Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 21–30 of 111

21

وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

And the one from Egypt who bought him said to his wife, "Make his residence comfortable. Perhaps he will benefit us, or we will adopt him as a son." And thus, We established Joseph in the land that We might teach him the interpretation of events. And Allah is predominant over His affair, but most of the people do not know.

(لطيفة)

وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أفْرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: العَزِيزُ في يُوسُفَ، حَيْثُ قالَ لِامْرَأتِهِ: ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾

وابْنَةُ شُعَيْبٍ حِينَ قالَتْ لِأبِيها في مُوسى: اسْتَأْجِرْهُ وأبُو بَكْرٍ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، حَيْثُ اسْتَخْلَفَهُ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى: وامْرَأةُ فِرْعَوْنَ حِينَ قالَتْ: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩].

وَكانَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أعْظَمَ الأُمَّةِ فِراسَةً. وبَعْدَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ووَقائِعُ فِراسَتِهِ مَشْهُورَةٌ. فَإنَّهُ ما قالَ لِشَيْءٍ أظُنُّهُ كَذا إلّا كانَ كَما قالَ.

وَيَكْفِي في فِراسَتِهِ: مُوافَقَتُهُ رَبَّهُ في المَواضِعِ المَعْرُوفَةِ.

وَمَرَّ بِهِ سَوّادُ بْنُ قارِبٍ، ولَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ. فَقالَ: لَقَدْ أخْطَأ ظَنِّي، أوْ أنَّ هَذا كاهِنٌ، أوْ كانَ يَعْرِفُ الكِهانَةَ في الجاهِلِيَّةِ. فَلَمّا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ قالَ لَهُ ذَلِكَ عُمَرُ. فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، ما اسْتَقْبَلْتَ أحَدًا مِن جُلَسائِكَ بِمِثْلِ ما اسْتَقْبَلْتَنِي بِهِ. فَقالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما كُنّا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. ولَكِنْ أخْبِرْنِي عَمّا سَألْتُكَ عَنْهُ. فَقالَ: صَدَقْتَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ. كُنْتُ كاهِنًا في الجاهِلِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ القِصَّةَ.

وَكَذَلِكَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صادِقُ الفِراسَةِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَخَلْتُ عَلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وكُنْتُ رَأيْتُ امْرَأةً في الطَّرِيقِ تَأمَّلْتُ مَحاسِنَها. فَقالَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَدْخُلُ عَلَيَّ أحَدُكم وأثَرُ الزِّنا ظاهِرٌ في عَيْنَيْهِ. فَقُلْتُ: أوَحْيٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَ: ولَكِنْ تَبْصِرَةٌ وبُرْهانٌ وفِراسَةٌ صادِقَةٌ.

وَفِراسَةُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أصْدَقُ الفِراسَةِ.

وَأصْلُ هَذا النَّوْعِ مِنَ الفِراسَةِ: مِنَ الحَياةِ والنُّورِ اللَّذَيْنِ يَهَبُهُما اللَّهُ تَعالى لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، فَيَحْيا القَلْبُ بِذَلِكَ ويَسْتَنِيرُ، فَلا تَكادُ فِراسَتُهُ تُخْطِئُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢] كانَ مَيْتًا بِالكُفْرِ والجَهْلِ، فَأحْياهُ اللَّهُ بِالإيمانِ والعِلْمِ. وجَعَلَ لَهُ بِالقُرْآنِ والإيمانِ نُورًا يَسْتَضِيءُ بِهِ في النّاسِ عَلى قَصْدِ السَّبِيلِ. ويَمْشِي بِهِ في الظُّلَمِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

22

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ

And when Joseph reached maturity, We gave him judgment and knowledge. And thus We reward the doers of good.

Explained together with ayah 21

23

وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And she, in whose house he was, sought to seduce him. She closed the doors and said, "Come, you." He said, "[I seek] the refuge of Allah. Indeed, he is my master, who has made good my residence. Indeed, wrongdoers will not succeed."

[فَصْلٌ: عِشْقُ الصُّوَرِ]

وَنَخْتِمُ الجَوابَ بِفَصْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِعِشْقِ الصُّوَرِ وما فِيهِ مِنَ المَفاسِدِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ، وإنْ كانَتْ أضْعافَ ما ذَكَرَهُ ذاكِرٌ، فَإنَّهُ يُفْسِدُ القَلْبَ بِالذّاتِ، وإذا فَسَدَ القَلْبُ؛ فَسَدَتِ الإراداتُ والأقْوالُ والأعْمالُ، وفَسَدَ ثَغْرُ التَّوْحِيدِ كَما تَقَدَّمَ، وكَما سَنُقَرِّرُهُ أيْضًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما حَكى هَذا المَرَضَ عَنْ طائِفَتَيْنِ مِنَ النّاسِ، وهُمُ اللُّوطِيَّةُ والنِّساءُ، فَأخْبَرَ عَنْ عِشْقِ امْرَأةِ العَزِيزِ لِيُوسُفَ، وما راوَدَتْهُ وكادَتْهُ بِهِ، وأخْبَرَ عَنِ الحالِ الَّتِي صارَ إلَيْها يُوسُفُ بِصَبْرِهِ وعِفَّتِهِ وتَقْواهُ، مَعَ أنَّ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ أمْرٌ لا يَصْبِرُ عَلَيْهِ إلّا مَن صَبَّرَهُ اللَّهُ، فَإنَّ مُواقَعَةَ الفِعْلِ بِحَسَبِ قُوَّةِ الدّاعِي وزَوالِ المانِعِ، وكانَ الدّاعِي هاهُنا في غايَةِ القُوَّةِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: ما رَكَّبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في طَبْعِ الرَّجُلِ مِن مَيْلِهِ إلى المَرْأةِ، كَما يَمِيلُ العَطْشانُ إلى الماءِ، والجائِعُ إلى الطَّعامِ، حَتّى إنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَصْبِرُ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ ولا يَصْبِرُ عَنِ النِّساءِ، وهَذا لا يُذَمُّ إذا صادَفَ حَلالًا، بَلْ يُحْمَدُ كَما في كِتابِ الزُّهْدِ لِلْإمامِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ عَطِيَّةَ الصِّفارِ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ، أصْبِرُ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ ولا أصْبِرُ عَنْهُنَّ».

الثّانِي: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ شابًّا، وشَهْوَةُ الشَّبابِ وحِدَّتُهُ أقْوى.

الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ عَزَبا، لَيْسَ لَهُ زَوْجَةٌ ولا سُرِّيَّةٌ تَكْسِرُ شِدَّةَ الشَّهْوَةِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ كانَ في بِلادِ غُرْبَةٍ، يَتَأتّى لِلْغَرِيبِ فِيها مِن قَضاءِ الوَطَرِ ما لا يَتَأتّى لَهُ في وطَنِهِ وبَيْنَ أهْلِهِ ومَعارِفِهِ.

الخامِسُ: أنَّ المَرْأةَ كانَتْ ذاتَ مَنصِبٍ وجِمالٍ، بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يَدْعُو إلى مُواقَعَتِها.

السّادِسُ: أنَّها غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ ولا آبِيَةٍ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يُزِيلُ رَغْبَتَهُ في المَرْأةِ إباؤُها وامْتِناعُها، لِما يَجِدُ في نَفْسِهِ مِن ذُلِّ الخُضُوعِ والسُّؤالِ لَها، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَزِيدُهُ الإباءُ والِامْتِناعُ إرادَةً وحُبًّا، كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎وَزادَنِي كَلَفًا في الحُبِّ أنْ مَنَعَتْ ∗∗∗ أحَبُّ شَيْءٍ إلى الإنْسانِ ما مَنَعا

فَطِباعُ النّاسِ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنهم مَن يَتَضاعَفُ حُبُّهُ عِنْدَ بَذْلِ المَرْأةِ ورَغْبَتِها، ويَضْمَحِلُّ عِنْدَ إبائِها وامْتِناعِها، وأخْبَرَنِي بَعْضُ القُضاةِ أنَّ إرادَتَهُ وشَهْوَتَهُ تَضْمَحِلُّ عِنْدَ امْتِناعِ امْرَأتِهِ أوْ سُرِّيَّتِهِ وإبائِها، بِحَيْثُ لا يُعاوِدُها، ومِنهم مَن يَتَضاعَفُ حُبُّهُ وإرادَتُهُ بِالمَنعِ فَيَشْتَدُّ شَوْقُهُ كُلَّما مُنِعَ، ويَحْصُلُ لَهُ مِنَ اللَّذَّةِ بِالظَّفَرِ بِالضِّدِّ بَعْدَ امْتِناعِهِ ونِفارِهِ، واللَّذَّةُ بِإدْراكِ المَسْألَةِ بَعْدَ اسْتِصْعابِها، وشِدَّةِ الحِرْصِ عَلى إدْراكِها.

السّابِعُ: أنَّها طَلَبَتْ وأرادَتْ وبَذَلَتِ الجُهْدَ، فَكَفَتْهُ مُؤْنَةَ الطَّلَبِ وذُلَّ الرَّغْبَةِ إلَيْها، بَلْ كانَتْ هي الرّاغِبَةَ الذَّلِيلَةَ، وهو العَزِيزُ المَرْغُوبُ إلَيْهِ.

الثّامِنُ: أنَّهُ في دارِها، وتَحْتَ سُلْطانِها وقَهْرِها، بِحَيْثُ يَخْشى إنْ لَمْ يُطاوِعْها مِن أذاها لَهُ، فاجْتَمَعَ داعِي الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.

التّاسِعُ: أنَّهُ …

24

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ

And she certainly determined [to seduce] him, and he would have inclined to her had he not seen the proof of his Lord. And thus [it was] that We should avert from him evil and immorality. Indeed, he was of Our chosen servants.

(فصل)

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن يوسف الصديق من العفاف أعظم ما يكون فإن الداعي الذي اجتمع في حقه لم يجتمع في حق غيره، فإنه كان شابا والشباب مركب الشهوة، وكان عزبا ليس عنده ما يعوضه وكان غريبا عن أهله ووطنه والمقيم بين أهله وأصحابه يستحي منهم أن يعلموا به فيسقط من عيونهم فإذا تغرب زال هذا المانع وكان في صورة المملوك والعبد لا يأنف مما يأنف منه الحر، وكانت المرأة ذات منصب وجمال والداعي مع ذلك أقوى من داعي من ليس كذلك وكانت هي المطالبة فيزول بذلك كلفة تعرض الرجل وطلبه وخوفه من عدم الإجابة وزادت مع الطلب الرغبة التامة والمراودة التي يزول معها ظن الامتحان والاختبار لتعلم عفافه من فجوره وكانت في محل سلطانها وبيتها بحيث تعرف وقت الإمكان ومكانه الذي لا تناله العيون وزادت مع ذلك تغليق الأبواب لتأمن هجوم الداخل على بغتة وأتته بالرغبة والرهبة ومع هذا كله فعف لله ولم يطعها وقد حق الله وحق سيدها على ذلك كله وهذا أمر لو ابتلي به سواه لم يعلم كيف كانت تكون حاله.

فإن قيل فقد هم بها؟

قيل عنه جوابان:

أحدهما أنه لم يهم بها بل لولا أن رأى برهان ربه لهم هذا قول بعضهم في تقدير الآية.

والثاني وهو الصواب أن همه كان هم خطرات فتركه لله فأثابه الله عليه وهمها كان هم إصرار بذلت معه جهدها فلم تصل إليه فلم يستو الهمّان.

قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه الهم همان همُّ خطرات وهمُّ إصرار، فهم الخطرات لا يؤاخذ به وهم الإصرار يؤاخذ به.

[فَصْلٌ: دَواءُ العِشْقِ]

وَدَواءُ هَذا الدّاءُ القَتّالُ: أنْ يَعْرِفَ أنْ ما ابْتُلِيَ بِهِ مِن هَذا الدّاءِ المُضادِّ لِلتَّوْحِيدِ، إنَّما هو مِن جَهْلِهِ وغَفْلَةِ قَلْبِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَعَلَيْهِ أنْ يَعْرِفَ تَوْحِيدَ رَبِّهِ وسُنَّتَهُ أوَّلًا، ثُمَّ يَأْتِي مِنَ العِباداتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بِما يَشْغَلُ قَلْبَهُ عَنْ دَوامِ الفِكْرَةِ فِيهِ، ويُكْثِرُ اللَّجَأ والتَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في صَرْفِ ذَلِكَ عَنْهُ، وأنْ يُراجِعَ بِقَلْبِهِ إلَيْهِ، ولَيْسَ لَهُ دَواءٌ أنْفَعُ مِنَ الإخْلاصِ لِلَّهِ، وهو الدَّواءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].

وَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ صَرَفَ عَنْهُ السُّوءَ مِنَ العِشْقِ والفَحْشاءَ مِنَ الفِعْلِ بِإخْلاصِهِ، فَإنَّ القَلْبَ إذا أخْلَصَ وأخْلَصَ عَمَلَهُ لِلَّهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنهُ عِشْقُ الصُّوَرِ فَإنَّهُ إنَّما يَتَمَكَّنُ مِن قَلْبٍ فارِغٍ، كَما قالَ:

؎أتانِي هَواها قَبْلَ أنْ أعْرِفَ الهَوى ∗∗∗ فَصادَفَ قَلْبًا خالِيًا فَتَمَكَّنا

وَلْيَعْلَمِ العاقِلُ أنَّ العَقْلَ والشَّرْعَ يُوجِبانِ تَحْصِيلَ المَصالِحِ وتَكْمِيلَها، وإعْدامَ المَفاسِدِ وتَقْلِيلَها، فَإذا عَرَضَ لِلْعاقِلِ أمْرٌ يَرى فِيهِ مَصْلَحَةً ومَفْسَدَةً، وجَبَ عَلَيْهِ أمْرانِ: أمْرٌ عِلْمِيٌّ، وأمْرٌ عَمَلِيٌّ، فالعِلْمِيُّ: مَعْرِفَةُ الرّاجِحِ مِن طَرَفَيِ المَصْلَحَةِ والمَفْسَدَةِ، فَإذا تَبَيَّنَ لَهُ الرُّجْحانُ وجَبَ عَلَيْهِ إيثارُ الأصْلَحِ لَهُ.

25

وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍۢ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And they both raced to the door, and she tore his shirt from the back, and they found her husband at the door. She said, "What is the recompense of one who intended evil for your wife but that he be imprisoned or a painful punishment?"

Explained together with ayah 24

26

قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍۢ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ

[Joseph] said, "It was she who sought to seduce me." And a witness from her family testified. "If his shirt is torn from the front, then she has told the truth, and he is of the liars.

[الحُكْمِ بِالقَرائِنِ]

أمّا بَعْدُ: وسَألْت عَنْ الحاكِمِ، أوْ الوالِي يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ والقَرائِنِ الَّتِي يَظْهَرُ لَهُ فِيها الحَقُّ، والِاسْتِدْلالِ بِالأماراتِ ولا يَقِفُ مَعَ مُجَرَّدِ ظَواهِرِ البَيِّناتِ والإقْرارِ، حَتّى إنّهُ رُبَّما يَتَهَدَّدُ أحَدَ الخَصْمَيْنِ، إذا ظَهَرَ مِنهُ أنَّهُ مُبْطِلٌ ورُبَّما ضَرَبَهُ، ورُبَّما سَألَهُ عَنْ أشْياءَ تَدُلُّهُ عَلى صُورَةِ الحالِ.

فَهَلْ ذَلِكَ صَوابٌ أمْ خَطَأٌ؟ فَهَذِهِ مَسْألَةٌ كَبِيرَةٌ عَظِيمَةُ النَّفْعِ، جَلِيلَةُ القَدْرِ، إنْ أهْمَلَها الحاكِمُ أوْ الوالِي أضاعَ حَقًّا كَثِيرًا، وأقامَ باطِلًا كَثِيرًا، وإنْ تَوَسَّعَ فِيها وجَعَلَ مُعَوِّلَهُ عَلَيْها، دُونَ الأوْضاعِ الشَّرْعِيَّةِ، وقَعَ في أنْواعٍ مِن الظُّلْمِ والفَسادِ وقَدْ سُئِلَ أبُو الوَفاءِ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ حُكْمًا بِالفِراسَةِ، بَلْ هو حُكْمٌ بِالأماراتِ. وإذا تَأمَّلْتُمْ الشَّرْعَ وجَدْتُمُوهُ يُجَوِّزُ التَّعْوِيلَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ ذَهَبَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى التَّوَصُّلِ بِالإقْرارِ بِما يَراهُ الحاكِمُ وذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إلى قَوْله تَعالى: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] ولِذا حَكَمْنا بِعَقْدِ الأزَجِ، وكَثْرَةِ الخُشُبِ في الحائِطِ، ومَعاقِدِ القُمُطِ في الخُصِّ، وما يَخُصُّ المَرْأةَ والرَّجُلَ في الدَّعاوى.

وَفِي مَسْألَةِ العَطّارِ والدَّبّاغِ إذا اخْتَصَما في الجِلْدِ، والنَّجّارِ والخَيّاطِ إذا تَنازَعا في المِنشارِ والقَدُومِ، والطَّبّاخِ والخَبّازِ إذا تَنازَعا في القِدْرِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهَلْ ذَلِكَ إلّا الِاعْتِمادُ عَلى الأماراتِ؟ وكَذَلِكَ الحُكْمُ بِالقافَةِ والنَّظَرِ في أمْرِ الخُنْثى؛ والأماراتِ الدّالَّةِ عَلى أحَدِ حالَيْهِ. والنَّظَرِ في أماراتِ جِهَةِ القِبْلَةِ، واللَّوْثِ في القَسامَةِ. انْتَهى.

فالحاكِمُ إذا لَمْ يَكُنْ فَقِيهَ النَّفْسِ في الأماراتِ، ودَلائِلِ الحالِ، ومَعْرِفَةِ شَواهِدِهِ، وفي القَرائِنِ الحالِيَّةِ والمَقالِيَّةِ، كَفِقْهِهِ في جُزْئِيّاتِ وكُلِّيّاتِ الأحْكامِ: أضاعَ حُقُوقًا كَثِيرَةً عَلى أصْحابِها. وحَكَمَ بِما يَعْلَمُ النّاسُ بُطْلانَهُ لا يَشُكُّونَ فِيهِ، اعْتِمادًا مِنهُ عَلى نَوْعٍ ظاهِرٍ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى باطِنِهِ وقَرائِنِ أحْوالِهِ. فَهاهُنا نَوْعانِ مِن الفِقْهِ، لا بُدَّ لِلْحاكِمِ مِنهُما: فِقْهٌ في أحْكامِ الحَوادِثِ الكُلِّيَّةِ، وفِقْهٌ في نَفْسِ الواقِعِ وأحْوالِ النّاسِ، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الصّادِقِ والكاذِبِ، والمُحِقِّ والمُبْطِلِ. ثُمَّ يُطابِقُ بَيْنَ هَذا وهَذا فَيُعْطِي الواقِعَ حُكْمَهُ مِن الواجِبِ، ولا يَجْعَلُ الواجِبَ مُخالِفًا لِلْواقِعِ. ومَن لَهُ ذَوْقٌ في الشَّرِيعَةِ، واطِّلاعٌ عَلى كَمالاتِها وتَضَمُّنِها لِغايَةِ مَصالِحِ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ، ومَجِيئِها بِغايَةِ العَدْلِ، الَّذِي يَسَعُ الخَلائِقَ، وأنَّهُ لا عَدْلَ فَوْقَ عَدْلِها، ولا مَصْلَحَةَ فَوْقَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن المَصالِحِ: تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ السِّياسَةَ العادِلَةَ جُزْءٌ مِن أجْزائِها، وفَرْعٌ مِن فُرُوعِها، وأنَّ مَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِمَقاصِدِها ووَضْعِها وحَسُنَ فَهْمُهُ فِيها: لَمْ يَحْتَجْ مَعَها إلى سِياسَةِ غَيْرِها ألْبَتَّةَ.

فَإنَّ السِّياسَةَ نَوْعانِ: سِياسَةٌ ظالِمَةٌ فالشَّرِيعَةُ تُحَرِّمُها، وسِياسَةٌ عادِلَةٌ تُخْرِجُ الحَقَّ مِن الظّالِمِ الفاجِرِ، فَهي مِن الشَّرِيعَةِ، عَلِمَها مَن عَلِمَها، وجَهِلَها مَن جَهِلَها.

وَلا تَنْسَ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلَ سُلَيْمانَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لِلْمَرْأتَيْنِ اللَّتَيْنِ …

27

وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

But if his shirt is torn from the back, then she has lied, and he is of the truthful."

[الحُكْمِ بِالقَرائِنِ]

أمّا بَعْدُ: وسَألْت عَنْ الحاكِمِ، أوْ الوالِي يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ والقَرائِنِ الَّتِي يَظْهَرُ لَهُ فِيها الحَقُّ، والِاسْتِدْلالِ بِالأماراتِ ولا يَقِفُ مَعَ مُجَرَّدِ ظَواهِرِ البَيِّناتِ والإقْرارِ، حَتّى إنّهُ رُبَّما يَتَهَدَّدُ أحَدَ الخَصْمَيْنِ، إذا ظَهَرَ مِنهُ أنَّهُ مُبْطِلٌ ورُبَّما ضَرَبَهُ، ورُبَّما سَألَهُ عَنْ أشْياءَ تَدُلُّهُ عَلى صُورَةِ الحالِ.

فَهَلْ ذَلِكَ صَوابٌ أمْ خَطَأٌ؟ فَهَذِهِ مَسْألَةٌ كَبِيرَةٌ عَظِيمَةُ النَّفْعِ، جَلِيلَةُ القَدْرِ، إنْ أهْمَلَها الحاكِمُ أوْ الوالِي أضاعَ حَقًّا كَثِيرًا، وأقامَ باطِلًا كَثِيرًا، وإنْ تَوَسَّعَ فِيها وجَعَلَ مُعَوِّلَهُ عَلَيْها، دُونَ الأوْضاعِ الشَّرْعِيَّةِ، وقَعَ في أنْواعٍ مِن الظُّلْمِ والفَسادِ وقَدْ سُئِلَ أبُو الوَفاءِ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ حُكْمًا بِالفِراسَةِ، بَلْ هو حُكْمٌ بِالأماراتِ. وإذا تَأمَّلْتُمْ الشَّرْعَ وجَدْتُمُوهُ يُجَوِّزُ التَّعْوِيلَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ ذَهَبَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى التَّوَصُّلِ بِالإقْرارِ بِما يَراهُ الحاكِمُ وذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إلى قَوْله تَعالى: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] ولِذا حَكَمْنا بِعَقْدِ الأزَجِ، وكَثْرَةِ الخُشُبِ في الحائِطِ، ومَعاقِدِ القُمُطِ في الخُصِّ، وما يَخُصُّ المَرْأةَ والرَّجُلَ في الدَّعاوى.

وَفِي مَسْألَةِ العَطّارِ والدَّبّاغِ إذا اخْتَصَما في الجِلْدِ، والنَّجّارِ والخَيّاطِ إذا تَنازَعا في المِنشارِ والقَدُومِ، والطَّبّاخِ والخَبّازِ إذا تَنازَعا في القِدْرِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهَلْ ذَلِكَ إلّا الِاعْتِمادُ عَلى الأماراتِ؟ وكَذَلِكَ الحُكْمُ بِالقافَةِ والنَّظَرِ في أمْرِ الخُنْثى؛ والأماراتِ الدّالَّةِ عَلى أحَدِ حالَيْهِ. والنَّظَرِ في أماراتِ جِهَةِ القِبْلَةِ، واللَّوْثِ في القَسامَةِ. انْتَهى.

فالحاكِمُ إذا لَمْ يَكُنْ فَقِيهَ النَّفْسِ في الأماراتِ، ودَلائِلِ الحالِ، ومَعْرِفَةِ شَواهِدِهِ، وفي القَرائِنِ الحالِيَّةِ والمَقالِيَّةِ، كَفِقْهِهِ في جُزْئِيّاتِ وكُلِّيّاتِ الأحْكامِ: أضاعَ حُقُوقًا كَثِيرَةً عَلى أصْحابِها. وحَكَمَ بِما يَعْلَمُ النّاسُ بُطْلانَهُ لا يَشُكُّونَ فِيهِ، اعْتِمادًا مِنهُ عَلى نَوْعٍ ظاهِرٍ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى باطِنِهِ وقَرائِنِ أحْوالِهِ. فَهاهُنا نَوْعانِ مِن الفِقْهِ، لا بُدَّ لِلْحاكِمِ مِنهُما: فِقْهٌ في أحْكامِ الحَوادِثِ الكُلِّيَّةِ، وفِقْهٌ في نَفْسِ الواقِعِ وأحْوالِ النّاسِ، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الصّادِقِ والكاذِبِ، والمُحِقِّ والمُبْطِلِ. ثُمَّ يُطابِقُ بَيْنَ هَذا وهَذا فَيُعْطِي الواقِعَ حُكْمَهُ مِن الواجِبِ، ولا يَجْعَلُ الواجِبَ مُخالِفًا لِلْواقِعِ. ومَن لَهُ ذَوْقٌ في الشَّرِيعَةِ، واطِّلاعٌ عَلى كَمالاتِها وتَضَمُّنِها لِغايَةِ مَصالِحِ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ، ومَجِيئِها بِغايَةِ العَدْلِ، الَّذِي يَسَعُ الخَلائِقَ، وأنَّهُ لا عَدْلَ فَوْقَ عَدْلِها، ولا مَصْلَحَةَ فَوْقَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن المَصالِحِ: تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ السِّياسَةَ العادِلَةَ جُزْءٌ مِن أجْزائِها، وفَرْعٌ مِن فُرُوعِها، وأنَّ مَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِمَقاصِدِها ووَضْعِها وحَسُنَ فَهْمُهُ فِيها: لَمْ يَحْتَجْ مَعَها إلى سِياسَةِ غَيْرِها ألْبَتَّةَ.

فَإنَّ السِّياسَةَ نَوْعانِ: سِياسَةٌ ظالِمَةٌ فالشَّرِيعَةُ تُحَرِّمُها، وسِياسَةٌ عادِلَةٌ تُخْرِجُ الحَقَّ مِن الظّالِمِ الفاجِرِ، فَهي مِن الشَّرِيعَةِ، عَلِمَها مَن عَلِمَها، وجَهِلَها مَن جَهِلَها.

وَلا تَنْسَ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلَ سُلَيْمانَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لِلْمَرْأتَيْنِ اللَّتَيْنِ …

28

فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌۭ

So when her husband saw his shirt torn from the back, he said, "Indeed, it is of the women's plan. Indeed, your plan is great.

Explained together with ayah 27

29

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ

Joseph, ignore this. And, [my wife], ask forgiveness for your sin. Indeed, you were of the sinful."

Explained together with ayah 27

30

۞ وَقَالَ نِسْوَةٌۭ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

And women in the city said, "The wife of al-'Azeez is seeking to seduce her slave boy; he has impassioned her with love. Indeed, we see her [to be] in clear error."

الشَّغَفُ يُقالُ: شُغِفَ بِكَذا. فَهو مَشْغُوفٌ بِهِ. وقَدْ شَغَفَهُ المَحْبُوبُ. أيْ وصَلَ حُبُّهُ إلى شَغافِ قَلْبِهِ. كَما قالَ النِّسْوَةُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ: ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الحُبُّ المُسْتَوْلِي عَلى القَلْبِ، بِحَيْثُ يَحْجُبُهُ عَنْ غَيْرِهِ. قالَ الكَلْبِيُّ: حَجَبَ حُبُّهُ قَلْبَها حَتّى لا تَعْقِلَ سِواهُ.

الثّانِي: الحُبُّ الواصِلُ إلى داخِلِ القَلْبِ. قالَ صاحِبُ هَذا القَوْلِ: المَعْنى أحَبَّتْهُ حَتّى دَخَلَ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها، أيْ داخِلَهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الحُبُّ الواصِلُ إلى غِشاءِ القَلْبِ. والشَّغافُ غِشاءُ القَلْبِ إذا وصَلَ الحُبُّ إلَيْهِ باشَرَ القَلْبَ. قالَ السُّدِّيُّ: الشَّغافُ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ عَلى القَلْبِ. يَقُولُ: دَخَلَهُ الحُبُّ حَتّى أصابَ القَلْبَ.

وَقَرَأ بَعْضُ السَّلَفِ " شَعَفَها " بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ. ومَعْناهُ: ذَهَبَ الحُبُّ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ. وبَلَغَ بِها أعْلى مَراتِبِهِ، ومِنهُ: شَعَفُ الجِبالِ، لِرُءُوسِها.

(فصل)

هذا الكلام متضمن لوجوه من المكر.

أحدها: قولهن: ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها﴾ ولم يسموها باسمها، بل ذكروها بالوصف الذي ينادي عليها بقبيح فعلها بكونها ذات بعل، فصدور الفاحشة من ذات الزوج أقبح من صدورها ممن لا زوج لها.

الثاني: أن زوجها عزيز مصر، ورئيسها، وكبيرها. وذلك أقبح لوقوع الفاحشة منها.

الثالث: أن الذي تراوده مملوك لا حرّ. وذلك أبلغ في القبح.

الرابع: أنه فتاها الذي هو في بيتها، وتحت كنفها، فحكمه حكم أهل البيت. بخلاف من تطلب ذلك من الأجنبي البعيد.

والخامس: أنها هي المراودة الطالبة.

السادس: أنها قد بلغ بها عشقها له كل مبلغ، حتى وصل حبها له إلى شغاف قلبها.

السابع: أن في ضمن هذا: أنه أعفّ منها وأبر، وأوفى، حيث كانت هي المراودة الطالبة، وهو الممتنع، عفافا وكرما وحياء. وهذا غاية الذم لها.

الثامن: أنهن أتين بفعل المراودة بصيغة المستقبل الدالة على الاستمرار والوقوع حالا واستقبالا، وأن هذا شأنها، ولم يقلن: راودت فتاها. وفرق بين قولك: فلان أضاف ضيفا، وفلان يقري الضيف ويطعم الطعام، ويحمل الكلّ. فإن هذا يدل على أن هذا شأنه وعادته.

التاسع: قولهن ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي إنا لنستقبح منها ذلك غاية الاستقباح. فنسبن الاستقباح إليهن ومن شأنهن مساعدة بعضهن بعضا على الهوى ولا يكدن يرين ذلك قبيحا، كما يساعد الرجال بعضهم بعضا على ذلك، فحيث استقبحن منها ذلك كان هذا دليلا على أنه من أقبح الأمور، وأنه مما لا ينبغي أن تساعد عليه، ولا يحسن معاونتها عليه.

العاشر: أنهن جمعن لها في هذا الكلام واللوم بين العشق المفرط، والطلب المفرط، فلم تقتصد في حبها، ولا في طلبها.

أما العشق فقولهن ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أي وصل حبه إلى شغاف قلبها.

وأما الطلب المفرط فقولهن تُراوِدُ فَتاها والمراودة: الطلب مرة بعد مرة فنسبوها إلى شدة العشق، وشدة الحرص على الفاحشة.

فلما سمعت بهذا المكر منهن هيأت لهن مكرا أبلغ منه، فهيأت لهن متكأ، ثم أرسلت إليهن، فجمعتهن، وخبأت يوسف عليه السلام عنهن.

وقيل: إنها جملته، وألبسته أحسن ما تقدر عليه، وأخرجته عليهن فجأة.

فلم يرعهنّ إلا وأحسن خلق الله وأجمله قد طلع عليهن بغتة، فراعهن ذلك المنظر البهي. وفي أيديهن مدى يقطعن بها ما يأكلن، فدهش حتى قطعن أيديهن، وهن لا يشعرن.

وقد قيل: إنهن أبنّ أيديهن. ولكن الظاهر خلاف ذلك. وإنما تقطيعهن أيديهن جرحها، وشقها بالمدى، لدهشتهن بما رأين. فقابلت مكرهن القولي بهذا المكر الفعلي، وكانت هذه في النساء غاية في المكر.

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.