Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 71–80 of 111

71

قَالُوا۟ وَأَقْبَلُوا۟ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ

They said while approaching them, "What is it you are missing?"

﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهْوَ جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ في الآياتِ قَبْلَ هَذِهِ. وإسْنادُ (جَعَلَ السِّقايَةَ) إلى ضَمِيرِ يُوسُفَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وإنَّما هو آمِرٌ بِالجَعْلِ والَّذِينَ جَعَلُوا السِّقايَةَ هُمُ العَبِيدُ المُوَكَّلُونَ بِالكَيْلِ.

والسِّقايَةُ: إناءٌ كَبِيرٌ يُسْقى بِهِ الماءُ والخَمْرُ. والصُّواعُ: لُغَةٌ في الصّاعِ، وهو وِعاءٌ لِلْكَيْلِ يُقَدَّرُ بِوَزْنِ رِطْلٍ ورُبُعٍ أوْ وثُلُثٍ. وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ

صفحة ٢٨

بِالمِقْدارِ، يُقَدِّرُ كُلُّ شارِبٍ لِنَفْسِهِ ما اعْتادَ أنَّهُ لا يَصْرَعُهُ، ويَجْعَلُونَ آنِيَةَ الخَمْرِ مُقَدَّرَةً بِمَقادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيَقُولُ الشّارِبُ لِلسّاقِي: رِطْلًا أوْ صاعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَتَسْمِيَةُ هَذا الإناءِ سِقايَةً وتَسْمِيَتُهُ صُواعًا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ. وفي التَّوْراةِ سُمِّيَ طاسًا، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن فِضَّةٍ.

وتَعْرِيفُ السِّقايَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ سِقايَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا يَخْلُو عَنْ مِثْلِها مَجْلِسُ العَظِيمِ.

وإضافَةُ الصُّواعِ إلى المَلِكِ لِتَشْرِيفِهِ، وتَهْوِيلِ سَرِقَتِهِ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ شُئُونَ الدَّوْلَةِ كُلَّها لِلْمَلِكِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ المَلِكُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ.

والتَّأْذِينُ: النِّداءُ المُكَرَّرُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والعِيرُ: اسْمٌ لِلْحَمُولَةِ مِن إبِلٍ وحَمِيرٍ وما عَلَيْها مِن أحْمالٍ وما مَعَها مِن رُكّابِها، فَهو اسْمٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُسْنِدَتِ السَّرِقَةُ إلى جَمِيعِهِمْ جَرْيًا عَلى المُعْتادِ مِن مُؤاخَذَةِ الجَماعَةِ بِجُرْمِ الواحِدِ مِنهم.

وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ وهو أيَّتُها لِتَأْوِيلِ العِيرِ بِمَعْنى الجَماعَةِ؛ لِأنَّ الرُّكّابَ هُمُ الأهَمُّ.

وجُمْلَةُ (قالُوا) جَوابٌ لِنِداءِ المُنادِي إيّاهم ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، فَفُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِأنَّها في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَكَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وضَمِيرُ (قالُوا) عائِدٌ إلى العِيرِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (قالُوا)، ومَرْجِعُ ضَمِيرِ (أقْبَلُوا) عائِدٌ إلى فِتْيانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) راجِعٌ

صفحة ٢٩

إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (قالُوا)، أيْ وقَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فِتْيانُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وجَعَلُوا جُعْلًا لِمَن يَأْتِي بِالصُّواعِ. والَّذِي قالَ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ واحِدٌ مِنَ المُقْبِلِينَ وهو كَبِيرُهم. والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ.

وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَعَلَها الفُقَهاءُ أصْلًا لِمَشْرُوعِيَّةِ الجُعْلِ والكَفالَةِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذا شَرْعٍ حَتّى يَسْتَأْنِسَ لِلْأخْذِ بِـ (أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا) إذا حَكاهُ كَلامُ اللَّهِ أوْ رَسُولِهِ. ولَوْ قُدِّرَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا فَلا يَثْبُتُ أنَّهُ رَسُولٌ بِشَرْعٍ، …

72

قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍۢ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌۭ

They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."

﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهْوَ جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ في الآياتِ قَبْلَ هَذِهِ. وإسْنادُ (جَعَلَ السِّقايَةَ) إلى ضَمِيرِ يُوسُفَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وإنَّما هو آمِرٌ بِالجَعْلِ والَّذِينَ جَعَلُوا السِّقايَةَ هُمُ العَبِيدُ المُوَكَّلُونَ بِالكَيْلِ.

والسِّقايَةُ: إناءٌ كَبِيرٌ يُسْقى بِهِ الماءُ والخَمْرُ. والصُّواعُ: لُغَةٌ في الصّاعِ، وهو وِعاءٌ لِلْكَيْلِ يُقَدَّرُ بِوَزْنِ رِطْلٍ ورُبُعٍ أوْ وثُلُثٍ. وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ

صفحة ٢٨

بِالمِقْدارِ، يُقَدِّرُ كُلُّ شارِبٍ لِنَفْسِهِ ما اعْتادَ أنَّهُ لا يَصْرَعُهُ، ويَجْعَلُونَ آنِيَةَ الخَمْرِ مُقَدَّرَةً بِمَقادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيَقُولُ الشّارِبُ لِلسّاقِي: رِطْلًا أوْ صاعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَتَسْمِيَةُ هَذا الإناءِ سِقايَةً وتَسْمِيَتُهُ صُواعًا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ. وفي التَّوْراةِ سُمِّيَ طاسًا، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن فِضَّةٍ.

وتَعْرِيفُ السِّقايَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ سِقايَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا يَخْلُو عَنْ مِثْلِها مَجْلِسُ العَظِيمِ.

وإضافَةُ الصُّواعِ إلى المَلِكِ لِتَشْرِيفِهِ، وتَهْوِيلِ سَرِقَتِهِ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ شُئُونَ الدَّوْلَةِ كُلَّها لِلْمَلِكِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ المَلِكُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ.

والتَّأْذِينُ: النِّداءُ المُكَرَّرُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والعِيرُ: اسْمٌ لِلْحَمُولَةِ مِن إبِلٍ وحَمِيرٍ وما عَلَيْها مِن أحْمالٍ وما مَعَها مِن رُكّابِها، فَهو اسْمٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُسْنِدَتِ السَّرِقَةُ إلى جَمِيعِهِمْ جَرْيًا عَلى المُعْتادِ مِن مُؤاخَذَةِ الجَماعَةِ بِجُرْمِ الواحِدِ مِنهم.

وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ وهو أيَّتُها لِتَأْوِيلِ العِيرِ بِمَعْنى الجَماعَةِ؛ لِأنَّ الرُّكّابَ هُمُ الأهَمُّ.

وجُمْلَةُ (قالُوا) جَوابٌ لِنِداءِ المُنادِي إيّاهم ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، فَفُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِأنَّها في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَكَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وضَمِيرُ (قالُوا) عائِدٌ إلى العِيرِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (قالُوا)، ومَرْجِعُ ضَمِيرِ (أقْبَلُوا) عائِدٌ إلى فِتْيانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) راجِعٌ

صفحة ٢٩

إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (قالُوا)، أيْ وقَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فِتْيانُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وجَعَلُوا جُعْلًا لِمَن يَأْتِي بِالصُّواعِ. والَّذِي قالَ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ واحِدٌ مِنَ المُقْبِلِينَ وهو كَبِيرُهم. والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ.

وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَعَلَها الفُقَهاءُ أصْلًا لِمَشْرُوعِيَّةِ الجُعْلِ والكَفالَةِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذا شَرْعٍ حَتّى يَسْتَأْنِسَ لِلْأخْذِ بِـ (أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا) إذا حَكاهُ كَلامُ اللَّهِ أوْ رَسُولِهِ. ولَوْ قُدِّرَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا فَلا يَثْبُتُ أنَّهُ رَسُولٌ بِشَرْعٍ، …

73

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ

They said, "By Allah, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."

﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهْوَ جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ في الآياتِ قَبْلَ هَذِهِ. وإسْنادُ (جَعَلَ السِّقايَةَ) إلى ضَمِيرِ يُوسُفَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وإنَّما هو آمِرٌ بِالجَعْلِ والَّذِينَ جَعَلُوا السِّقايَةَ هُمُ العَبِيدُ المُوَكَّلُونَ بِالكَيْلِ.

والسِّقايَةُ: إناءٌ كَبِيرٌ يُسْقى بِهِ الماءُ والخَمْرُ. والصُّواعُ: لُغَةٌ في الصّاعِ، وهو وِعاءٌ لِلْكَيْلِ يُقَدَّرُ بِوَزْنِ رِطْلٍ ورُبُعٍ أوْ وثُلُثٍ. وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ

صفحة ٢٨

بِالمِقْدارِ، يُقَدِّرُ كُلُّ شارِبٍ لِنَفْسِهِ ما اعْتادَ أنَّهُ لا يَصْرَعُهُ، ويَجْعَلُونَ آنِيَةَ الخَمْرِ مُقَدَّرَةً بِمَقادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيَقُولُ الشّارِبُ لِلسّاقِي: رِطْلًا أوْ صاعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَتَسْمِيَةُ هَذا الإناءِ سِقايَةً وتَسْمِيَتُهُ صُواعًا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ. وفي التَّوْراةِ سُمِّيَ طاسًا، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن فِضَّةٍ.

وتَعْرِيفُ السِّقايَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ سِقايَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا يَخْلُو عَنْ مِثْلِها مَجْلِسُ العَظِيمِ.

وإضافَةُ الصُّواعِ إلى المَلِكِ لِتَشْرِيفِهِ، وتَهْوِيلِ سَرِقَتِهِ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ شُئُونَ الدَّوْلَةِ كُلَّها لِلْمَلِكِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ المَلِكُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ.

والتَّأْذِينُ: النِّداءُ المُكَرَّرُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والعِيرُ: اسْمٌ لِلْحَمُولَةِ مِن إبِلٍ وحَمِيرٍ وما عَلَيْها مِن أحْمالٍ وما مَعَها مِن رُكّابِها، فَهو اسْمٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُسْنِدَتِ السَّرِقَةُ إلى جَمِيعِهِمْ جَرْيًا عَلى المُعْتادِ مِن مُؤاخَذَةِ الجَماعَةِ بِجُرْمِ الواحِدِ مِنهم.

وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ وهو أيَّتُها لِتَأْوِيلِ العِيرِ بِمَعْنى الجَماعَةِ؛ لِأنَّ الرُّكّابَ هُمُ الأهَمُّ.

وجُمْلَةُ (قالُوا) جَوابٌ لِنِداءِ المُنادِي إيّاهم ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، فَفُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِأنَّها في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَكَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وضَمِيرُ (قالُوا) عائِدٌ إلى العِيرِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (قالُوا)، ومَرْجِعُ ضَمِيرِ (أقْبَلُوا) عائِدٌ إلى فِتْيانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) راجِعٌ

صفحة ٢٩

إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (قالُوا)، أيْ وقَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فِتْيانُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وجَعَلُوا جُعْلًا لِمَن يَأْتِي بِالصُّواعِ. والَّذِي قالَ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ واحِدٌ مِنَ المُقْبِلِينَ وهو كَبِيرُهم. والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ.

وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَعَلَها الفُقَهاءُ أصْلًا لِمَشْرُوعِيَّةِ الجُعْلِ والكَفالَةِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذا شَرْعٍ حَتّى يَسْتَأْنِسَ لِلْأخْذِ بِـ (أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا) إذا حَكاهُ كَلامُ اللَّهِ أوْ رَسُولِهِ. ولَوْ قُدِّرَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا فَلا يَثْبُتُ أنَّهُ رَسُولٌ بِشَرْعٍ، …

74

قَالُوا۟ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمْ كَٰذِبِينَ

The accusers said, "Then what would be its recompense if you should be liars?"

﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهْوَ جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ في الآياتِ قَبْلَ هَذِهِ. وإسْنادُ (جَعَلَ السِّقايَةَ) إلى ضَمِيرِ يُوسُفَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وإنَّما هو آمِرٌ بِالجَعْلِ والَّذِينَ جَعَلُوا السِّقايَةَ هُمُ العَبِيدُ المُوَكَّلُونَ بِالكَيْلِ.

والسِّقايَةُ: إناءٌ كَبِيرٌ يُسْقى بِهِ الماءُ والخَمْرُ. والصُّواعُ: لُغَةٌ في الصّاعِ، وهو وِعاءٌ لِلْكَيْلِ يُقَدَّرُ بِوَزْنِ رِطْلٍ ورُبُعٍ أوْ وثُلُثٍ. وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ

صفحة ٢٨

بِالمِقْدارِ، يُقَدِّرُ كُلُّ شارِبٍ لِنَفْسِهِ ما اعْتادَ أنَّهُ لا يَصْرَعُهُ، ويَجْعَلُونَ آنِيَةَ الخَمْرِ مُقَدَّرَةً بِمَقادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيَقُولُ الشّارِبُ لِلسّاقِي: رِطْلًا أوْ صاعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَتَسْمِيَةُ هَذا الإناءِ سِقايَةً وتَسْمِيَتُهُ صُواعًا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ. وفي التَّوْراةِ سُمِّيَ طاسًا، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن فِضَّةٍ.

وتَعْرِيفُ السِّقايَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ سِقايَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا يَخْلُو عَنْ مِثْلِها مَجْلِسُ العَظِيمِ.

وإضافَةُ الصُّواعِ إلى المَلِكِ لِتَشْرِيفِهِ، وتَهْوِيلِ سَرِقَتِهِ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ شُئُونَ الدَّوْلَةِ كُلَّها لِلْمَلِكِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ المَلِكُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ.

والتَّأْذِينُ: النِّداءُ المُكَرَّرُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والعِيرُ: اسْمٌ لِلْحَمُولَةِ مِن إبِلٍ وحَمِيرٍ وما عَلَيْها مِن أحْمالٍ وما مَعَها مِن رُكّابِها، فَهو اسْمٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُسْنِدَتِ السَّرِقَةُ إلى جَمِيعِهِمْ جَرْيًا عَلى المُعْتادِ مِن مُؤاخَذَةِ الجَماعَةِ بِجُرْمِ الواحِدِ مِنهم.

وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ وهو أيَّتُها لِتَأْوِيلِ العِيرِ بِمَعْنى الجَماعَةِ؛ لِأنَّ الرُّكّابَ هُمُ الأهَمُّ.

وجُمْلَةُ (قالُوا) جَوابٌ لِنِداءِ المُنادِي إيّاهم ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، فَفُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِأنَّها في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَكَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وضَمِيرُ (قالُوا) عائِدٌ إلى العِيرِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (قالُوا)، ومَرْجِعُ ضَمِيرِ (أقْبَلُوا) عائِدٌ إلى فِتْيانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) راجِعٌ

صفحة ٢٩

إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (قالُوا)، أيْ وقَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فِتْيانُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وجَعَلُوا جُعْلًا لِمَن يَأْتِي بِالصُّواعِ. والَّذِي قالَ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ واحِدٌ مِنَ المُقْبِلِينَ وهو كَبِيرُهم. والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ.

وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَعَلَها الفُقَهاءُ أصْلًا لِمَشْرُوعِيَّةِ الجُعْلِ والكَفالَةِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذا شَرْعٍ حَتّى يَسْتَأْنِسَ لِلْأخْذِ بِـ (أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا) إذا حَكاهُ كَلامُ اللَّهِ أوْ رَسُولِهِ. ولَوْ قُدِّرَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا فَلا يَثْبُتُ أنَّهُ رَسُولٌ بِشَرْعٍ، …

75

قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ

[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense. Thus do we recompense the wrongdoers."

﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهْوَ جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ في الآياتِ قَبْلَ هَذِهِ. وإسْنادُ (جَعَلَ السِّقايَةَ) إلى ضَمِيرِ يُوسُفَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وإنَّما هو آمِرٌ بِالجَعْلِ والَّذِينَ جَعَلُوا السِّقايَةَ هُمُ العَبِيدُ المُوَكَّلُونَ بِالكَيْلِ.

والسِّقايَةُ: إناءٌ كَبِيرٌ يُسْقى بِهِ الماءُ والخَمْرُ. والصُّواعُ: لُغَةٌ في الصّاعِ، وهو وِعاءٌ لِلْكَيْلِ يُقَدَّرُ بِوَزْنِ رِطْلٍ ورُبُعٍ أوْ وثُلُثٍ. وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ

صفحة ٢٨

بِالمِقْدارِ، يُقَدِّرُ كُلُّ شارِبٍ لِنَفْسِهِ ما اعْتادَ أنَّهُ لا يَصْرَعُهُ، ويَجْعَلُونَ آنِيَةَ الخَمْرِ مُقَدَّرَةً بِمَقادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيَقُولُ الشّارِبُ لِلسّاقِي: رِطْلًا أوْ صاعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَتَسْمِيَةُ هَذا الإناءِ سِقايَةً وتَسْمِيَتُهُ صُواعًا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ. وفي التَّوْراةِ سُمِّيَ طاسًا، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن فِضَّةٍ.

وتَعْرِيفُ السِّقايَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ سِقايَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا يَخْلُو عَنْ مِثْلِها مَجْلِسُ العَظِيمِ.

وإضافَةُ الصُّواعِ إلى المَلِكِ لِتَشْرِيفِهِ، وتَهْوِيلِ سَرِقَتِهِ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ شُئُونَ الدَّوْلَةِ كُلَّها لِلْمَلِكِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ المَلِكُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ.

والتَّأْذِينُ: النِّداءُ المُكَرَّرُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والعِيرُ: اسْمٌ لِلْحَمُولَةِ مِن إبِلٍ وحَمِيرٍ وما عَلَيْها مِن أحْمالٍ وما مَعَها مِن رُكّابِها، فَهو اسْمٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُسْنِدَتِ السَّرِقَةُ إلى جَمِيعِهِمْ جَرْيًا عَلى المُعْتادِ مِن مُؤاخَذَةِ الجَماعَةِ بِجُرْمِ الواحِدِ مِنهم.

وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ وهو أيَّتُها لِتَأْوِيلِ العِيرِ بِمَعْنى الجَماعَةِ؛ لِأنَّ الرُّكّابَ هُمُ الأهَمُّ.

وجُمْلَةُ (قالُوا) جَوابٌ لِنِداءِ المُنادِي إيّاهم ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، فَفُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِأنَّها في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَكَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وضَمِيرُ (قالُوا) عائِدٌ إلى العِيرِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (قالُوا)، ومَرْجِعُ ضَمِيرِ (أقْبَلُوا) عائِدٌ إلى فِتْيانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) راجِعٌ

صفحة ٢٩

إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (قالُوا)، أيْ وقَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فِتْيانُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وجَعَلُوا جُعْلًا لِمَن يَأْتِي بِالصُّواعِ. والَّذِي قالَ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ واحِدٌ مِنَ المُقْبِلِينَ وهو كَبِيرُهم. والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ.

وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَعَلَها الفُقَهاءُ أصْلًا لِمَشْرُوعِيَّةِ الجُعْلِ والكَفالَةِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذا شَرْعٍ حَتّى يَسْتَأْنِسَ لِلْأخْذِ بِـ (أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا) إذا حَكاهُ كَلامُ اللَّهِ أوْ رَسُولِهِ. ولَوْ قُدِّرَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا فَلا يَثْبُتُ أنَّهُ رَسُولٌ بِشَرْعٍ، …

76

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍۢ مَّن نَّشَآءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌۭ

So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion of the king except that Allah willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.

﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾

بَدَأ أيْ أمَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبَداءَةِ بِأوْعِيَةِ بَقِيَّةِ إخْوَتِهِ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ الشَّقِيقِ.

وأوْعِيَةٌ: جَمْعُ وِعاءٍ، وهو الظَّرْفُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الوَعْيِ وهو الحِفْظُ. والِابْتِداءُ بِأوْعِيَةِ غَيْرِ أخِيهِ لِإبْعادِ أنْ يَكُونَ الَّذِي يُوجَدُ في وِعائِهِ هو المَقْصُودَ مِن أوَّلِ الأمْرِ. وتَأْنِيثُ ضَمِيرِ (اسْتَخْرَجَها) لِلسِّقايَةِ. وهَذا التَّأْنِيثُ في تَمامِ الرَّشاقَةِ إذْ كانَتِ الحَقِيقَةُ أنَّها سِقايَةٌ جُعِلَتْ صُواعًا. فَهو كَرَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.

والقَوْلُ في كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ كالقَوْلِ في كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ.

والكَيْدُ: فِعْلٌ يُتَوَصَّلُ بِظاهِرِهِ إلى مَقْصِدٍ خَفِيٍّ. والكَيْدُ: هُنا هو إلْهامُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِهَذِهِ الحِيلَةِ المُحْكَمَةِ في وضْعِ الصُّواعِ وتَفْتِيشِهِ وإلْهامِ إخْوَتِهِ إلى ذَلِكَ الحُكْمِ المُصْمَتِ.

وأُسْنِدَ الكَيْدُ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ مُلْهِمُهُ فَهو مُسَبِّبُهُ. وجَعَلَ الكَيْدَ لِأجَلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ لِفائِدَتِهِ.

صفحة ٣٢

وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ بَيانٌ لِلْكَيْدِ بِاعْتِبارِ جَمِيعِ ما فِيهِ مِن وضْعِ السِّقايَةِ ومِن حُكْمِ إخْوَتِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِما يُلائِمُ مَرْغُوبَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إبْقاءِ أخِيهِ عِنْدَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَتْ شَرِيعَةُ القِبْطِ تُخَوِّلُهُ ذَلِكَ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ شَرْعَهم في جَزاءِ السّارِقِ أنْ يُؤْخَذَ مِنهُ الشَّيْءُ ويُضْرَبَ ويُغَرَّمَ ضِعْفَيِ المَسْرُوقِ أوْ ضِعْفَيْ قِيمَتِهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ (﴿فِي دِينِ المَلِكِ﴾) أيْ حُكْمِهِ وهو اسْتِرْقاقُ السّارِقِ. وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ لِقَوْلِهِ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ أيْ لَوْلا حِيلَةُ وضْعِ الصُّواعِ في مَتاعِ أخِيهِ. ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ حُكْمًا شائِعًا في كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَما تَقَدَّمَ، أيْ أنَّ مَلِكَ مِصْرَ كانَ عادِلًا فَلا يُؤْخَذُ أحَدٌ في بِلادِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ. ومِثْلُهُ ما كانَ في شَرْعِ الرُّومانِ مِنِ اسْتِرْقاقِ المَدِينِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالدِّينِ الشَّرِيعَةٌ لا مُطْلَقُ السُّلْطانِ.

ومَعْنى لامِ الجَحُودِ هُنا نَفْيُ أنْ يَكُونَ في نَفْسِ الأمْرِ سَبَبٌ يُخَوِّلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْذَ أخِيهِ عِنْدَهُ.

والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ أسْبابِ أخْذِ أخِيهِ المَنفِيَّةِ. وفي الكَلامِ حَرْفُ جَرٍّ مَحْذُوفٌ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ، وهو باءُ السَّبَبِيَّةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها نَفْيُ الأخْذِ، أيْ أسْبابُهُ. فالتَّقْدِيرُ: إلّا بِأنْ يَشاءَ اللَّهُ، أيْ يُلْهِمَ تَصْوِيرَ حالَتِهِ ويَأْذَنَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في عَمَلِهِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ المَصالِحِ الجَمَّةِ لِيُوسُفَ وإخْوَتِهِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ لَهم ولِذُرِّيَّتِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ تَذْيِيلٌ لِقِصَّةِ أخْذِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخاهُ؛ لِأنَّ فِيها رَفْعَ دَرَجَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الحالِ بِالتَّدْبِيرِ الحَكِيمِ مِن وقْتِ مُناجاتِهِ أخاهُ إلى وقْتِ اسْتِخْراجِ السِّقايَةِ مِن رَحْلِهِ. ورَفْعَ دَرَجَةِ أخِيهِ في الحالِ بِإلْحاقِهِ لِيُوسُفَ …

77

۞ قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌۭ لَّهُۥ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا ۖ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ

They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them. He said, "You are worse in position, and Allah is most knowing of what you describe."

صفحة ٣٤

﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ لَمّا بُهِتُوا بِوُجُودِ الصُّواعِ في رَحْلِ أخِيهِمُ اعْتَراهم ما يَعْتَرِي المَبْهُوتَ فاعْتَذَرُوا عَنْ دَعْواهم تَنَزُّهَهم عَنِ السَّرِقَةِ. إذْ قالُوا (﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣]) . عُذْرًا بَأنَّ أخاهم قَدْ تَسَرَّبَتْ إلَيْهِ خَصْلَةُ السَّرِقَةِ مِن غَيْرِ جانِبِ أبِيهِمْ فَزَعَمُوا أنَّ أخاهُ الَّذِي أُشِيعَ فَقْدُهُ كانَ سَرَقَ مِن قَبْلُ. وقَدْ عَلِمَ فِتْيانُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ المُتَّهَمَ أخٌ مِن أُمٍّ أُخْرى. فَهَذا اعْتِذارٌ بِتَعْرِيضٍ بِجانِبِ أُمِّ أخَوَيْهِمْ وهي زَوْجَةُ أبِيهِمْ وهي راحِيلُ ابْنَةُ لابانَ خالِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وكانَ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعُ زَوْجاتٍ: راحِيلُ هَذِهِ أُمُّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِنْيامِينَ، ولِيئَةُ بِنْتُ لابانَ أُخْتُ راحِيلَ وهي أُمُّ رُوبِينَ، وشَمْعُونَ، ولاوِي، ويَهُوذا، وبِساكِرَ، وزَبُولُونَ، وبُلْهَةُ جارِيَةُ راحِيلَ وهي أُمُّ دانا، ونَفْتالِي، وزُلْفَةُ جارِيَةُ راحِيلَ أيْضًا وهي أُمُّ جادَ، وأشِيرَ.

وإنَّما قالُوا: (﴿قَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾) بُهْتانًا ونَفْيًا لِلْمَعَرَّةِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. ولَيْسَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَئِذٍ سَرِقَةٌ قَبْلُ. ولَمْ يَكُنْ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْبِياءَ. وشَتّانَ بَيْنَ السَّرِقَةِ وبَيْنَ الكَذِبِ إذا لَمْ تَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ.

وكانَ هَذا الكَلامُ بِمَسْمَعٍ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَجْلِسِ حُكْمِهِ.

وقَوْلُهُ (﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ﴾) يَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ البارِزُ إلى جُمْلَةِ (﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾) عَلى تَأْوِيلِ ذَلِكَ القَوْلِ بِمَعْنى المَقالَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠]) بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، ويَكُونُ مَعْنى (﴿أسَرَّها في نَفْسِهِ﴾) أنَّهُ تَحَمَّلَها ولَمْ يُظْهِرْ

صفحة ٣٥

غَضَبًا مِنها، وأعْرَضَ عَنْ زَجْرِهِمْ وعِقابِهِمْ مَعَ أنَّها طَعْنٌ فِيهِ وكَذِبٌ. وإلى هَذا التَّفْسِيرِ يَنْحُو أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وأبُو حَيّانَ. ويَكُونُ قَوْلُهُ (﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾) كَلامًا مُسْتَأْنَفًا حِكايَةً لِما أجابَهم بِهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَراحَةً عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَرَةِ، وهو كَلامٌ لا يَقْتَضِي تَقْرِيرَ ما نَسَبُوهُ إلى أخِي أخِيهِمْ، أيْ أنْتُمْ أشَدُّ شَرًّا في حالَتِكم هَذِهِ؛ لِأنَّ سَرِقَتَكم مُشاهَدَةٌ وأمّا سَرِقَةُ أخِي أخِيكم فَمُجَرَّدُ دَعْوى، وفِعْلُ (قالَ) يُرَجِّحُ هَذا الوَجْهَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (فَأسَرَّها) إلى ما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ (﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾)، وبِهَذا فَسَّرَ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ، أيْ قالَ في نَفْسِهِ، وهو يُشْبِهُ ضَمِيرَ الشَّأْنِ والقِصَّةِ، لَكِنَّ تَأْنِيثَهُ بِتَأْوِيلِ المَقُولَةِ أوِ الكَلِمَةِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ ) تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ في (أسَرَّها) .

والإسْرارُ، عَلى هَذا الوَجْهِ، مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، وهو إخْفاءُ الكَلامِ عَنْ أنْ يَسْمَعَهُ سامِعٌ.

وجُمْلَةُ (﴿ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾) قِيلَ هي تَوْكِيدٌ لِجُمْلَةِ (﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ﴾)، وشَأْنُ التَّوْكِيدِ أنْ لا يُعْطَفَ. وُوَجْهُ عَطْفِها ما فِيها مِنَ المُغايَرَةِ لِلَّتِي قَبْلَها بِزِيادَةِ …

78

قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًۭا شَيْخًۭا كَبِيرًۭا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

They said, "O 'Azeez, indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."

﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ نادَوْا بِوَصْفِ العَزِيزِ إمّا؛ لِأنَّ كُلَّ رَئِيسِ وِلايَةٍ مُهِمَّةٍ يُدْعى بِما يُرادِفُ العَزِيزَ فَيَكُونُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَزِيزًا، كَما أنَّ رَئِيسَ الشُّرْطَةِ يُدْعى العَزِيزَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى امْرَأةُ العَزِيزِ، وإمّا؛ لِأنَّ يُوسُفَ ضُمَّتْ إلَيْهِ وِلايَةُ العَزِيزِ الَّذِي اشْتَراهُ فَجَمَعَ التَّصَرُّفاتِ وراجَعُوهُ في أخْذِ أخِيهِمْ.

ووَصَفُوا أباهم بِثَلاثِ صِفاتٍ تَقْتَضِي التَّرْقِيقَ عَلَيْهِ، وهي: حَنانُ الأُبُوَّةِ، وصِفَةُ الشَّيْخُوخَةِ، واسْتِحْقاقُهُ جَبْرَ خاطِرِهِ لِأنَّهُ كَبِيرُ قَوْمِهِ أوْ لِأنَّهُ انْتَهى في الكِبَرِ إلى أقْصاهُ، فالأوْصافُ مَسُوقَةٌ لِلْحَثِّ عَلى سَراحِ الِابْنِ لا لِأصْلِ الفائِدَةِ لِأنَّهم قَدْ كانُوا أخْبَرُوا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَبَرِ أبِيهِمْ.

والمُرادُ بِالكَبِيرِ: إمّا كَبِيرُ عَشِيرَتِهِ فَإساءَتُهُ تَسُوءُهم جَمِيعًا، ومِن عادَةِ الوُلاةِ اسْتِجْلابُ القَبائِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ كَبِيرًا تَأْكِيدًا لِـ (شَيْخًا) أيْ بَلَغَ الغايَةَ في

صفحة ٣٧

الكِبَرِ في السِّنِّ، ولِذَلِكَ فَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ (﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾) إذْ كانَ هو أصْغَرَ الإخْوَةِ، والأصْغَرُ أقْرَبُ إلى رِقَّةِ الأبِ عَلَيْهِ.

وجُمْلَةُ (﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِإجابَةِ المَطْلُوبِ لا لِلطَّلَبِ. والتَّقْدِيرُ: فَلا تَرُدَّ سُؤالَنا لِأنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ فَمِثْلُكَ لا يَصْدُرُ مِنهُ ما يَسُوءُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا.

والمَكانُ: أصْلُهُ مَحَلُّ الكَوْنِ، أيْ ما يَسْتَقِرُّ فِيهِ الجِسْمُ، وهو هُنا مَجازٌ في العِوَضِ؛ لِأنَّ العِوَضَ يَضَعُهُ آخِذُهُ في مَكانِ الشَّيْءِ المُعَوَّضِ عَنْهُ كَما في الحَدِيثِ «هَذِهِ مَكانُ حُجَّتِكَ» .

و(مَعاذَ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ اسْمٌ لِلْعَوْذِ، وهو اللَّجَأُ إلى مَكانٍ لِلتَّحَصُّنِ. وتَقَدَّمَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ قالَ ﴿مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يوسف: ٢٣] .

وانْتَصَبَ هَذا المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ نائِبًا عَنْ فِعْلِهِ المَحْذُوفِ. والتَّقْدِيرُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا، فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ جُعِلَ الِاسْمُ المَجْرُورُ بِباءِ التَّعْدِيَةِ مُتَّصِلًا بِالمَصْدَرِ بِطَرِيقِ الإضافَةِ فَقِيلَ: مَعاذَ اللَّهِ، كَما قالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، عِوَضًا عَنْ أُسَبِّحُ اللَّهَ. والمُسْتَعاذُ مِنهُ هو المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، والمَعْنى: الِامْتِناعُ مِن ذَلِكَ، أيْ نَلْجَأُ إلى اللَّهِ أنْ يَعْصِمَنا مِن أخْذِ مَن لا حَقَّ لَنا في أخْذِهِ، أيْ أنْ يَعْصِمَنا مِنَ الظُّلْمِ؛ لِأنَّ أخْذَ مَن وُجِدَ المَتاعُ عِنْدَهُ صارَ حَقًّا عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ التَّحْكِيمَ لَهُ قُوَّةُ الشَّرِيعَةِ. وأمّا أخْذُ غَيْرِهِ فَلا يَسُوغُ إذْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَسْتَرِقَّ نَفْسَهُ بِغَيْرِ حُكْمٍ، ولِذَلِكَ عُلِّلَ الِامْتِناعُ مِن ذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَكانَ ذَلِكَ ظُلْمًا.

ودَلِيلُ التَّعْلِيلِ شَيْئانِ: وُقُوعُ (إنَّ) في صَدْرِ الجُمْلَةِ، والإتْيانُ بِحَرْفِ الجَزاءِ هو (إذَنْ) وضَمائِرُ (نَأْخُذَ) و(وجَدْنا) و(مَتاعَنا) و(إنّا) و(لَظالِمُونَ) مُرادٌ بِها المُتَكَلِّمُ وحْدَهُ دُونَ مُشارِكٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنِ اسْتِعْمالِ ضَمِيرِ الجَمْعِ في

صفحة ٣٨

التَّعْظِيمِ حِكايَةً …

79

قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًۭا لَّظَٰلِمُونَ

He said, "[I seek] the refuge of Allah [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."

﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ نادَوْا بِوَصْفِ العَزِيزِ إمّا؛ لِأنَّ كُلَّ رَئِيسِ وِلايَةٍ مُهِمَّةٍ يُدْعى بِما يُرادِفُ العَزِيزَ فَيَكُونُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَزِيزًا، كَما أنَّ رَئِيسَ الشُّرْطَةِ يُدْعى العَزِيزَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى امْرَأةُ العَزِيزِ، وإمّا؛ لِأنَّ يُوسُفَ ضُمَّتْ إلَيْهِ وِلايَةُ العَزِيزِ الَّذِي اشْتَراهُ فَجَمَعَ التَّصَرُّفاتِ وراجَعُوهُ في أخْذِ أخِيهِمْ.

ووَصَفُوا أباهم بِثَلاثِ صِفاتٍ تَقْتَضِي التَّرْقِيقَ عَلَيْهِ، وهي: حَنانُ الأُبُوَّةِ، وصِفَةُ الشَّيْخُوخَةِ، واسْتِحْقاقُهُ جَبْرَ خاطِرِهِ لِأنَّهُ كَبِيرُ قَوْمِهِ أوْ لِأنَّهُ انْتَهى في الكِبَرِ إلى أقْصاهُ، فالأوْصافُ مَسُوقَةٌ لِلْحَثِّ عَلى سَراحِ الِابْنِ لا لِأصْلِ الفائِدَةِ لِأنَّهم قَدْ كانُوا أخْبَرُوا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَبَرِ أبِيهِمْ.

والمُرادُ بِالكَبِيرِ: إمّا كَبِيرُ عَشِيرَتِهِ فَإساءَتُهُ تَسُوءُهم جَمِيعًا، ومِن عادَةِ الوُلاةِ اسْتِجْلابُ القَبائِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ كَبِيرًا تَأْكِيدًا لِـ (شَيْخًا) أيْ بَلَغَ الغايَةَ في

صفحة ٣٧

الكِبَرِ في السِّنِّ، ولِذَلِكَ فَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ (﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾) إذْ كانَ هو أصْغَرَ الإخْوَةِ، والأصْغَرُ أقْرَبُ إلى رِقَّةِ الأبِ عَلَيْهِ.

وجُمْلَةُ (﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِإجابَةِ المَطْلُوبِ لا لِلطَّلَبِ. والتَّقْدِيرُ: فَلا تَرُدَّ سُؤالَنا لِأنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ فَمِثْلُكَ لا يَصْدُرُ مِنهُ ما يَسُوءُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا.

والمَكانُ: أصْلُهُ مَحَلُّ الكَوْنِ، أيْ ما يَسْتَقِرُّ فِيهِ الجِسْمُ، وهو هُنا مَجازٌ في العِوَضِ؛ لِأنَّ العِوَضَ يَضَعُهُ آخِذُهُ في مَكانِ الشَّيْءِ المُعَوَّضِ عَنْهُ كَما في الحَدِيثِ «هَذِهِ مَكانُ حُجَّتِكَ» .

و(مَعاذَ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ اسْمٌ لِلْعَوْذِ، وهو اللَّجَأُ إلى مَكانٍ لِلتَّحَصُّنِ. وتَقَدَّمَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ قالَ ﴿مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يوسف: ٢٣] .

وانْتَصَبَ هَذا المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ نائِبًا عَنْ فِعْلِهِ المَحْذُوفِ. والتَّقْدِيرُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا، فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ جُعِلَ الِاسْمُ المَجْرُورُ بِباءِ التَّعْدِيَةِ مُتَّصِلًا بِالمَصْدَرِ بِطَرِيقِ الإضافَةِ فَقِيلَ: مَعاذَ اللَّهِ، كَما قالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، عِوَضًا عَنْ أُسَبِّحُ اللَّهَ. والمُسْتَعاذُ مِنهُ هو المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، والمَعْنى: الِامْتِناعُ مِن ذَلِكَ، أيْ نَلْجَأُ إلى اللَّهِ أنْ يَعْصِمَنا مِن أخْذِ مَن لا حَقَّ لَنا في أخْذِهِ، أيْ أنْ يَعْصِمَنا مِنَ الظُّلْمِ؛ لِأنَّ أخْذَ مَن وُجِدَ المَتاعُ عِنْدَهُ صارَ حَقًّا عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ التَّحْكِيمَ لَهُ قُوَّةُ الشَّرِيعَةِ. وأمّا أخْذُ غَيْرِهِ فَلا يَسُوغُ إذْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَسْتَرِقَّ نَفْسَهُ بِغَيْرِ حُكْمٍ، ولِذَلِكَ عُلِّلَ الِامْتِناعُ مِن ذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَكانَ ذَلِكَ ظُلْمًا.

ودَلِيلُ التَّعْلِيلِ شَيْئانِ: وُقُوعُ (إنَّ) في صَدْرِ الجُمْلَةِ، والإتْيانُ بِحَرْفِ الجَزاءِ هو (إذَنْ) وضَمائِرُ (نَأْخُذَ) و(وجَدْنا) و(مَتاعَنا) و(إنّا) و(لَظالِمُونَ) مُرادٌ بِها المُتَكَلِّمُ وحْدَهُ دُونَ مُشارِكٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنِ اسْتِعْمالِ ضَمِيرِ الجَمْعِ في

صفحة ٣٨

التَّعْظِيمِ حِكايَةً …

80

فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّۭا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allah and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allah decides for me, and He is the best of judges.

﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِيَ أبِيَ أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهْوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾

صفحة ٣٩

اسْتَيْأسُوا بِمَعْنى يَئِسُوا فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ، ومِثْلُها (﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ [يوسف: ٣٤]) و(اسْتَعْصَمَ) .

واليَأْسُ مِنهُ: اليَأْسُ مِن إطْلاقِهِ أخاهم، فَهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ. والمُرادُ بَعْضُ أحْوالِها بِقَرِينَةِ المَقامِ لِلْمُبالَغَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿اسْتَيْأسُوا﴾) بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَ الفَوْقِيَّةِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ عَلى أصْلِ التَّصْرِيفِ. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخُلْفٍ عَنْهُ بِألِفٍ بَعْدَ الفَوْقِيَّةِ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ عَلى اعْتِبارِ القَلْبِ في المَكانِ ثُمَّ إبْدالِ الهَمْزَةِ.

و(خَلَصُوا) بِمَعْنى اعْتَزَلُوا وانْفَرَدُوا. وأصْلُهُ مِنَ الخُلُوصِ وهو الصَّفاءُ مِنَ الأخْلاطِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّها حَيْثُ عَزَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى أنْ يَخْطُبَ في النّاسِ فَيُحَذِّرَهم مِن قَوْمٍ يُرِيدُونَ المُزاحَمَةَ في الخِلافَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رِعاعَ النّاسِ فَأمْهِلْ حَتّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ فَتَخْلُصَ بِأهْلِ الفِقْهِ. . . إلَخْ.

والنَّجِيُّ: اسْمٌ مِنَ المُناجاةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. كانَ الوَصْفُ بِالمَصْدَرِ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ كَقَوْلِهِ تَعالى وإذْ هم نَجْوى، والمَعْنى: انْفَرَدُوا تَناجِيًا. والتَّناجِي: المُحادَثَةُ سِرًّا، أيْ مُتَناجِينَ.

وجُمْلَةُ (﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾) بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ (﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾) وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ المُناجاةَ تَشْتَمِلُ عَلى أقْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها قَوْلُ كَبِيرِهِمْ هَذا، وكَبِيرُهم هو أكْبَرُهم سَنًّا وهو رُوبِينُ بِكْرُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والِاسْتِفْهامُ في (﴿ألَمْ تَعْلَمُوا﴾) تَقْرِيرِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذْكِيرِ بِعَدَمِ اطْمِئْنانِ أبِيهِمْ بِحِفْظِهِمْ لِابْنِهِ.

وجُمْلَةُ (ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن قِبَلِ المَوْثِقِ، أيْ فَهو غَيْرُ مُصَدِّقِكم فِيما

صفحة ٤٠

تُخْبِرُونَ بِهِ مِن أخْذِ بِنْيامِينَ في سَرِقَةِ الصُّواعِ. وفَرَّعَ عَلَيْهِ كَبِيرُهم أنَّهُ يَبْقى في مِصْرَ لِيَكُونَ بَقاؤُهُ عَلامَةً عِنْدَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْرِفُ بِها صِدْقَهم في سَبَبِ تَخَلُّفِ بِنْيامِينَ، إذْ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ أنْ يَبْقى غَرِيبًا لَوْلا خَوْفُهُ مِن أبِيهِ، ولا يَرْضى بَقِيَّةُ أشِقّائِهِ أنْ يَكِيدُوا لَهُ كَما يَكِيدُونَ لِغَيْرِ الشَّقِيقِ.

وقَوْلُهُ (﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾) تَرْدِيدٌ بَيْنَ ما رَسَمَهُ هو لِنَفْسِهِ وبَيْنَ ما عَسى أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ مِمّا لا قِبَلَ لَهُ بِدَفْعِهِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (يَحْكُمَ) المَجْرُورُ بِالباءِ لِتَنْزِيلِ فِعْلِ (يَحْكُمَ) مَنزِلَةَ ما لا يَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا.

واللّامُ لِلْأجْلِ، أيْ يَحْكُمَ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.