Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 71–80 of 111

71

قَالُوا۟ وَأَقْبَلُوا۟ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ

They said while approaching them, "What is it you are missing?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أوْفى لَهُمُ الكَيْلَ، وحَمَلَ لِـ " بِنْيامِينَ " بَعِيرًا بِاسْمِهِ كَما حَمَلَ لَهم، وجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ، وهي الصُّواعُ، فَهُما اسْمانِ واقِعانِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، كالبُرِّ والحِنْطَةِ، والمائِدَةِ والخُوانِ. وقالَ بَعْضُهم: الِاسْمُ الحَقِيقِيُّ: الصُّواعُ، والسِّقايَةُ وصْفٌ، كَما يُقالُ: كُوزٌ، وإناءٌ، فالِاسْمُ الخاصُّ: الكُوزُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: جَعَلَ يُوسُفُ ذَلِكَ الصّاعَ مِكْيالًا لِئَلّا يُكالَ بِغَيْرِهِ. وقِيلَ: كالَ لِإخْوَتِهِ بِذَلِكَ، إكْرامًا لَهم. قالُوا: ولَمّا ارْتَحَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ وأمْعَنُوا، أرْسَلَ الطَّلَبَ في أثَرِهِمْ، فَأُدْرِكُوا وحُبِسُوا، " ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ " قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ مُعْلِمٌ، يُقالُ: آذَنَتْهُ بِالشَّيْءِ، فَهو مُؤْذَنٌ بِهِ، أيْ: أعْلَمْتُهُ، وآذَنْتُ: أكْثَرْتُ الإعْلامَ بِالشَّيْءِ، يَعْنِي: أنَّهُ إعْلامٌ بَعْدَ إعْلامٍ. " أيَّتُها العِيرُ " يُرِيدُ: أهْلَ العِيرِ، فَأنَّثَ لِأنَّهُ جَعَلَها لِلْعِيرِ. قالَ الفَرّاءُ: لا يُقالُ: عِيرٌ، إلّا لِأصْحابِ الإبِلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِيرُ الإبِلُ المَرْحُولَةُ المَرْكُوبَةُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العِيرُ: القَوْمُ عَلى الإبِلِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ لِيُوسُفَ أنْ يُسَرِّقَ مَن لَمْ يَسْرِقْ ؟ فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ:

أحَدُها: أنَّ المَعْنى: إنَّكم لَسارِقُونَ يُوسُفَ حِينَ قَطَعْتُمُوهُ عَنْ أبِيهِ وطَرَحْتُمُوهُ في الجُبِّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّ المُنادِيَ نادى وهو لا يَعْلَمُ أنَّ يُوسُفَ أمَرَ بِوَضْعِ السِّقايَةِ في رَحْلِ أخِيهِ، فَكانَ غَيْرَ كاذِبٍ في قَوْلِهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُنادِيَ نادى بِالتَّسْرِيقِ لَهم بِغَيْرِ أمْرِ يُوسُفَ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: إنَّكم لَسارِقُونَ فِيما يَظْهَرُ لِمَن لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ أخْبارِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ:٤٩] أيْ: عِنْدَ نَفْسِكَ، لا عِنْدَنا، وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: " «كَذَبَ إبْراهِيمُ ثَلاثَ كَذَباتٍ» " أيْ: قالَ قَوْلًا يُشْبِهُ الكَذِبَ، ولَيْسَ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي: إخْوَةَ يُوسُفَ ﴿وَأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: عَلى المُؤَذِّنِ وأصْحابِهِ. والثّانِي: أقْبَلَ المُنادِي ومَن مَعَهُ عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ بِالدَّعْوى. ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ما الَّذِي ضَلَّ عَنْكم ؟ " قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ " قالَ الزَّجّاجُ: الصُّواعُ هو الصّاعُ بِعَيْنِهِ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وكَذَلِكَ الصّاعُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ. وقَدْ قُرِئَ: " صُياعَ " بِياءٍ، وقُرِئَ: " صَوْغَ " بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، وقُرِئَ: " صَوْعَ " بِعَيْنٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مَعَ فَتْحِ الصّادِ، وضَمِّها، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ: " صاعَ المَلِكِ " وكُلُّ هَذِهِ لُغاتٌ تَرْجِعُ إلى مَعْنًى واحِدٍ، إلّا أنَّ الصَّوْغَ، بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ، مَصْدَرُ صُغْتُ، وُصِفَ الإناءُ بِهِ، لِأنَّهُ كانَ مَصُوغًا مِن ذَهَبٍ.

واخْتَلَفُوا في جِنْسِهِ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ كانَ قَدَحًا مِن زَبَرْجَدٍ. والثّانِي: أنَّهُ كانَ مِن نُحاسٍ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ شَرْبَةً مِن فِضَّةٍ مُرَصَّعَةٍ بِالجَوْهَرِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والرّابِعُ: كانَ كَأْسًا مِن ذَهَبٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والخامِسُ: كانَ مِن مِسٍّ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي صِفَتِهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مُسْتَطِيلًا يُشْبِهُ المَكُّوكَ. والثّانِي: أنَّهُ كانَ يُشْبِهُ الطّاسَ.

قَوْلُهُ …

72

قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍۢ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌۭ

They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أوْفى لَهُمُ الكَيْلَ، وحَمَلَ لِـ " بِنْيامِينَ " بَعِيرًا بِاسْمِهِ كَما حَمَلَ لَهم، وجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ، وهي الصُّواعُ، فَهُما اسْمانِ واقِعانِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، كالبُرِّ والحِنْطَةِ، والمائِدَةِ والخُوانِ. وقالَ بَعْضُهم: الِاسْمُ الحَقِيقِيُّ: الصُّواعُ، والسِّقايَةُ وصْفٌ، كَما يُقالُ: كُوزٌ، وإناءٌ، فالِاسْمُ الخاصُّ: الكُوزُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: جَعَلَ يُوسُفُ ذَلِكَ الصّاعَ مِكْيالًا لِئَلّا يُكالَ بِغَيْرِهِ. وقِيلَ: كالَ لِإخْوَتِهِ بِذَلِكَ، إكْرامًا لَهم. قالُوا: ولَمّا ارْتَحَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ وأمْعَنُوا، أرْسَلَ الطَّلَبَ في أثَرِهِمْ، فَأُدْرِكُوا وحُبِسُوا، " ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ " قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ مُعْلِمٌ، يُقالُ: آذَنَتْهُ بِالشَّيْءِ، فَهو مُؤْذَنٌ بِهِ، أيْ: أعْلَمْتُهُ، وآذَنْتُ: أكْثَرْتُ الإعْلامَ بِالشَّيْءِ، يَعْنِي: أنَّهُ إعْلامٌ بَعْدَ إعْلامٍ. " أيَّتُها العِيرُ " يُرِيدُ: أهْلَ العِيرِ، فَأنَّثَ لِأنَّهُ جَعَلَها لِلْعِيرِ. قالَ الفَرّاءُ: لا يُقالُ: عِيرٌ، إلّا لِأصْحابِ الإبِلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِيرُ الإبِلُ المَرْحُولَةُ المَرْكُوبَةُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العِيرُ: القَوْمُ عَلى الإبِلِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ لِيُوسُفَ أنْ يُسَرِّقَ مَن لَمْ يَسْرِقْ ؟ فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ:

أحَدُها: أنَّ المَعْنى: إنَّكم لَسارِقُونَ يُوسُفَ حِينَ قَطَعْتُمُوهُ عَنْ أبِيهِ وطَرَحْتُمُوهُ في الجُبِّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّ المُنادِيَ نادى وهو لا يَعْلَمُ أنَّ يُوسُفَ أمَرَ بِوَضْعِ السِّقايَةِ في رَحْلِ أخِيهِ، فَكانَ غَيْرَ كاذِبٍ في قَوْلِهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُنادِيَ نادى بِالتَّسْرِيقِ لَهم بِغَيْرِ أمْرِ يُوسُفَ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: إنَّكم لَسارِقُونَ فِيما يَظْهَرُ لِمَن لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ أخْبارِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ:٤٩] أيْ: عِنْدَ نَفْسِكَ، لا عِنْدَنا، وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: " «كَذَبَ إبْراهِيمُ ثَلاثَ كَذَباتٍ» " أيْ: قالَ قَوْلًا يُشْبِهُ الكَذِبَ، ولَيْسَ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي: إخْوَةَ يُوسُفَ ﴿وَأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: عَلى المُؤَذِّنِ وأصْحابِهِ. والثّانِي: أقْبَلَ المُنادِي ومَن مَعَهُ عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ بِالدَّعْوى. ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ما الَّذِي ضَلَّ عَنْكم ؟ " قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ " قالَ الزَّجّاجُ: الصُّواعُ هو الصّاعُ بِعَيْنِهِ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وكَذَلِكَ الصّاعُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ. وقَدْ قُرِئَ: " صُياعَ " بِياءٍ، وقُرِئَ: " صَوْغَ " بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، وقُرِئَ: " صَوْعَ " بِعَيْنٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مَعَ فَتْحِ الصّادِ، وضَمِّها، وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ: " صاعَ المَلِكِ " وكُلُّ هَذِهِ لُغاتٌ تَرْجِعُ إلى مَعْنًى واحِدٍ، إلّا أنَّ الصَّوْغَ، بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ، مَصْدَرُ صُغْتُ، وُصِفَ الإناءُ بِهِ، لِأنَّهُ كانَ مَصُوغًا مِن ذَهَبٍ.

واخْتَلَفُوا في جِنْسِهِ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ كانَ قَدَحًا مِن زَبَرْجَدٍ. والثّانِي: أنَّهُ كانَ مِن نُحاسٍ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ شَرْبَةً مِن فِضَّةٍ مُرَصَّعَةٍ بِالجَوْهَرِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والرّابِعُ: كانَ كَأْسًا مِن ذَهَبٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والخامِسُ: كانَ مِن مِسٍّ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي صِفَتِهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مُسْتَطِيلًا يُشْبِهُ المَكُّوكَ. والثّانِي: أنَّهُ كانَ يُشْبِهُ الطّاسَ.

قَوْلُهُ …

73

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ

They said, "By Allah, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " تاللَّهِ " بِمَعْنى: واللَّهِ، إلّا أنَّ التّاءَ لا يُقْسَمُ بِها إلّا في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ولا يَجُوزُ: تالرَّحْمَنِ لَأفْعَلَنَّ، ولا: تَرَبِّي لَأفْعَلَنَّ. والتّاءُ تُبْدَلُ مِنَ الواوِ، كَما قالُوا في وُراثٍ: تُراثٌ، وقالُوا: يَتَّزِنُ، وأصْلُهُ: يَوْتَزِنُ، مِنَ الوَزْنِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أُبْدِلَتِ التّاءُ مِنَ الواوِ، كَما أُبْدِلَتْ في التُّخَمَةِ والتُّراثِ والتُّجاهِ، وأصْلُهُنَّ مِنَ الوَخْمَةِ والوُراثِ والوِجاهِ، لِأنَّهُنَّ مِنَ الوِخامَةِ والوِراثَةِ والوَجْهِ. ولا تَقُولُ العَرَبُ: تالرَّحْمَنِ، كَما قالُوا: تاللَّهِ، لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ في الإقْسامِ كَثُرَ بِاللَّهِ، ولَمْ يَكُنْ بِالرَّحْمَنِ، فَجاءَتِ التّاءُ بَدَلًا مِنَ الواوِ في المَوْضِعِ الَّذِي يَكْثُرُ اسْتِعْمالُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لِنَظْلِمَ أحَدًا أوْ نَسْرِقَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ حَلَفُوا عَلى عِلْمِ قَوْمٍ لا يَعْرِفُونَهم ؟

فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، لِأنَّهم رَدُّوا الدَّراهِمَ ولَمْ يَسْتَحِلُّوها، فالمَعْنى: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنّا رَدَدْنا عَلَيْكم دَراهِمَكم وهي أكْثَرُ مِن ثَمَنِ الصّاعِ، فَكَيْفَ نَسْتَحِلُّ صاعَكم، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: لِأنَّهم لَمّا دَخَلُوا مِصْرَ كَعَمُوا أفْواهَ إبِلِهِمْ وحَمِيرِهِمْ حَتّى لا تَتَناوَلَ شَيْئًا، وكانَ غَيْرُهم لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ أهْلَ مِصْرَ كانُوا قَدْ عَرَفُوهم أنَّهم لا يَظْلِمُونَ أحَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ المَعْنى: قالَ المُنادِي وأصْحابُهُ: فَما جَزاؤُهُ. قالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ رَدَدْتَ الكِنايَةَ إلى السّارِقِ، وإنْ شِئْتَ رَدَدْتَها إلى السَّرِقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ أيْ: في قَوْلِكم، ﴿وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ . ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي إخْوَةَ يُوسُفَ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ أيْ: يُسْتَعْبَدُ بِذَلِكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةَ آلِ يَعْقُوبَ.

74

قَالُوا۟ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمْ كَٰذِبِينَ

The accusers said, "Then what would be its recompense if you should be liars?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " تاللَّهِ " بِمَعْنى: واللَّهِ، إلّا أنَّ التّاءَ لا يُقْسَمُ بِها إلّا في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ولا يَجُوزُ: تالرَّحْمَنِ لَأفْعَلَنَّ، ولا: تَرَبِّي لَأفْعَلَنَّ. والتّاءُ تُبْدَلُ مِنَ الواوِ، كَما قالُوا في وُراثٍ: تُراثٌ، وقالُوا: يَتَّزِنُ، وأصْلُهُ: يَوْتَزِنُ، مِنَ الوَزْنِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أُبْدِلَتِ التّاءُ مِنَ الواوِ، كَما أُبْدِلَتْ في التُّخَمَةِ والتُّراثِ والتُّجاهِ، وأصْلُهُنَّ مِنَ الوَخْمَةِ والوُراثِ والوِجاهِ، لِأنَّهُنَّ مِنَ الوِخامَةِ والوِراثَةِ والوَجْهِ. ولا تَقُولُ العَرَبُ: تالرَّحْمَنِ، كَما قالُوا: تاللَّهِ، لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ في الإقْسامِ كَثُرَ بِاللَّهِ، ولَمْ يَكُنْ بِالرَّحْمَنِ، فَجاءَتِ التّاءُ بَدَلًا مِنَ الواوِ في المَوْضِعِ الَّذِي يَكْثُرُ اسْتِعْمالُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لِنَظْلِمَ أحَدًا أوْ نَسْرِقَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ حَلَفُوا عَلى عِلْمِ قَوْمٍ لا يَعْرِفُونَهم ؟

فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، لِأنَّهم رَدُّوا الدَّراهِمَ ولَمْ يَسْتَحِلُّوها، فالمَعْنى: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنّا رَدَدْنا عَلَيْكم دَراهِمَكم وهي أكْثَرُ مِن ثَمَنِ الصّاعِ، فَكَيْفَ نَسْتَحِلُّ صاعَكم، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: لِأنَّهم لَمّا دَخَلُوا مِصْرَ كَعَمُوا أفْواهَ إبِلِهِمْ وحَمِيرِهِمْ حَتّى لا تَتَناوَلَ شَيْئًا، وكانَ غَيْرُهم لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ أهْلَ مِصْرَ كانُوا قَدْ عَرَفُوهم أنَّهم لا يَظْلِمُونَ أحَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ المَعْنى: قالَ المُنادِي وأصْحابُهُ: فَما جَزاؤُهُ. قالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ رَدَدْتَ الكِنايَةَ إلى السّارِقِ، وإنْ شِئْتَ رَدَدْتَها إلى السَّرِقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ أيْ: في قَوْلِكم، ﴿وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ . ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي إخْوَةَ يُوسُفَ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ أيْ: يُسْتَعْبَدُ بِذَلِكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةَ آلِ يَعْقُوبَ.

75

قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ

[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense. Thus do we recompense the wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " تاللَّهِ " بِمَعْنى: واللَّهِ، إلّا أنَّ التّاءَ لا يُقْسَمُ بِها إلّا في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ولا يَجُوزُ: تالرَّحْمَنِ لَأفْعَلَنَّ، ولا: تَرَبِّي لَأفْعَلَنَّ. والتّاءُ تُبْدَلُ مِنَ الواوِ، كَما قالُوا في وُراثٍ: تُراثٌ، وقالُوا: يَتَّزِنُ، وأصْلُهُ: يَوْتَزِنُ، مِنَ الوَزْنِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أُبْدِلَتِ التّاءُ مِنَ الواوِ، كَما أُبْدِلَتْ في التُّخَمَةِ والتُّراثِ والتُّجاهِ، وأصْلُهُنَّ مِنَ الوَخْمَةِ والوُراثِ والوِجاهِ، لِأنَّهُنَّ مِنَ الوِخامَةِ والوِراثَةِ والوَجْهِ. ولا تَقُولُ العَرَبُ: تالرَّحْمَنِ، كَما قالُوا: تاللَّهِ، لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ في الإقْسامِ كَثُرَ بِاللَّهِ، ولَمْ يَكُنْ بِالرَّحْمَنِ، فَجاءَتِ التّاءُ بَدَلًا مِنَ الواوِ في المَوْضِعِ الَّذِي يَكْثُرُ اسْتِعْمالُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ أيْ: لِنَظْلِمَ أحَدًا أوْ نَسْرِقَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ حَلَفُوا عَلى عِلْمِ قَوْمٍ لا يَعْرِفُونَهم ؟

فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، لِأنَّهم رَدُّوا الدَّراهِمَ ولَمْ يَسْتَحِلُّوها، فالمَعْنى: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنّا رَدَدْنا عَلَيْكم دَراهِمَكم وهي أكْثَرُ مِن ثَمَنِ الصّاعِ، فَكَيْفَ نَسْتَحِلُّ صاعَكم، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: لِأنَّهم لَمّا دَخَلُوا مِصْرَ كَعَمُوا أفْواهَ إبِلِهِمْ وحَمِيرِهِمْ حَتّى لا تَتَناوَلَ شَيْئًا، وكانَ غَيْرُهم لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ أهْلَ مِصْرَ كانُوا قَدْ عَرَفُوهم أنَّهم لا يَظْلِمُونَ أحَدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ المَعْنى: قالَ المُنادِي وأصْحابُهُ: فَما جَزاؤُهُ. قالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ رَدَدْتَ الكِنايَةَ إلى السّارِقِ، وإنْ شِئْتَ رَدَدْتَها إلى السَّرِقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ أيْ: في قَوْلِكم، ﴿وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ . ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي إخْوَةَ يُوسُفَ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ أيْ: يُسْتَعْبَدُ بِذَلِكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذِهِ كانَتْ سُنَّةَ آلِ يَعْقُوبَ.

76

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌۭ

So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion of the king except that Allah willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: انْصَرَفَ بِهِمُ المُؤَذِّنُ إلى يُوسُفَ، وقالَ: لا بُدَّ مِن تَفْتِيشِ أمْتِعَتِكم، ﴿فَبَدَأ﴾ يُوسُفُ ﴿بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ لِإزالَةِ التُّهْمَةِ، فَلَمّا وصَلَ إلى وِعاءِ أخِيهِ، قالَ: ما أظُنُّ هَذا أخَذَ شَيْئًا، فَقالُوا: واللَّهِ لا نَبْرَحُ حَتّى تَنْظُرَ في رَحْلِهِ، فَهو أطْيَبُ لِنَفْسِكَ. فَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُ وجَدُوا الصُّواعَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَها﴾ .

وَفِي هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى السَّرِقَةِ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّانِي: إلى السِّقايَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: إلى الصُّواعِ عَلى لُغَةِ مَن أنَّثَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَأقْبَلُوا عَلى بِنْيامِينَ، وقالُوا: أيَّ شَيْءٍ صَنَعْتَ ؟! فَضَحْتَنا وأزْرَيْتَ بِأبِيكَ الصِّدِّيقِ، فَقالَ: وضَعَ هَذا في رَحْلِي الَّذِي وضَعَ الدَّراهِمَ في رِحالِكم، وقَدْ كانَ يُوسُفُ أخْبَرَ أخاهُ بِما يُرِيدُ أنْ يَصْنَعَ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: كَذَلِكَ صَنَعْنا لَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: احْتَلْنا لَهُ، والكَيْدُ: الحِيلَةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أرَدْنا لِيُوسُفَ، ذَكَرَهُ ابْنُ القاسِمِ.

والرّابِعُ: دَبَّرْنا لَهُ بِأنْ ألْهَمْناهُ ما فَعَلَ بِأخِيهِ لِيَتَوَصَّلَ إلى حَبْسِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا دَبَّرَ اللَّهُ لِيُوسُفَ ما دَبَّرَ مِنِ ارْتِفاعِ المَنزِلَةِ وكَمالِ النِّعْمَةِ عَلى غَيْرِ ما ظَنَّ إخْوَتُهُ، شُبِّهَ بِالكَيْدِ مِنَ المَخْلُوقِينَ، لِأنَّهم يَسْتُرُونَ ما يَكِيدُونَ بِهِ عَمَّنْ يَكِيدُونَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ في المُرادِ بِالدِّينِ هاهُنا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ السُّلْطانُ، فالمَعْنى: في سُلْطانِ المَلِكِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ القَضاءُ، فالمَعْنى: في قَضاءِ المَلِكِ، لِأنَّ قَضاءَ المَلِكِ أنَّ مَن سَرَقَ إنَّما يُضْرَبُ ويُغَرَّمُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبَيانُهُ أنَّهُ لَوْ أجْرى أخاهُ عَلى حُكْمِ المَلِكِ ما أمْكَنَهُ حَبْسُهُ، لَأنَّ حُكْمَ المَلِكِ الغُرْمُ والضَّرْبُ فَحَسْبُ، فَأجْرى اللَّهُ عَلى ألْسِنَةِ إخْوَتِهِ أنَّ جَزاءَ السّارِقِ الِاسْتِرْقاقُ، فَكانَ ذَلِكَ مِمّا كادَ اللَّهُ لِيُوسُفَ لُطْفًا حَتّى أظْفَرَهُ بِمُرادِهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ وقِيلَ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إظْهارَ عِلَّةٍ يَسْتَحِقُّ بِها أخاهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ " يَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن يَشاءُ " بِالياءِ فِيهِما. وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ " دَرَجاتٍ " بِالتَّنْوِينِ، والمَعْنى: نَرْفَعُ الدَّرَجاتِ بِصُنُوفِ العَطاءِ، وأنْواعِ الكَراماتِ، وأبْوابِ العُلُومِ، وقَهْرِ الهَوى، والتَّوْفِيقِ لِلْهُدى، كَما رَفَعْنا يُوسُفَ. ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ رَفَعَهُ اللَّهُ بِالعِلْمِ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ حَتّى يَنْتَهِيَ العِلْمُ إلى اللَّهِ تَعالى، والكَمالُ في العِلْمِ مَعْدُومٌ مِن غَيْرِهِ.

وَفِي مَقْصُودِ هَذا الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّ المَعْنى: يُوسُفُ أعْلَمُ مِن إخْوَتِهِ، وفَوْقَهُ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ.

والثّانِي: أنَّهُ نَبَّهَ عَلى تَعْظِيمِ العِلْمِ، وبَيَّنَ أنَّهُ أكْثَرُ مِن أنْ يُحاطَ بِهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ تَعْلِيمٌ لِلْعالِمِ …

77

۞ قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌۭ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ

They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them. He said, "You are worse in position, and Allah is most knowing of what you describe."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي: إخْوَةَ يُوسُفَ ﴿إنْ يَسْرِقْ﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ " فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ " يَعْنُونَ يُوسُفَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: عُوقِبَ يُوسُفُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، قالَ لِلسّاقِي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وقالَ لِلْعَزِيزِ: ﴿لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ فَقالَ لَهُ جِبْرِيل: ولا حِينَ هَمَمْتَ ؟ فَقالَ: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ وقالَ لِإخْوَتِهِ: ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، فَقالُوا: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ .

وَفِي ما عَنَوْا بِهَذِهِ السَّرِقَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَسْرِقُ الطَّعامَ مِن مائِدَةِ أبِيهِ في سِنِي المَجاعَةِ، فَيُطْعِمُهُ لِلْمَساكِينِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ سَرَقَ مِكْحَلَةً لِخالَتِهِ، رَواهُ أبُو مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سَرَقَ صَنَمًا لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ، فَكَسَرَهُ وألْقاهُ في الطَّرِيقِ، فَعَيَّرَهُ إخْوَتُهُ بِذَلِكَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ووَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّ عَمَّةَ يُوسُفَ - وكانَتْ أكْبَرَ ولَدِ إسْحاقَ - كانَتْ تَحْضُنُ يُوسُفَ وتُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمّا تَرَعْرَعَ، طَلَبَهُ يَعْقُوبُ، فَقالَتْ: ما أقْدِرُ أنْ يَغِيبَ عَنِّي، فَقالَ: واللَّهِ ما أنا بِتارِكِهِ، فَعَمَدَتْ إلى مِنطَقَةِ إسْحاقَ، فَرَبَطَتْها عَلى يُوسُفَ تَحْتَ ثِيابِهِ، ثُمَّ قالَتْ: لَقَدْ فَقَدْتُ مِنطَقَةَ إسْحاقَ، فانْظُرُوا مَن أخَذَها، فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ، فَأخْبَرَتْ يَعْقُوبَ ذَلِكَ، وقالَتْ: واللَّهِ إنَّهُ لِي أصْنَعُ فِيهِ ما شِئْتُ، فَقالَ: أنْتِ وذاكَ، فَما قَدَرَ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ حَتّى ماتَتْ، فَذاكَ الَّذِي عَيَّرَهُ بِهِ إخْوَتُهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ جاءَهُ سائِلٌ يَوْمًا، فَسَرَقَ شَيْئًا، فَأعْطاهُ السّائِلَ، فَعَيَّرُوهُ بِذَلِكَ. وفي ذَلِكَ الشَّيْءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ بَيْضَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّهُ شاةٌ، قالَهُ كَعْبٌ. والثّالِثُ: دَجاجَةٌ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

والسّادِسُ: أنَّ بَنِي يَعْقُوبَ كانُوا عَلى طَعامٍ، فَنَظَر يُوسُفُ إلى عِرْقٍ، فَخَبَّأهُ، فَعَيَّرُوهُ بِذَلِكَ، قالَهُ عَطِيَّة العَوْفِيُّ، وإدْرِيسُ الأوْدِيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولَيْسَ في هَذِهِ الأفْعالِ كُلِّها ما يُوجِبُ السَّرِقَةَ، لَكِنَّها تُشْبِهُ السَّرِقَةَ، فَعَيَّرَهُ إخْوَتُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الغَضَبِ.

والسّابِعُ: أنَّهم كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿فَقَدْ سَرَقَ﴾ بِضَمِّ السِّينِ وكَسْرِ الرّاءِ وتَشْدِيدِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَلِمَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ بَعْدَ هَذا، وهي قَوْلُهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾، رَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَلِمَةِ الَّتِي قالُوها في حَقِّهِ، وهي قَوْلُهم: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾، وهَذا مَعْنى قَوْلِ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: أسَرَّ جَوابَ الكَلِمَةِ فَلَمْ يُجِبْهم عَلَيْها.

والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الحُجَّةِ، المَعْنى: فَأسَرَّ الِاحْتِجاجَ عَلَيْهِمْ في ادِّعائِهِمْ عَلَيْهِ السَّرِقَةَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: شَرٌّ صَنِيعًا مِن …

78

قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًۭا شَيْخًۭا كَبِيرًۭا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

They said, "O 'Azeez, indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي: إخْوَةَ يُوسُفَ ﴿إنْ يَسْرِقْ﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ " فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ " يَعْنُونَ يُوسُفَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: عُوقِبَ يُوسُفُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، قالَ لِلسّاقِي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وقالَ لِلْعَزِيزِ: ﴿لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ فَقالَ لَهُ جِبْرِيل: ولا حِينَ هَمَمْتَ ؟ فَقالَ: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ وقالَ لِإخْوَتِهِ: ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، فَقالُوا: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ .

وَفِي ما عَنَوْا بِهَذِهِ السَّرِقَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَسْرِقُ الطَّعامَ مِن مائِدَةِ أبِيهِ في سِنِي المَجاعَةِ، فَيُطْعِمُهُ لِلْمَساكِينِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ سَرَقَ مِكْحَلَةً لِخالَتِهِ، رَواهُ أبُو مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سَرَقَ صَنَمًا لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ، فَكَسَرَهُ وألْقاهُ في الطَّرِيقِ، فَعَيَّرَهُ إخْوَتُهُ بِذَلِكَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ووَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّ عَمَّةَ يُوسُفَ - وكانَتْ أكْبَرَ ولَدِ إسْحاقَ - كانَتْ تَحْضُنُ يُوسُفَ وتُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمّا تَرَعْرَعَ، طَلَبَهُ يَعْقُوبُ، فَقالَتْ: ما أقْدِرُ أنْ يَغِيبَ عَنِّي، فَقالَ: واللَّهِ ما أنا بِتارِكِهِ، فَعَمَدَتْ إلى مِنطَقَةِ إسْحاقَ، فَرَبَطَتْها عَلى يُوسُفَ تَحْتَ ثِيابِهِ، ثُمَّ قالَتْ: لَقَدْ فَقَدْتُ مِنطَقَةَ إسْحاقَ، فانْظُرُوا مَن أخَذَها، فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ، فَأخْبَرَتْ يَعْقُوبَ ذَلِكَ، وقالَتْ: واللَّهِ إنَّهُ لِي أصْنَعُ فِيهِ ما شِئْتُ، فَقالَ: أنْتِ وذاكَ، فَما قَدَرَ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ حَتّى ماتَتْ، فَذاكَ الَّذِي عَيَّرَهُ بِهِ إخْوَتُهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ جاءَهُ سائِلٌ يَوْمًا، فَسَرَقَ شَيْئًا، فَأعْطاهُ السّائِلَ، فَعَيَّرُوهُ بِذَلِكَ. وفي ذَلِكَ الشَّيْءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ بَيْضَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّهُ شاةٌ، قالَهُ كَعْبٌ. والثّالِثُ: دَجاجَةٌ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

والسّادِسُ: أنَّ بَنِي يَعْقُوبَ كانُوا عَلى طَعامٍ، فَنَظَر يُوسُفُ إلى عِرْقٍ، فَخَبَّأهُ، فَعَيَّرُوهُ بِذَلِكَ، قالَهُ عَطِيَّة العَوْفِيُّ، وإدْرِيسُ الأوْدِيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولَيْسَ في هَذِهِ الأفْعالِ كُلِّها ما يُوجِبُ السَّرِقَةَ، لَكِنَّها تُشْبِهُ السَّرِقَةَ، فَعَيَّرَهُ إخْوَتُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الغَضَبِ.

والسّابِعُ: أنَّهم كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿فَقَدْ سَرَقَ﴾ بِضَمِّ السِّينِ وكَسْرِ الرّاءِ وتَشْدِيدِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَلِمَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ بَعْدَ هَذا، وهي قَوْلُهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾، رَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَلِمَةِ الَّتِي قالُوها في حَقِّهِ، وهي قَوْلُهم: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾، وهَذا مَعْنى قَوْلِ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: أسَرَّ جَوابَ الكَلِمَةِ فَلَمْ يُجِبْهم عَلَيْها.

والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الحُجَّةِ، المَعْنى: فَأسَرَّ الِاحْتِجاجَ عَلَيْهِمْ في ادِّعائِهِمْ عَلَيْهِ السَّرِقَةَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: شَرٌّ صَنِيعًا مِن …

79

قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًۭا لَّظَٰلِمُونَ

He said, "[I seek] the refuge of Allah [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ يَعْنِي: إخْوَةَ يُوسُفَ ﴿إنْ يَسْرِقْ﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ " فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ " يَعْنُونَ يُوسُفَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: عُوقِبَ يُوسُفُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، قالَ لِلسّاقِي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وقالَ لِلْعَزِيزِ: ﴿لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ فَقالَ لَهُ جِبْرِيل: ولا حِينَ هَمَمْتَ ؟ فَقالَ: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ وقالَ لِإخْوَتِهِ: ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، فَقالُوا: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ .

وَفِي ما عَنَوْا بِهَذِهِ السَّرِقَةِ سَبْعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَسْرِقُ الطَّعامَ مِن مائِدَةِ أبِيهِ في سِنِي المَجاعَةِ، فَيُطْعِمُهُ لِلْمَساكِينِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ سَرَقَ مِكْحَلَةً لِخالَتِهِ، رَواهُ أبُو مالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سَرَقَ صَنَمًا لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ، فَكَسَرَهُ وألْقاهُ في الطَّرِيقِ، فَعَيَّرَهُ إخْوَتُهُ بِذَلِكَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ووَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّ عَمَّةَ يُوسُفَ - وكانَتْ أكْبَرَ ولَدِ إسْحاقَ - كانَتْ تَحْضُنُ يُوسُفَ وتُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمّا تَرَعْرَعَ، طَلَبَهُ يَعْقُوبُ، فَقالَتْ: ما أقْدِرُ أنْ يَغِيبَ عَنِّي، فَقالَ: واللَّهِ ما أنا بِتارِكِهِ، فَعَمَدَتْ إلى مِنطَقَةِ إسْحاقَ، فَرَبَطَتْها عَلى يُوسُفَ تَحْتَ ثِيابِهِ، ثُمَّ قالَتْ: لَقَدْ فَقَدْتُ مِنطَقَةَ إسْحاقَ، فانْظُرُوا مَن أخَذَها، فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ، فَأخْبَرَتْ يَعْقُوبَ ذَلِكَ، وقالَتْ: واللَّهِ إنَّهُ لِي أصْنَعُ فِيهِ ما شِئْتُ، فَقالَ: أنْتِ وذاكَ، فَما قَدَرَ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ حَتّى ماتَتْ، فَذاكَ الَّذِي عَيَّرَهُ بِهِ إخْوَتُهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ جاءَهُ سائِلٌ يَوْمًا، فَسَرَقَ شَيْئًا، فَأعْطاهُ السّائِلَ، فَعَيَّرُوهُ بِذَلِكَ. وفي ذَلِكَ الشَّيْءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ بَيْضَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّهُ شاةٌ، قالَهُ كَعْبٌ. والثّالِثُ: دَجاجَةٌ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

والسّادِسُ: أنَّ بَنِي يَعْقُوبَ كانُوا عَلى طَعامٍ، فَنَظَر يُوسُفُ إلى عِرْقٍ، فَخَبَّأهُ، فَعَيَّرُوهُ بِذَلِكَ، قالَهُ عَطِيَّة العَوْفِيُّ، وإدْرِيسُ الأوْدِيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولَيْسَ في هَذِهِ الأفْعالِ كُلِّها ما يُوجِبُ السَّرِقَةَ، لَكِنَّها تُشْبِهُ السَّرِقَةَ، فَعَيَّرَهُ إخْوَتُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الغَضَبِ.

والسّابِعُ: أنَّهم كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿فَقَدْ سَرَقَ﴾ بِضَمِّ السِّينِ وكَسْرِ الرّاءِ وتَشْدِيدِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَلِمَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ بَعْدَ هَذا، وهي قَوْلُهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾، رَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكَلِمَةِ الَّتِي قالُوها في حَقِّهِ، وهي قَوْلُهم: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾، وهَذا مَعْنى قَوْلِ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: أسَرَّ جَوابَ الكَلِمَةِ فَلَمْ يُجِبْهم عَلَيْها.

والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الحُجَّةِ، المَعْنى: فَأسَرَّ الِاحْتِجاجَ عَلَيْهِمْ في ادِّعائِهِمْ عَلَيْهِ السَّرِقَةَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: شَرٌّ صَنِيعًا مِن …

80

فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّۭا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allah and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allah decides for me, and He is the best of judges.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ أيْ: أيِسُوا.

وَفِي هاءِ " مِنهُ " قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى يُوسُفَ، فالمَعْنى: يَئِسُوا مِن يُوسُفَ أنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ أخِيهِمْ.

والثّانِي: إلى أخِيهِمْ، فالمَعْنى: يَئِسُوا مِن أخِيهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أيِ: اعْتَزَلُوا النّاسَ لَيْسَ مَعَهم غَيْرُهم، يَتَناجَوْنَ ويَتَناظَرُونَ ويَتَشاوَرُونَ، يُقالُ: قَوْمٌ نَجِيٌّ، والجُمَعُ أنْجِيَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ إنِّي إذا ما القَوْمُ كانُوا أنْجِيَهْ واضْطَرَبَتْ أعْناقُهم كالأرْشِيَهْ

وَإنَّما وحَّدَ " نَجِيًّا " لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى المَصْدَرِ الَّذِي يَكُونُ لِلِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ والمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: انْفَرَدُوا مُتَناجِينَ فِيما يَعْمَلُونَ في ذَهابِهِمْ إلى أبِيهِمْ ولَيْسَ مَعَهم أخُوهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ كَبِيرُهم في العَقْلِ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَهُوذا، ولَمْ يَكُنْ أكْبَرَهم سِنًّا، وإنَّما كانَ أكْبَرَهم سِنًّا رُوبِيلُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ شَمْعُونُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ كَبِيرُهم في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ في حِفْظِ أخِيكم ورَدِّهِ إلَيْهِ ﴿وَمِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: " ما " في مَوْضِعِ رَفْعٍ، كَأنَّهُ قالَ: ومِن قَبْلِ هَذا تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَها نَصْبًا، المَعْنى: ألَمْ تَعْلَمُوا هَذا، وتَعْلَمُوا مِن قَبْلُ تَفْرِيطَكم في يُوسُفَ، وإنْ شِئْت جَعَلْتَ " ما " صِلَةً، كَأنَّهُ قالَ: ومِن قَبْلُ فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا أجْوَدُ الوُجُوهِ، أنْ تَكُونَ " ما " لَغْوًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ أيْ: لَنْ أخْرُجَ مِن أرْضِ مِصْرَ، يُقالُ: بَرِحَ الرَّجُلُ بَراحًا: إذا تَنَحّى عَنْ مَوْضِعِهِ. ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَتّى يَبْعَثَ إلَيَّ أنْ آتِيَهُ، ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي، فَيَرُدَّ أخِي عَلَيَّ. والثّانِي: يَحْكُمُ اللَّهُ لِي بِالسَّيْفِ، فَأُحارِبُ مَن حَبَسَ أخِي. والثّالِثُ: يَقْضِي في أمْرِي شَيْئًا، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ أيْ: أعْدَلُهم وأفْضَلُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ أبِي سُرَيْجٍ عَنِ الكِسائِيِّ: " سُرِّقَ " بِضَمِّ السِّينِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ وكَسْرِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: وما شَهِدْنا عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ إلّا بِما عَلِمْنا، لِأنّا رَأيْنا المَسْرُوقَ في رَحْلِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: وما شَهِدْنا عِنْدَ يُوسُفَ بِأنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ إلّا بِما عَلِمْنا مِن دِينِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّ الغَيْبَ هو اللَّيْلُ، والمَعْنى: لَمْ نَعْلَمْ ما صُنِعَ بِاللَّيْلِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التُّهْمَةَ وقَعَتْ بِهِ لَيْلًا.

والثّانِي: ما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ ابْنَكَ يَسْرِقُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، ومَكْحُولٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فالمَعْنى: لَمْ نَعْلَمِ الغَيْبَ حِينَ …

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.