Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 31–40 of 111

31

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًۭٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍۢ مِّنْهُنَّ سِكِّينًۭا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ

So when she heard of their scheming, she sent for them and prepared for them a banquet and gave each one of them a knife and said [to Joseph], "Come out before them." And when they saw him, they greatly admired him and cut their hands and said, "Perfect is Allah! This is not a man; this is none but a noble angel."

﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتُ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾

حَقُّ سَمِعَ أنْ يُعَدّى إلى المَسْمُوعِ بِنَفْسِهِ، فَتَعْدِيَتُهُ بِالباءِ هُنا إمّا لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى أُخْبِرَتْ، كَقَوْلِ المَثَلِ: ”تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ“ أيْ تُخْبَرُ عَنْهُ. وإمّا أنْ تَكُونَ الباءُ مَزِيدَةً لِلتَّوْكِيدِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .

صفحة ٢٦٢

وأطْلَقَ عَلى كَلامِهِنَّ اسْمَ المَكْرِ، قِيلَ: لِأنَّهُنَّ أرَدْنَ بِذَلِكَ أنْ يَبْلُغَ قَوْلُهُنَّ إلَيْهِا فَيُغْرِيَها بِعَرْضِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِنَّ فَيَرَيْنَ جَمالَهُ لِأنَّهُنَّ أحْبَبْنَ أنْ يَرَيْنَهُ. وقِيلَ: لِأنَّهُنَّ قُلْنَهُ خُفْيَةً فَأشْبَهَ المَكْرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلى قَوْلِهِنَّ اسْمُ المَكْرِ لِأنَّهُنَّ قُلْنَهُ في صُورَةِ الإنْكارِ وهُنَّ يُضْمِرْنَ حَسَدَها عَلى اقْتِناءِ مِثْلِهِ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّغَفُ بِالعَبْدِ في عادَتِهِمْ غَيْرَ مُنْكَرٍ.

﴿وأعْتَدَتْ﴾: أصْلُهُ أعْدَدَتْ، أُبْدِلَتِ الدّالُ الأُولى تاءً، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧] في سُورَةِ النِّساءِ.

والمُتَّكَأُ: مَحَلُّ الِاتِّكاءِ. والِاتِّكاءُ: جَلْسَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الِاضْطِجاعِ عَلى الجَنْبِ مَعَ انْتِصابٍ قَلِيلٍ في النِّصْفِ الأعْلى. وإنَّما يَكُونُ الِاتِّكاءُ إذا أُرِيدَ إطالَةُ المُكْثِ والِاسْتِراحَةِ، أيْ أحْضَرَتْ لَهُنَّ نَمارِقَ يَتَّكِئْنَ عَلَيْها لِتَناوُلِ طَعامٍ. وكانَ أهْلُ التَّرَفِ يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ كَما كانَتْ عادَةً لِلرُّومانِ، ولَمْ تَزَلْ أسِرَّةُ اتِّكائِهِمْ مَوْجُودَةً في دِيارِ الآثارِ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «أمّا أنا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا» .

ومَعْنى ﴿آتَتْ﴾ [الكهف: ٣٣] أمَرَتْ خَدَمَها بِالإيتاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦]

والسِّكِّينُ: آلَةُ قَطْعِ اللَّحْمِ وغَيْرِهِ. قِيلَ: أحْضَرَتْ لَهُنَّ أُتْرُجًّا ومَوْزًا فَحَضَرْنَ واتَّكَأْنَ، وقَدْ حَذَفَ هَذانِ الفِعْلانِ إيجازًا. وأعْطَتْ كُلَّ واحِدَةٍ سِكِّينًا لِقَشْرِ الثِّمارِ.

وقَوْلُهُا ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ في بَيْتٍ آخَرَ وكانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها إلّا بِإذْنِها. وعُدِّيَ فِعْلُ الخُرُوجِ بِحَرْفِ عَلى لِأنَّهُ ضُمًّنَ مَعْنى ”ادْخُلْ“ لِأنَّ المَقْصُودَ دُخُولُهُ عَلَيْهِنَّ لا مُجَرَّدَ خُرُوجِهِ مِنَ البَيْتِ الَّذِي هو فِيهِ.

ومَعْنى ﴿أكْبَرْنَهُ﴾ أعْظَمْنَهُ، أيْ أعَظَمْنَ جَمالَهُ وشَمائِلَهُ، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْعَدِّ، أيْ أعْدَدْنَهُ كَبِيرًا. وأُطْلِقَ الكِبَرُ عَلى عَظِيمِ الصِّفاتِ تَشْبِيهًا لِوَفْرَةِ الصِّفاتِ بِعِظَمِ الذّاتِ.

صفحة ٢٦٣

وتَقْطِيعُ أيْدِيَهُنَّ كانَ مِنَ الذُّهُولِ. أيْ أجْرَيْنَ السَّكاكِينَ عَلى أيْدِيهِنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يَقْطَعْنَ الفَواكِهَ. وأُرِيدَ بِالقَطْعِ الجَرْحُ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ القَطْعُ مَجازًا لِلْمُبالَغَةِ في شِدَّتِهِ حَتّى كَأنَّهُ قَطَعَ قِطْعَةً مِن لَحْمِ اليَدِ.

و﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ تَرْكِيبٌ عَرَبِيٌّ جَرى مَجْرى المَثَلِ يُرادُ مِنهُ إبْطالُ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ …

32

قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًۭا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ

She said, "That is the one about whom you blamed me. And I certainly sought to seduce him, but he firmly refused; and if he will not do what I order him, he will surely be imprisoned and will be of those debased."

﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتُ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾

حَقُّ سَمِعَ أنْ يُعَدّى إلى المَسْمُوعِ بِنَفْسِهِ، فَتَعْدِيَتُهُ بِالباءِ هُنا إمّا لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى أُخْبِرَتْ، كَقَوْلِ المَثَلِ: ”تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ“ أيْ تُخْبَرُ عَنْهُ. وإمّا أنْ تَكُونَ الباءُ مَزِيدَةً لِلتَّوْكِيدِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .

صفحة ٢٦٢

وأطْلَقَ عَلى كَلامِهِنَّ اسْمَ المَكْرِ، قِيلَ: لِأنَّهُنَّ أرَدْنَ بِذَلِكَ أنْ يَبْلُغَ قَوْلُهُنَّ إلَيْهِا فَيُغْرِيَها بِعَرْضِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِنَّ فَيَرَيْنَ جَمالَهُ لِأنَّهُنَّ أحْبَبْنَ أنْ يَرَيْنَهُ. وقِيلَ: لِأنَّهُنَّ قُلْنَهُ خُفْيَةً فَأشْبَهَ المَكْرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلى قَوْلِهِنَّ اسْمُ المَكْرِ لِأنَّهُنَّ قُلْنَهُ في صُورَةِ الإنْكارِ وهُنَّ يُضْمِرْنَ حَسَدَها عَلى اقْتِناءِ مِثْلِهِ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّغَفُ بِالعَبْدِ في عادَتِهِمْ غَيْرَ مُنْكَرٍ.

﴿وأعْتَدَتْ﴾: أصْلُهُ أعْدَدَتْ، أُبْدِلَتِ الدّالُ الأُولى تاءً، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧] في سُورَةِ النِّساءِ.

والمُتَّكَأُ: مَحَلُّ الِاتِّكاءِ. والِاتِّكاءُ: جَلْسَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الِاضْطِجاعِ عَلى الجَنْبِ مَعَ انْتِصابٍ قَلِيلٍ في النِّصْفِ الأعْلى. وإنَّما يَكُونُ الِاتِّكاءُ إذا أُرِيدَ إطالَةُ المُكْثِ والِاسْتِراحَةِ، أيْ أحْضَرَتْ لَهُنَّ نَمارِقَ يَتَّكِئْنَ عَلَيْها لِتَناوُلِ طَعامٍ. وكانَ أهْلُ التَّرَفِ يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ كَما كانَتْ عادَةً لِلرُّومانِ، ولَمْ تَزَلْ أسِرَّةُ اتِّكائِهِمْ مَوْجُودَةً في دِيارِ الآثارِ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «أمّا أنا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا» .

ومَعْنى ﴿آتَتْ﴾ [الكهف: ٣٣] أمَرَتْ خَدَمَها بِالإيتاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦]

والسِّكِّينُ: آلَةُ قَطْعِ اللَّحْمِ وغَيْرِهِ. قِيلَ: أحْضَرَتْ لَهُنَّ أُتْرُجًّا ومَوْزًا فَحَضَرْنَ واتَّكَأْنَ، وقَدْ حَذَفَ هَذانِ الفِعْلانِ إيجازًا. وأعْطَتْ كُلَّ واحِدَةٍ سِكِّينًا لِقَشْرِ الثِّمارِ.

وقَوْلُهُا ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ في بَيْتٍ آخَرَ وكانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها إلّا بِإذْنِها. وعُدِّيَ فِعْلُ الخُرُوجِ بِحَرْفِ عَلى لِأنَّهُ ضُمًّنَ مَعْنى ”ادْخُلْ“ لِأنَّ المَقْصُودَ دُخُولُهُ عَلَيْهِنَّ لا مُجَرَّدَ خُرُوجِهِ مِنَ البَيْتِ الَّذِي هو فِيهِ.

ومَعْنى ﴿أكْبَرْنَهُ﴾ أعْظَمْنَهُ، أيْ أعَظَمْنَ جَمالَهُ وشَمائِلَهُ، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْعَدِّ، أيْ أعْدَدْنَهُ كَبِيرًا. وأُطْلِقَ الكِبَرُ عَلى عَظِيمِ الصِّفاتِ تَشْبِيهًا لِوَفْرَةِ الصِّفاتِ بِعِظَمِ الذّاتِ.

صفحة ٢٦٣

وتَقْطِيعُ أيْدِيَهُنَّ كانَ مِنَ الذُّهُولِ. أيْ أجْرَيْنَ السَّكاكِينَ عَلى أيْدِيهِنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يَقْطَعْنَ الفَواكِهَ. وأُرِيدَ بِالقَطْعِ الجَرْحُ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ القَطْعُ مَجازًا لِلْمُبالَغَةِ في شِدَّتِهِ حَتّى كَأنَّهُ قَطَعَ قِطْعَةً مِن لَحْمِ اليَدِ.

و﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ تَرْكِيبٌ عَرَبِيٌّ جَرى مَجْرى المَثَلِ يُرادُ مِنهُ إبْطالُ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ …

33

قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

He said, "My Lord, prison is more to my liking than that to which they invite me. And if You do not avert from me their plan, I might incline toward them and [thus] be of the ignorant."

﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ما حُكِيَ قَبْلَهُ مَقامُ شِدَّةٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْألَ سامِعُهُ عَنْ حالِ تَلَقِّي يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيهِ لِكَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ.

وهَذا الكَلامُ مُناجاةٌ لِرَبِّهِ الَّذِي هو شاهِدُهم، فالظّاهِرُ أنَّهُ قالَ هَذا القَوْلَ في نَفْسِهِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جَهَرَ بِهِ في مَلَئِهِنَّ تَأْيِيسًا لَهُنَّ مِن أنْ يَفْعَلَ ما تَأْمُرُهُ بِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ السِّجْنُ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ وحْدَهُ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى مَعْنى المَصْدَرِ، أيْ إنَّ السَّجْنَ أحَبُّ إلَيَّ. وفَضَّلَ السَّجْنَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الألَمِ والشِّدَّةِ وضِيقِ النَّفَسِ عَلى ما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِالمَرْأةِ الحَسَنَةِ النَّفِيسَةِ عَلى ما فِيهِ مِنَ اللَّذَّةِ ولَكِنَّ كُرْهَهُ لِفِعْلِ الحَرامِ فَضُلَ عِنْدَهُ مُقاساةُ السِّجْنِ. فَلَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا مَحِيصَ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ صارَ السَّجْنُ مَحْبُوبًا إلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُخَلِّصُهُ مِنَ الوُقُوعِ في الحَرامِ فَهي مَحَبَّةٌ ناشِئَةٌ عَنْ مُلاءَمَةِ الفِكْرِ، كَمَحَبَّةِ الشُّجاعِ الحَرْبَ.

فالإخْبارُ بِأنَّ السِّجْنَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِالمَرْأةِ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ الرِّضى بِالسِّجْنِ في مَرْضاةِ اللَّهِ - تَعالى - والتَّباعُدِ عَنْ مَحارِمِهِ، إذْ لا فائِدَةَ في إخْبارِ مَن يَعْلَمُ ما في نَفْسِهِ فاسْمُ التَّفْضِيلِ عَلى حَقِيقَتِهِ ولا داعِيَ إلى تَأْوِيلِهِ بِمَسْلُوبِ المُفاضَلَةِ.

صفحة ٢٦٦

وعَبَّرَ عَمّا عَرَضَتْهُ المَرْأةُ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى كَوْنِ المَطْلُوبِ حالَةً هي مَظَنَّةُ الطَّواعِيَةِ؛ لِأنْ تُمالِئَ النّاسُ عَلى طَلَبِ الشَّيْءِ مِن شَأْنِهِ أنْ يُوَطِّنَ نَفْسَ المَطْلُوبِ لِلْفِعْلِ، فَأظْهَرَ أنَّ تَمالُئَهُنَّ عَلى طَلَبِهِنَّ مِنهُ امْتِثالُ أمْرِ المَرْأةِ لَمْ يَفُلَّ مِن صارِمِ عَزْمِهِ عَلى المُمانَعَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِسُؤالِ العِصْمَةِ مِنَ الوُقُوعِ في شَرَكِ كَيْدِهِنَّ، فانْتَقَلَ مِن ذِكْرِ الرِّضى بِوَعِيدِها إلى سُؤالِ العِصْمَةِ مِن كَيْدِها.

وأسْنَدَ فِعْلَ ﴿يَدْعُونَنِي﴾ إلى نُونِ النِّسْوَةِ، فالواوُ الَّذِي فِيهِ هو حَرْفٌ أصْلِيٌّ ولَيْسَتْ واوُ الجَماعَةِ، والنُّونُ لَيْسَتْ نُونُ رَفْعٍ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ لِاتِّصالِهِ بِنُونِ النِّسْوَةِ، ووَزْنُهُ يَفْعَلْنَ. وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ جَمْعِ النِّساءِ مَعَ أنَّ الَّتِي دَعَتْهُ امْرَأةٌ واحِدَةٌ، إمّا لِأنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ مِن رَغَباتِ صِنْفِ النِّساءِ فَيَكُونُ عَلى وزانِ جَمْعِ الضَّمِيرِ في كَيْدِهِنَّ، وإمّا لِأنَّ النِّسْوَةَ اللّاتِي جَمَعَتْهُنَّ امْرَأةُ العَزِيزِ لَمّا سَمِعْنَ كَلامَها تَمالَأْنَ عَلى لَوْمِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَحْرِيضِهِ عَلى إجابَةِ الدّاعِيَةِ، وتَحْذِيرِهِ مِن وعِيدِها بِالسِّجْنِ. وعَلى وزانِ هَذا يَكُونُ القَوْلُ في جَمْعِ الضَّمِيرِ في كَيْدَهُنَّ أيْ كَيْدَ صِنْفِ النِّساءِ، مِثْلَ قَوْلِ العَزِيزِ ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]، أيْ كَيْدَ هَؤُلاءِ النِّسْوَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّخَوُّفِ والتَّوَقُّعِ التِجاءً إلى اللَّهِ ومُلازَمَةً لِلْأدَبِ نَحْوَ رَبِّهِ بِالتَّبَرُّؤِ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ والخَشْيَةِ …

34

فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

So his Lord responded to him and averted from him their plan. Indeed, He is the Hearing, the Knowing.

﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ما حُكِيَ قَبْلَهُ مَقامُ شِدَّةٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْألَ سامِعُهُ عَنْ حالِ تَلَقِّي يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيهِ لِكَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ.

وهَذا الكَلامُ مُناجاةٌ لِرَبِّهِ الَّذِي هو شاهِدُهم، فالظّاهِرُ أنَّهُ قالَ هَذا القَوْلَ في نَفْسِهِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جَهَرَ بِهِ في مَلَئِهِنَّ تَأْيِيسًا لَهُنَّ مِن أنْ يَفْعَلَ ما تَأْمُرُهُ بِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ السِّجْنُ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ وحْدَهُ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى مَعْنى المَصْدَرِ، أيْ إنَّ السَّجْنَ أحَبُّ إلَيَّ. وفَضَّلَ السَّجْنَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الألَمِ والشِّدَّةِ وضِيقِ النَّفَسِ عَلى ما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِالمَرْأةِ الحَسَنَةِ النَّفِيسَةِ عَلى ما فِيهِ مِنَ اللَّذَّةِ ولَكِنَّ كُرْهَهُ لِفِعْلِ الحَرامِ فَضُلَ عِنْدَهُ مُقاساةُ السِّجْنِ. فَلَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا مَحِيصَ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ صارَ السَّجْنُ مَحْبُوبًا إلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُخَلِّصُهُ مِنَ الوُقُوعِ في الحَرامِ فَهي مَحَبَّةٌ ناشِئَةٌ عَنْ مُلاءَمَةِ الفِكْرِ، كَمَحَبَّةِ الشُّجاعِ الحَرْبَ.

فالإخْبارُ بِأنَّ السِّجْنَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِالمَرْأةِ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ الرِّضى بِالسِّجْنِ في مَرْضاةِ اللَّهِ - تَعالى - والتَّباعُدِ عَنْ مَحارِمِهِ، إذْ لا فائِدَةَ في إخْبارِ مَن يَعْلَمُ ما في نَفْسِهِ فاسْمُ التَّفْضِيلِ عَلى حَقِيقَتِهِ ولا داعِيَ إلى تَأْوِيلِهِ بِمَسْلُوبِ المُفاضَلَةِ.

صفحة ٢٦٦

وعَبَّرَ عَمّا عَرَضَتْهُ المَرْأةُ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى كَوْنِ المَطْلُوبِ حالَةً هي مَظَنَّةُ الطَّواعِيَةِ؛ لِأنْ تُمالِئَ النّاسُ عَلى طَلَبِ الشَّيْءِ مِن شَأْنِهِ أنْ يُوَطِّنَ نَفْسَ المَطْلُوبِ لِلْفِعْلِ، فَأظْهَرَ أنَّ تَمالُئَهُنَّ عَلى طَلَبِهِنَّ مِنهُ امْتِثالُ أمْرِ المَرْأةِ لَمْ يَفُلَّ مِن صارِمِ عَزْمِهِ عَلى المُمانَعَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِسُؤالِ العِصْمَةِ مِنَ الوُقُوعِ في شَرَكِ كَيْدِهِنَّ، فانْتَقَلَ مِن ذِكْرِ الرِّضى بِوَعِيدِها إلى سُؤالِ العِصْمَةِ مِن كَيْدِها.

وأسْنَدَ فِعْلَ ﴿يَدْعُونَنِي﴾ إلى نُونِ النِّسْوَةِ، فالواوُ الَّذِي فِيهِ هو حَرْفٌ أصْلِيٌّ ولَيْسَتْ واوُ الجَماعَةِ، والنُّونُ لَيْسَتْ نُونُ رَفْعٍ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ لِاتِّصالِهِ بِنُونِ النِّسْوَةِ، ووَزْنُهُ يَفْعَلْنَ. وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ جَمْعِ النِّساءِ مَعَ أنَّ الَّتِي دَعَتْهُ امْرَأةٌ واحِدَةٌ، إمّا لِأنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ مِن رَغَباتِ صِنْفِ النِّساءِ فَيَكُونُ عَلى وزانِ جَمْعِ الضَّمِيرِ في كَيْدِهِنَّ، وإمّا لِأنَّ النِّسْوَةَ اللّاتِي جَمَعَتْهُنَّ امْرَأةُ العَزِيزِ لَمّا سَمِعْنَ كَلامَها تَمالَأْنَ عَلى لَوْمِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَحْرِيضِهِ عَلى إجابَةِ الدّاعِيَةِ، وتَحْذِيرِهِ مِن وعِيدِها بِالسِّجْنِ. وعَلى وزانِ هَذا يَكُونُ القَوْلُ في جَمْعِ الضَّمِيرِ في كَيْدَهُنَّ أيْ كَيْدَ صِنْفِ النِّساءِ، مِثْلَ قَوْلِ العَزِيزِ ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]، أيْ كَيْدَ هَؤُلاءِ النِّسْوَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّخَوُّفِ والتَّوَقُّعِ التِجاءً إلى اللَّهِ ومُلازَمَةً لِلْأدَبِ نَحْوَ رَبِّهِ بِالتَّبَرُّؤِ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ والخَشْيَةِ …

35

ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْءَايَٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍۢ

Then it appeared to them after they had seen the signs that al-'Azeez should surely imprison him for a time.

﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِّن بَعْدَ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾

ثُمَّ هُنا لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ فَإنَّ ما بَدا لَهم أعْجَبُ بَعْدَ ما تَحَقَّقَتْ بَراءَتُهُ. وإنَّما بَدا لَهم أنْ يَسْجُنُوا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ شاعَتِ القالَةُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ في شَأْنِهِ فَكانَ ذَلِكَ عَقِبَ انْصِرافِ النِّسْوَةِ لِأنَّها خَشِيَتْ إنْ هُنَّ انْصَرَفْنَ أنْ تَشِيعَ القالَةُ في شَأْنِها وشَأْنِ بَراءَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرامَتْ أنْ تُغَطِّيَ ذَلِكَ بِسِجْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى يَظْهَرَ في صُورَةِ المُجْرِمِينَ بِإرادَتِهِ السُّوءَ بِامْرَأةِ العَزِيزِ، وهي تَرْمِي بِذَلِكَ إلى تَطْوِيعِهِ لَها. ولَعَلَّها أرادَتْ أنْ تُوهِمَ النّاسَ بِأنَّ مُراوَدَتَهُ إيّاها وقَعَتْ يَوْمَ ذَلِكَ المَجْمَعِ، وأنْ تُوهِمَ أنَّهُنَّ شَواهِدُ عَلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

والضَّمِيرُ في لَهم لِجَماعَةِ العَزِيزِ مِن مُشِيرٍ وآمِرٍ.

وجُمْلَةُ ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُعَلِّقَةُ فِعْلَ بَدا عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ لِأجْلِ لامِ القَسَمِ لِأنَّ ما بَعْدَ لامِ القَسَمِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ. وفِيهِ

صفحة ٢٦٨

دَلِيلٌ لِلْمَعْمُولِ المَحْذُوفِ إذِ التَّحْقِيقُ أنَّ التَّعْلِيقَ لا يَخْتَصُّ بِأفْعالِ الظَّنِّ، وهو مَذْهَبُ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ؛ لِأنَّ سَبَبَ التَّعْلِيقِ وُجُودُ أداةٍ لَها صَدْرُ الكَلامِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلُهُ.

والتَّقْدِيرُ: بَدا لَهم ما يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا القَسَمُ، أيْ بَدا لَهم تَأْكِيدُ أنْ يَسْجُنُوهُ.

وذَكَرَ في المُغْنِي في آخِرِ الجُمَلِ الَّتِي لَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ: وُقُوعَ الخِلافِ في الفاعِلِ ونائِبِ الفاعِلِ، هَلْ يَكُونُ جُمْلَةً ؟ فَأجازَهُ هِشامُ وثَعْلَبٌ مُطْلَقًا، وأجازَهُ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ إذا كانَ الفِعْلُ قَلْبِيًّا ووُجِدَ مُعَلَّقٌ، وحَمَلُوا الآيَةَ عَلَيْهِ، ونُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ. وهو يُئَوَّلُ إلى مَعْنى التَّعْلِيقِ، والتَّعْلِيقُ أنْسَبُ بِالمَعْنى.

والحِينُ: زَمَنٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، فَإنْ كانَ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ مِن كَلامِهِمْ كانَ المَعْنى: أنَّهم أمَرُوا بِسَجْنِهِ سَجْنًا غَيْرَ مُؤَجَّلِ المُدَّةِ. وإنْ كانَ مِنَ الحِكايَةِ كانَ القُرْآنُ قَدْ أبْهَمَ المُدَّةَ الَّتِي أذِنُوا بِسِجْنِهِ إلَيْها إذْ لا يَتَعَلَّقُ فِيها الغَرَضُ مِنَ القِصَّةِ.

والآياتُ: دَلائِلُ صِدْقِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَذِبِ امْرَأةِ العَزِيزِ.

36

وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًۭا ۖ وَقَالَ ٱلْءَاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًۭا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ ۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And there entered the prison with him two young men. One of them said, "Indeed, I have seen myself [in a dream] pressing wine." The other said, "Indeed, I have seen myself carrying upon my head [some] bread, from which the birds were eating. Inform us of its interpretation; indeed, we see you to be of those who do good."

﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أحَدُهُما إنِّيَ أرانِيَ أعْصِرُ خَمْرًا وقالَ الآخَرُ إنِّيَ أرانِيَ أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ نَبَئِنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ اتَّفَقَ جَمِيعُ القُرّاءِ عَلى كَسْرِ سِينِ السِّجْنَ هُنا بِمَعْنى البَيْتِ الَّذِي يُسْجَنُ فِيهِ؛ لِأنَّ الدُّخُولَ لا يُناسِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ إلّا بِالمَكانِ لا بِالمَصْدَرِ.

وهَذانَ الفَتَيانِ هُما ساقَيِ المَلِكِ وخَبّازُهُ غَضِبَ عَلَيْهِما المَلِكُ فَأمَرَ بِسَجْنِهِما. قِيلَ: اتُّهِما بِتَسْمِيمِ المَلِكِ في الشَّرابِ والطَّعامِ.

وجُمْلَةُ ﴿قالَ أحَدُهُما﴾ ابْتِداءُ مُحاوَرَةٍ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ القَوْلِ.

صفحة ٢٦٩

وكانَ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا مِن فُنُونِ عُلَمائِهِمْ فَلِذَلِكَ أيَّدَ اللَّهُ بِهِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيْنَهم.

وهَذانَ الفَتَيانِ تَوَسَّما مِن يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَمالَ العَقْلِ والفَهْمِ فَظَنّا أنَّهُ يُحْسِنُ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا ولَمْ يَكُونا عَلِما مِنهُ ذَلِكَ مِن قَبْلُ، وقَدْ صادَفا الصَّوابَ، ولِذَلِكَ قالا ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾، أيِ المُحْسِنِينَ التَّعْبِيرَ، أوِ المُحْسِنِينَ الفَهْمَ.

والإحْسانُ: الإتْقانُ، يُقالُ: هو لا يُحْسِنُ القِراءَةَ، أيْ لا يُتْقِنُها. ومِن عادَةِ المَساجِينِ حِكايَةُ المَرائِي الَّتِي يَرَوْنَها، لِفِقْدانِهِمُ الأخْبارَ الَّتِي هي وسائِلُ المُحادَثَةِ والمُحاوَرَةِ، ولِأنَّهم يَتَفاءَلُونَ بِما عَسى أنْ يُبَشِّرَهم بِالخَلاصِ في المُسْتَقْبَلِ. وكانَ عِلْمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا مِنَ العُلُومِ الَّتِي يَشْتَغِلُ بِها كَهَنَةُ المِصْرِيِّينَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - حِكايَةً عَنْ مَلِكِ مِصْرَ ﴿أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] كَما سَيَأْتِي.

والعَصْرُ: الضَّغْطُ بِاليَدِ أوْ بِحَجْرٍ أوْ نَحْوِهِ عَلى شَيْءٍ فِيهِ رُطُوبَةٌ لِإخْراجِ ما فِيهِ مِنَ المائِعِ زَيْتٍ أوْ ماءٍ. والعَصِيرُ: ما يُسْتَخْرَجُ مِنَ المَعْصُورِ سُمِّيَ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، أيْ مَعْصُورٍ مِن كَذا.

والخُبْزُ: اسْمٌ لِقِطْعَةٍ مِن دَقِيقِ البُرِّ أوِ الشَّعِيرِ أوْ نَحْوِهِما يُعْجَنُ بِالماءِ ويُوضَعُ قُرْبَ النّارِ حَتّى يَنْضُجَ لِيُؤْكَلَ، ويُسَمّى رَغِيفًا أيْضًا.

والضَّمِيرُ في ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ لِلْمَذْكُورِ، أوْ لِلْمَرْئِيِّ بِاعْتِبارِ الجِنْسِ.

صفحة ٢٧٠

وجُمْلَةُ ﴿إنّا نَراكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِانْتِفاءِ المُسْتَفادِ مِن ﴿نَبِّئْنا﴾

37

قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌۭ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ ۚ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ

He said, "You will not receive food that is provided to you except that I will inform you of its interpretation before it comes to you. That is from what my Lord has taught me. Indeed, I have left the religion of a people who do not believe in Allah, and they, in the Hereafter, are disbelievers.

”﴿قالَ لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذالِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّيَ إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِيَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنَّ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾“

جُمْلَةُ ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما﴾ جَوابٌ عَنْ كَلامِهِما فَفُصِّلَتْ عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ جُمَلِ التَّحاوُرِ.

أرادَ بِهَذا الجَوابِ أنْ يَفْتَرِضَ إقْبالَهُما عَلَيْهِ ومُلازِمَةَ الحَدِيثِ مَعَهُ إذْ هُما يَتَرَقَّبانِ تَعْبِيرَهُ الرُّؤْيا فَيُدْمَجُ في ذَلِكَ دَعَوْتُهُما إلى الإيمانِ الصَّحِيحِ مَعَ الوَعْدِ بِأنَّهُ يَعْبُرُ لَهُما رُؤْياهُما غَيْرَ بَعِيدٍ، وجَعَلَ لِذَلِكَ وقْتًا مَعْلُومًا لَهم، وهو وقْتُ إحْضارِ طَعامِ المَساجِينِ إذْ لَيْسَ لَهم في السِّجْنِ حَوادِثُ يُوَقِّتُونَ بِها، ولِأنَّ انْطِباقَ الأبْوابِ وإحاطَةَ الجُدْرانِ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ رُؤْيَةِ الشَّمْسِ، فَلَيْسَ لَهم إلّا حَوادِثُ أحْوالِهِمْ مِن طَعامٍ أوْ نَوْمٍ أوْ هُبُوبٍ مِنهُ.

ويُظْهِرُ أنَّ أمَدَ إتْيانِ الطَّعامِ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ مِن تَعْجِيلِهِ لَهُما تَأْوِيلَ رُؤْياهُما وأنَّهُ لا يَتَرَيَّثُ في ذَلِكَ.

ووَصْفُ الطَّعامِ بِجُمْلَةِ تُرْزَقانِهِ تَصْرِيحٌ بِالضَّبْطِ بِأنَّهُ طَعامٌ مَعْلُومُ الوَقْتِ لا تَرَقُّبَ طَعامٍ يُهْدى لَهُما بِحَيْثُ لا يَنْضَبِطُ حُصُولُهُ.

صفحة ٢٧١

وحَقِيقَةُ الرِّزْقِ: ما بِهِ النَّفْعُ، ويُطْلَقُ عَلى الطَّعامِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] أيْ طَعامًا، وقَوْلِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . ويُطْلَقُ عَلى الإنْفاقِ المُتَعارَفِ كَقَوْلِهِ: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] . ومِن هُنا يُطْلَقُ عَلى العَطاءِ المُوَقَّتِ، يُقالُ: كانَ بَنُو فُلانٍ مِن مُرْتَزِقَةِ الجُنْدِ، ورِزْقُ الجُنْدِ كَذا كُلَّ يَوْمٍ.

وضَمِيرُ (بِتَأْوِيلِهِ) عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (بِتَأْوِيلِهِ) الأوَّلِ، وهو المَرْئِيُّ أوِ المَنامُ. ولا يَنْبَغِي أنْ يَعُودَ إلى طَعامٍ إذْ لا يَحْسُنُ إطْلاقُ التَّأْوِيلِ عَنِ الأنْباءِ بِأسْماءِ أصْنافِ الطَّعامِ خِلافًا لِما سَلَكَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ مُتَعَدِّدَةٍ تُناسِبُ الغَرَضَ، وهي حالُ الإنْباءِ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا وحالُ عَدَمِهِ، أيْ لا يَأْتِي الطَّعامُ المُعْتادُ إلّا في حالِ أنِّي قَدْ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِ رُؤْياكُما، أيْ لا في حالِ عَدَمِهِ. فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ إضافِيٌّ.

وجُرِّدَتْ جُمْلَةُ الحالِ مِنَ الواوِ ”وقَدْ“ مَعَ أنَّها ماضِيَةٌ اكْتِفاءً بِرَبْطِ الِاسْتِثْناءِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢١]

وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ وعْدَهُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا في وقْتٍ قَرِيبٍ يُثِيرُ عَجَبَ السّائِلِينَ عَنْ قُوَّةِ عِلْمِهِ وعَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي حَصَلَ بِها هَذا العِلْمُ، فَيُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَخَلُّصًا إلى دَعْوَتِهِما لِلْإيمانِ بِإلَهٍ واحِدٍ. وكانَ القِبْطُ مُشْرِكِينَ يَدِينُونَ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ. …

38

وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ

And I have followed the religion of my fathers, Abraham, Isaac and Jacob. And it was not for us to associate anything with Allah. That is from the favor of Allah upon us and upon the people, but most of the people are not grateful.

”﴿قالَ لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذالِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّيَ إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِيَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنَّ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾“

جُمْلَةُ ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما﴾ جَوابٌ عَنْ كَلامِهِما فَفُصِّلَتْ عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ جُمَلِ التَّحاوُرِ.

أرادَ بِهَذا الجَوابِ أنْ يَفْتَرِضَ إقْبالَهُما عَلَيْهِ ومُلازِمَةَ الحَدِيثِ مَعَهُ إذْ هُما يَتَرَقَّبانِ تَعْبِيرَهُ الرُّؤْيا فَيُدْمَجُ في ذَلِكَ دَعَوْتُهُما إلى الإيمانِ الصَّحِيحِ مَعَ الوَعْدِ بِأنَّهُ يَعْبُرُ لَهُما رُؤْياهُما غَيْرَ بَعِيدٍ، وجَعَلَ لِذَلِكَ وقْتًا مَعْلُومًا لَهم، وهو وقْتُ إحْضارِ طَعامِ المَساجِينِ إذْ لَيْسَ لَهم في السِّجْنِ حَوادِثُ يُوَقِّتُونَ بِها، ولِأنَّ انْطِباقَ الأبْوابِ وإحاطَةَ الجُدْرانِ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ رُؤْيَةِ الشَّمْسِ، فَلَيْسَ لَهم إلّا حَوادِثُ أحْوالِهِمْ مِن طَعامٍ أوْ نَوْمٍ أوْ هُبُوبٍ مِنهُ.

ويُظْهِرُ أنَّ أمَدَ إتْيانِ الطَّعامِ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ مِن تَعْجِيلِهِ لَهُما تَأْوِيلَ رُؤْياهُما وأنَّهُ لا يَتَرَيَّثُ في ذَلِكَ.

ووَصْفُ الطَّعامِ بِجُمْلَةِ تُرْزَقانِهِ تَصْرِيحٌ بِالضَّبْطِ بِأنَّهُ طَعامٌ مَعْلُومُ الوَقْتِ لا تَرَقُّبَ طَعامٍ يُهْدى لَهُما بِحَيْثُ لا يَنْضَبِطُ حُصُولُهُ.

صفحة ٢٧١

وحَقِيقَةُ الرِّزْقِ: ما بِهِ النَّفْعُ، ويُطْلَقُ عَلى الطَّعامِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] أيْ طَعامًا، وقَوْلِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . ويُطْلَقُ عَلى الإنْفاقِ المُتَعارَفِ كَقَوْلِهِ: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] . ومِن هُنا يُطْلَقُ عَلى العَطاءِ المُوَقَّتِ، يُقالُ: كانَ بَنُو فُلانٍ مِن مُرْتَزِقَةِ الجُنْدِ، ورِزْقُ الجُنْدِ كَذا كُلَّ يَوْمٍ.

وضَمِيرُ (بِتَأْوِيلِهِ) عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (بِتَأْوِيلِهِ) الأوَّلِ، وهو المَرْئِيُّ أوِ المَنامُ. ولا يَنْبَغِي أنْ يَعُودَ إلى طَعامٍ إذْ لا يَحْسُنُ إطْلاقُ التَّأْوِيلِ عَنِ الأنْباءِ بِأسْماءِ أصْنافِ الطَّعامِ خِلافًا لِما سَلَكَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ مُتَعَدِّدَةٍ تُناسِبُ الغَرَضَ، وهي حالُ الإنْباءِ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا وحالُ عَدَمِهِ، أيْ لا يَأْتِي الطَّعامُ المُعْتادُ إلّا في حالِ أنِّي قَدْ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِ رُؤْياكُما، أيْ لا في حالِ عَدَمِهِ. فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ إضافِيٌّ.

وجُرِّدَتْ جُمْلَةُ الحالِ مِنَ الواوِ ”وقَدْ“ مَعَ أنَّها ماضِيَةٌ اكْتِفاءً بِرَبْطِ الِاسْتِثْناءِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢١]

وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ وعْدَهُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا في وقْتٍ قَرِيبٍ يُثِيرُ عَجَبَ السّائِلِينَ عَنْ قُوَّةِ عِلْمِهِ وعَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي حَصَلَ بِها هَذا العِلْمُ، فَيُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَخَلُّصًا إلى دَعْوَتِهِما لِلْإيمانِ بِإلَهٍ واحِدٍ. وكانَ القِبْطُ مُشْرِكِينَ يَدِينُونَ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ. …

39

يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌۭ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ

O [my] two companions of prison, are separate lords better or Allah, the One, the Prevailing?

﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أاَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُصَدَّرٌ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الفَتَيَيْنِ بِطَرِيقِ النِّداءِ المُسْتَرْعِي سَمْعَهُما إلى ما يَقُولُهُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.

وعَبَّرَ عَنْهُما بِوَصْفِ الصُّحْبَةِ في السَّجْنِ دُونَ اسْمَيْهِما إمّا لِجَهْلِ اسْمَيْهِما عِنْدَهُ إذْ كانا قَدْ دَخَلا السِّجْنَ مَعَهُ في تِلْكَ السّاعَةِ قَبْلَ أنْ تَطُولَ المُعاشَرَةُ بَيْنَهُما وبَيْنَهُ، وإمّا لِلْإيذانِ بِما حَدَثَ مِنَ الصِّلَةِ بَيْنَهُما وهي صِلَةُ المُماثَلَةِ في الضَّرّاءِ الإلْفَ في الوَحْشَةِ، فَإنَّ المُوافَقَةَ في الأحْوالِ صِلَةٌ تَقُومُ مَقامَ صِلَةِ القَرابَةِ أوْ تَفُوقُها.

واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى كَسْرِ سِينِ السِّجْنِ هُنا بِمَعْنى البَيْتِ الَّذِي يُسْجَنُ فِيهِ المُعاقَبُونَ؛ لِأنَّ الصّاحِبَ لا يُضافُ إلى السِّجْنِ إلّا بِمَعْنى المَكانِ.

والإضافَةُ هُنا عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ، مِثْلَ: مَكْرُ اللَّيْلِ، أيْ يا صاحِبَيْنِ في السِّجْنِ.

وأرادَ بِالكَلامِ الَّذِي كَلَّمَهُما بِهِ تَقْرِيرَهُما بِإبْطالِ دِينِهِما، فالِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ. وقَدْ رَتَّبَ لَهُما الِاسْتِدْلالُ بِوَجْهٍ خِطابِيٍّ قَرِيبٍ مِن أفْهامِ العامَّةِ، إذْ

صفحة ٢٧٥

فَرَضَ لَهُما إلَهًا واحِدًا مُتَفَرِّدًا بِالإلَهِيَّةِ كَما هو حالُ مِلَّتِهِ الَّتِي أخْبَرَهم بِها. وفَرَضَ لَهُما آلِهَةً مُتَفَرِّقِينَ كُلُّ إلَهٍ مِنهم إنَّما يَتَصَرَّفُ في أشْياءٍ مُعَيَّنَةٍ مِن أنْواعِ المَوْجُوداتِ تَحْتَ سُلْطانِهِ لا يَعُدُّوها إلى ما هو مِن نِطاقِ سُلْطانِ غَيْرِهِ مِنهم، وذَلِكَ حالُ مِلَّةِ القِبْطِ.

ثُمَّ فَرَضَ لَهُما مُفاضَلَةً بَيْنَ مَجْمُوعِ الحالَيْنِ حالِ الإلَهِ المُنْفَرِدِ بِالإلَهِيَّةِ والأحْوالِ المُتَفَرِّقَةِ لِلْآلِهَةِ المُتَعَدِّدِينَ لِيَصِلَ بِذَلِكَ إلى إقْناعِهِما بِأنَّ حالَ المُنْفَرِدِ بِالإلَهِيَّةِ أعْظَمُ وأغْنى، فَيَرْجِعانِ عَنِ اعْتِقادِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ. ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ وُجُودَ الحالَيْنِ في الإلَهِيَّةِ والمُفاضَلَةِ بَيْنَ أصْحابِ هَذَيْنِ الحالَيْنِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ الإلَهِ الواحِدِ.

هَذا إذا حُمِلَ لَفْظُ (خَيْرٌ) عَلى ظاهِرِ المُتَعارَفِ مِنهُ وهو التَّفْضِيلُ بَيْنَ مُشْتَرَكاتٍ في صِفَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (خَيْرٌ) مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الخَيْرِ عِنْدَ العَقْلِ، أيِ الرُّجْحانِ والقَبُولِ. والمَعْنى: اعْتِقادُ وُجُودِ أرْبابٍ مُتَفَرِّقِينَ أرْجَحُ أمِ اعْتِقادُ أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، لِيَسْتَنْزِلَ بِذَلِكَ طائِرَ نَظَرِهِما واسْتِدْلالِهِما حَتّى يَنْجَلِيَ لَهُما فَسادُ اعْتِقادِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ، إذْ يَتَبَيَّنُ لَهُما أنَّ أرْبابًا مُتَفَرِّقِينَ لا يَخْلُو حالُهم مِن تَطَرُّقِ الفَسادِ والخَلَلِ في تَصَرُّفِهِمْ، كَما يُومِئُ إلَيْهِ وصْفُ التَّفَرُّقِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّعَدُّدِ ووَصْفُ القَهّارِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَحْدانِيَّةِ.

وكانَتْ دِيانَةُ القِبْطِ في سائِرِ العُصُورِ الَّتِي حَفِظَها التّارِيخُ وشَهِدَتْ بِها الآثارُ دِيانَةَ شِرْكٍ، أيْ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ. وبِالرَّغْمِ عَلى ما يُحاوِلُهُ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ المِصْرِيِّينَ والإفْرِنْجِ مِن إثْباتِ اعْتِرافِ القِبْطِ بِإلَهٍ واحِدٍ وتَأْوِيلِهِمْ لَهم …

40

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءًۭ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

You worship not besides Him except [mere] names you have named them, you and your fathers, for which Allah has sent down no authority. Legislation is not but for Allah. He has commanded that you worship not except Him. That is the correct religion, but most of the people do not know.

﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أاَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُصَدَّرٌ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الفَتَيَيْنِ بِطَرِيقِ النِّداءِ المُسْتَرْعِي سَمْعَهُما إلى ما يَقُولُهُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.

وعَبَّرَ عَنْهُما بِوَصْفِ الصُّحْبَةِ في السَّجْنِ دُونَ اسْمَيْهِما إمّا لِجَهْلِ اسْمَيْهِما عِنْدَهُ إذْ كانا قَدْ دَخَلا السِّجْنَ مَعَهُ في تِلْكَ السّاعَةِ قَبْلَ أنْ تَطُولَ المُعاشَرَةُ بَيْنَهُما وبَيْنَهُ، وإمّا لِلْإيذانِ بِما حَدَثَ مِنَ الصِّلَةِ بَيْنَهُما وهي صِلَةُ المُماثَلَةِ في الضَّرّاءِ الإلْفَ في الوَحْشَةِ، فَإنَّ المُوافَقَةَ في الأحْوالِ صِلَةٌ تَقُومُ مَقامَ صِلَةِ القَرابَةِ أوْ تَفُوقُها.

واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى كَسْرِ سِينِ السِّجْنِ هُنا بِمَعْنى البَيْتِ الَّذِي يُسْجَنُ فِيهِ المُعاقَبُونَ؛ لِأنَّ الصّاحِبَ لا يُضافُ إلى السِّجْنِ إلّا بِمَعْنى المَكانِ.

والإضافَةُ هُنا عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ، مِثْلَ: مَكْرُ اللَّيْلِ، أيْ يا صاحِبَيْنِ في السِّجْنِ.

وأرادَ بِالكَلامِ الَّذِي كَلَّمَهُما بِهِ تَقْرِيرَهُما بِإبْطالِ دِينِهِما، فالِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ. وقَدْ رَتَّبَ لَهُما الِاسْتِدْلالُ بِوَجْهٍ خِطابِيٍّ قَرِيبٍ مِن أفْهامِ العامَّةِ، إذْ

صفحة ٢٧٥

فَرَضَ لَهُما إلَهًا واحِدًا مُتَفَرِّدًا بِالإلَهِيَّةِ كَما هو حالُ مِلَّتِهِ الَّتِي أخْبَرَهم بِها. وفَرَضَ لَهُما آلِهَةً مُتَفَرِّقِينَ كُلُّ إلَهٍ مِنهم إنَّما يَتَصَرَّفُ في أشْياءٍ مُعَيَّنَةٍ مِن أنْواعِ المَوْجُوداتِ تَحْتَ سُلْطانِهِ لا يَعُدُّوها إلى ما هو مِن نِطاقِ سُلْطانِ غَيْرِهِ مِنهم، وذَلِكَ حالُ مِلَّةِ القِبْطِ.

ثُمَّ فَرَضَ لَهُما مُفاضَلَةً بَيْنَ مَجْمُوعِ الحالَيْنِ حالِ الإلَهِ المُنْفَرِدِ بِالإلَهِيَّةِ والأحْوالِ المُتَفَرِّقَةِ لِلْآلِهَةِ المُتَعَدِّدِينَ لِيَصِلَ بِذَلِكَ إلى إقْناعِهِما بِأنَّ حالَ المُنْفَرِدِ بِالإلَهِيَّةِ أعْظَمُ وأغْنى، فَيَرْجِعانِ عَنِ اعْتِقادِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ. ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ وُجُودَ الحالَيْنِ في الإلَهِيَّةِ والمُفاضَلَةِ بَيْنَ أصْحابِ هَذَيْنِ الحالَيْنِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ الإلَهِ الواحِدِ.

هَذا إذا حُمِلَ لَفْظُ (خَيْرٌ) عَلى ظاهِرِ المُتَعارَفِ مِنهُ وهو التَّفْضِيلُ بَيْنَ مُشْتَرَكاتٍ في صِفَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (خَيْرٌ) مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الخَيْرِ عِنْدَ العَقْلِ، أيِ الرُّجْحانِ والقَبُولِ. والمَعْنى: اعْتِقادُ وُجُودِ أرْبابٍ مُتَفَرِّقِينَ أرْجَحُ أمِ اعْتِقادُ أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، لِيَسْتَنْزِلَ بِذَلِكَ طائِرَ نَظَرِهِما واسْتِدْلالِهِما حَتّى يَنْجَلِيَ لَهُما فَسادُ اعْتِقادِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ، إذْ يَتَبَيَّنُ لَهُما أنَّ أرْبابًا مُتَفَرِّقِينَ لا يَخْلُو حالُهم مِن تَطَرُّقِ الفَسادِ والخَلَلِ في تَصَرُّفِهِمْ، كَما يُومِئُ إلَيْهِ وصْفُ التَّفَرُّقِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّعَدُّدِ ووَصْفُ القَهّارِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَحْدانِيَّةِ.

وكانَتْ دِيانَةُ القِبْطِ في سائِرِ العُصُورِ الَّتِي حَفِظَها التّارِيخُ وشَهِدَتْ بِها الآثارُ دِيانَةَ شِرْكٍ، أيْ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ. وبِالرَّغْمِ عَلى ما يُحاوِلُهُ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ المِصْرِيِّينَ والإفْرِنْجِ مِن إثْباتِ اعْتِرافِ القِبْطِ بِإلَهٍ واحِدٍ وتَأْوِيلِهِمْ لَهم …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.