Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 21–30 of 111

21

وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

And the one from Egypt who bought him said to his wife, "Make his residence comfortable. Perhaps he will benefit us, or we will adopt him as a son." And thus, We established Joseph in the land that We might teach him the interpretation of events. And Allah is predominant over His affair, but most of the people do not know.

﴿وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ﴾ وهو العَزِيزُ الَّذِي كانَ عَلى خَزائِنِهِ، واسْمُهُ قِطْفِيرُ أوْ إطْفِيرُ، وبَيانُ كَوْنِهِ مِن مِصْرَ لِتَرْبِيَةِ ما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ مَعَ الإشْعارِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مَنِ اشْتَراهُ مِنَ المُلْتَقَطِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ الثَّمَنِ البَخْسِ، وكانَ المَلِكُ يَوْمَئِذٍ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ العِمْلِيقِيُّ وماتَ في حَياةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنْ آمَنَ بِهِ، فَمَلَكَ بَعْدَهُ قابُوسُ بْنُ مُصْعَبٍ، فَدَعاهُ إلى الإسْلامِ فَأبى، وقِيلَ: كانَ المَلِكُ في أيّامِهِ فِرْعَوْنَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ وقِيلَ: فِرْعَوْنُ مُوسى مِن أوْلادِ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ، والآيَةُ مِن قَبِيلِ خِطابِ الأوْلادِ بِأحْوالِ الآباءِ، واخْتُلِفَ في مِقْدارِ ما اشْتَراهُ بِهِ العَزِيزُ، فَقِيلَ: بِعِشْرِينَ دِينارًا، وزَوْجَيْ نَعْلٍ، وثَوْبَيْنِ أبْيَضَيْنِ، وقِيلَ: أدْخَلُوهُ في السُّوقِ يَعْرِضُونَهُ فَتَرافَعُوا في ثَمَنِهِ حَتّى بَلَغَ ثَمَنُهُ وزْنَهُ مِسْكًا ووَزْنَهُ ورِقًا ووَزْنَهُ حَرِيرًا، فاشْتَراهُ قِطْفِيرُ بِذَلِكَ المَبْلَغِ، وكانَ سِنُّهُ إذْ ذاكَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأقامَ في مَنزِلِهِ مَعَ ما مَرَّ عَلَيْهِ مِن مُدَّةِ لُبْثِهِ في السِّجْنِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، واسْتَوْزَرَهُ الرَّيّانُ وهو ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، وآتاهُ اللَّهُ العِلْمَ والحِكْمَةَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً.

﴿لامْرَأتِهِ﴾ راعِيلَ، أوْ زُلَيْخا، وقِيلَ: اسْمُها هو الأوَّلُ والثّانِي لَقَبُها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(قالَ) لا بِـ(اشْتَراهُ) ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ﴾ اجْعَلِي مَحَلَّ إقامَتِهِ كَرِيمًا مَرْضِيًّا، والمَعْنى أحْسِنِي تَعَهُّدَهُ ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ في ضِياعِنا وأمْوالِنا ونَسْتَظْهِرُ بِهِ في مَصالِحِنا ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ أيْ: نَتَبَنّاهُ، وكانَ ذَلِكَ لِما تَفَرَّسَ فِيهِ مِن مَخايِلِ الرُّشْدِ والنَّجابَةِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: أفَرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: عَزِيزُ مِصْرَ، وابْنَةُ شُعَيْبٍ الَّتِي قالَتْ: (يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ﴿وَكَذَلِكَ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ العَزِيزِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَفْخِيمِهِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّمْكِينِ البَدِيعِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ: جَعَلْنا لَهُ فِيها مَكانًا، يُقالُ: مَكَّنَهُ فِيهِ، أيْ: أثْبَتَهُ فِيهِ ومَكَّنَ لَهُ فِيهِ أيْ: جَعَلَ لَهُ فِيهِ مَكانًا، ولِتَقارُبِهِما وتَلازُمِهِما يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما في مَحَلِّ الآخَرِ، قالَ عَزَّ وجَلَّ:"وَكَمّ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مّن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْض ما لَمْ نُمَكِّنْ لَّكم " أيْ: ما لَمْ نُمَكِّنْكم فِيها، أوْ مَكَّنّا لَهم في الأرْضِ... إلَخْ، والمَعْنى: كَما جَعَلْنا لَهُ مَثْوًى كَرِيمًا في مَنزِلِ العَزِيزِ، أوْ مَكانًا عَلِيًّا في قَلْبِهِ - حَتّى أمَرَ امْرَأتَهُ دُونَ سائِرِ حَواشِيهِ بِإكْرامِ مَثْواهُ - جَعَلْنا لَهُ مَكانَةً رَفِيعَةً في أرْضِ مِصْرَ، ولَعَلَّهُ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِهِ وجِيهًا بَيْنَ أهْلِها ومُحَبَّبًا في قُلُوبِهِمْ كافَّةً، كَما في قَلْبِ العَزِيزِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُؤَدِّي إلى الغايَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ أيْ: نُوَفِّقُهُ لِتَعْبِيرِ بَعْضِ المَناماتِ الَّتِي عُمْدَتُها رُؤْيا المَلِكِ وصاحِبَيِ …

22

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًۭا وَعِلْمًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ

And when Joseph reached maturity, We gave him judgment and knowledge. And thus We reward the doers of good.

﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ: مُنْتَهى اشْتِدادِ جِسْمِهِ وقُوَّتِهِ، وهو سِنُّ الوُقُوفِ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: سِنُّ الشَّبابِ، ومَبْدَأُ بُلُوغِ الحُلُمِ، والأوَّلُ هو الأظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ حِكْمَةً وهو العِلْمُ المُؤَيَّدُ بِالعَمَلِ، أوْ حُكْمًا بَيْنَ النّاسِ وفِقْهًا أوْ نُبُوَّةً ﴿وَعِلْمًا﴾ أيْ: تَفَقُّهًا في الدِّينِ وتَنْكِيرُهُما لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: حُكْمًا وعِلْمًا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُما، ولا يُقادَرُ قَدْرُهُما، فَهُما ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ تَكامُلِ قُواهُ، سَواءٌ كانا عِبارَةً عَنِ النُّبُوَّةِ والحُكْمِ بَيْنَ النّاسِ أوْ غَيْرِهِما، كَيْفَ لا وقَدْ جُعِلَ إيتاؤُهُما جَزاءً لِعَمَلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ قالَ: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَجِيبِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: كُلَّ مَن يُحْسِنُ في عَمَلِهِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضاءِ أعْمالِهِ الحَسَنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُعاناةُ الأحْزانِ والشَّدائِدِ، وقَدْ فُسِّرَ العِلْمُ بِعِلْمِ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ، ولا صِحَّةَ لَهُ إلّا أنْ يُخَصَّ بِعِلْمِ تَأْوِيلِ رُؤْيا المَلِكِ، فَإنَّ ذَلِكَ حَيْثُ كانَ عِنْدَ تَناهِي أيّامِ البَلاءِ صَحَّ أنْ يُعَدَّ إيتاؤُهُ مِن جُمْلَةِ الجَزاءِ، وأمّا رُؤْيا صاحِبَيِ السِّجْنِ فَقَدْ لَبِثَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ تَعْبِيرِها في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وفي تَعْلِيقِ الجَزاءِ المَذْكُورِ بِالمُحْسِنِينَ إشْعارٌ بِعِلِّيَّةِ الإحْسانِ لَهُ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما آتاهُ ما آتاهُ لِكَوْنِهِ مُحْسِنًا في أعْمالِهِ مُتَّقِيًا في عُنْفُوانِ أمْرِهِ ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ﴾ .

23

وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ۖ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And she, in whose house he was, sought to seduce him. She closed the doors and said, "Come, you." He said, "[I seek] the refuge of Allah. Indeed, he is my master, who has made good my residence. Indeed, wrongdoers will not succeed."

﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ رُجُوعٌ إلى شَرْحِ ما جَرى عَلَيْهِ في مَنزِلِ العَزِيزِ بَعْدَما أمَرَ امْرَأتَهُ بِإكْرامِ مَثْواهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ إلى هُنا اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ أُنْمُوذَجًا لِلْقِصَّةِ؛ لِيَعْلَمَ السّامِعُ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّ ما لَقِيَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الفِتَنِ الَّتِي سَتُحْكى بِتَفاصِيلِها لَهُ غايَةٌ جَمِيلَةٌ وعاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ، وأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُحْسِنٌ في جَمِيعِ أعْمالِهِ، لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ في حالَتَيِ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ ما يُخِلُّ بِنَزاهَتِهِ.

وَلا يَخْفي أنَّ مَدارَ حُسْنِ التَّخْلِيصِ إلى هَذا الِاعْتِراضِ - قَبْلَ تَمامِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ - إنَّما هو التَّمْكِينُ البالِغُ المَفْهُومُ مِن كَلامِ العَزِيزِ، فَإدْراجُ الإنْجاءِ السّابِقِ تَحْتَ الإشارَةِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكَذَلِكَ مَكَّنّا" كَما فَعَلَهُ الجُمْهُورُ ناءٍ مِنَ التَّقْرِيبِ، فَتَأمَّلْ.

والمُراوَدَةُ المُطالَبَةُ مِن (رادَ يَرُودُ) إذا جاءَ وذَهَبَ لِطَلَبِ شَيْءٍ، ومِنهُ الرّائِدُ لِطَلَبِ الماءِ والكَلَأِ، وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ نَحْوُ مُطالَبَةِ الدّائِنِ، ومُماطَلَةِ المَدْيُونِ، ومُداواةِ الطَّبِيبِ، ونَظائِرِها مِمّا يَكُونُ مِن أحَدِ الجانِبَيْنِ الفِعْلُ ومِنَ الآخَرِ سَبَبُهُ، فَإنَّ هَذِهِ الأفْعالَ - وإنْ كانَتْ صادِرَةً عَنْ أحَدِ الجانِبَيْنِ - لَكِنْ لَمّا كانَتْ أسْبابُها صادِرَةً عَنِ الجانِبِ الآخَرِ جُعِلَتْ كَأنَّها صادِرَةٌ عَنْهُما، وهَذا بابٌ لَطِيفُ المَسْلَكِ، مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِبارٍ دَقِيقٍ، تَحْقِيقُهُ أنَّ سَبَبَ الشَّيْءِ يُقامُ مَقامَهُ، ويُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُهُ كَما في قَوْلِهِمْ: (كَما تَدِينُ تُدانُ) أيْ: كَما تَجْزِي تُجْزى، فَإنَّ فِعْلَ البادِئِ - وإنْ لَمْ يَكُنْ جَزاءً - لَكِنَّهُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْجَزاءِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُهُ، وكَذَلِكَ إرادَةُ القِيامِ إلى الصَّلاةِ وإرادَةُ قِراءَةِ القرآن، حَيْثُ كانَتا سَبَبًا لِلْقِيامِ والقِراءَةِ عُبِّرَ عَنْهُما بِهِما، فَقِيلَ: ﴿ (إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ)﴾ ﴿ (فَإذا قَرَأْتَ القرآن)﴾ وهَذِهِ قاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، ولَمّا كانَتْ أسْبابُ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ - فِيما نَحْنُ فِيهِ - صادِرَةً عَنِ الجانِبِ المُقابِلِ لِجانِبِ فاعِلِها، فَإنَّ مُطالَبَةَ الدّائِنِ لِلْمُماطَلَةِ الَّتِي هي مِن جانِبِ الغَرِيمِ، وهي مِنهُ لِلْمُطالَبَةِ الَّتِي هي مِن جانِبِ الدّائِنِ، وكَذا مُداواةُ الطَّبِيبِ لِلْمَرَضِ الَّذِي هو مِن جانِبِ المَرِيضِ، وكَذَلِكَ مُراوَدَتُها فِيما نَحْنُ فِيهِ لِجَمالِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نُزِّلَ صُدُورُها عَنْ مَحالِّها بِمَنزِلَةِ صُدُورِ مُسَبِّباتِهِما الَّتِي هي تِلْكَ الأفْعالُ، فَبُنِيَ الصِّيغَةُ عَلى ذَلِكَ ورُوعِيَ جانِبُ الحَقِيقَةِ، بِأنْ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الفاعِلِ، وأُوقِعَ عَلى صاحِبِ السَّبَبِ، فَتَأمَّلْ.

وَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِصِيغَةِ المُغالَبَةِ مُجَرَّدُ المُبالَغَةِ، وقِيلَ: الصِّيغَةُ عَلى بابِها، بِمَعْنى أنَّها طَلَبَتْ مِنهُ الفِعْلَ وهو مِنها التَّرْكُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنِ الرُّوَيْدِ، وهو الرِّفْقُ والتَّحَمُّلُ، وتَعْدِيَتُها بِعْنَ لِتَضْمِينِها مَعْنى المُخادَعَةِ، فالمَعْنى خادَعَتْهُ.

﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ: فَعَلَتْ ما يَفْعَلُ المُخادِعُ لِصاحِبِهِ عَنْ شَيْءٍ لا يُرِيدُ إخْراجَهُ مِن يَدِهِ، وهو يَحْتالُ أنْ يَأْخُذَهُ مِنهُ، وهي عِبارَةٌ عَنِ التَّمَحُّلِ في مُواقَعَتِهِ إيّاها، والعُدُولُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِاسْمِها لِلْمُحافَظَةِ عَلى السِّرِّ، أوْ لِلِاسْتِهْجانِ …

24

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَٰنَ رَبِّهِۦ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ۚ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ

And she certainly determined [to seduce] him, and he would have inclined to her had he not seen the proof of his Lord. And thus [it was] that We should avert from him evil and immorality. Indeed, he was of Our chosen servants.

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ بِمُخالَطَتِهِ، إذِ الهَمُّ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ، أيْ: قَصَدَتْها وعَزَمَتْ عَلَيْها عَزْمًا جازِمًا، لا يَلْوِيها عَنْهُ صارِفٌ بَعْدَما باشَرَتْ مَبادِئَها وفَعَلَتْ ما فَعَلَتْ مِنَ المُراوَدَةِ، وتَغْلِيقِ الأبْوابِ، ودَعْوَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى نَفْسِها بِقَوْلِها: "هَيْتَ لَكَ" ولَعَلَّها قَصَدَتْ هُنالِكَ لِأفْعالٍ أُخَرَ مِن بَسْطِ يَدِها إلَيْهِ وقَصْدِ المُعانَقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا يَضْطَرُّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى الهَرَبِ نَحْوَ البابِ، والتَّأْكِيدُ لِدَفْعِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ مِنِ احْتِمالِ إقْلاعِها عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ بِما في مَقالَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الزَّواجِرِ ﴿وَهَمَّ بِها﴾ بِمُخالَطَتِها، أيْ: مالَ إلَيْها بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ، وشَهْوَةِ الشَّبابِ وقَرْمِهِ مَيْلًا جِبِلِّيًا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، لا أنَّهُ قَصَدَها قَصْدًا اخْتِيارِيًّا، ألا يُرى إلى ما سَبَقَ مِنِ اسْتِعْصامِهِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ كَراهِيَتِهِ لَهُ ونُفْرَتِهِ عَنْهُ وحُكْمِهِ بِعَدَمِ إفْلاحِ الظّالِمِينَ، وهَلْ هو إلّا تَسْجِيلٌ بِاسْتِحالَةِ صُدُورِ الهَمِّ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَسْجِيلًا مُحْكَمًا، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالهَمِّ لِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِ في صُحْبَةِ هَمِّها في الذِّكْرِ بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ لا لِشَبَهِهِ بِهِ - كَما قِيلَ - ولَقَدْ أُشِيرَ إلى تَبايُنِهِما، حَيْثُ لَمْ يُلَزّا في قَرْنٍ واحِدٍ مِنَ التَّعْبِيرِ بِأنْ قِيلَ: ولَقَدْ هَمّا بِالمُخالَطَةِ، أوْ هَمَّ كُلٌّ مِنهُما بِالآخَرِ، وصُدِّرَ الأوَّلُ بِما يُقَرِّرُ وُجُودَهُ مِنَ التَّوْكِيدِ القِسْمِيِّ، وعُقِّبَ الثّانِي بِما يَعْفُو أثَرَهُ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ أيْ: حُجَّتَهُ الباهِرَةَ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ قُبْحِ الزِّنى وسُوءِ سَبِيلِهِ، والمُرادُ بِرُؤْيَتِهِ لَها كَمالُ إيقانِهِ بِها، ومُشاهَدَتُهُ لَها مُشاهَدَةً واصِلَةً إلى مَرْتَبَةِ عَيْنِ اليَقِينِ، الَّذِي تَنْجَلِي هُناكَ حَقائِقُ الأشْياءِ بِصُوَرِها الحَقِيقِيَّةِ، وتَنْخَلِعُ عَنْ صُوَرِها المُسْتَعارَةِ الَّتِي بِها تَظْهَرُ في هَذِهِ النَّشْأةِ عَلى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ ﷺ: ﴿حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ﴾ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ شاهَدَ الزِّنى بِمُوجِبِ ذَلِكَ البُرْهانِ النَّيِّرِ عَلى ما هو عَلَيْهِ في حَدِّ ذاتِهِ أقْبَحَ ما يَكُونُ، وأوْجَبَ ما يَجِبُ أنْ يُحْذَرَ مِنهُ، ولِذَلِكَ فَعَلَ ما فَعَلَ مِنَ الِاسْتِعْصامِ والحُكْمِ بِعَدَمِ إفْلاحِ مَن يَرْتَكِبُهُ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: لَوْلا مُشاهَدَتُهُ بُرْهانَ رَبِّهِ في شَأْنِ الزِّنى لَجَرى عَلى مُوجَبِ مَيْلِهِ الجِبِلِّيِّ، ولَكِنَّهُ حَيْثُ كانَ مُشاهَدًا لَهُ مِن قَبْلُ اسْتَمَرَّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن قَضِيَّةِ البُرْهانِ، وفائِدَةُ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ بَيانُ أنَّ امْتِناعَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ مُساعَدَةٍ مِن جِهَةِ الطَّبِيعَةِ، بَلْ لِمَحْضِ العِفَّةِ والنَّزاهَةِ مَعَ وُفُورِ الدَّواعِي الدّاخِلِيَّةِ، وتَرَتُّبِ المُقَدَّماتِ الخارِجِيَّةِ المُوجِبَةِ لِظُهُورِ الأحْكامِ الطَّبِيعِيَّةِ.

هَذا، وقَدْ نَصَّ أئِمَّةُ الصِّناعَةِ عَلى أنَّ لَوْلا في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ جارٍ - مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ الصِّيغَةُ - مَجْرى التَّقْيِيدِ لِلْحُكْمِ المُطْلَقِ، كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ فَلا يَتَحَقَّقُ …

25

وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍۢ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And they both raced to the door, and she tore his shirt from the back, and they found her husband at the door. She said, "What is the recompense of one who intended evil for your wife but that he be imprisoned or a painful punishment?"

﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ وقَوْلُهُ: "كَذَلِكَ" إلى آخِرِهِ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ؛ تَقْرِيرًا لِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمَعْنى: لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وأبى هو واسْتَبَقا البابَ، أيْ: تَسابَقا إلى البابِ البَرّانِيِّ الَّذِي هو المَخْلَصُ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ بَعْدَ الجَمْعِ فِيما سَلَفَ، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ وأُوصِلَ الفِعْلُ إلى المَجْرُورِ نَحْوُ ﴿ (وَإذا كالُوهُمْ)﴾ أوْ ضُمِّنَ الِاسْتِباقُ مَعْنى الِابْتِدارِ، وإسْنادُ السَّبْقِ في ضِمْنِ الِاسْتِباقِ إلَيْها - مَعَ أنَّ مُرادَها مُجَرَّدُ مَنعِ يُوسُفَ وذا لا يُوجِبُ الِانْتِهاءَ إلى البابِ - لِأنَّها لَمّا رَأتْهُ يُسْرِعُ إلى البابِ لِيَتَخَلَّصَ مِنها أسْرَعَتْ هي أيْضًا لِتَسْبِقَهُ إلَيْهِ وتَمْنَعَهُ عَنِ الفَتْحِ والخُرُوجِ، أوْ عُبِّرَ عَنْ إسْراعِها إثْرَهُ بِذَلِكَ مُبالَغَةً.

﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ اجْتَذَبَتْهُ مِن ورائِهِ فانْشَقَّ طُولًا وهو القَدُّ، كَما أنَّ الشَّقَّ عَرْضًا هو القَطُّ، وقَدْ قِيلَ في وصْفِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ إذا اعْتَلى قَدَّ وإذا اعْتَرَضَ قَطَّ، وإسْنادُ القَدِّ إلَيْها خاصَّةً مَعَ أنَّ لِقُوَّةِ يُوسُفَ أيْضًا دَخْلًا فِيهِ إمّا لِأنَّها الجُزْءُ الأخِيرُ لِلْعِلَّةِ التّامَّةِ، وإمّا لِلْإيذانِ بِمُبالَغَتِها في مَنعِهِ عَنِ الخُرُوجِ، وبَذْلِ مَجْهُودِها في ذَلِكَ لِفَوْتِ المَحْبُوبِ، أوْ لِخَوْفِ الِافْتِضاحِ.

﴿وَألْفَيا سَيِّدَها﴾ أيْ: صادَفا زَوْجَها، وإذْ لَمْ يَكُنْ مِلْكُهُ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَحِيحًا لَمْ يَقِلْ: (سَيِّدَهُما) قِيلَ: ألْفَياهُ مُقْبِلًا، وقِيلَ: كانَ جالِسًا مَعَ ابْنِ عَمٍّ لِلْمَرْأةِ ﴿لَدى البابِ﴾ أيِ: البَرّانِيِّ كَما مَرَّ.

رَوى كَعْبٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ لَمّا هَرَبَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَعَلَ فَراشُ القُفْلِ يَتَناثَرُ ويَسْقُطُ حَتّى خَرَجَ مِنَ الأبْوابِ.

﴿قالَتْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: فَماذا كانَ حِينَ ألْفَيا العَزِيزَ عِنْدَ البابِ؟ فَقِيلَ: قالَتْ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ مِنَ الزِّنى ونَحْوِهِ ﴿إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ "ما" نافِيَةٌ، أيْ: لَيْسَ جَزاؤُهُ إلّا السَّجْنُ، أوِ العَذابُ الألِيمُ، قِيلَ المُرادُ بِهِ الضَّرْبُ بِالسِّياطِ، أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ أيْ: أيُّ شَيْءٍ جَزاؤُهُ غَيْرُ ذاكَ أوْ ذَلِكَ.

وَلَقَدْ أتَتْ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي تُدْهَشُ فِيها الفِطَنُ - حَيْثُ شاهَدَها العَزِيزُ عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ المُرِيبَةِ - بِحِيلَةٍ جَمَعَتْ فِيها غَرَضَيْها، وهُما تَبْرِئَةُ ساحَتِها مِمّا يَلُوحُ مِن ظاهِرِ الحالِ، واسْتِنْزالُ يُوسُفَ عَنْ رَأْيِهِ في اسْتِعْصائِهِ عَلَيْها وعَدَمِ مُواتاتِهِ عَلى مُرادِها بِإلْقاءِ الرُّعْبِ في قَلْبِهِ مِن مَكْرِها طَمَعًا في مُواقَعَتِهِ لَها كَرْهًا عِنْدَ يَأْسِها عَنْ ذَلِكَ اخْتِيارًا، كَما قالَتْ: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ ثُمَّ إنَّها جَعَلَتْ صُدُورَ الإرادَةِ المَذْكُورَةِ عَنْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمْرًا مُحَقَّقًا مَفْرُوغًا عَنْهُ غَنِيًّا عَنِ الإخْبارِ بِوُقُوعِهِ، وأنَّ ما هي عَلَيْهِ مِنَ الأفاعِيلِ لِأجْلِ تَحْقِيقِ جَزائِها، فَهي تُرِيدُ إيقاعَهُ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ قانُونُ الإيالَةِ، وفي إبْهامِ المُرِيدِ تَهْوِيلٌ لِشَأْنِ الجَزاءِ المَذْكُورِ بِكَوْنِهِ …

26

قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌۭ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍۢ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ

[Joseph] said, "It was she who sought to seduce me." And a witness from her family testified. "If his shirt is torn from the front, then she has told the truth, and he is of the liars.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وجَوابٌ عَمّا يُقالُ: فَماذا قالَ يُوسُفُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ أيْ: طالَبَتْنِي لِلْمُواتاةِ لا أنِّي أرَدْتُ بِها سُوءًا، كَما قالَتْ، وإنَّما قالَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ عَمّا أُسْنِدَ إلَيْهِ مِنَ الخِيانَةِ، وعَدَمِ مَعْرِفَةِ حَقِّ السَّيِّدِ، ودَفْعِ ما عَرَضَتْهُ لَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ الأمْرَيْنِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ دُونَ الخِطابِ أوِ اسْمِ الإشارَةِ مُراعاةٌ لِحُسْنِ الأدَبِ مَعَ الإيماءِ إلى الإعْراضِ عَنْها.

﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ قِيلَ: هو ابْنُ عَمِّها، وقِيلَ: هو الَّذِي كانَ جالِسًا مَعَ زَوْجِها لَدى البابِ، وقِيلَ: كانَ حَكِيمًا يَرْجِعُ إلَيْهِ المَلِكُ ويَسْتَشِيرُهُ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ أهْلِها قَدْ بَصُرَ بِها مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُ، فَأغْضَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالشَّهادَةِ لَهُ والقِيامِ بِالحَقِّ، وإنَّما ألْقى اللَّهُ سُبْحانَهُ الشَّهادَةَ إلى مَن هو مِن أهْلِها؛ لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى نَزاهَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْفي لِلتُّهْمَةِ.

وَقِيلَ: كانَ الشّاهِدُ ابْنَ خالٍ لَها صَبِيًّا في المَهْدِ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِبَراءَتِهِ وهو الأظْهَرُ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ﴿تَكَلَّمَ أرْبَعَةٌ وهم صِغارٌ: ابْنُ ماشِطَةِ بِنْتِ فِرْعَوْنَ، وشاهِدُ يُوسُفَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ﴾ رَواهُ الحاكِمُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وذِكْرُ كَوْنِهِ مِن أهْلِها لِبَيانِ الواقِعِ إذْ لا يَخْتَلِفُ الحالُ في هَذِهِ الصُّورَةِ بَيْنَ كَوْنِ الشّاهِدِ مِن أهْلِها أوْ مِن غَيْرِهِمْ.

﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ أيْ: إنْ عُلِمَ أنَّهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ مِن قَبْلُ، ونَظِيرُهُ: إنْ أحْسَنْتَ إلَيَّ فَقَدْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ فِيما قَبْلُ، فَإنَّ مَعْناهُ: إنْ تَعْتَدَّ بِإحْسانِكَ إلَيَّ فاعْتَدَّ بِإحْسانِي السّابِقِ إلَيْكَ ﴿فَصَدَقَتْ﴾ بِتَقْدِيرِ قَدْ؛ لِأنَّها تُقَرِّبُ الماضِيَ إلى الحالِ، أيْ: فَقَدْ صَدَقَتْ، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَبَتْ﴾ وهي - وإنْ لَمْ تُصَرِّحْ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِها سُوءًا - إلّا أنَّ كَلامَها حَيْثُ كانَ واضِحَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ أُسْنِدَ إلَيْها الصِّدْقُ والكَذِبُ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، فَإنَّهم كَما يَعْرِضانِ لِلْكَلامِ بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ يَعْرِضانِ لَهُ بِاعْتِبارِ ما يَسْتَلْزِمُهُ، وبِذَلِكَ الِاعْتِبارِ يَعْتَرِضانِ لِلْإنْشاءاتِ.

﴿وَهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ وهَذِهِ الشَّرْطِيَّةُ - حَيْثُ لا مُلازَمَةَ عَقْلِيَّةً ولا عادِيَّةً بَيْنَ مُقَدِّمِها وتالِيها - لَيْسَتْ مِنَ الشَّهادَةِ في شَيْءٍ، وإنَّما ذُكِرَتْ تَوْسِيعًا لِلدّائِرَةِ وإرْخاءً لِلْعِنانِ إلى جانِبِ المَرْأةِ بِإجْراءِ ما عَسى يَحْتَمِلُهُ الحالُ في الجُمْلَةِ بِأنْ يَقَعَ القَدُّ مِن قُبُلٍ بِمُدافَعَتِها لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِها عِنْدَ إرادَتِهِ المُخالَطَةَ والتَّكَشُّفَ مَجْرى الظّاهِرِ الغالِبِ الوُقُوعِ؛ تَقْرِيبًا لِما هو المَقْصُودُ بِإقامَةِ الشَّهادَةِ، أعْنِي: مَضْمُونَ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:

27

وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

But if his shirt is torn from the back, then she has lied, and he is of the truthful."

﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِن الصّادِقِينَ﴾ إلى التَّسْلِيمِ والقَبُولِ عِنْدَ السّامِعِ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ إلى الوُقُوعِ، وأدَلَّ عَلى المَطْلُوبِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ طَرَفَيْها أيْضًا مُلازَمَةٌ، وحِكايَةُ الشَّرْطِيَّةِ بَعْدَ فِعْلِ الشَّهادَةِ لِكَوْنِها مِن قَبِيلِ الأقْوالِ، أوْ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: شَهِدَ قائِلًا... إلَخْ، وتَسْمِيَتُها شَهادَةً - مَعَ أنَّهُ لا حُكْمَ فِيها بِالفِعْلِ بِالصِّدْقِ والكَذِبِ - لِتَأْدِيَتِها مُؤَدّاها، بَلْ لِأنَّها شَهادَةٌ عَلى الحَقِيقَةِ وحُكْمٌ بِصِدْقِهِ وكَذِبِها، أمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الشّاهِدِ هو الصَّبِيَّ فَظاهِرٌ؛ إذْ هو إخْبارٌ بِهِما مِن قِبَلِ عَلّامِ الغُيُوبِ، والتَّصْوِيرُ بِصُورَةِ الشَّرْطِيَّةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ ظاهِرٌ مِنَ العَلائِمِ أيْضًا، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ غَيْرَهُ فَلِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ صُورَةَ الحالِ مَعْلُومَةٌ لَهُ عَلى ما هي عَلَيْهِ، إمّا مُشاهَدَةً أوْ إخْبارًا، فَهو مُتَيَقَّنٌ بِعَدَمِ مَقْدَمِ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى، وبِوُجُودِ مَقْدَمِ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ، ومِن ضَرُورَتِهِ الجَزْمُ بِانْتِفاءِ تالِي الأُولى وبِوُقُوعِ تالِي الثّانِيَةِ، فَإذَنْ هو إخْبارٌ بِكَذِبِها وصِدْقِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَكِنَّهُ ساقَ شَهادَتَهُ مَساقًا مَأْمُونًا مِنَ الجَرْحِ والطَّعْنِ، حَيْثُ صَوَّرَها بِصُورَةِ الشَّرْطِيَّةِ المُتَرَدِّدَةِ ظاهِرًا بَيْنَ نَفْعِها ونَفْعِهِ، وأمّا حَقِيقَةً فَلا تَرَدُّدَ فِيها قَطْعًا؛ لِأنَّ الشَّرْطِيَّةَ الأُولى تَعْلِيقٌ لِصِدْقِها بِما يَسْتَحِيلُ وجُودُهُ مِن قَدِّ القَمِيصِ مِن قُبُلٍ، فَيَكُونُ مُحالًا لا مَحالَةَ، ومِن ضَرُورَتِهِ تُقَرِّرُ كَذِبِها، والثّانِيَةُ تَعْلِيقٌ لِصِدْقِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأمْرٍ مُحَقَّقِ الوُجُودِ، وهو القَدُّ مِن دُبُرٍ، فَيَكُونُ مُحَقَّقًا البَتَّةَ.

وَهَذا كَما قِيلَ فِيمَن قالَ لِامْرَأةٍ: زَوِّجِينِي نَفْسَكِ، فَقالَتْ: لِي زَوْجٌ، فَكَذَّبَها في ذَلِكَ، فَقالَتْ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِي زَوْجٌ فَقَدْ زَوَّجْتُكَ نَفْسِي، فَقَبِلَ الرَّجُلُ، فَإذا لا زَوْجَ لَها فَهو نِكاحٌ؛ إذْ تَعْلِيقُ الشَّيْءِ بِأمْرٍ مُقَرَّرٍ تَنْجِيرٌ لَهُ.

وَقُرِئَ (مِن قُبُلُ ومِن دُبُرُ) بِالضَّمِّ؛ لِأنَّهُما قُطِعا عَنِ الإضافَةِ كَقَبْلُ وبَعْدُ، وبِالفَتْحِ كَأنَّهُما جُعِلا عَلَمَيْنِ لِلْجِهَتَيْنِ فَمُنِعا الصَّرْفَ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ، وقُرِئَ بِسُكُونِ العَيْنِ.

28

فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌۭ

So when her husband saw his shirt torn from the back, he said, "Indeed, it is of the women's plan. Indeed, your plan is great.

﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَأى ذَلِكَ بَعْدُ، أوْ لَمْ يَتَدَبَّرْهُ فَلَمّا تَنَبَّهَ لَهُ وعَلِمَ حَقِيقَةَ الحالِ ﴿قالَ إنَّهُ﴾ أيِ: الأمْرُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ التَّشاجُرُ، وهو عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ السُّوءِ الَّتِي أُسْنِدَتْ إلى يُوسُفَ، وتَدْبِيرِ عُقُوبَتِهِ بِقَوْلِها: ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلى آخِرِهِ، لَكِنْ لا مِن حَيْثُ صُدُورُ تِلْكَ الإرادَةِ والإسْنادُ عَنْها، بَلْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ لِئَلّا يَخْلُوَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ - أيْ: مِن جِنْسِ حِيلَتِكُنَّ ومَكْرِكُنَّ أيَّتُها النِّساءُ لا مِن غَيْرِكُنَّ - عَنِ الإفادَةِ وتَدْبِيرِ العُقُوبَةِ، وإنْ لَمْ يُمْكِنْ تَجْرِيدُهُ عَنِ الإضافَةِ إلَيْها، إلّا أنَّها لَمّا صَوَّرَتْهُ بِصُورَةِ الحَقِّ أفادَ الحُكْمَ بِكَوْنِهِ مِن كَيْدِهِنَّ إفادَةً ظاهِرَةً، فَتَأمَّلْ، وتَعْمِيمُ الخِطابِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ خُلُقٌ لَهُنَّ عَرِيقٌ:

؎ ولا تَحْسَبا هِنْدًا لَها الغَدْرُ وحْدَها سَجِيَّةُ نَفْسِ كُلِّ غانِيَةٍ هِنْدُ

وَرَجْعُ الضَّمِيرِ إلى قَوْلِها: ﴿ (ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا)﴾ فَقَطْ عُدُولٌ عَنِ البَحْثِ عَنْ أصْلِ ما وقَعَ فِيهِ النِّزاعُ مِن أنَّ إرادَةَ السُّوءِ مِمَّنْ هي إلى البَحْثِ عَنْ شُعْبَةٍ مِن شُعَبِهِ، وجُعِلَ لِلسُّوءِ أوْ لِلْأمْرِ المُعَبَّرِ بِهِ عَنْ طَمَعِها في يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَأْباهُ الخَبَرُ، فَإنَّ الكَيْدَ يَسْتَدْعِي أنْ يُعْتَبَرَ مَعَ ذَلِكَ هَنّاتٌ أُخَرُ مِن قِبَلِها، كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ فَإنَّهُ أطْلَفُ وأعْلَقُ بِالقَلْبِ وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ، وعَنْ بَعْضِ العُلَماءِ: إنِّي أخافُ مِنَ النِّساءِ ما لا أخافُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ وقالَ لِلنِّساءِ: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ولِأنَّ الشَّيْطانَ يُوَسْوِسُ مُسارَقَةً وهُنَّ يُواجِهْنَ بِهِ الرِّجالَ.

29

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ

Joseph, ignore this. And, [my wife], ask forgiveness for your sin. Indeed, you were of the sinful."

﴿يُوسُفُ﴾ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ؛ لِقُرْبِهِ وكَمالِ تَفَطُّنِهِ لِلْحَدِيثِ، وفِيهِ تَقْرِيبٌ لَهُ وتَلْطِيفٌ لِمَحَلِّهِ ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ أيْ: عَنْ هَذا الأمْرِ، وعَنِ التَّحَدُّثِ بِهِ، واكْتُمْهُ فَقَدْ ظَهَرَ صِدْقُكَ ونَزاهَتُكَ ﴿واسْتَغْفِرِي﴾ أنْتِ يا هَذِهِ ﴿لِذَنْبِكِ﴾ الَّذِي صَدَرَ عَنْكِ، وثَبَتَ عَلَيْكِ ﴿إنَّكِ كُنْتِ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿مِنَ الخاطِئِينَ﴾ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ المُعْتَمِدِينَ لِلذَّنْبِ، أوْ مِن جِنْسِهِمْ، يُقالُ: خَطِئَ إذا أذْنَبَ عَمْدًا، وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ، والتَّذْكِيرُ لِتَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، وكانَ العَزِيزُ رَجُلًا حَلِيمًا، فاكْتَفي بِهَذا القَدْرِ مِن مُؤاخَذَتِها، وقِيلَ: كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ.

30

۞ وَقَالَ نِسْوَةٌۭ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

And women in the city said, "The wife of al-'Azeez is seeking to seduce her slave boy; he has impassioned her with love. Indeed, we see her [to be] in clear error."

﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ أيْ: جَماعَةٌ مِنَ النِّساءِ، وكُنَّ خَمْسًا: امْرَأةُ السّاقِي، وامْرَأةُ الخَبّازِ، وامْرَأةُ صاحِبِ الدَّوابِّ، وامْرَأةُ صاحِبِ السِّجْنِ، وامْرَأةُ الحاجِبِ، والنِّسْوَةُ" اسْمٌ مُفْرَدٌ لِجَمْعِ المَرْأةِ، وتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ كَتَأْنِيثِ اللُّمَةِ وهي اسْمٌ لِجَماعَةِ النِّساءِ، والثُّبَةِ وهي اسْمٌ لِجَماعَةِ الرِّجالِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَلْحَقْ فِعْلَهُ تاءُ التَّأْنِيثِ ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ ظَرْفٌ لِـ(قالَ) أيْ: أشَعْنَ الأمْرَ في مِصْرَ، أوْ صِفَةُ النِّسْوَةِ ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ﴾ أيِ: المَلِكِ يُرِدْنَ قِطْفِيرَ، وإضافَتُهُنَّ لَها إلَيْهِ بِذَلِكَ العُنْوانِ دُونَ أنْ يُصَرِّحْنَ بِاسْمِها أوِ اسْمِهِ لَيْسَتْ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في إشاعَةِ الخَبَرِ بِحُكْمِ أنَّ النُّفُوسَ إلى سَماعِ أخْبارِ ذَوِي الأخْطارِ أمِيلُ - كَما قِيلَ - إذْ لَيْسَ مُرادُهُنَّ تَفْضِيحَ العَزِيزِ، بَلْ هي لِقَصْدِ الإشْباعِ في لَوْمِها بِقَوْلِهِنَّ: ﴿تُراوِدُ فَتاها﴾ أيْ: تُطالِبُهُ بِمُواقَعَتِهِ لَها، وتَتَمَحَّلُ في ذَلِكَ وتُخادِعُهُ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ وقِيلَ: تَطْلُبُ مِنهُ الفاحِشَةَ، وإيثارُهُنَّ لِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ المُراوَدَةِ، والفَتى مِنَ النّاسِ الشّابُّ، وأصْلُهُ فِتْيٌ لِقَوْلِهِمْ فِتْيانٌ، والفُتُوَّةُ شاذَّةٌ وجَمْعُهُ فَتِيَةٌ وفِتْيانٌ، ويُسْتَعارُ لِلْمَمْلُوكِ وهو المُرادُ هَهُنا، وفي الحَدِيثِ: ««لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: عَبْدِي وأمَتِي، ولْيَقُلْ: فَتايَ وفَتاتِي»» وتَعْبِيرُهُنَّ عَنْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذَلِكَ مُضافًا إلَيْها لا إلى العَزِيزِ الَّذِي لا تَسْتَلْزِمُ الإضافَةُ إلَيْهِ الهَوانَ، بَلْ رُبَّما يُشْعِرُ بِنَوْعِ عِزَّةٍ لِإبانَةِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ النّاشِئِ عَنِ المالِكِيَّةِ والمَمْلُوكِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ لِتَرْبِيَةِ ما مَرَّ مِنَ المُبالَغَةِ والإشْباعِ في اللَّوْمِ، فَإنَّ مَن لا زَوْجَ لَها مِنَ النِّساءِ أوْ لَها زَوْجٌ دَنِيءٌ قَدْ تُعْذَرُ في مُراوَدَةِ الأخْدانِ، لا سِيَّما إذا كانَ فِيهِمْ عُلُوُّ الجَنابِ، وأمّا الَّتِي لَها زَوْجٌ - وأيُّ زَوْجٍ - عَزِيزُ مِصْرَ فَمُراوَدَتُها لِغَيْرِهِ - لا سِيَّما لِعَبْدِها الَّذِي لا كَفاءَةَ بَيْنَها وبَيْنَهُ أصْلًا - وتَمادِيها في ذَلِكَ غايَةُ الغَيِّ ونِهايَةُ الضَّلالِ.

﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أيْ: شَقَّ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها، وهو حِجابُهُ، أوْ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ يُقالُ لَها: لِسانُ القَلْبِ، حَتّى وصَلَ إلى فُؤادِها، وقُرِئَ (شَعَفَها) بِالعَيْنِ مِن شَعَفَ البَعِيرَ إذا هَنَأهُ فَأحْرَقَهُ بِالقَطِرانِ.

وَعَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: الشَّغَفُ الحُبُّ القاتِلُ، والشَّعَفُ حُبٌّ دُونَ ذَلِكَ، وكانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ: الشَّغَفُ حُبٌّ، والشَّعَفُ جُنُونٌ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِ (تُراوِدُ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ، وأيًّا ما كانَ فَهو تَكْرِيرٌ لِلَّوْمِ، وتَأْكِيدٌ لِلْعَذْلِ بِبَيانِ اخْتِلالِ أحْوالِها القَلْبِيَّةِ كَأحْوالِها القالَبِيَّةِ، وجَعْلُها تَعْلِيلًا لِدَوامِ المُراوَدَةِ مِن حَيْثُ الإنْيَةُ مَصِيرٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى الأجْلى بِالأخْفى، ومِن حَيْثُ اللُّمْيَةُ مَيْلٌ إلى تَمْهِيدِ العُذْرِ مِن قِبَلِها، ولَسْنَ بِذَلِكَ المَقامِ، وانْتِصابُ (حُبًّا) عَلى التَّمْيِيزِ لِنَقْلِهِ عَنِ الفاعِلِيَّةِ، إذِ الأصْلُ قَدْ شَغَفَها حُبُّهُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.

﴿إنّا لَنَراها﴾ أيْ: نَعْلَمُها عِلْمًا مُتاخِمًا لِلْمُشاهَدَةِ والعِيانِ - فِيما صَنَعَتْ مِنَ المُراوَدَةِ والمَحَبَّةِ المُفْرِطَةِ – مُسْتَقِرَّةً …

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.