Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 51–60 of 111

51

قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ قُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍۢ ۚ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٰٔنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

Said [the king to the women], "What was your condition when you sought to seduce Joseph?" They said, "Perfect is Allah! We know about him no evil." The wife of al-'Azeez said, "Now the truth has become evident. It was I who sought to seduce him, and indeed, he is of the truthful.

﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾

جُمْلَةُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الجُمَلَ الَّتِي سَبَقَتْها تُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ عَمّا حَصَلَ مِنَ المَلِكِ لَمّا أُبْلِغَ إلَيْهِ اقْتِراحُ يُوسُفَ

صفحة ٢٩٠

- عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ شِدَّةِ تَشَوُّقِهِ إلى حُضُورِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أيْ قالَ المَلِكُ لِلنِّسْوَةِ.

ووُقُوعُ هَذا بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] إلى آخِرِها مُؤْذِنٌ بِكَلامٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: فَرَجَعَ فَأخْبَرَ المَلِكَ فَأحْضَرَ المَلِكُ النِّسْوَةَ اللّائِي كانَتْ جَمَعَتْهُنَّ امْرَأةُ العَزِيزِ لَمّا أعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا فَقالَ لَهُنَّ ﴿ما خَطْبُكُنَّ﴾ إلى آخِرِهِ.

وأُسْنِدَتِ المُراوَدَةُ إلى ضَمِيرِ النِّسْوَةِ لِوُقُوعِها مِن بَعْضِهِنَّ غَيْرَ مُعَيِّنٍ، أوْ لِأنَّ القالَةَ الَّتِي شاعَتْ في المَدِينَةِ كانَتْ مَخْلُوطَةً ظَنًّا أنَّ المُراوَدَةَ وقَعَتْ في مَجْلِسِ المُتَّكَأِ.

والخَطْبُ: الشَّأْنُ المُهِمُّ مِن حالَةٍ أوْ حادِثَةٍ. قِيلَ: سُمِّيَ خَطْبًا لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُخاطِبَ المَرْءُ صاحِبَهُ بِالتَّساؤُلِ عَنْهُ. وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الخُطْبَةِ. أيْ يَخْطُبُ فِيهِ. وإنَّما تَكُونُ الخُطْبَةُ في أمْرٍ عَظِيمٍ، فَأصْلُهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ مَخْطُوبٌ فِيهِ.

وجُمْلَةُ (قُلْنَ) مَفْصُولَةٌ لِأجْلِ كَوْنِها حِكايَةَ جَوابٍ عَنْ كَلامِ المَلِكِ. أيْ قالَتِ النِّسْوَةُ عَدا امْرَأةِ العَزِيزِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدُ ﴿قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ﴾

و﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ مُبالَغَةٌ في النَّفْيِ والتَّنْزِيهِ. والمَقْصُودُ: التَّبَرُّؤُ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِنَّ مِنَ المُراوَدَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها آنِفًا واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها.

وجُمْلَةُ ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِإجْمالِ النَّفْيِ الَّذِي في ﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ . وهي جامِعَةٌ لِنَفْيِ مُراوَدَتِهِنَّ إيّاهُ ومُراوَدَتِهِ إيّاهُنَّ لِأنَّ الحالَتَيْنِ مِن أحْوالِ السُّوءِ.

ونَفْيُ عِلْمِهِنَّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ دَعْوَتِهِنَّ إيّاهُ إلى السُّوءِ ونَفْيِ دَعْوَتِهِ إيّاهُنَّ إلَيْهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ لَكانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُنَّ، ثُمَّ إنَّهُنَّ لَمْ يَزِدْنَ في الشَّهادَةِ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِسُؤالِ المَلِكِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْنَ لِإقْرارِ امْرَأةِ العَزِيزِ في مَجْلِسِهِنَّ بِأنَّها راوَدَتْهُ

صفحة ٢٩١

عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ، خَشْيَةً مِنها، أوْ مَوَدَّةً لَها، فاقْتَصَرْنَ عَلى جَوابِ ما سُئِلْنَ عَنْهُ.

وهَذا يَدُلُّ عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ وهو أنَّ امْرَأةَ العَزِيزِ كانَتْ مِن جُمْلَةِ النِّسْوَةِ اللّائِي أحْضَرَهُنَّ المَلِكُ. ولَمْ يَشْمَلْها قَوْلُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠] لِأنَّها لَمْ تَقْطَعْ يَدَها مَعَهُنَّ، ولَكِنْ شَمَلَها كَلامُ المَلِكِ إذْ قالَ ﴿إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ فَإنَّ المُراوَدَةَ إنَّما وقَعَتْ مِنَ امْرَأةِ العَزِيزِ دُونَ النِّسْوَةِ اللّاتِي أعَدَّتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا، فَفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ.

وجُمْلَةُ ﴿قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ﴾ مَفْصُولَةٌ لِأنَّها حِكايَةُ جَوابٍ عَنْ سُؤالِ المَلِكِ.

والآنَ: ظَرْفٌ لِلزَّمانِ الحاضِرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] في …

52

ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ

That is so al-'Azeez will know that I did not betray him in [his] absence and that Allah does not guide the plan of betrayers.

﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾

ظاهِرُ نَظْمِ الكَلامِ أنَّ الجُمْلَةَ مِن قَوْلِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلَهُ الأقَلُّ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وعَزاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى فِرْقَةٍ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ، ونُسِبَ إلى الجُبّائِيِّ، واخْتارَهُ الماوَرْدِيُّ، وهو في مَوْقِعِ العِلَّةِ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] وما عُطِفَ عَلَيْها مِن إقْرارٍ بِبَراءَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما كانَتْ رَمَتْهُ بِهِ، فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الإقْرارِ المُسْتَفادِ مِن جُمْلَةِ ﴿أنا راوَدْتُهُ﴾ [يوسف: ٥١] أيْ ذَلِكَ الإقْرارُ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنِّي لَمْ أخُنْهُ.

واللّامُ في لِيَعْلَمَ لامُ كَيْ، والفِعْلُ بَعْدَها مَنصُوبٌ بِـأنْ مُضْمَرَةٍ، فَهو في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، وهو خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.

والباءُ في بِالغَيْبِ لِلْمُلابَسَةِ أوْ لِلظَّرْفِيَّةِ، أيْ في غَيْبَتِهِ، أيْ لَمْ أرْمِهِ بِما يَقْدَحُ فِيهِ في مَغِيبِهِ. ومَحَلُّ المَجْرُورِ في مَحَلِّ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ.

والخِيانَةُ: هي تُهْمَتُهُ بِمُحاوَلَةِ السُّوءِ مَعَها كَذِبًا؛ لِأنَّ الكَذِبَ ضِدَّ أمانَةِ القَوْلِ بِالحَقِّ.

والتَّعْرِيفُ في الغَيْبِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ. تَمَدَّحَتْ بِعَدَمِ الخِيانَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ إذْ نَفَتِ الخِيانَةَ في المَغِيبِ وهو حائِلٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ دِفاعِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وحالَةُ

صفحة ٢٩٣

المَغِيبِ أمْكَنُ لِمَزِيدِ الخِيانَةِ أنْ يَخُونَ فِيها مِن حالَةِ الحَضْرَةِ؛ لِأنَّ الحاضِرَ قَدْ يَتَفَطَّنُ لِقَصْدِ الخائِنِ فَيَدْفَعُ خِيانَتَهُ بِالحُجَّةِ.

وأنَّ ﴿اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى لِيَعْلَمَ وهو عِلَّةٌ ثانِيَةٌ لِإصْداعِها بِالحَقِّ، أيْ ولِأنَّ ﴿اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ . والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ وهو كَوْنُ المُتَكَلِّمِ عالِمًا بِمَضْمُونِ الكَلامِ؛ لِأنَّ عِلَّةَ إقْرارِها هو عِلْمُها بِأنَّ ﴿اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ .

ومَعْنى ﴿لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ لا يُنَفِّذُهُ ولا يُسَدِّدُهُ. فَأُطْلِقَتِ الهِدايَةُ الَّتِي هي الإرْشادُ إلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ عَلى تَيْسِيرِ الوُصُولِ، وأُطْلِقَ نَفْيُها عَلى نَفْيِ ذَلِكَ التَّيْسِيرِ، أيْ إنَّ سُنَّةَ اللَّهِ في الكَوْنِ جَرَتْ عَلى أنَّ فُنُونَ الباطِلِ وإنْ راجَتْ أوائِلُها لا تَلْبَثُ أنْ تَنْقَشِعَ ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]

والكَيْدُ: تَقَدَّمَ.

53

۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And I do not acquit myself. Indeed, the soul is a persistent enjoiner of evil, except those upon which my Lord has mercy. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

صفحة ٥

﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِيَ إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّيَ إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

ظاهِرُ تَرْتِيبِ الكَلامِ أنَّ هَذا مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ، مَضَتْ في بَقِيَّةِ إقْرارِها فَقالَتْ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، وذَلِكَ كالِاحْتِراسِ مِمّا يَقْتَضِيهِ قَوْلُها ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] مِن أنَّ تَبْرِئَةَ نَفْسِها مِن هَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ ادِّعاءٌ بِأنَّ نَفْسَها بَرِيئَةٌ بَراءَةً عامَّةً فَقالَتْ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أيْ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي مِن مُحاوَلَةِ هَذا الإثْمِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ أمّارَةٌ بِالسُّوءِ وقَدْ أمَرَتْنِي بِالسُّوءِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ.

فالواوُ الَّتِي في الجُمْلَةِ اسْتِئْنافِيَّةٌ، والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، أيْ لا أدَّعِي بَراءَةَ نَفْسِي مِنِ ارْتِكابِ الذَّنْبِ؛ لِأنَّ النُّفُوسَ كَثِيرَةُ الأمْرِ بِالسُّوءِ.

والِاسْتِثْناءُ في ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ الأزْمانِ، أيْ أزْمانِ وُقُوعِ السُّوءِ، بِناءً عَلى أنَّ أمْرَ النَّفْسِ بِهِ يَبْعَثُ عَلى ارْتِكابِهِ في كُلِّ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ رَحْمَةِ اللَّهِ عَبْدَهُ، أيْ رَحْمَتُهُ بِأنْ يُقَيِّضَ لَهُ ما يَصْرِفُهُ عَنْ فِعْلِ السُّوءِ، أوْ يُقَيِّضُ حائِلًا بَيْنَهُ وبَيْنَ فِعْلِ السُّوءِ، كَما جَعَلَ إبايَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إجابَتِها إلى ما دَعَتْهُ إلَيْهِ حائِلًا بَيْنَها وبَيْنَ التَّوَرُّطِ في هَذا الإثْمِ، وذَلِكَ لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ بِهِما.

ولِذَلِكَ ذَيَّلَتْهُ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثَناءً عَلى اللَّهِ بِأنَّهُ شَدِيدُ المَغْفِرَةِ لِمَن أذْنَبَ، وشَدِيدُ الرَّحْمَةِ لِعَبْدِهِ إذا أرادَ صَرْفَهُ عَنِ الذَّنْبِ.

صفحة ٦

وهَذا يَقْتَضِي أنَّ قَوْمَها يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويُحَرِّمُونَ الحَرامَ، وذَلِكَ لا يُنافِي أنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ فَإنَّ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أيْضًا. قالَ تَعالى ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وكانُوا يَعْرِفُونَ البِرَّ والذَّنْبَ.

وفِي اعْتِرافِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِحَضْرَةِ المَلِكِ عِبْرَةٌ بِفَضِيلَةِ الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ، وتَبْرِئَةُ البَرِيءِ مِمّا أُلْصِقَ بِهِ، ومِن خَشْيَةِ عِقابِ اللَّهِ الخائِنِينَ.

وقِيلَ: هَذا الكَلامُ كَلامُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠] الآيَةَ.

وقَوْلُهُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٥١] إلى قَوْلِهِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] اعْتِراضٌ في خِلالِ كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَها مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وابْنُ جُرَيْجٍ والحَسَنُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ الطَّبَرِيُّ. قالَ في الكَشّافِ: وكَفى بِالمَعْنى دَلِيلًا قائِدًا إلى أنْ يُجْعَلَ مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١١٠] ثُمَّ قالَ ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] وهو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ يُخاطِبُهم ويَسْتَشِيرُهم اهـ.

يُرِيدُ أنَّ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ ألْيَقُ بِأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ …

54

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌۭ

And the king said, "Bring him to me; I will appoint him exclusively for myself." And when he spoke to him, he said, "Indeed, you are today established [in position] and trusted."

صفحة ٧

﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ السِّينُ والتّاءُ في ”أسْتَخْلِصْهُ“ لِلْمُبالَغَةِ. مِثْلَها في اسْتَجابَ واسْتَأْجَرَ. والمَعْنى أجْعَلُهُ خالِصًا لِنَفْسِي، أيْ خاصًّا بِي لا يُشارِكُنِي فِيهِ أحَدٌ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ اتِّصالِهِ بِهِ والعَمَلِ مَعَهُ. وقَدْ دَلَّ المَلِكَ عَلى اسْتِحْقاقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَقْرِيبَهُ مِنهُ ما ظَهَرَ مِن حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ، وصَبْرِهِ عَلى تَحَمُّلِ المَشاقِّ، وحُسْنِ خُلُقِهِ ونَزاهَتِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ أوْجَبَ اصْطِفاءَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: فَأتَوْهُ بِهِ، أيْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَضَرَ لَدَيْهِ وكَلَّمَهُ فَلَمّا كَلَّمَهُ.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”كَلَّمَهُ“ عائِدٌ إلى المَلِكِ، فالمُكَلِّمُ هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَلَّمَ المَلِكَ كَلامًا أعْجَبَ المَلِكَ بِما فِيهِ مِن حِكْمَةٍ وأدَبٍ. ولِذَلِكَ فَجُمْلَةُ ﴿قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ جَوابُ (لَمّا)، والقائِلُ هو المَلِكُ لا مَحالَةَ.

والمَكِينُ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن مَكُنَ بِضَمِّ الكافِ إذا صارَ ذا مَكانَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ العَظِيمَةُ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ المَكانِ.

والأمِينُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَأْمُونٍ عَلى شَيْءٍ. أيْ مَوْثُوقٍ بِهِ في حِفْظِهِ.

وتَرَتُّبُ هَذا القَوْلِ عَلى تَكْلِيمِهِ إيّاهُ دالٌّ عَلى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَلَّمَ المَلِكَ كَلامَ حَكِيمٍ أدِيبٍ فَلَمّا رَأى حُسْنَ مَنطِقِهِ وبَلاغَةَ قَوْلِهِ وأصالَةَ رَأْيِهِ رَآهُ أهْلًا لِثِقَتِهِ وتَقْرِيبِهِ مِنهُ.

صفحة ٨

وهَذِهِ صِيغَةُ تَوْلِيَةٍ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ ولِيُّ الأمْرِ مِنَ الخِصالِ؛ لِأنَّ المَكانَةَ تَقْتَضِي العِلْمَ والقُدْرَةَ، إذْ بِالعِلْمِ يَتَمَكَّنُ مِن مَعْرِفَةِ الخَيْرِ والقَصْدِ إلَيْهِ، وبِالقُدْرَةِ يَسْتَطِيعُ فِعْلَ ما يَبْدُو لَهُ مِنَ الخَيْرِ، والأمانَةُ تَسْتَدْعِي الحِكْمَةَ والعَدالَةَ، إذْ بِالحِكْمَةِ يُؤْثِرُ الأفْعالَ ويَتْرُكُ الهُوّاتِ الباطِلَةَ، وبِالعَدالَةِ يُوصِلُ الحُقُوقَ إلى أهْلِها. وهَذا التَّنْوِيهُ بِشَأْنِهِ والثَّناءُ عَلَيْهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يُرِيدُ الِاسْتِعانَةَ بِهِ في أُمُورِ مَمْلَكَتِهِ وبِأنْ يَقْتَرِحَ عَلَيْهِ ما يَرْجُو مِن خَيْرٍ، فَلِذَلِكَ أجابَهُ بِقَوْلِهِ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ حِكايَةُ جَوابِهِ لِكَلامِ المَلِكِ ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ.

و(عَلى) هُنا لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو التَّصَرُّفُ والتَّمَكُّنُ، أيِ اجْعَلْنِي مُتَصَرِّفًا في خَزائِنِ الأرْضِ.

و”خَزائِنُ“ جَمْعُ خِزانَةٍ بِكَسْرِ الخاءِ، أيِ البَيْتُ الَّذِي يُخْتَزَنُ فِيهِ الحُبُوبُ والأمْوالُ. والتَّعْرِيفُ في الأرْضِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، وهي الأرْضُ المَعْهُودَةُ لَهم، أيْ أرْضُ مِصْرَ. والمُرادُ مِن ﴿خَزائِنِ الأرْضِ﴾ خَزائِنُ كانَتْ مَوْجُودَةً، وهي خَزائِنُ الأمْوالِ؛ إذْ لا يَخْلُو سُلْطانٌ مِن خَزائِنَ مَعْدُودَةٍ لِنَوائِبِ بِلادِهِ لا الخَزائِنُ الَّتِي زِيدَتْ مِن بَعْدُ لِخَزْنِ الأقْواتِ اسْتِعْدادًا لِلسَّنَواتِ المُعَبَّرِ عَنْها بِقَوْلِهِ ﴿مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] .

واقْتِراحُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ إعْدادٌ لِنَفْسِهِ لِلْقِيامِ بِمَصالِحِ الأُمَّةِ عَلى …

55

قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌۭ

[Joseph] said, "Appoint me over the storehouses of the land. Indeed, I will be a knowing guardian."

صفحة ٧

﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ السِّينُ والتّاءُ في ”أسْتَخْلِصْهُ“ لِلْمُبالَغَةِ. مِثْلَها في اسْتَجابَ واسْتَأْجَرَ. والمَعْنى أجْعَلُهُ خالِصًا لِنَفْسِي، أيْ خاصًّا بِي لا يُشارِكُنِي فِيهِ أحَدٌ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ اتِّصالِهِ بِهِ والعَمَلِ مَعَهُ. وقَدْ دَلَّ المَلِكَ عَلى اسْتِحْقاقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَقْرِيبَهُ مِنهُ ما ظَهَرَ مِن حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ، وصَبْرِهِ عَلى تَحَمُّلِ المَشاقِّ، وحُسْنِ خُلُقِهِ ونَزاهَتِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ أوْجَبَ اصْطِفاءَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: فَأتَوْهُ بِهِ، أيْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَضَرَ لَدَيْهِ وكَلَّمَهُ فَلَمّا كَلَّمَهُ.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”كَلَّمَهُ“ عائِدٌ إلى المَلِكِ، فالمُكَلِّمُ هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَلَّمَ المَلِكَ كَلامًا أعْجَبَ المَلِكَ بِما فِيهِ مِن حِكْمَةٍ وأدَبٍ. ولِذَلِكَ فَجُمْلَةُ ﴿قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ جَوابُ (لَمّا)، والقائِلُ هو المَلِكُ لا مَحالَةَ.

والمَكِينُ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن مَكُنَ بِضَمِّ الكافِ إذا صارَ ذا مَكانَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ العَظِيمَةُ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ المَكانِ.

والأمِينُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَأْمُونٍ عَلى شَيْءٍ. أيْ مَوْثُوقٍ بِهِ في حِفْظِهِ.

وتَرَتُّبُ هَذا القَوْلِ عَلى تَكْلِيمِهِ إيّاهُ دالٌّ عَلى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَلَّمَ المَلِكَ كَلامَ حَكِيمٍ أدِيبٍ فَلَمّا رَأى حُسْنَ مَنطِقِهِ وبَلاغَةَ قَوْلِهِ وأصالَةَ رَأْيِهِ رَآهُ أهْلًا لِثِقَتِهِ وتَقْرِيبِهِ مِنهُ.

صفحة ٨

وهَذِهِ صِيغَةُ تَوْلِيَةٍ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ ولِيُّ الأمْرِ مِنَ الخِصالِ؛ لِأنَّ المَكانَةَ تَقْتَضِي العِلْمَ والقُدْرَةَ، إذْ بِالعِلْمِ يَتَمَكَّنُ مِن مَعْرِفَةِ الخَيْرِ والقَصْدِ إلَيْهِ، وبِالقُدْرَةِ يَسْتَطِيعُ فِعْلَ ما يَبْدُو لَهُ مِنَ الخَيْرِ، والأمانَةُ تَسْتَدْعِي الحِكْمَةَ والعَدالَةَ، إذْ بِالحِكْمَةِ يُؤْثِرُ الأفْعالَ ويَتْرُكُ الهُوّاتِ الباطِلَةَ، وبِالعَدالَةِ يُوصِلُ الحُقُوقَ إلى أهْلِها. وهَذا التَّنْوِيهُ بِشَأْنِهِ والثَّناءُ عَلَيْهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يُرِيدُ الِاسْتِعانَةَ بِهِ في أُمُورِ مَمْلَكَتِهِ وبِأنْ يَقْتَرِحَ عَلَيْهِ ما يَرْجُو مِن خَيْرٍ، فَلِذَلِكَ أجابَهُ بِقَوْلِهِ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ حِكايَةُ جَوابِهِ لِكَلامِ المَلِكِ ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ.

و(عَلى) هُنا لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو التَّصَرُّفُ والتَّمَكُّنُ، أيِ اجْعَلْنِي مُتَصَرِّفًا في خَزائِنِ الأرْضِ.

و”خَزائِنُ“ جَمْعُ خِزانَةٍ بِكَسْرِ الخاءِ، أيِ البَيْتُ الَّذِي يُخْتَزَنُ فِيهِ الحُبُوبُ والأمْوالُ. والتَّعْرِيفُ في الأرْضِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، وهي الأرْضُ المَعْهُودَةُ لَهم، أيْ أرْضُ مِصْرَ. والمُرادُ مِن ﴿خَزائِنِ الأرْضِ﴾ خَزائِنُ كانَتْ مَوْجُودَةً، وهي خَزائِنُ الأمْوالِ؛ إذْ لا يَخْلُو سُلْطانٌ مِن خَزائِنَ مَعْدُودَةٍ لِنَوائِبِ بِلادِهِ لا الخَزائِنُ الَّتِي زِيدَتْ مِن بَعْدُ لِخَزْنِ الأقْواتِ اسْتِعْدادًا لِلسَّنَواتِ المُعَبَّرِ عَنْها بِقَوْلِهِ ﴿مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] .

واقْتِراحُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ إعْدادٌ لِنَفْسِهِ لِلْقِيامِ بِمَصالِحِ الأُمَّةِ عَلى …

56

وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And thus We established Joseph in the land to settle therein wherever he willed. We touch with Our mercy whom We will, and We do not allow to be lost the reward of those who do good.

﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ آيَةِ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ آنِفًا. والتَّبَوُّءُ: اتِّخاذُ مَكانٍ لِلْبَوْءِ، أيِ الرُّجُوعِ، فَمَعْنى التَّبَوُّءِ النُّزُولُ والإقامَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: ٨٧] في سُورَةِ يُونُسَ. وقَوْلُهُ ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ كِنايَةٌ عَنْ تَصَرُّفِهِ في جَمِيعِ مَمْلَكَةِ مِصْرَ فَهو عِنْدَ حُلُولِهِ بِمَكانٍ مِنَ المَمْلَكَةِ لَوْ شاءَ أنْ يَحِلَّ بِغَيْرِهِ لَفَعَلَ، فَجُمْلَةُ يَتَبَوَّأُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن يُوسُفَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿حَيْثُ يَشاءُ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] بِنُونِ العَظَمَةِ، أيْ حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ، أيْ حَيْثُ نَأْمُرُهُ أوْ نُلْهِمُهُ. والمَعْنى مُتَّحِدٌ لِأنَّهُ لا يَشاءُ إلّا ما شاءَهُ اللَّهُ

صفحة ١١

وجُمْلَةُ ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ إلى آخِرِها تَذْيِيلٌ لِمُناسَبَةِ عُمُومِهِ لِخُصُوصِ ما أصابَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الرَّحْمَةِ في أحْوالِهِ في الدُّنْيا وما كانَ لَهُ مِن مَواقِفِ الإحْسانِ الَّتِي كانَ ما أُعْطِيَهُ مِنَ النِّعَمِ وشَرَفِ المُنْزِلَةِ جَزاءً لَها في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ. ولَأجْرُهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ لَهُ ولِكُلِّ مَن آمَنَ واتَّقى.

والتَّعْبِيرُ في جانِبِ الإيمانِ بِصِيغَةِ الماضِي وفي جانِبِ التَّقْوى بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِأنَّ الإيمانَ عَقْدُ القَلْبِ الجازِمُ فَهو حاصِلٌ دُفْعَةً واحِدَةً، وأمّا التَّقْوى فَهي مُتَجَدِّدَةٌ بِتَجَدُّدِ أسْبابِ الأمْرِ والنَّهْيِ واخْتِلافِ الأعْمالِ والأزْمانِ.

57

وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ

And the reward of the Hereafter is better for those who believed and were fearing Allah.

﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ آيَةِ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ آنِفًا. والتَّبَوُّءُ: اتِّخاذُ مَكانٍ لِلْبَوْءِ، أيِ الرُّجُوعِ، فَمَعْنى التَّبَوُّءِ النُّزُولُ والإقامَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: ٨٧] في سُورَةِ يُونُسَ. وقَوْلُهُ ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ كِنايَةٌ عَنْ تَصَرُّفِهِ في جَمِيعِ مَمْلَكَةِ مِصْرَ فَهو عِنْدَ حُلُولِهِ بِمَكانٍ مِنَ المَمْلَكَةِ لَوْ شاءَ أنْ يَحِلَّ بِغَيْرِهِ لَفَعَلَ، فَجُمْلَةُ يَتَبَوَّأُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن يُوسُفَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿حَيْثُ يَشاءُ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] بِنُونِ العَظَمَةِ، أيْ حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ، أيْ حَيْثُ نَأْمُرُهُ أوْ نُلْهِمُهُ. والمَعْنى مُتَّحِدٌ لِأنَّهُ لا يَشاءُ إلّا ما شاءَهُ اللَّهُ

صفحة ١١

وجُمْلَةُ ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ إلى آخِرِها تَذْيِيلٌ لِمُناسَبَةِ عُمُومِهِ لِخُصُوصِ ما أصابَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الرَّحْمَةِ في أحْوالِهِ في الدُّنْيا وما كانَ لَهُ مِن مَواقِفِ الإحْسانِ الَّتِي كانَ ما أُعْطِيَهُ مِنَ النِّعَمِ وشَرَفِ المُنْزِلَةِ جَزاءً لَها في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ. ولَأجْرُهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ لَهُ ولِكُلِّ مَن آمَنَ واتَّقى.

والتَّعْبِيرُ في جانِبِ الإيمانِ بِصِيغَةِ الماضِي وفي جانِبِ التَّقْوى بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِأنَّ الإيمانَ عَقْدُ القَلْبِ الجازِمُ فَهو حاصِلٌ دُفْعَةً واحِدَةً، وأمّا التَّقْوى فَهي مُتَجَدِّدَةٌ بِتَجَدُّدِ أسْبابِ الأمْرِ والنَّهْيِ واخْتِلافِ الأعْمالِ والأزْمانِ.

58

وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ

And the brothers of Joseph came [seeking food], and they entered upon him; and he recognized them, but he was to them unknown.

﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّيَ أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ طَوى القُرْآنُ أخَرَةَ أمْرِ امْرَأةِ العَزِيزِ وحُلُولَ سِنِي الخِصْبِ والِادِّخارِ ثُمَّ اعْتِراءَ سِنِي القَحْطِ لِقِلَّةِ جَدْوى ذَلِكَ كُلِّهِ في الغَرَضِ الَّذِي نَزَلَتِ السُّورَةُ لِأجْلِهِ، وهو إظْهارُ ما يَلْقاهُ الأنْبِياءُ مِن ذَوِيهِمْ وكَيْفَ تَكُونُ لَهم عاقِبَةُ النَّصْرِ والحُسْنى، ولِأنَّهُ مَعْلُومٌ حُصُولُهُ، ولِذَلِكَ انْتَقَلَتِ القِصَّةُ إلى ما فِيها مِن مَصِيرِ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في حاجَةٍ إلى نِعْمَتِهِ، ومِن جَمْعِ اللَّهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ الَّذِي يُحِبُّهُ، ثُمَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبَوَيْهِ، ثُمَّ مَظاهِرِ عَفْوِهِ عَنْ إخْوَتِهِ وصِلَتِهِ رَحِمَهُ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ كُلِّهِ أثَرًا في مَعْرِفَةِ فَضائِلِهِ.

وكانَ مَجِيءُ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مِصْرَ لِلْمِيرَةِ عِنْدَ حُلُولِ القَحْطِ بِأرْضِ مِصْرَ وما جاوَرَها مِن بِلادِ فِلَسْطِينَ مَنازِلِ آلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ

صفحة ١٢

السَّلامُ، وكانَ مَجِيئُهم في السَّنَةِ الثّالِثَةِ مِن سِنِي القَحْطِ. وإنَّما جاءَ إخْوَتُهُ عَدا بِنْيامِينَ لِصِغَرِهِ، وإنَّما رَحَلُوا لِلْمِيرَةِ كُلُّهم لَعَلَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّزْوِيدَ مِنَ الطَّعامِ كانَ بِتَقْدِيرٍ يُراعى فِيهِ عَدَدُ المُمْتارِينَ، وأيْضًا لِيَكُونُوا جَماعَةً لا يَطْمَعُ فِيهِمْ قُطّاعُ الطَّرِيقِ، وكانَ الَّذِينَ جاءُوا عَشَرَةً. وقَدْ عُرِفَ أنَّهم جاءُوا مُمْتارِينَ مِن تَقَدُّمِ قَوْلِهِ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] وقَوْلِهِ الآتِي ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ .

ودُخُولُهم عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يُراقِبُ أمْرَ بَيْعِ الطَّعامِ بِحُضُورِهِ ويَأْذَنُ بِهِ في مَجْلِسِهِ خَشْيَةَ إضاعَةِ الأقْواتِ؛ لِأنَّ بِها حَياةَ الأُمَّةِ.

وعَرَفَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ إخْوَتَهِ بَعْدَ مُضِيِّ سِنِينَ عَلى فِراقِهِمْ لِقُوَّةِ فِراسَتِهِ وزَكانَةِ عَقْلِهِ دُونَهم.

وجُمْلَةُ ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (فَعَرَفَهم)، ووَقَعَ الإخْبارُ عَنْهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أمْرٌ ثابِتٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهم، وكانَ الإخْبارُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ إيّاهم بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُفِيدَةِ لِلتَّجَدُّدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَعْرِفَتَهُ إيّاهم حَصَلَتْ بِحِدْثانِ رُؤْيَتِهِ إيّاهم دُونَ تَوَسُّمٍ وتَأمُّلٍ. وقُرِنَ مَفْعُولُ (مُنْكِرُونَ) الَّذِي هو ضَمِيرُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ ولَمْ يَقُلْ وهم مُنْكِرُونَ لِزِيادَةِ تَقْوِيَةِ جَهْلِهِمْ بِمَعْرِفَتِهِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِلامِ التَّقْوِيَةِ في (لَهُ مُنْكِرُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ، ولِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ نُكْرَتِهِمْ إيّاهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وإلّا فَإنَّ شَمائِلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَتْ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يَجْهَلَ ويَنْسى.

والجَهازُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِها ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ، وأوَّلُهُ ما سافَرَ لِأجْلِهِ مِنَ الأحْمالِ. والتَّجْهِيزُ: إعْطاءُ الجِهازِ.

وقَوْلُهُ ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكُمْ﴾ يَقْتَضِي وُقُوعَ حَدِيثٍ مِنهم عَنْ أنَّ لَهم أخًا مِن أبِيهِمْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهم وإلّا لَكانَ إنْباءُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِهَذا يُشْعِرُهم

صفحة ١٣ …

59

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍۢ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ

And when he had furnished them with their supplies, he said, "Bring me a brother of yours from your father. Do not you see that I give full measure and that I am the best of accommodators?

﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّيَ أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ طَوى القُرْآنُ أخَرَةَ أمْرِ امْرَأةِ العَزِيزِ وحُلُولَ سِنِي الخِصْبِ والِادِّخارِ ثُمَّ اعْتِراءَ سِنِي القَحْطِ لِقِلَّةِ جَدْوى ذَلِكَ كُلِّهِ في الغَرَضِ الَّذِي نَزَلَتِ السُّورَةُ لِأجْلِهِ، وهو إظْهارُ ما يَلْقاهُ الأنْبِياءُ مِن ذَوِيهِمْ وكَيْفَ تَكُونُ لَهم عاقِبَةُ النَّصْرِ والحُسْنى، ولِأنَّهُ مَعْلُومٌ حُصُولُهُ، ولِذَلِكَ انْتَقَلَتِ القِصَّةُ إلى ما فِيها مِن مَصِيرِ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في حاجَةٍ إلى نِعْمَتِهِ، ومِن جَمْعِ اللَّهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ الَّذِي يُحِبُّهُ، ثُمَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبَوَيْهِ، ثُمَّ مَظاهِرِ عَفْوِهِ عَنْ إخْوَتِهِ وصِلَتِهِ رَحِمَهُ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ كُلِّهِ أثَرًا في مَعْرِفَةِ فَضائِلِهِ.

وكانَ مَجِيءُ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مِصْرَ لِلْمِيرَةِ عِنْدَ حُلُولِ القَحْطِ بِأرْضِ مِصْرَ وما جاوَرَها مِن بِلادِ فِلَسْطِينَ مَنازِلِ آلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ

صفحة ١٢

السَّلامُ، وكانَ مَجِيئُهم في السَّنَةِ الثّالِثَةِ مِن سِنِي القَحْطِ. وإنَّما جاءَ إخْوَتُهُ عَدا بِنْيامِينَ لِصِغَرِهِ، وإنَّما رَحَلُوا لِلْمِيرَةِ كُلُّهم لَعَلَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّزْوِيدَ مِنَ الطَّعامِ كانَ بِتَقْدِيرٍ يُراعى فِيهِ عَدَدُ المُمْتارِينَ، وأيْضًا لِيَكُونُوا جَماعَةً لا يَطْمَعُ فِيهِمْ قُطّاعُ الطَّرِيقِ، وكانَ الَّذِينَ جاءُوا عَشَرَةً. وقَدْ عُرِفَ أنَّهم جاءُوا مُمْتارِينَ مِن تَقَدُّمِ قَوْلِهِ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] وقَوْلِهِ الآتِي ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ .

ودُخُولُهم عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يُراقِبُ أمْرَ بَيْعِ الطَّعامِ بِحُضُورِهِ ويَأْذَنُ بِهِ في مَجْلِسِهِ خَشْيَةَ إضاعَةِ الأقْواتِ؛ لِأنَّ بِها حَياةَ الأُمَّةِ.

وعَرَفَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ إخْوَتَهِ بَعْدَ مُضِيِّ سِنِينَ عَلى فِراقِهِمْ لِقُوَّةِ فِراسَتِهِ وزَكانَةِ عَقْلِهِ دُونَهم.

وجُمْلَةُ ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (فَعَرَفَهم)، ووَقَعَ الإخْبارُ عَنْهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أمْرٌ ثابِتٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهم، وكانَ الإخْبارُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ إيّاهم بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُفِيدَةِ لِلتَّجَدُّدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَعْرِفَتَهُ إيّاهم حَصَلَتْ بِحِدْثانِ رُؤْيَتِهِ إيّاهم دُونَ تَوَسُّمٍ وتَأمُّلٍ. وقُرِنَ مَفْعُولُ (مُنْكِرُونَ) الَّذِي هو ضَمِيرُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ ولَمْ يَقُلْ وهم مُنْكِرُونَ لِزِيادَةِ تَقْوِيَةِ جَهْلِهِمْ بِمَعْرِفَتِهِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِلامِ التَّقْوِيَةِ في (لَهُ مُنْكِرُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ، ولِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ نُكْرَتِهِمْ إيّاهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وإلّا فَإنَّ شَمائِلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَتْ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يَجْهَلَ ويَنْسى.

والجَهازُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِها ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ، وأوَّلُهُ ما سافَرَ لِأجْلِهِ مِنَ الأحْمالِ. والتَّجْهِيزُ: إعْطاءُ الجِهازِ.

وقَوْلُهُ ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكُمْ﴾ يَقْتَضِي وُقُوعَ حَدِيثٍ مِنهم عَنْ أنَّ لَهم أخًا مِن أبِيهِمْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهم وإلّا لَكانَ إنْباءُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِهَذا يُشْعِرُهم

صفحة ١٣ …

60

فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ

But if you do not bring him to me, no measure will there be [hereafter] for you from me, nor will you approach me."

﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّيَ أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ طَوى القُرْآنُ أخَرَةَ أمْرِ امْرَأةِ العَزِيزِ وحُلُولَ سِنِي الخِصْبِ والِادِّخارِ ثُمَّ اعْتِراءَ سِنِي القَحْطِ لِقِلَّةِ جَدْوى ذَلِكَ كُلِّهِ في الغَرَضِ الَّذِي نَزَلَتِ السُّورَةُ لِأجْلِهِ، وهو إظْهارُ ما يَلْقاهُ الأنْبِياءُ مِن ذَوِيهِمْ وكَيْفَ تَكُونُ لَهم عاقِبَةُ النَّصْرِ والحُسْنى، ولِأنَّهُ مَعْلُومٌ حُصُولُهُ، ولِذَلِكَ انْتَقَلَتِ القِصَّةُ إلى ما فِيها مِن مَصِيرِ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في حاجَةٍ إلى نِعْمَتِهِ، ومِن جَمْعِ اللَّهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ الَّذِي يُحِبُّهُ، ثُمَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبَوَيْهِ، ثُمَّ مَظاهِرِ عَفْوِهِ عَنْ إخْوَتِهِ وصِلَتِهِ رَحِمَهُ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ كُلِّهِ أثَرًا في مَعْرِفَةِ فَضائِلِهِ.

وكانَ مَجِيءُ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مِصْرَ لِلْمِيرَةِ عِنْدَ حُلُولِ القَحْطِ بِأرْضِ مِصْرَ وما جاوَرَها مِن بِلادِ فِلَسْطِينَ مَنازِلِ آلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ

صفحة ١٢

السَّلامُ، وكانَ مَجِيئُهم في السَّنَةِ الثّالِثَةِ مِن سِنِي القَحْطِ. وإنَّما جاءَ إخْوَتُهُ عَدا بِنْيامِينَ لِصِغَرِهِ، وإنَّما رَحَلُوا لِلْمِيرَةِ كُلُّهم لَعَلَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّزْوِيدَ مِنَ الطَّعامِ كانَ بِتَقْدِيرٍ يُراعى فِيهِ عَدَدُ المُمْتارِينَ، وأيْضًا لِيَكُونُوا جَماعَةً لا يَطْمَعُ فِيهِمْ قُطّاعُ الطَّرِيقِ، وكانَ الَّذِينَ جاءُوا عَشَرَةً. وقَدْ عُرِفَ أنَّهم جاءُوا مُمْتارِينَ مِن تَقَدُّمِ قَوْلِهِ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] وقَوْلِهِ الآتِي ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ .

ودُخُولُهم عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يُراقِبُ أمْرَ بَيْعِ الطَّعامِ بِحُضُورِهِ ويَأْذَنُ بِهِ في مَجْلِسِهِ خَشْيَةَ إضاعَةِ الأقْواتِ؛ لِأنَّ بِها حَياةَ الأُمَّةِ.

وعَرَفَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ إخْوَتَهِ بَعْدَ مُضِيِّ سِنِينَ عَلى فِراقِهِمْ لِقُوَّةِ فِراسَتِهِ وزَكانَةِ عَقْلِهِ دُونَهم.

وجُمْلَةُ ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (فَعَرَفَهم)، ووَقَعَ الإخْبارُ عَنْهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أمْرٌ ثابِتٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهم، وكانَ الإخْبارُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ إيّاهم بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُفِيدَةِ لِلتَّجَدُّدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَعْرِفَتَهُ إيّاهم حَصَلَتْ بِحِدْثانِ رُؤْيَتِهِ إيّاهم دُونَ تَوَسُّمٍ وتَأمُّلٍ. وقُرِنَ مَفْعُولُ (مُنْكِرُونَ) الَّذِي هو ضَمِيرُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ ولَمْ يَقُلْ وهم مُنْكِرُونَ لِزِيادَةِ تَقْوِيَةِ جَهْلِهِمْ بِمَعْرِفَتِهِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِلامِ التَّقْوِيَةِ في (لَهُ مُنْكِرُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ، ولِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ نُكْرَتِهِمْ إيّاهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وإلّا فَإنَّ شَمائِلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَتْ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يَجْهَلَ ويَنْسى.

والجَهازُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِها ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ، وأوَّلُهُ ما سافَرَ لِأجْلِهِ مِنَ الأحْمالِ. والتَّجْهِيزُ: إعْطاءُ الجِهازِ.

وقَوْلُهُ ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكُمْ﴾ يَقْتَضِي وُقُوعَ حَدِيثٍ مِنهم عَنْ أنَّ لَهم أخًا مِن أبِيهِمْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهم وإلّا لَكانَ إنْباءُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِهَذا يُشْعِرُهم

صفحة ١٣ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.