الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ
Alif, Lam, Meem, Ra. These are the verses of the Book; and what has been revealed to you from your Lord is the truth, but most of the people do not believe.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَعْدِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَدَنِيَّةٌ غَيْرَ آيَتَيْنِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الرعد: ٣١]، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ [الرعد: ٣١] الآيَةَ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن قَتادَةَ أنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أو تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]، وقَوْلَهُ: ﴿وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ المَدَنِيَّ فِيها كَثِيرٌ، وكُلُّ ما نَزَلَ في شَأْنِ عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ، وأرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ فَهو مَدَنِيٌّ، وقِيلَ: السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ، حَكاهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ، وذَكَرَهُ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿المر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في فَواتِحِ السُوَرِ وذِكْرِ التَأْوِيلاتِ في ذَلِكَ، إلّا أنَّ الَّذِي يَخُصُّ هَذا المَوْضِعَ مِن ذَلِكَ هو ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "إنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ هي مِن قَوْلِهِ: أنا اللهُ أعْلَمُ وأرى"، ومَن قالَ: "إنَّ حُرُوفَ أوائِلَ السُوَرِ هي مِثالٌ لِحُرُوفِ المُعْجَمِ" قالَ: الإشارَةُ هُنا بِـ "تِلْكَ" هي إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، ويَصِحُّ -عَلى هَذا- أنْ يَكُونَ "الكِتابِ" يُرادُ بِهِ القُرْآنُ، ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ. و"المر"-عَلى هَذا- ابْتِداءٌ، وَ"تِلْكَ" ابْتِداءٌ ثانٍ، و"آياتُ" خَبَرُ الثانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ. وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في "المر" تَكُونُ "تِلْكَ" ابْتِداءً، و"آياتُ" بَدَلٌ مِنهُ، ويَصِحُّ في "الكِتابِ" التَأْوِيلانِ اللَذانِ تَقَدَّما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾. "الَّذِي" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"الحَقُّ" خَبَرُهُ، وعَلى هَذا تَأْوِيلُ مَن يَرى ﴿المر تِلْكَ﴾ حُرُوفَ المُعْجَمِ، و"تِلْكَ" و"آياتُ" ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ يَكُونُ "الَّذِي" عَطْفًا عَلى "تِلْكَ"، و"الحَقُّ" خَبَرُ "تِلْكَ"، وإذا أُرِيدَ بِـ "الكِتابِ" القُرْآنُ فالمُرادُ بِـ " الَّذِي أُنْزِلَ " جَمِيعُ الشَرِيعَةِ، ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِنها وما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ. ويَصِحُّ في "الَّذِي" أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "الكِتابِ"، فَإنْ أرَدْتَ -مَعَ ذَلِكَ- بِـ "الكِتابِ" القُرْآنَ كانَتِ الواوُ عَطْفَ صِفَةٍ لِشَيْءٍ واحِدٍ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي الظَرِيفُ والعاقِلُ وأنْتَ تُرِيدُ شَخْصًا واحِدًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ
وإنْ أرَدْتَ -مَعَ ذَلِكَ- بِـ "الكِتابِ" التَوْراةَ والإنْجِيلَ، فَذَلِكَ بَيِّنٌ، فَإنْ تَأوَّلْتَ -مَعَ ذَلِكَ- "المر" حُرُوفَ المُعْجَمِ رَفَعْتَ قَوْلَهُ: "الحَقُّ" عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ: هو الحَقُّ، وإنْ تَأوَّلْتَها كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَـ "الحَقُّ" خَبَرُ "تِلْكَ". ومَن رَفَعَ "الحَقُّ" بِإضْمارِ ابْتِداءٍ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ وباقِي الآيَةِ ظاهِرٌ بَيِّنٌ إنْ شاءَ اللهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: …