Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 91–100 of 111

91

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ

They said, "By Allah, certainly has Allah preferred you over us, and indeed, we have been sinners."

﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهْوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ.

و(هَلْ) مُفِيدَةٌ لِلتَّحْقِيقِ لِأنَّها بِمَعْنى (قَدْ) في الِاسْتِفْهامِ، فَهو تَوْبِيخٌ عَلى ما يَعْلَمُونَهُ مُحَقَّقًا مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخِيهِ، أيْ أفْعالَهُمُ الذَّمِيمَةَ بِقَرِينَةِ التَّوْبِيخِ، وهي بِالنِّسْبَةِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ واضِحَةٌ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى بِنْيامِينَ فَهي ما كانُوا يُعامِلُونَهُ بِهِ مَعَ أخِيهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الإهانَةِ الَّتِي تُنافِيها الأُخُوَّةُ، ولِذَلِكَ جَعَلَ ذَلِكَ الزَّمَنَ زَمَنَ جَهالَتِهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾) .

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم قَدْ صَلُحَ حالُهم مِن بَعْدُ، وذَلِكَ إمّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إنْ كانَ صارَ نَبِيًّا أوْ بِالفِراسَةِ لِأنَّهُ لَمّا رَآهم حَرِيصِينَ عَلى رَغَباتِ أبِيهِمْ في طَلَبِ

صفحة ٤٨

فِداءِ بِنْيامِينَ حِينَ أُخِذَ في حُكْمِ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ وفي طَلَبِ سَراحِهِ في هَذا المَوْقِفِ مَعَ الإلْحاحِ في ذَلِكَ وكانَ يَعْرِفُ مِنهم مُعاكَسَةَ أبِيهِمْ في شَأْنِ بِنْيامِينَ عَلِمَ أنَّهم ثابُوا إلى صَلاحٍ.

وإنَّما كاشَفَهم بِحالِهِ الآنَ؛ لِأنَّ الِاطِّلاعَ عَلى حالِهِ يَقْتَضِي اسْتِجْلابَ أبِيهِ وأهْلِهِ إلى السُّكْنى بِأرْضِ وِلايَتِهِ، وذَلِكَ كانَ مُتَوَقِّفًا عَلى أشْياءَ لَعَلَّها لَمْ تَتَهَيَّأْ إلّا حِينَئِذٍ. وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] فَقَدْ صارَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَدَّ مَكِينٍ عِنْدَ فِرْعَوْنَ.

وفِي الإصْحاحِ ٤٥ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِإخْوَتِهِ حِينَئِذٍ وهو أيِ اللَّهُ قَدْ جَعَلَنِي أبًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ ومُتَسَلِّطًا عَلى كُلِّ أرْضِ مِصْرَ. فالظّاهِرُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي أطْلَقَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السِّجْنِ وجَعَلَهُ عَزِيزَ مِصْرَ قَدْ تُوُفِّيَ وخَلَفَهُ ابْنٌ لَهُ فَحَجَبَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَ لِلْمَلِكِ الشّابِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ، وصارَ مُتَصَرِّفًا بِما يُرِيدُ، فَرَأى الحالَ مُساعِدًا لِجَلْبِ عَشِيرَتِهِ إلى أرْضِ مِصْرَ.

ولا تُعْرَفُ أسْماءُ مُلُوكِ مِصْرَ في هَذا الزَّمَنِ الَّذِي كانَ فِيهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ المَمْلَكَةَ أيّامَئِذٍ كانَتْ مُنْقَسِمَةً إلى مَمْلَكَتَيْنِ: إحْداهُما مُلُوكُها مِنَ القِبْطِ وهُمُ المُلُوكُ الَّذِينَ يُقَسِّمُهُمُ المُؤَرِّخُونَ الإفْرِنْجُ إلى العائِلاتِ الخامِسَةَ عَشْرَةَ، والسّادِسَةَ عَشْرَةَ، والسّابِعَةَ عَشْرَةَ، وبَعْضِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ.

والمَمْلَكَةُ الثّانِيَةُ مُلُوكُها مِنَ الهُكْسُوسِ. ويُقالُ لَهُمُ: العَمالِقَةُ أوِ الرُّعاةُ وهم عَرَبٌ.

ودامَ هَذا الِانْقِسامُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وإحْدى عَشْرَةَ سَنَةً ٢٢١٤ قَبْلَ المَسِيحِ إلى سَنَةِ ١٧٠٣ قَبْلَ المَسِيحِ.

وقَوْلُهم (﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَشْعَرُوا مِن كَلامِهِ ثُمَّ مِن مَلامِحِهِ …

92

قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ

He said, "No blame will there be upon you today. Allah will forgive you; and He is the most merciful of the merciful."

﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهْوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ.

و(هَلْ) مُفِيدَةٌ لِلتَّحْقِيقِ لِأنَّها بِمَعْنى (قَدْ) في الِاسْتِفْهامِ، فَهو تَوْبِيخٌ عَلى ما يَعْلَمُونَهُ مُحَقَّقًا مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخِيهِ، أيْ أفْعالَهُمُ الذَّمِيمَةَ بِقَرِينَةِ التَّوْبِيخِ، وهي بِالنِّسْبَةِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ واضِحَةٌ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى بِنْيامِينَ فَهي ما كانُوا يُعامِلُونَهُ بِهِ مَعَ أخِيهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الإهانَةِ الَّتِي تُنافِيها الأُخُوَّةُ، ولِذَلِكَ جَعَلَ ذَلِكَ الزَّمَنَ زَمَنَ جَهالَتِهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾) .

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم قَدْ صَلُحَ حالُهم مِن بَعْدُ، وذَلِكَ إمّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إنْ كانَ صارَ نَبِيًّا أوْ بِالفِراسَةِ لِأنَّهُ لَمّا رَآهم حَرِيصِينَ عَلى رَغَباتِ أبِيهِمْ في طَلَبِ

صفحة ٤٨

فِداءِ بِنْيامِينَ حِينَ أُخِذَ في حُكْمِ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ وفي طَلَبِ سَراحِهِ في هَذا المَوْقِفِ مَعَ الإلْحاحِ في ذَلِكَ وكانَ يَعْرِفُ مِنهم مُعاكَسَةَ أبِيهِمْ في شَأْنِ بِنْيامِينَ عَلِمَ أنَّهم ثابُوا إلى صَلاحٍ.

وإنَّما كاشَفَهم بِحالِهِ الآنَ؛ لِأنَّ الِاطِّلاعَ عَلى حالِهِ يَقْتَضِي اسْتِجْلابَ أبِيهِ وأهْلِهِ إلى السُّكْنى بِأرْضِ وِلايَتِهِ، وذَلِكَ كانَ مُتَوَقِّفًا عَلى أشْياءَ لَعَلَّها لَمْ تَتَهَيَّأْ إلّا حِينَئِذٍ. وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] فَقَدْ صارَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَدَّ مَكِينٍ عِنْدَ فِرْعَوْنَ.

وفِي الإصْحاحِ ٤٥ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِإخْوَتِهِ حِينَئِذٍ وهو أيِ اللَّهُ قَدْ جَعَلَنِي أبًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ ومُتَسَلِّطًا عَلى كُلِّ أرْضِ مِصْرَ. فالظّاهِرُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي أطْلَقَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السِّجْنِ وجَعَلَهُ عَزِيزَ مِصْرَ قَدْ تُوُفِّيَ وخَلَفَهُ ابْنٌ لَهُ فَحَجَبَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَ لِلْمَلِكِ الشّابِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ، وصارَ مُتَصَرِّفًا بِما يُرِيدُ، فَرَأى الحالَ مُساعِدًا لِجَلْبِ عَشِيرَتِهِ إلى أرْضِ مِصْرَ.

ولا تُعْرَفُ أسْماءُ مُلُوكِ مِصْرَ في هَذا الزَّمَنِ الَّذِي كانَ فِيهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ المَمْلَكَةَ أيّامَئِذٍ كانَتْ مُنْقَسِمَةً إلى مَمْلَكَتَيْنِ: إحْداهُما مُلُوكُها مِنَ القِبْطِ وهُمُ المُلُوكُ الَّذِينَ يُقَسِّمُهُمُ المُؤَرِّخُونَ الإفْرِنْجُ إلى العائِلاتِ الخامِسَةَ عَشْرَةَ، والسّادِسَةَ عَشْرَةَ، والسّابِعَةَ عَشْرَةَ، وبَعْضِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ.

والمَمْلَكَةُ الثّانِيَةُ مُلُوكُها مِنَ الهُكْسُوسِ. ويُقالُ لَهُمُ: العَمالِقَةُ أوِ الرُّعاةُ وهم عَرَبٌ.

ودامَ هَذا الِانْقِسامُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وإحْدى عَشْرَةَ سَنَةً ٢٢١٤ قَبْلَ المَسِيحِ إلى سَنَةِ ١٧٠٣ قَبْلَ المَسِيحِ.

وقَوْلُهم (﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَشْعَرُوا مِن كَلامِهِ ثُمَّ مِن مَلامِحِهِ …

93

ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًۭا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ

Take this, my shirt, and cast it over the face of my father; he will become seeing. And bring me your family, all together."

﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهْوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ.

و(هَلْ) مُفِيدَةٌ لِلتَّحْقِيقِ لِأنَّها بِمَعْنى (قَدْ) في الِاسْتِفْهامِ، فَهو تَوْبِيخٌ عَلى ما يَعْلَمُونَهُ مُحَقَّقًا مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخِيهِ، أيْ أفْعالَهُمُ الذَّمِيمَةَ بِقَرِينَةِ التَّوْبِيخِ، وهي بِالنِّسْبَةِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ واضِحَةٌ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى بِنْيامِينَ فَهي ما كانُوا يُعامِلُونَهُ بِهِ مَعَ أخِيهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الإهانَةِ الَّتِي تُنافِيها الأُخُوَّةُ، ولِذَلِكَ جَعَلَ ذَلِكَ الزَّمَنَ زَمَنَ جَهالَتِهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾) .

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم قَدْ صَلُحَ حالُهم مِن بَعْدُ، وذَلِكَ إمّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إنْ كانَ صارَ نَبِيًّا أوْ بِالفِراسَةِ لِأنَّهُ لَمّا رَآهم حَرِيصِينَ عَلى رَغَباتِ أبِيهِمْ في طَلَبِ

صفحة ٤٨

فِداءِ بِنْيامِينَ حِينَ أُخِذَ في حُكْمِ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ وفي طَلَبِ سَراحِهِ في هَذا المَوْقِفِ مَعَ الإلْحاحِ في ذَلِكَ وكانَ يَعْرِفُ مِنهم مُعاكَسَةَ أبِيهِمْ في شَأْنِ بِنْيامِينَ عَلِمَ أنَّهم ثابُوا إلى صَلاحٍ.

وإنَّما كاشَفَهم بِحالِهِ الآنَ؛ لِأنَّ الِاطِّلاعَ عَلى حالِهِ يَقْتَضِي اسْتِجْلابَ أبِيهِ وأهْلِهِ إلى السُّكْنى بِأرْضِ وِلايَتِهِ، وذَلِكَ كانَ مُتَوَقِّفًا عَلى أشْياءَ لَعَلَّها لَمْ تَتَهَيَّأْ إلّا حِينَئِذٍ. وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] فَقَدْ صارَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَدَّ مَكِينٍ عِنْدَ فِرْعَوْنَ.

وفِي الإصْحاحِ ٤٥ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِإخْوَتِهِ حِينَئِذٍ وهو أيِ اللَّهُ قَدْ جَعَلَنِي أبًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ ومُتَسَلِّطًا عَلى كُلِّ أرْضِ مِصْرَ. فالظّاهِرُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي أطْلَقَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السِّجْنِ وجَعَلَهُ عَزِيزَ مِصْرَ قَدْ تُوُفِّيَ وخَلَفَهُ ابْنٌ لَهُ فَحَجَبَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَ لِلْمَلِكِ الشّابِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ، وصارَ مُتَصَرِّفًا بِما يُرِيدُ، فَرَأى الحالَ مُساعِدًا لِجَلْبِ عَشِيرَتِهِ إلى أرْضِ مِصْرَ.

ولا تُعْرَفُ أسْماءُ مُلُوكِ مِصْرَ في هَذا الزَّمَنِ الَّذِي كانَ فِيهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ المَمْلَكَةَ أيّامَئِذٍ كانَتْ مُنْقَسِمَةً إلى مَمْلَكَتَيْنِ: إحْداهُما مُلُوكُها مِنَ القِبْطِ وهُمُ المُلُوكُ الَّذِينَ يُقَسِّمُهُمُ المُؤَرِّخُونَ الإفْرِنْجُ إلى العائِلاتِ الخامِسَةَ عَشْرَةَ، والسّادِسَةَ عَشْرَةَ، والسّابِعَةَ عَشْرَةَ، وبَعْضِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ.

والمَمْلَكَةُ الثّانِيَةُ مُلُوكُها مِنَ الهُكْسُوسِ. ويُقالُ لَهُمُ: العَمالِقَةُ أوِ الرُّعاةُ وهم عَرَبٌ.

ودامَ هَذا الِانْقِسامُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وإحْدى عَشْرَةَ سَنَةً ٢٢١٤ قَبْلَ المَسِيحِ إلى سَنَةِ ١٧٠٣ قَبْلَ المَسِيحِ.

وقَوْلُهم (﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَشْعَرُوا مِن كَلامِهِ ثُمَّ مِن مَلامِحِهِ …

94

وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ

And when the caravan departed [from Egypt], their father said, "Indeed, I find the smell of Joseph [and would say that he was alive] if you did not think me weakened in mind."

صفحة ٥٢

﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦] التَّقْدِيرُ: فَخَرَجُوا وارْتَحَلُوا في عِيرٍ.

ومَعْنى فَصَلَتِ: ابْتَعَدَتْ عَنِ المَكانِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والعِيرُ تَقَدَّمَ آنِفًا، وهي العِيرُ الَّتِي أقْبَلُوا فِيها مِن فِلَسْطِينَ.

ووِجْدانُ يَعْقُوبَ رِيحَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلْهامٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ بِشارَةً لَهُ إذْ ذَكَّرَهُ بِشَمِّهِ الرِّيحَ الَّذِي ضَمَّخَ بِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ خُرُوجِهِ مَعَ إخْوَتِهِ وهَذا مِن صِنْفِ الوَحْيِ بِدُونِ كَلامِ مَلَكٍ مُرْسَلٍ، وهو داخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] .

والرِّيحُ: الرّائِحَةُ، وهي ما يَعْبَقُ مِن طِيبٍ تُدْرِكُهُ حاسَّةُ الشَّمِّ.

وأكَّدَ هَذا الخَبَرَ بِـ (أنْ) واللّامِ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الإنْكارِ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِـ (﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾) .

وجَوابُ (لَوْلا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ، أيْ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِي لَتَحَقَّقْتُمْ ذَلِكَ.

والتَّفْنِيدُ: النِّسْبَةُ لِلْفَنَدِ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو اخْتِلالُ العَقْلِ مِنَ الخَوْفِ.

وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا بَعْدَ نُونِ الوِقايَةِ وبَقِيَتِ الكِسْرَةُ.

والَّذِينَ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ هُمُ الحاضِرُونَ مِن أهْلِهِ ولَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهم لِظُهُورِ المُرادِ مِنهم ولَيْسُوا أبْناءَهُ لِأنَّهم كانُوا سائِرِينَ في طَرِيقِهِمْ إلَيْهِ.

صفحة ٥٣

والضَّلالُ: البُعْدُ عَنِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ. والظَّرْفِيَّةُ مَجازٌ في قُوَّةِ الِاتِّصافِ والتَّلَبُّسِ وأنَّهُ كَتَلَبُّسِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ. والمَعْنى: أنَّكَ مُسْتَمِرٌّ في التَّلَبُّسِ بِتَطَلُّبِ شَيْءٍ مِن غَيْرِ طَرِيقِهِ. أرادُوا طَمَعَهُ في لِقاءِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ووَصَفُوا ذَلِكَ بِالقَدِيمِ لِطُولِ مُدَّتِهِ، وكانَتْ مُدَّةُ غَيْبَةِ يُوسُفَ عَنْ أبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ سَنَةً. وكانَ خِطابُهم إيّاهُ بِهَذا مُشْتَمِلًا عَلى شَيْءٍ مِنَ الخُشُونَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ أدَبُ عَشِيرَتِهِ مُنافِيًا لِذَلِكَ في عُرْفِهِمْ.

و(أنْ) في قَوْلِهِ (﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦]) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. ووُقُوعُ (أنْ) بَعْدَ (لَمّا) التَّوْقِيتِيَّةِ كَثِيرٌ مِنَ الكَلامِ كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ.

وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ في هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيقُ هَذِهِ الكَرامَةِ الحاصِلَةِ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّها خارِقُ عادَةٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ بِـ (أنْ) في نَظائِرِ هَذِهِ الآيَةِ مِمّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ داعٍ لِلتَّأْكِيدِ.

والبَشِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفَعِّلٍ، أيِ المُبَشِّرُ مِثْلَ السَّمِيعِ في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:

أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ

والتَّبْشِيرُ: المُبادَرَةُ بِإبْلاغِ الخَبَرِ المُسِرِّ بِقَصْدِ إدْخالِ السُّرُورِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ [التوبة: ٢١] في سُورَةِ بَراءَةَ. وهَذا البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ العِيرِ لِيَكُونَ أوَّلَ مَن يُخْبِرُ أباهُ بِخَبَرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ

وارْتَدَّ: رَجَعَ، وهو افْتِعالٌ مُطاوِعُ رَدَّهُ، أيْ رَدَّ اللَّهُ إلَيْهِ قُوَّةَ …

95

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ

They said, "By Allah, indeed you are in your [same] old error."

صفحة ٥٢

﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦] التَّقْدِيرُ: فَخَرَجُوا وارْتَحَلُوا في عِيرٍ.

ومَعْنى فَصَلَتِ: ابْتَعَدَتْ عَنِ المَكانِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والعِيرُ تَقَدَّمَ آنِفًا، وهي العِيرُ الَّتِي أقْبَلُوا فِيها مِن فِلَسْطِينَ.

ووِجْدانُ يَعْقُوبَ رِيحَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلْهامٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ بِشارَةً لَهُ إذْ ذَكَّرَهُ بِشَمِّهِ الرِّيحَ الَّذِي ضَمَّخَ بِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ خُرُوجِهِ مَعَ إخْوَتِهِ وهَذا مِن صِنْفِ الوَحْيِ بِدُونِ كَلامِ مَلَكٍ مُرْسَلٍ، وهو داخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] .

والرِّيحُ: الرّائِحَةُ، وهي ما يَعْبَقُ مِن طِيبٍ تُدْرِكُهُ حاسَّةُ الشَّمِّ.

وأكَّدَ هَذا الخَبَرَ بِـ (أنْ) واللّامِ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الإنْكارِ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِـ (﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾) .

وجَوابُ (لَوْلا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ، أيْ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِي لَتَحَقَّقْتُمْ ذَلِكَ.

والتَّفْنِيدُ: النِّسْبَةُ لِلْفَنَدِ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو اخْتِلالُ العَقْلِ مِنَ الخَوْفِ.

وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا بَعْدَ نُونِ الوِقايَةِ وبَقِيَتِ الكِسْرَةُ.

والَّذِينَ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ هُمُ الحاضِرُونَ مِن أهْلِهِ ولَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهم لِظُهُورِ المُرادِ مِنهم ولَيْسُوا أبْناءَهُ لِأنَّهم كانُوا سائِرِينَ في طَرِيقِهِمْ إلَيْهِ.

صفحة ٥٣

والضَّلالُ: البُعْدُ عَنِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ. والظَّرْفِيَّةُ مَجازٌ في قُوَّةِ الِاتِّصافِ والتَّلَبُّسِ وأنَّهُ كَتَلَبُّسِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ. والمَعْنى: أنَّكَ مُسْتَمِرٌّ في التَّلَبُّسِ بِتَطَلُّبِ شَيْءٍ مِن غَيْرِ طَرِيقِهِ. أرادُوا طَمَعَهُ في لِقاءِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ووَصَفُوا ذَلِكَ بِالقَدِيمِ لِطُولِ مُدَّتِهِ، وكانَتْ مُدَّةُ غَيْبَةِ يُوسُفَ عَنْ أبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ سَنَةً. وكانَ خِطابُهم إيّاهُ بِهَذا مُشْتَمِلًا عَلى شَيْءٍ مِنَ الخُشُونَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ أدَبُ عَشِيرَتِهِ مُنافِيًا لِذَلِكَ في عُرْفِهِمْ.

و(أنْ) في قَوْلِهِ (﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦]) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. ووُقُوعُ (أنْ) بَعْدَ (لَمّا) التَّوْقِيتِيَّةِ كَثِيرٌ مِنَ الكَلامِ كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ.

وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ في هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيقُ هَذِهِ الكَرامَةِ الحاصِلَةِ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّها خارِقُ عادَةٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ بِـ (أنْ) في نَظائِرِ هَذِهِ الآيَةِ مِمّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ داعٍ لِلتَّأْكِيدِ.

والبَشِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفَعِّلٍ، أيِ المُبَشِّرُ مِثْلَ السَّمِيعِ في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:

أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ

والتَّبْشِيرُ: المُبادَرَةُ بِإبْلاغِ الخَبَرِ المُسِرِّ بِقَصْدِ إدْخالِ السُّرُورِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ [التوبة: ٢١] في سُورَةِ بَراءَةَ. وهَذا البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ العِيرِ لِيَكُونَ أوَّلَ مَن يُخْبِرُ أباهُ بِخَبَرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ

وارْتَدَّ: رَجَعَ، وهو افْتِعالٌ مُطاوِعُ رَدَّهُ، أيْ رَدَّ اللَّهُ إلَيْهِ قُوَّةَ …

96

فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًۭا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And when the bearer of good tidings arrived, he cast it over his face, and he returned [once again] seeing. He said, "Did I not tell you that I know from Allah that which you do not know?"

صفحة ٥٤

﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّيَ أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّيَ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ جَوابٌ لِلْبِشارَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتِ القَوْلَ. ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ قالَ مَفْصُولًا غَيْرَ مَعْطُوفٍ لِأنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ، وكانَ بَقِيَّةُ أبْنائِهِ قَدْ دَخَلُوا فَخاطَبَهم بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَبَيَّنَ لَهم مُجْمَلَ كَلامِهِ الَّذِي أجابَهم بِهِ حِينَ قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ إلَخْ.

وقَوْلُهُمُ (﴿اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾) تَوْبَةٌ واعْتِرافٌ بِالذَّنْبِ، فَسَألُوا أباهم أنْ يَطْلُبَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ. وإنَّما وعَدَهم بِالِاسْتِغْفارِ في المُسْتَقْبَلِ إذْ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يُلازِمُ الِاسْتِغْفارَ لَهم في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ. ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ اسْتَغْفَرَ لَهم في الحالِ بِدَلالَةِ الفَحْوى، ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَهم إلى عِظَمِ الذَّنَبِ وعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ سَيُكَرِّرُ الِاسْتِغْفارَ لَهم في أزْمِنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ. وقِيلَ: أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى ساعَةٍ هي مَظِنَّةُ الإجابَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّهُ أخَّرَ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، رَواهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في رِفْعَةِ نَظَرٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ (﴿أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾)، وأكَّدَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَقْوِيَةِ الخَبَرِ.

97

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ

They said, "O our father, ask for us forgiveness of our sins; indeed, we have been sinners."

صفحة ٥٤

﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّيَ أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّيَ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ جَوابٌ لِلْبِشارَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتِ القَوْلَ. ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ قالَ مَفْصُولًا غَيْرَ مَعْطُوفٍ لِأنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ، وكانَ بَقِيَّةُ أبْنائِهِ قَدْ دَخَلُوا فَخاطَبَهم بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَبَيَّنَ لَهم مُجْمَلَ كَلامِهِ الَّذِي أجابَهم بِهِ حِينَ قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ إلَخْ.

وقَوْلُهُمُ (﴿اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾) تَوْبَةٌ واعْتِرافٌ بِالذَّنْبِ، فَسَألُوا أباهم أنْ يَطْلُبَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ. وإنَّما وعَدَهم بِالِاسْتِغْفارِ في المُسْتَقْبَلِ إذْ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يُلازِمُ الِاسْتِغْفارَ لَهم في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ. ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ اسْتَغْفَرَ لَهم في الحالِ بِدَلالَةِ الفَحْوى، ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَهم إلى عِظَمِ الذَّنَبِ وعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ سَيُكَرِّرُ الِاسْتِغْفارَ لَهم في أزْمِنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ. وقِيلَ: أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى ساعَةٍ هي مَظِنَّةُ الإجابَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّهُ أخَّرَ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، رَواهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في رِفْعَةِ نَظَرٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ (﴿أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾)، وأكَّدَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَقْوِيَةِ الخَبَرِ.

98

قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

He said, "I will ask forgiveness for you from my Lord. Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

صفحة ٥٤

﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّيَ أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّيَ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ جَوابٌ لِلْبِشارَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتِ القَوْلَ. ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ قالَ مَفْصُولًا غَيْرَ مَعْطُوفٍ لِأنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ، وكانَ بَقِيَّةُ أبْنائِهِ قَدْ دَخَلُوا فَخاطَبَهم بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَبَيَّنَ لَهم مُجْمَلَ كَلامِهِ الَّذِي أجابَهم بِهِ حِينَ قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ إلَخْ.

وقَوْلُهُمُ (﴿اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾) تَوْبَةٌ واعْتِرافٌ بِالذَّنْبِ، فَسَألُوا أباهم أنْ يَطْلُبَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ. وإنَّما وعَدَهم بِالِاسْتِغْفارِ في المُسْتَقْبَلِ إذْ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يُلازِمُ الِاسْتِغْفارَ لَهم في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ. ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ اسْتَغْفَرَ لَهم في الحالِ بِدَلالَةِ الفَحْوى، ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَهم إلى عِظَمِ الذَّنَبِ وعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ سَيُكَرِّرُ الِاسْتِغْفارَ لَهم في أزْمِنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ. وقِيلَ: أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى ساعَةٍ هي مَظِنَّةُ الإجابَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّهُ أخَّرَ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، رَواهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في رِفْعَةِ نَظَرٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ (﴿أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾)، وأكَّدَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَقْوِيَةِ الخَبَرِ.

99

فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ

And when they entered upon Joseph, he took his parents to himself and said, "Enter Egypt, Allah willing, safe [and secure]."

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِيَ إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾

صفحة ٥٥

طَوى ذِكْرَ سَفَرِهِمْ مِن بِلادِهِمْ إلى دُخُولِهِمْ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لَيْسَ فِيهِ مِنَ العِبَرِ شَيْءٌ.

وأبَواهُ أحَدُهُما يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأمّا الآخَرُ فالصَّحِيحُ أنَّ أُمَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي راحِيلُ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ ذَلِكَ حِينَ ولَدَتْ بِنْيامِينَ، ولِذَلِكَ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: أُطْلِقَ الأبَوانِ عَلى الأبِ وزَوْجِ الأبِ وهي لِيئَةُ خالَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي الَّتِي تَوَلَّتْ تَرْبِيَتَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ والتَّنْزِيلِ. وإعادَةُ اسْمِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأجْلِ بُعْدِ المُعادِ.

وقَوْلُهُ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ جُمْلَةٌ دِعائِيَّةٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾) لِكَوْنِهِمْ قَدْ دَخَلُوا مِصْرَ حِينَئِذٍ. فالأمْرُ في ادْخُلُوا لِلدُّعاءِ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم.

والمَقْصُودُ: تَقْيِيدُ الدُّخُولِ بِـ (آمِنِينَ) وهو مَناطُ الدُّعاءِ.

والأمْنُ: حالَةُ اطْمِئْنانِ النَّفْسِ وراحَةِ البالِ وانْتِفاءِ الخَوْفِ مِن كُلِّ ما يُخافُ مِنهُ، وهو يَجْمَعُ جَمِيعَ الأحْوالِ الصّالِحَةِ لِلْإنْسانِ مِنَ الصِّحَّةِ والرِّزْقِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قالُوا في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا إنَّهُ جَمَعَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ جَمِيعَ ما يُطْلَبُ لِخَيْرِ البَلَدِ.

وجُمْلَةُ (إنْ شاءَ اللَّهُ) تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ كالِاحْتِراسِ في الدُّعاءِ الوارِدِ بِصِيغَةِ الأمْرِ وهو لِمُجَرَّدِ التَّيَمُّنِ، فَوُقُوعُهُ في الوَعْدِ والعَزْمِ والدُّعاءِ بِمَنزِلَةِ وُقُوعِ

صفحة ٥٦

التَّسْمِيَةِ في أوَّلِ الكَلامِ ولَيْسَ هو مِنَ الِاسْتِثْناءِ الوارِدِ النَّهْيُ عَنْهُ في الحَدِيثِ: أنْ «لا يَقُولَ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ، فَإنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ»؛ لِأنَّ ذَلِكَ في الدُّعاءِ المُخاطَبِ بِهِ اللَّهُ صَراحَةً. وجُمْلَةُ (﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (ادْخُلُوا) والحالِ مِن ضَمِيرِها.

والعَرْشُ: سَرِيرٌ لِلْقُعُودِ فَيَكُونُ مُرْتَفِعًا عَلى سُوقٍ، وفِيهِ سَعَةٌ تُمَكِّنُ الجالِسَ مِنَ الِاتِّكاءِ. والسُّجُودُ: وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ تَعْظِيمًا لِلذّاتِ أوْ لِصُورَتِها أوْ لِذِكْرِها، قالَ الأعْشى:

فَلَمّا أتانا بُعَيْدَ الكَرى سَجَدْنا لَهُ ورَفَعْنا العَمارا

وفِعْلُهُ قاصِرٌ فَيُعَدّى إلى مَفْعُولِهِ بِاللّامِ كَما في الآيَةِ.

والخُرُورُ: الهُوِيُّ والسُّقُوطُ مِن عُلُوٍّ إلى الأرْضِ.

والَّذِينَ خَرُّوا سُجَّدًا هم أبَواهُ وإخْوَتُهُ كَما يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ وهم أحَدَ عَشَرَ وهم: رُوبِينُ، وسَمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ويَساكِرُ، ورِبُولُونُ، وجادٌ، وأشِيرُ، ودانِ، ونَفْتالِي، وبِنْيامِينُ، والشَّمْسُ، والقَمَرُ، تَعْبِيرُهُما أبَواهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وراحِيلُ.

وكانَ السُّجُودُ تَحِيَّةَ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مَمْنُوعًا في الشَّرائِعِ وإنَّما مَنَعَهُ الإسْلامُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَحْقِيقًا لِمَعْنى مُساواةِ النّاسِ في …

100

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًۭا ۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّۭا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌۭ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

And he raised his parents upon the throne, and they bowed to him in prostration. And he said, "O my father, this is the explanation of my vision of before. My Lord has made it reality. And He was certainly good to me when He took me out of prison and brought you [here] from bedouin life after Satan had induced [estrangement] between me and my brothers. Indeed, my Lord is Subtle in what He wills. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise.

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِيَ إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾

صفحة ٥٥

طَوى ذِكْرَ سَفَرِهِمْ مِن بِلادِهِمْ إلى دُخُولِهِمْ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لَيْسَ فِيهِ مِنَ العِبَرِ شَيْءٌ.

وأبَواهُ أحَدُهُما يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأمّا الآخَرُ فالصَّحِيحُ أنَّ أُمَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي راحِيلُ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ ذَلِكَ حِينَ ولَدَتْ بِنْيامِينَ، ولِذَلِكَ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: أُطْلِقَ الأبَوانِ عَلى الأبِ وزَوْجِ الأبِ وهي لِيئَةُ خالَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي الَّتِي تَوَلَّتْ تَرْبِيَتَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ والتَّنْزِيلِ. وإعادَةُ اسْمِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأجْلِ بُعْدِ المُعادِ.

وقَوْلُهُ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ جُمْلَةٌ دِعائِيَّةٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾) لِكَوْنِهِمْ قَدْ دَخَلُوا مِصْرَ حِينَئِذٍ. فالأمْرُ في ادْخُلُوا لِلدُّعاءِ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم.

والمَقْصُودُ: تَقْيِيدُ الدُّخُولِ بِـ (آمِنِينَ) وهو مَناطُ الدُّعاءِ.

والأمْنُ: حالَةُ اطْمِئْنانِ النَّفْسِ وراحَةِ البالِ وانْتِفاءِ الخَوْفِ مِن كُلِّ ما يُخافُ مِنهُ، وهو يَجْمَعُ جَمِيعَ الأحْوالِ الصّالِحَةِ لِلْإنْسانِ مِنَ الصِّحَّةِ والرِّزْقِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قالُوا في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا إنَّهُ جَمَعَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ جَمِيعَ ما يُطْلَبُ لِخَيْرِ البَلَدِ.

وجُمْلَةُ (إنْ شاءَ اللَّهُ) تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ كالِاحْتِراسِ في الدُّعاءِ الوارِدِ بِصِيغَةِ الأمْرِ وهو لِمُجَرَّدِ التَّيَمُّنِ، فَوُقُوعُهُ في الوَعْدِ والعَزْمِ والدُّعاءِ بِمَنزِلَةِ وُقُوعِ

صفحة ٥٦

التَّسْمِيَةِ في أوَّلِ الكَلامِ ولَيْسَ هو مِنَ الِاسْتِثْناءِ الوارِدِ النَّهْيُ عَنْهُ في الحَدِيثِ: أنْ «لا يَقُولَ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ، فَإنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ»؛ لِأنَّ ذَلِكَ في الدُّعاءِ المُخاطَبِ بِهِ اللَّهُ صَراحَةً. وجُمْلَةُ (﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (ادْخُلُوا) والحالِ مِن ضَمِيرِها.

والعَرْشُ: سَرِيرٌ لِلْقُعُودِ فَيَكُونُ مُرْتَفِعًا عَلى سُوقٍ، وفِيهِ سَعَةٌ تُمَكِّنُ الجالِسَ مِنَ الِاتِّكاءِ. والسُّجُودُ: وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ تَعْظِيمًا لِلذّاتِ أوْ لِصُورَتِها أوْ لِذِكْرِها، قالَ الأعْشى:

فَلَمّا أتانا بُعَيْدَ الكَرى سَجَدْنا لَهُ ورَفَعْنا العَمارا

وفِعْلُهُ قاصِرٌ فَيُعَدّى إلى مَفْعُولِهِ بِاللّامِ كَما في الآيَةِ.

والخُرُورُ: الهُوِيُّ والسُّقُوطُ مِن عُلُوٍّ إلى الأرْضِ.

والَّذِينَ خَرُّوا سُجَّدًا هم أبَواهُ وإخْوَتُهُ كَما يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ وهم أحَدَ عَشَرَ وهم: رُوبِينُ، وسَمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ويَساكِرُ، ورِبُولُونُ، وجادٌ، وأشِيرُ، ودانِ، ونَفْتالِي، وبِنْيامِينُ، والشَّمْسُ، والقَمَرُ، تَعْبِيرُهُما أبَواهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وراحِيلُ.

وكانَ السُّجُودُ تَحِيَّةَ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مَمْنُوعًا في الشَّرائِعِ وإنَّما مَنَعَهُ الإسْلامُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَحْقِيقًا لِمَعْنى مُساواةِ النّاسِ في …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.