Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 1–10 of 111

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ

Alif, Lam, Ra. These are the verses of the clear Book.

سُورَةُ يُوسُفَ

[عَلَيْهِ السَّلامُ]

فَصْلٌ في نُزُولِها

هِيَ مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وفي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أمّا القَوْلُ الأوَّلُ، فَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَلاهُ، عَلَيْهِمْ زَمانًا، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾، فَتَلاهُ عَلَيْهِمْ زَمانًا، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ حَدَّثْتَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزُّمَرِ:٢٣] كُلُّ ذَلِكَ يُؤْمَرُونَ بِالقُرْآنِ» . وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «مَلَّ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَلَّةً، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزُّمَرِ:٢٣]، ثُمَّ إنَّهم مَلُّوا مَلَّةً أُخْرى، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَوْقَ الحَدِيثِ، ودُونَ القُرْآنِ، يَعْنُونَ القَصَصَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ فَأرادُوا الحَدِيثَ، فَدَلَّهم عَلى أحْسَنِ الحَدِيثِ، وأرادُوا القَصَصَ، فَدَلَّهم عَلى أحْسَنِ القَصَصِ» . والثّانِي: رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَألَتِ اليَهُودُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالُوا: حَدِّثْنا عَنْ أمْرِ يَعْقُوبَ ووَلَدِهِ وشَأْنِ يُوسُفَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾» وذَلِكَ أنَّ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، والإنْجِيلَ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وأنْتُمْ قَوْمٌ عَرَبٌ، ولَوْ أنْزَلْتُهُ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ ما فَهِمْتُمُوهُ، وقَدْ بَيَّنّا تَفْسِيرَ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ (يُونُسَ) إلّا أنَّهُ قَدْ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ زِيادَةَ وجْهٍ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَقالَ: «لَمّا لَحِقَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَلَلٌ وسَآمَةٌ، فَقالُوا لَهُ: حَدِّثْنا بِما يُزِيلُ عَنّا هَذا المَلَلَ، فَقالَ: " تِلْكَ الأحادِيثُ الَّتِي تَقْدِرُونَ الِانْتِفاعَ بِها وانْصِرافَ المَلَلِ، هي آياتُ الكِتابِ المُبِينِ "»

وَفِي مَعْنى " المُبِينِ " خَمْسَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: البَيِّنُ حَلالُهُ وحَرامُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. والثّانِي: المُبَيِّنُ لِلْحُرُوفِ الَّتِي تَسْقُطُ عَنْ ألْسُنِ الأعاجِمِ، رَواهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ. والثّالِثُ: البَيِّنُ هُداهُ ورُشْدُهُ، قالَهُ قَتادَةُ. والرّابِعُ: المُبَيِّنُ لِلْحَقِّ مِنَ الباطِلِ. والخامِسُ: البَيِّنُ إعْجازُهُ فَلا يُعارَضُ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

2

إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

Indeed, We have sent it down as an Arabic Qur'an that you might understand.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الكِتابِ، قالَهُ الجُمْهُورُ. والثّانِي: إلى خَبَرِ يُوسُفَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وابْنُ القاسِمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى القُرْآنِ واشْتِقاقِهِ في سُورَةِ (النِّساءِ:٨٢) . وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ، هَلْ في القُرْآنِ شَيْءٌ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ، أمْ لا، فَمَذْهَبُ أصْحابِنا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَن زَعَمَ أنَّ في القُرْآنِ لِسانًا سِوى العَرَبِيَّةِ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ القَوْلَ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزُّخْرُفِ:٣] ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ أنَّ فِيهِ مِن غَيْرِ لِسانِ العَرَبِ، مِثْلُ " سِجِّيلٍ " و " المِشْكاةِ " و " اليَمِّ " و " الطُّورِ " و " أبارِيقَ " و " إسْتَبْرَقٍ " وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهَؤُلاءِ أعْلَمُ مِن أبِي عُبَيْدَةَ، ولَكِنَّهم ذَهَبُوا إلى مَذْهَبٍ، وذَهَبَ هو إلى غَيْرِهِ، وكِلاهُما مُصِيبٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ بِغَيْرِ لِسانِ العَرَبِ في الأصْلِ، فَقالَ: أُولَئِكَ عَلى الأصْلِ، ثُمَّ لَفَظَتْ بِهِ العَرَبُ بِألْسِنَتِها فَعَرَّبَتْهُ فَصارَ عَرَبِيًّا بِتَعْرِيبِها إيّاهُ، فَهي عَرَبِيَّةٌ في هَذِهِ الحالَةِ، أعْجَمِيَّةُ الأصْلِ، فَهَذا القَوْلُ يُصَدِّقُ الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِكَيْ تَفْهَمُوا.

3

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَٰفِلِينَ

We relate to you, [O Muhammad], the best of stories in what We have revealed to you of this Qur'an although you were, before it, among the unaware.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ قَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِها في أوَّلِ الكَلامِ. وقَدْ خُصَّتْ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: اجْتَمَعَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى سَلْمانَ، فَقالُوا: حَدِّثْنا عَنِ التَّوْراةِ فَإنَّها حَسَنٌ ما فِيها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ يَعْنِي: قَصَصُ القُرْآنِ أحْسَنُ مِمّا في التَّوْراةِ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: نَحْنُ نُبَيِّنُ لَكَ أحْسَنَ البَيانِ، والقاصُّ: الَّذِي يَأْتِي بِالقِصَّةِ عَلى حَقِيقَتِها. قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: بِوَحْيِنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ.

قالَ العُلَماءُ: وإنَّما سُمِّيَتْ قِصَّةُ يُوسُفَ أحْسَنَ القَصَصِ، لِأنَّها جَمَعَتْ ذِكْرَ الأنْبِياءِ، والصّالِحِينَ، والمَلائِكَةِ، والشَّياطِينِ، والأنْعامِ، وسِيَرِ المُلُوكِ، والمَمالِيكِ، والتُّجّارِ، والعُلَماءِ، والرِّجالِ، والنِّساءِ، وحِيَلِهِنَّ، وذِكْرِ التَّوْحِيدِ، والفِقْهِ، والسِّرِّ، وتَعْبِيرِ الرُّؤْيا، والسِّياسَةِ، والمُعاشَرَةِ، وتَدْبِيرِ المَعاشِ، والصَّبْرِ عَلى الأذى، والحِلْمِ؛ والعِزِّ، والحُكْمِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَجائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتَ﴾ في " إنْ " قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى " قَدْ " . والثّانِي بِمَعْنى " ما " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ. ﴿لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ عَنْ عِلْمِ خَبَرِ يُوسُفَ وما صَنَعَ بِهِ إخْوَتُهُ.

4

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَٰجِدِينَ

[Of these stories mention] when Joseph said to his father, "O my father, indeed I have seen [in a dream] eleven stars and the sun and the moon; I saw them prostrating to me."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لأبِيهِ﴾ في " إذْ " قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها صِلَةٌ لِلْفِعْلِ المُتَقَدِّمِ، والمَعْنى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ إذْ قالَ يُوسُفُ.

والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ قالَ يُوسُفُ، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أبَتِ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، بِفَتْحِ التّاءِ، ووَقَفا بِالهاءِ، وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ في الوَقْفِ بِالهاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ. فَمَن فَتَحَ التّاءَ، أرادَ: يا أبَتا فَحَذَفَ الألِفَ كَما تُحْذَفُ الياءُ، فَبَقِيَتِ الفُتْحَةُ دالَّةً عَلى الألِفِ، كَما أنَّ الكَسْرَةَ تَبْقى دالَّةً عَلى الياءِ. ومَن وقَفَ عَلى الهاءِ، فَلِأنَّ تاءَ التَّأْنِيثِ تُبْدَلُ مِنها الهاءُ في الوَقْفِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ أحَدَ عَشَرَ، وتِسْعَةَ عَشَرَ، بِسُكُونِ العَيْنِ فِيهِما.

وَفِي ما رَآهُ يُوسُفُ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: " رَأيْتُهم " عَلى جَمْعِ ما يَعْقِلُ، لِأنَّ السُّجُودَ فِعْلُ ما يَعْقِلُ، كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ:١٨] . قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ الكَواكِبُ في التَّأْوِيلِ إخْوَتَهُ، والشَّمْسُ أُمَّهُ، والقَمَرُ أباهُ، فَلَمّا قَصَّها عَلى يَعْقُوبَ أشْفَقَ مِن حَسَدِ إخْوَتِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: الشَّمْسُ أبُوهُ، والقَمَرُ خالَتُهُ، لِأنَّ أُمَّهُ كانَتْ قَدْ ماتَتْ.

والثّانِي: أنَّهُ رَأى: أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ ساجِدِينَ لَهُ، فَكَنّى عَنْ ذِكْرِهِمْ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ. فَأمّا تَكْرارُ قَوْلِهِ: " رَأيْتُهم " فَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما كَرَّرَهُ لَمّا طالَ الكَلامُ تَوْكِيدًا.

وَفِي سِنِّ يُوسُفَ لَمّا رَأى هَذا المَنامَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: سَبْعُ سِنِينَ. والثّانِي: اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً. والثّالِثُ: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.

قالَ المُفَسِّرُونَ: عَلِمَ يَعْقُوبُ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ رُؤْياهُ، فَقالَ: " لا ﴿تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ "، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَحْتالُوا لَكَ حِيلَةً ويَغْتالُوكَ. وقالَ غَيْرُهُ: اللّامُ صِلَةٌ، والمَعْنى: فَيَكِيدُوكَ. والعَدُوُّ المُبِينُ: الظّاهِرُ العَداوَةِ.

5

قَالَ يَٰبُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىٰٓ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا۟ لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لِلْإِنسَٰنِ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

He said, "O my son, do not relate your vision to your brothers or they will contrive against you a plan. Indeed Satan, to man, is a manifest enemy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لأبِيهِ﴾ في " إذْ " قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها صِلَةٌ لِلْفِعْلِ المُتَقَدِّمِ، والمَعْنى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ إذْ قالَ يُوسُفُ.

والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ قالَ يُوسُفُ، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أبَتِ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، بِفَتْحِ التّاءِ، ووَقَفا بِالهاءِ، وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ في الوَقْفِ بِالهاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ. فَمَن فَتَحَ التّاءَ، أرادَ: يا أبَتا فَحَذَفَ الألِفَ كَما تُحْذَفُ الياءُ، فَبَقِيَتِ الفُتْحَةُ دالَّةً عَلى الألِفِ، كَما أنَّ الكَسْرَةَ تَبْقى دالَّةً عَلى الياءِ. ومَن وقَفَ عَلى الهاءِ، فَلِأنَّ تاءَ التَّأْنِيثِ تُبْدَلُ مِنها الهاءُ في الوَقْفِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ أحَدَ عَشَرَ، وتِسْعَةَ عَشَرَ، بِسُكُونِ العَيْنِ فِيهِما.

وَفِي ما رَآهُ يُوسُفُ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: " رَأيْتُهم " عَلى جَمْعِ ما يَعْقِلُ، لِأنَّ السُّجُودَ فِعْلُ ما يَعْقِلُ، كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ:١٨] . قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ الكَواكِبُ في التَّأْوِيلِ إخْوَتَهُ، والشَّمْسُ أُمَّهُ، والقَمَرُ أباهُ، فَلَمّا قَصَّها عَلى يَعْقُوبَ أشْفَقَ مِن حَسَدِ إخْوَتِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: الشَّمْسُ أبُوهُ، والقَمَرُ خالَتُهُ، لِأنَّ أُمَّهُ كانَتْ قَدْ ماتَتْ.

والثّانِي: أنَّهُ رَأى: أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ ساجِدِينَ لَهُ، فَكَنّى عَنْ ذِكْرِهِمْ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ. فَأمّا تَكْرارُ قَوْلِهِ: " رَأيْتُهم " فَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما كَرَّرَهُ لَمّا طالَ الكَلامُ تَوْكِيدًا.

وَفِي سِنِّ يُوسُفَ لَمّا رَأى هَذا المَنامَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: سَبْعُ سِنِينَ. والثّانِي: اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً. والثّالِثُ: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.

قالَ المُفَسِّرُونَ: عَلِمَ يَعْقُوبُ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ رُؤْياهُ، فَقالَ: " لا ﴿تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ "، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَحْتالُوا لَكَ حِيلَةً ويَغْتالُوكَ. وقالَ غَيْرُهُ: اللّامُ صِلَةٌ، والمَعْنى: فَيَكِيدُوكَ. والعَدُوُّ المُبِينُ: الظّاهِرُ العَداوَةِ.

6

وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

And thus will your Lord choose you and teach you the interpretation of narratives and complete His favor upon you and upon the family of Jacob, as He completed it upon your fathers before, Abraham and Isaac. Indeed, your Lord is Knowing and Wise."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ: ومِثْلَ ما رَأيْتَ مِنَ الرِّفْعَةِ والحالِ الجَلِيلَةِ، يَخْتارُكَ رَبُّكَ ويَصْطَفِيكَ مِن بَيْنِ إخْوَتِكَ. وقَدْ شَرَحْنا في (الأنْعامِ:٨٧) مَعْنى الِاجْتِباءِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَصْطَفِيكَ بِالنُبُوَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، فَعَلى هَذا سُمِّيَ تَأْوِيلًا لِأنَّهُ بَيانُ ما يَؤُولُ أمْرُ المَنامِ إلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّهُ العِلْمُ والحِكْمَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: تَأْوِيلُ أحادِيثِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ والكُتُبِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. قالَ مُقاتِلٌ: و " مِن " هاهُنا صِلَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بِإعْلاءِ الكَلِمَةِ.

والثّالِثُ: بِأنْ أحْوَجَ إخْوَتَهُ إلَيْهِ حَتّى أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

وَفِي " آلِ يَعْقُوبَ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهم ولَدُهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: يَعْقُوبُ وامْرَأتُهُ وأوْلادُهُ الأحَدَ عَشَرَ، أتَمَّ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ بِالسُّجُودِ لِيُوسُفَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أهْلُهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، واحْتَجَّ بِأنَّكَ إذا صَغَّرْتَ الآلَ، قُلْتَ: أُهَيْلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: فَنِعْمَتُهُ عَلى إبْراهِيمَ أنْ نَجّاهُ مِنَ النّارِ، ونِعْمَتُهُ عَلى إسْحاقَ أنْ نَجّاهُ مِنَ الذَّبْحِ،

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ أيْ: عَلِيمٌ حَيْثُ يَضَعُ النُّبُوَّةَ ﴿حَكِيمٌ﴾ في تَدْبِيرِ خَلْقِهِ.

7

۞ لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٌۭ لِّلسَّآئِلِينَ

Certainly were there in Joseph and his brothers signs for those who ask,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ﴾ أيْ: في خَبَرِ يُوسُفَ وقِصَّةِ إخْوَتِهِ " آياتٌ " أيْ: عِبَرٌ لِمَن سَألَ عَنْهم، فَكُلُّ حالٍ مِن أحْوالِهِ آيَةٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " آيَةٌ " قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ اليَهُودُ قَدْ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ، فَأخْبَرَهم بِها كَما في التَّوْراةِ، فَعَجِبُوا مِن ذَلِكَ.

وَفِي وجْهِ هَذِهِ الآياتِ خَمْسَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: الدَّلالَةُ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ أخْبَرَ أخْبارَ قَوْمٍ لَمْ يُشاهِدْهم، ولا نَظَرَ في الكُتُبِ. والثّانِي ما أظْهَرَ اللَّهُ في قِصَّةِ يُوسُفَ مِن عَواقِبِ البَغْيِ عَلَيْهِ. والثّالِثُ: صِدْقُ رُؤْياهُ وصِحَّةُ تَأْوِيلِهِ. والرّابِعُ: ضَبْطُ نَفْسِهِ وقَهْرُ شَهْوَتِهِ حَتّى قامَ بِحَقِّ الأمانَةِ. والخامِسُ: حُدُوثُ السُّرُورِ بَعْدَ اليَأْسِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ السّائِلِينَ، ولِغَيْرِهِمْ فِيها آياتٌ أيْضًا ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لِلسّائِلِينَ وغَيْرِهِمْ، فاكْتَفى بِذِكْرِ السّائِلِينَ مِن غَيْرِهِمْ، كَما اكْتَفى بِذِكْرِ الحَرِّ مِنَ البَرْدِ في قَوْلِهِ: ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النَّحْلِ:٨١] .

والثّانِي: أنَّهُ إذا كانَ لِلسّائِلِينَ عَنْ خَبَرِ يُوسُفَ آيَةٌ، كانَ لِغَيْرِهِمْ آيَةٌ أيْضًا؛ وإنَّما خَصَّ السّائِلِينَ، لِأنَّ سُؤالَهم نَتَجَ الأُعْجُوبَةَ وكَشَفَ الخَبَرَ.

8

إِذْ قَالُوا۟ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ

When they said, "Joseph and his brother are more beloved to our father than we, while we are a clan. Indeed, our father is in clear error.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالُوا﴾ يَعْنِي إخْوَةَ يُوسُفَ. ﴿لَيُوسُفُ وأخُوهُ﴾ يَعْنُونَ ابْنَ يامِينَ. وإنَّما قِيلَ لَهُ: ابْنُ يامِينَ لِأنَّ أُمَّهُ ماتَتْ نُفَساءَ. ويامِينُ بِمَعْنى الوَجَعِ، وكانَ أخاهُ لِأُمِّهِ وأبِيهِ. والباقُونَ إخْوَتَهُ لِأبِيهِ دُونَ أُمِّهِ.

فَأمّا العُصْبَةُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هي في اللُّغَةِ الجَماعَةُ الَّذِينَ أمْرُهم واحِدٌ يُتابِعُ بَعْضُهم بَعْضًا في الفِعْلِ، ويَتَعَصَّبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في العُصْبَةِ سِتَّةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها ما كانَ أكْثَرَ مِن عَشْرَةٍ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها ما بَيْنَ العَشْرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّها سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والرّابِعُ: أنَّها مِن عَشْرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والخامِسُ: الجَماعَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. والسّادِسُ: عَشْرَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الفَرّاءُ: العُصْبَةُ عَشْرَةٌ فَما زادَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: لَفي خَطَإٍ مِن رَأْيِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: في شَقاءٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ؛ والمُرادُ بِهِ عَناءُ الدُّنْيا. والثّالِثُ: لَفي ضَلالٍ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ الَّذِي يَقْتَضِي تَعْدِيلَ المَحَبَّةِ بَيْنَنا، لِأنَّ نَفْعَنا لَهُ أعَمُّ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَوْ نَسَبُوهُ إلى الضَّلالِ في الدِّينِ كانُوا كُفّارًا، إنَّما أرادُوا: إنَّهُ قَدَّمَ ابْنَيْنِ صَغِيرَيْنِ عَلَيْنا في المَحَبَّةِ ونَحْنُ جَماعَةٌ نَفْعُنا أكْثَرُ.

9

ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًۭا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًۭا صَٰلِحِينَ

Kill Joseph or cast him out to [another] land; the countenance of your father will [then] be only for you, and you will be after that a righteous people."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: " مُبِينٌ اقْتُلُوا " بِضَمِّ التَّنْوِينِ، لِأنَّ تَحْرِيكَهُ يَلْزَمُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَحَرَّكُوهُ بِالضَّمِّ لِيُتْبِعُوا الضَّمَّةَ الضَّمَّةَ، كَما قالُوا: " مُدٌّ " " وظُلُماتٌ " . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، بِكَسْرِ التَّنْوِينِ، فَلَمْ يُتْبِعُوا الضَّمَّةَ كَما قالُوا: " مُدٌّ " " ظُلُماتٌ " . قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا قَوْلُهم بَيْنَهم " أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا " قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُ " أرْضًا " عَلى إسْقاطِ " في "، وأفْضى الفِعْلُ إلَيْها؛ والمَعْنى: أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَبْعُدُ بِها عَنْ أبِيهِ. وقالَ غَيْرُهُ: أرْضًا تَأْكُلُهُ فِيها السِّباعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ﴾ أيْ: يَفْرَغْ لَكم مِنَ الشُّغْلِ بِيُوسُفَ. " وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ " أيْ: مِن بَعْدِ يُوسُفَ. ﴿قَوْمًا صالِحِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: صالِحِينَ بِالتَّوْبَةِ مِن بَعْدِ قَتْلِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَصْلُحُ حالُكم عِنْدَ أبِيكم، قالَهُ مُقاتِلٌ. وفي قِصَّتِهِمْ نُكْتَةٌ عَجِيبَةٌ، وهو أنَّهم عَزَمُوا عَلى التَّوْبَةِ قَبْلَ الذَّنْبِ، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُ لا يَنْسى التَّوْبَةَ وإنْ كانَ مُرْتَكِبًا لِلْخَطايا.

10

قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا۟ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ

Said a speaker among them, "Do not kill Joseph but throw him into the bottom of the well; some travelers will pick him up - if you would do [something]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ يَهُوذا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ شَمْعُونُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: رُوبِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ. فَأمّا غَيابَةُ الجُبِّ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئًا فَهو غَيابَةُ، والجُبُّ: الرَّكْيَةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ. وقالَ الزَّجّاجُ: الغَيابَةُ: كُلُّ ما غابَ عَنْكَ، أوْ غَيَّبَ شَيْئًا عَنْكَ، قالَ المُنَخِّلُ:

؎ فَإنْ أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيابَتِي فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ

والجُبِّ: البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ؛ سُمِّيَتْ جُبًّا مِن أجْلٍ أنَّها قُطِعَتْ قَطْعًا، ولَمْ يَحْدُثْ فِيها غَيْرُ القَطْعِ مِن طَيٍّ وما أشْبَهَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " في غَيابَةِ الجُبِّ " أيْ: في ظُلُماتِهِ. وقالَ الحَسَنُ: في قَعْرِهِ. وقَرَأ نافِعٌ: " غَياباتِ الجُبِّ " فَجُعِلَ كُلٌّ مِنهُ غَيابَةً. ورَوى خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ: " غَيّاباتِ " بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: " غَيْبَةِ الجُبِّ " بِغَيْرِ ألِفٍ مَعَ إسْكانِ الياءِ. وأيْنَ كانَ هَذا الجُبُّ، فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: بِأرْضِ الأُرْدُنِ، قالَهُ وهْبٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو بِأرْضِ الأُرْدُنِ عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن مَنزِلِ يَعْقُوبَ. والثّانِي: بِبَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْخُذْهُ بَعْضُ مَن يَسِيرُ. ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيْ: إنْ أضْمَرْتُمْ لَهُ ما تُرِيدُونَ. وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَؤُوا " يَلْتَقِطْهُ " بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالتّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: وجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ، لِأنَّ بَعْضَ السَّيّارَةِ سَيّارَةٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: تَلْتَقِطُهُ سَيّارَةُ بَعْضِ السَّيّارَةِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ بِالتّاءِ فَقَدْ أنَّثَ فِعْلَ بَعْضٍ، وبَعْضٌ مُذَكَّرٌ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ حَمْلًا عَلى المَعْنى، إذِ التَّأْوِيلُ: تَلْتَقِطْهُ السَّيّارَةُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ رَأتْ مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ

أرادَ: رَأتِ السِّنِينَ، وقالَ الآخَرُ:

؎ طُولُ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي ∗∗∗ طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي

أرادَ: اللَّيالِي أسْرَعَتْ، وقالَ جَرِيرٌ:

؎ لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ

أرادَ: تَواضَعَتِ المَدِينَةُ، وقالَ الآخَرُ:

؎ وتَشْرَقُ بِالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتُهُ ∗∗∗ كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ

أرادَ: كَما شَرِقَتِ القَناةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا عَزَمَ القَوْمُ عَلى كَيْدِ يُوسُفَ، قالُوا لِأبِيهِ: ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا﴾ قَرَأ الجَماعَةُ " تَأْمَنّا " بِفَتْحِ المِيمِ وإدْغامِ النُّونِ الأوْلى في الثّانِيَةِ والإشارَةِ إلى إعْرابِ النُّونِ المُدْغَمَةِ بِالضَّمِّ؛ قالَ مَكِّيٌّ: لِأنَّ الأصْلَ " تَأْمَنُنا " ثُمَّ أُدْغِمَتِ النُّونُ الأُولى، وبَقِيَ الإشْمامُ يَدُلُّ عَلى ضَمَّةِ النُّونِ الأُولى. والإشْمامُ: هو ضَمُّ شَفَتَيْكَ مِن غَيْرِ صَوْتٍ يُسْمَعُ، فَهو بَعْدَ الإدْغامِ وقَبْلَ فَتْحِهِ النُّونَ الثّانِيَةَ. وابْنُ كَيْسانَ يُسَمِّي الإشْمامَ الإشارَةَ، ويُسَمِّي الرَّوْمَ إشْمامًا؛ والرَّوْمُ: صَوْتٌ ضَعِيفٌ يُسْمَعُ خَفِيًّا. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " تَأْمَنّا " بِفَتْحِ النُّونِ مِن غَيْرِ إشْمامٍ إلى إعْرابِ المُدْغَمِ. وقَرَأ …

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.