَهم مِن صِفاتِ الكَمالِ المُوجِبَةِ لِلْفَضْلِ في الدُّنْيا وحُسْنِ المَصِيرِ في الآخِرَةِ وبِما لِأضْدادِهِمْ مِن ضِدِّ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٥] إلى قَوْلِهِ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] .

والوَفاءُ بِالعَهْدِ: أنْ يُحَقِّقَ المَرْءُ ما عاهَدَ عَلى أنْ يَعْمَلَهُ. ومَعْنى العَهْدِ: الوَعْدُ المُوَثَّقُ بِإظْهارِ العَزْمِ عَلى تَحْقِيقِهِ مِن يَمِينٍ أوْ تَأْكِيدٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ نَعْتًا لِقَوْلِهِ أُولُو الألْبابِ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ نَعْتًا ثانِيًا. والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلْغَرَضِ المَذْكُورِ آنِفًا.

وعَهْدُ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ. أيْ ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلى فِعْلِهِ، أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، أيْ ما عَهِدَ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فالمُرادُ بِهِ الإيمانُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى الخَلْقِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، فَذَلِكَ عَهْدُهم رَبَّهم. وأيْضًا بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ وأنِ اعْبُدُونِي﴾ [يس: ٦٠]، وذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ لَهم بِأنْ يَعْبُدُوهُ ولا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ. فَحَصَلَ العَهْدُ بِاعْتِبارِ إضافَتِهِ إلى مَفْعُولِهِ وإلى فاعِلِهِ.

وذَلِكَ أمْرٌ أوْدَعَهُ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.