Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 91–100 of 111

91

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ

They said, "By Allah, certainly has Allah preferred you over us, and indeed, we have been sinners."

﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيِ اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ عَلَيْنا بِالتَّقْوى والصَّبْرِ وقِيلَ: بِالمُلْكِ وقِيلَ: بِالصَّبْرِ والعِلْمِ ورُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ: بِالحُلْمِ والصَّفْحِ ذَكَرَهُ سُلَيْمانُ الدِّمَشْقِيُّ وقالَ صاحِبُ الغَنِيّانِ: بِحُسْنِ الخَلْقِ والخُلُقِ والعِلْمِ والحُلْمِ والإحْسانِ والمُلْكِ والسُّلْطانِ والصَّبْرِ عَلى أذانا والأوَّلُ أوْلى.

( وإنْ ) أيْ والحالُ أنَّ الشَّأْنَ ﴿كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ . (91) . أيْ لَمُتَعَمِّدِينَ لِلذَّنْبِ إذْ فَعَلْنا ما فَعَلْنا ولِذَلِكَ أعَزَّكَ وأذَلَّنا فالواوُ حالِيَّةٌ و( إنْ ) مُخَفَّفَةٌ اسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ واللّامُ الَّتِي في خَبَرِ كانَ هي المُزَحْلَقَةُ وخاطِئِينَ مِن خَطِئَ إذا تَعَمَّدَ وأمّا أخْطَأ فَقَصَدَ الصَّوابَ ولَمْ يُوَفَّقْ لَهُ وفي قَوْلِهِمْ: هَذا مِنَ الِاسْتِنْزالِ لِإحْسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاعْتِرافِ بِما صَدَرَ مِنهم في حَقِّهِ مَعَ الإشْعارِ بِالتَّوْبَةِ ما لا يَخْفى ولِذَلِكَ

92

قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ

He said, "No blame will there be upon you today. Allah will forgive you; and He is the most merciful of the merciful."

﴿قالَ لا تَثْرِيبَ﴾ أيْ لا تَأْنِيبَ ولا لَوْمَ عَلَيْكم وأصْلُهُ مِنَ الثَّرْبِ وهو الشَّحْمُ الرَّقِيقُ في الجَوْفِ وعَلى الكِرْشِ وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ لِلسَّلْبِ أيْ إزالَةُ الثَّرْبِ كالتَّجْلِيدِ والتَّقْرِيعِ بِمَعْنى إزالَةِ الجِلْدِ والقَرْعِ واسْتُعِيرَ لِلَّوْمِ الَّذِي يُمَزِّقُ الأعْراضَ ويُذْهِبُ بَهاءَ الوَجْهِ لِأنَّهُ بِإزالَةِ الشَّحْمِ يَبْدُو الهُزالُ وما لا يُرْضِي كَما أنَّهُ بِاللَّوْمِ تَظْهَرُ العُيُوبُ فالجامِعُ بَيْنَهُما طَرَيانُ النَّقْصِ بَعْدَ الكَمالِ وإزالَةِ ما بِهِ الكَمالُ والجَمالُ وهو اسْمُ لا و﴿عَلَيْكُمُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ خَبَرًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الخَبَرِ المُقَدَّرِ أوْ بِالظَّرْفِ أيْ لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولَيْسَ التَّقْيِيدُ بِهِ لِإفادَةِ وُقُوعِ التَّثْرِيبِ في غَيْرِهِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَمْ يُثَرِّبْ أوَّلَ لِقائِهِ واشْتِعالَ نارِهِ فَبَعْدَهُ بِطَرِيقٍ الأوْلى وقالَ المُرْتَضِي: إنَّ اليَوْمَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الزَّمانِ كُلِّهِ كَقَوْلِهِ:

اليَوْمَ يَرْحَمُنا مَن كانَ يَغْبِطُنا واليَوْمَ نَتَّبِعُ مَن كانُوا لَنا تَبَعا

كَأنَّهُ أُرِيدَ بَعْدَ اليَوْمِ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعَلُّقَهُ بِتَثْرِيبَ وتَعَقَّبَهِ أبُو حَيّانَ قائِلًا: لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّ التَّثْرِيبَ مَصْدَرٌ وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِعَلَيْكم وهو إمّا خَبَرٌ أوْ صِفَةٌ ولا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِنَحْوِ ذَلِكَ لِأنَّ

صفحة 51

مَعْمُولَ المَصْدَرِ مِن تَمامِهِ وأيْضًا لَوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ لَمْ يَجُزْ بِناؤُهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ مِن قَبِيلِ المُشَبَّهِ بِالمُضافِ وهو الَّذِي يُسَمّى المُطَوَّلَ والمَمْطُولَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُعَرَّبًا مُنَوَّنًا ولَوْ قِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ و﴿عَلَيْكُمُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿تَثْرِيبَ﴾ وذَلِكَ المَحْذُوفُ هو العامِلُ في اليَوْمِ والتَّقْدِيرُ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ كَما قَدَّرُوا في ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيْ لا عاصِمَ يَعْصِمُ اليَوْمَ لَكانَ وجْهًا قَوِيًّا لِأنَّ خَبَرَ لا إذا عُلِمَ كَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ ولَمْ يَلْفِظْ بِهِ بَنُو تَمِيمٍ وكَذا مَنَعَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ وعَلَّلَهُ بِلُزُومِ الإعْرابِ والتَّنْوِينِ أيْضًا واعْتُرِضَ بِأنَّ المُصَرَّحَ بِهِ في مُتُونِ النَّحْوِ بِأنَّ شَبِيهَ المُضافِ سُمِعَ فِيهِ عَدَمُ التَّنْوِينِ نَحْوَ لا طالِعَ جَبَلًا ووَقَعَ في الحَدِيثِ لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ بِاتِّفاقِ الرُّواةِ فِيهِ وإنَّما الخِلافُ فِيهِ هَلْ هو مَبْنِيٌّ أوْ مُعَرَّبٌ تُرِكَ تَنْوِينُهُ وفي التَّصْرِيحِ نَقْلًا عَنِ المُغْنِي أنَّ نَصْبَ الشَّبِيهِ بِالمُضافِ وتَنْوِينَهُ هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ وأجازَ البَغْدادِيُّونَ لا طالِعَ جَبَلًا بِلا تَنْوِينٍ أجْرَوْهُ في ذَلِكَ مَجْرى المُضافِ كَما أجْرَوْهُ مَجْراهُ في الإعْرابِ وعَلَيْهِ يَتَخَرَّجُ الحَدِيثُ لا مانِعَ .. إلَخْ.

فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَبْنى ما قالَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ والحَدِيثُ المَذْكُورُ لا يَتَعَيَّنُ كَما قالَ الدَّنُوشَرِيُّ أخْذًا مِن كَلامِ المُغْنِي في الجِهَةِ الثّانِيَةِ مِنَ البابِ الخامِسِ حَمْلُهُ عَلى ما ذُكِرَ لِجَوازِ كَوْنِ اسْمِ لا فِيهِ مُفْرَدًا واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالخَبَرِ والتَّقْدِيرُ لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ وكَذا فِيما بَعْدَهُ وذَكَرَ الرَّضِيُّ أنَّ الظَّرْفَ بَعْدَ النَّفْيِ لا يَتَعَلَّقُ بِالمَنفِيِّ بَلْ بِمَحْذُوفٍ وهو خَبَرٌ …

93

ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًۭا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ

Take this, my shirt, and cast it over the face of my father; he will become seeing. And bring me your family, all together."

﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ هو القَمِيصُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ كَما هو الظّاهِرُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ القَمِيصُ الَّذِي كَساهُ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ وكانَ مِن قُمُصِ الجَنَّةِ جَعَلَهُ يَعْقُوبُ حِينَ وصَلَ إلَيْهِ في قَصَبَةٍ فِضَّةٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ وكانَ لا يَقَعُ عَلى عاهَةٍ مِن عاهاتِ الدُّنْيا إلّا بَرَّأها بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وضَعَّفَ هَذا بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لابِسًا لَهُ في تَعْوِيذَتِهِ كَما تَشْهَدُ بِهِ الإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِ وهو تَضْعِيفٌ ضَعِيفٌ كَما لا يَخْفى وقِيلَ هو القَمِيصُ الَّذِي قُدَّ مِن دُبُرٍ وأرْسَلَهُ لِيَعْلَمَ أنَّهُ عُصِمَ مِنَ الفاحِشَةِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ وأيًّا ما كانَ فالباءُ إمّا لِلْمُصاحَبَةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ أيِ اذْهَبُوا مَصْحُوبِينَ أوْ مُلْتَبِسِينَ بِهِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ عَلى ما قِيلَ أيْ أذْهِبُوا قَمِيصِيَ هَذا ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ يَصِرْ بَصِيرًا ويَشْهَدْ لَهُ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ أوْ يَأْتِ إلَيَّ وهو بَصِيرٌ ويَنْصُرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ . (93) . مِنَ النِّساءِ والذَّرارِي وغَيْرِهِمْ مِمّا لا يَنْتَظِمُهُ لَفْظُ الأهْلِ كَذا قالُوا.

وحاصِلُ الوَجْهَيْنِ كَما قالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ أنَّ الإتْيانَ في الأوَّلِ مَجازٌ عَنِ الصَّيْرُورَةِ ولَمْ يُذْكَرْ إتْيانُ الأبِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ داخِلًا في الأهْلِ فَإنَّهُ يَجِلُّ عَنِ التّابِعِيَّةِ بَلْ تَفادِيًا عَنْ أمْرِ الإخْوَةِ بِالإتْيانِ لِأنَّهُ نَوْعٌ إجْبارٍ عَلى مَن يُؤْتى بِهِ فَهو إلى اخْتِيارِهِ وفي الثّانِي عَلى الحَقِيقَةِ وفِيهِ التَّفادِي المَذْكُورُ والجَزْمُ بِأنَّهُ مِنَ الآتِينَ لا مَحالَةَ وُثُوقًا بِمَحَبَّتِهِ وإنَّ فائِدَةَ الإلْقاءِ إتْيانُهُ عَلى ما أحَبَّ مِن كَوْنِهِ مُعافًى سَلِيمَ البَصَرِ وفِيهِ أنَّ صَيْرُورَتَهُ بَصِيرًا أمْرٌ

صفحة 53

مَفْرُوغٌ عَنْهُ مَقْطُوعٌ إنَّما الكَلامُ في تَسَبُّبِ الإلْقاءِ لِإتْيانِهِ كَذَلِكَ فَهَذا الوَجْهُ أرْجَحُ وإنْ كانَ الأوَّلُ مِنَ الخِلافَةِ بِالقَبُولِ بِمَنزِلٍ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ وعِلْمُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِإعْلامِهِمْ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالوَحْيِ وكَذا عِلْمُهُ بِما يَتَرَتَّبُ عَلى الإلْقاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَنْ وحْيٍ أيْضًا أوْ عَنْ وُقُوفٍ مِن قَبْلُ عَلى خَواصِّ ذَلِكَ القَمِيصِ بِالتَّجْرِبَةِ أوْ نَحْوِها إنْ كانَ المُرادُ بِالقَمِيصِ الَّذِي كانَ في التَّعْوِيذَةِ ويَتَعَيَّنُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ إنْ كانَ المُرادُ غَيْرَهُ عَلى ما هو الظّاهِرُ وقالَ الإمامُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَعَلَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ أباهُ ما عَرا بَصَرَهُ ما عَراهُ إلّا مِن كَثْرَةِ البُكاءِ وضِيقِ القَلْبِ فَإذا أُلْقِيَ عَلَيْهِ قَمِيصُهُ فَلا بُدَّ وأنْ يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ وأنْ يَحْصُلَ في قَلْبِهِ الفَرَحُ الشَّدِيدُ وذَلِكَ يُقَوِّي الرُّوحَ ويُزِيلُ الضَّعْفَ عَنِ القُوى فَحِينَئِذٍ يَقْوى بَصَرُهُ ويَزُولُ عَنْهُ ذَلِكَ النُّقْصانُ فَهَذا القَدْرُ مِمّا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالعَقْلِ فَإنَّ القَوانِينَ الطِّبِّيَّةَ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ وأنا لا أرى ذَلِكَ قالَ الكَلْبِيُّ: وكانَ أُولَئِكَ الأهْلُ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ إنْسانًا وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُمُ اثْنانِ وسَبْعُونَ مِن ولَدِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ وقِيلَ: …

94

وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ

And when the caravan departed [from Egypt], their father said, "Indeed, I find the smell of Joseph [and would say that he was alive] if you did not think me weakened in mind."

﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ خَرَجَتْ مِن عَرِيشِ مِصْرَ قاصِدَةً مَكانَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ قَرِيبًا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ والقَوْلُ بِأنَّهُ كانَ بِالجَزِيرَةِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ يُقالُ: فَصَلَ مِنَ البَلَدِ يَفْصِلُ فُصُولًا إذا انْفَصَلَ مِنهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ وهو لازِمٌ وفَصَلَ الشَّيْءَ فَصْلًا إذا فَرَّقَهُ وهو مُتَعَدٍّ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( ولَمّا انْفَصَلَ العِيرُ ) .

﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن عِنْدَهُ ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أيْ لَأشُمُّ فَهو وُجُودُ حاسَّةِ الشَّمِّ أشَمَّهُ اللَّهُ تَعالى ما عَبِقَ بِالقَمِيصِ مِن رِيحِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ مِن ثَمانِينَ فَرْسَخًا وفي رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ أُخْرى مِن مَسِيرَةِ ثَلاثِينَ يَوْمًا وفي أُخْرى عَنْهُ مِن مَسِيرَةِ عَشْرِ لَيالٍ وقَدِ اسْتَأْذَنَتِ الرِّيحُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي أيُّوبَ الهَرَوِيِّ في إيصالِ عَرْفِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى لَها وقالَ مُجاهِدٌ: صَفَقَتِ الرِّيحُ القَمِيصَ فَراحَتْ رَوائِحُ الجَنَّةِ في الدُّنْيا واتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَجَدَ رِيحَ الجَنَّةِ فَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا إلّا ما كانَ مِن ذَلِكَ القَمِيصِ فَقالَ ما قالَ ويُبْعِدُ ذَلِكَ الإضافَةُ فَإنَّها حِينَئِذٍ لِأدْنى مُلابَسَةٍ وهي فِيما قَبْلُ وإنْ كانَتْ كَذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّها أقْوى بِكَثِيرٍ مِنها عَلى هَذا كَما لا يَخْفى ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ . (94) . أيْ تَنْسِبُونِي إلى الفَنَدِ بِفَتْحَتَيْنِ ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الفَسادِ كَما في قَوْلِهِ:

إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ الإلَهُ لَهُ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ

وبِمَعْنى ضَعْفِ الرَّأْيِ والعَقْلِ مِنَ الهَرَمِ وكِبَرِ السِّنِّ ويُقالُ: فَنَدَ الرَّجُلُ إذا نَسَبَهُ إلى الفَنَدِ وهو عَلى ما قِيلَ مَأْخُوذٌ مِنَ الفَنَدِ وهو الحَجَرُ كَأنَّهُ جُعِلَ حَجَرًا لِقِلَّةِ فَهْمِهِ كَما قِيلَ:

صفحة 54

إذا أنْتَ لَمْ تَعْشَقْ ولَمْ تَدْرِ ما الهَوى فَكُنْ حَجَرًا مِن يابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدِ

ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَقِيلَ فَنَّدَهُ إذا ضَعَّفَ رَأْيَهُ ولامَهُ عَلى ما فَعَلَ قالَ الشّاعِرُ:

يا عاذِلِيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِي ∗∗∗ فَلَيْسَ ما قُلْتُ مِن أمْرٍ بِمَرْدُودِ

وجاءَ أفْنَدَ الدَّهْرُ فُلانًا أفْسَدَهُ قالَ ابْنُ مَقْتَلٍ:

دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلُ ما أرادَ فَإنَّهُ ∗∗∗ إذا كُلِّفَ الإفْنادُ بِالنّاسِ أفْنَدا

ويُقالُ: شَيْخٌ مُفَنَّدٌ إذا فَسَدَ رَأْيُهُ ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ لِأنَّها لا رَأْيَ لَها في شَبِيبَتِها حَتّى يُضَعَّفَ قالَهُ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ وغَيْرُهُ واسْتَغْرَبَهُ السَّمِينُ ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ لَها عَقْلًا وإنْ كانَ ناقِصًا يَشْتَدُّ نَقْصُهُ بِكِبَرِ السِّنِّ فَتَأمَّلْ وجَوابُ ﴿لَوْلا﴾ مَحْذُوفٌ أيْ لَوْلا تَفْنِيدُكم إيّايَ لَصَدَّقْتُمُونِي أوْ لَقُلْتُ: إنَّ يُوسُفَ قَرِيبٌ مَكانُهُ أوْ لِقاؤُهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ والمُخاطَبُ قِيلَ: مَن بَقِيَ مِن ولَدِهِ غَيْرَ الَّذِينَ ذَهَبُوا يَمْتارُونَ وهم كَثِيرٌ وقِيلَ: ولَدُ ولَدِهِ ومَن كانَ بِحَضْرَتِهِ مِن ذَوِي قَرابَتِهِ وهو المَشْهُورُ

95

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ

They said, "By Allah, indeed you are in your [same] old error."

﴿قالُوا﴾ أيْ أُولَئِكَ المُخاطَبُونَ ﴿تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ . (95) . أيْ لَفي ذَهابِكَ عَنِ الصَّوابِ قُدُمًا بِالإفْراطِ في مَحَبَّةِ يُوسُفَ والإكْثارِ مِن ذِكْرِهِ والتَّوَقُّعِ لِلِقائِهِ وجَعْلِهِ فِيهِ لِتَمَكُّنِهِ ودَوامِهِ عَلَيْهِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الضَّلالَ هُنا بِمَعْنى الحُبِّ وقالَ مُقاتِلٌ: هو الشَّقاءُ والعَناءُ وقِيلَ: الهَلاكُ والذَّهابُ مِن قَوْلِهِمْ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ أيْ ذَهَبَ فِيهِ وهَلَكَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ تَفْسِيرَهُ بِالجُنُونِ وهو مِمّا لا يَلِيقُ وكَأنَّهُ لِتَفْسِيرٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ قالَ قَتادَةُ: لَقَدْ قالُوا كَلِمَةً غَلِيظَةً لا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَها مِثْلُهم لِمِثْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَعَلَّهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ لِظَنِّهِمْ أنَّهُ ماتَ.

96

فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًۭا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And when the bearer of good tidings arrived, he cast it over his face, and he returned [once again] seeing. He said, "Did I not tell you that I know from Allah that which you do not know?"

﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ هو يَهُوذا رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِإخْوَتِهِ قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي ذَهَبْتُ إلى أبِي بِقَمِيصِ التَّرْحَةِ فَدَعُونِي أذْهَبْ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ فَتَرَكُوهُ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ والرِّوايَةُ الشَّهِيرَةُ عَنْهُ ما تَقَدَّمَ و( أنْ ) صِلَةٌ وقَدِ اطَّرَدَتْ زِيادَتُها بَعْدَ لَمّا وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُدَّ ذَلِكَ قِراءَةُ تَفْسِيرٍ ( وجاءَ البَشِيرُ مِن بَيْنِ يَدَيِ العِيرِ ) .

﴿ألْقاهُ﴾ أيْ ألْقى البَشِيرُ القَمِيصَ ﴿عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ وجْهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: فاعِلُ ألْقى ضَمِيرُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا والأوَّلُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ: فَألْقَوْهُ عَلى وجْهِ أبِي وهو يَبْعُدُ كَوْنَ البَشِيرِ مالِكًا كَما لا يَخْفى والثّانِي قِيلَ: هو الأنْسَبُ بِالأدَبِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى فَرْقَدٍ قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَهُ فَشَمَّهُ ثُمَّ وضَعَهُ عَلى بَصَرِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالوَجْهِ كُلِّهِ وقَدْ جَرَتِ العادَةُ أنَّهُ مَتى وجَدَ الإنْسانُ شَيْئًا يَعْتَقِدُ فِيهِ البَرَكَةَ مَسَحَ بِهِ وجْهَهُ وقِيلَ: عَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ العَيْنَيْنِ لِأنَّهُما فِيهِ وقِيلَ: عَبَّرَ بِالكُلِّ عَنِ البَعْضِ وارْتَدَّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ مِن أخَواتِ كانَ وهي بِمَعْنى صارَ فَبَصِيرًا خَبَرُها وصَحَّحَ أبُو حَيّانَ أنَّها لَيْسَتْ مَن أخَواتِها فَبَصِيرًا حالٌ والمَعْنى أنَّهُ رَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن سَلامَةِ البَصَرِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الكَلامِ ما يُشْعِرُ بِأنَّ بَصَرَهُ صارَ أقْوى مِمّا كانَ عَلَيْهِ لِأنَّ فَعِيلًا مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ وما عَدَلَ مِن يُفْعِلُ إلَيْهِ إلّا لِهَذا المَعْنى وتُعُقِّبَ بِأنَّ فَعِيلًا هُنا لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ إذْ ما يَكُونُ لَها هو المَعْدُولُ عَنْ فاعِلٍ وأمّا بَصِيرٌ هُنا فَهو اسْمُ فاعِلٍ مِن بَصُرَ بِالشَّيْءِ فَهو جارٍ عَلى قِياسِ فَعُلَ نَحْوِ ظَرُفَ فَهو ظَرِيفٌ ولَوْ كانَ

صفحة 55

كَما زَعَمَ بِمَعْنى مُبْصِرٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مُفْعِلٍ لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ نَحْوَ ألِيمٍ وسَمِيعٍ وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ عَوْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَصِيرًا بِإلْقاءِ القَمِيصِ عَلى وجْهِهِ لَيْسَ إلّا مِن بابِ خَرْقِ العادَةِ ولَيْسَ الخارِقُ بِدْعًا في هَذِهِ القِصَّةِ وقِيلَ إنَّ ذاكَ لِما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ انْتَعَشَ حَتّى قَوِيَ قَلْبُهُ وحَرارَتُهُ الغَرِيزِيَّةُ فَأوْصَلَ نُورَهُ إلى الدِّماغِ وأدّاهُ إلى البَصَرِ ومِن هَذا البابِ اسْتِشْفاءُ العُشّاقِ بِما يَهُبُّ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ أرْضِ المَعْشُوقِ كَما قالَ:

وإنِّي لَأسْتَشْفِي بِكُلِّ غَمامَةٍ يَهُبُّ بِها مِن نَحْوِ أرْضِكِ رِيحُ

وقالَ آخَرُ:

ألا يا نَسِيمَ الصُّبْحِ ما لَكَ كُلَّما ∗∗∗ تَقَرَّبْتَ مِنّا فاحَ نَشْرُكَ طِيبا

كَأنَّ سُلَيْمى نُبِّئَتْ بِسِقامِنا ∗∗∗ فَأعْطَتْكَ رَيّاها فَجِئْتَ طَبِيبا

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى وهو قَرِيبٌ مِمّا سَمِعْتُهُ آنِفًا عَنِ الإمامِ هَذا وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ البَشِيرَ كَيْفَ يُوسُفُ قالَ: مَلَكَ مِصْرَ فَقالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ قالَ: عَلى الإسْلامِ قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا جاءَ البَشِيرُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ما وجَدْتَ عِنْدَنا شَيْئًا وما اخْتَبَزْنا مُنْذُ سَبْعَةِ أيّامٍ ولَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ …

97

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ

They said, "O our father, ask for us forgiveness of our sins; indeed, we have been sinners."

﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ طَلَبُوا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ الِاسْتِغْفارَ ونادَوْهُ بِعُنْوانِ الأُبُوَّةِ تَحْرِيكًا لِلْعَطْفِ والشَّفَقَةِ وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ . (97) . أيْ ومِن حَقِّ المُعْتَرِفِ بِذَنْبِهِ أنْ يُصْفَحَ عَنْهُ ويُسْتَغْفَرَ لَهُ: وكَأنَّهم كانُوا عَلى ثِقَةٍ مِن عَفْوِهِ ولِذَلِكَ اقْتَصَرُوا عَلى طَلَبِ الِاسْتِغْفارِ وأدْرَجُوا ذَلِكَ في الِاسْتِغْفارِ وقِيلَ: حَيْثُ نادَوْهُ بِذَلِكَ أرادُوا ومِن حَقِّ شَفَقَتِكَ عَلَيْنا أنْ تَسْتَغْفِرَ لَنا فَإنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ لَكُنّا هالِكِينَ لِتَعَمُّدِ الإثْمِ فَمَن ذا يَرْحَمُنا إذا لَمْ تَرْحَمْنا ولَيْسَ بِذاكَ

98

قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

He said, "I will ask forgiveness for you from my Lord. Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . (98) . رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى السَّحَرِ لِأنَّ الدُّعاءَ فِيهِ مُسْتَجابٌ ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا كَذَلِكَ أنَّهُ أخَّرَهُ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ وجاءَ ذَلِكَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وقِيلَ: سَوَّفَهم إلى قِيامِ اللَّيْلِ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وفِرْقَةٌ: إلى اللَّيالِي البِيضِ فَإنَّ الدُّعاءَ فِيها يُسْتَجابُ وقالَ الشَّعْبِيُّ: أخَّرَهُ حَتّى يَسْألَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنْ عَفا عَنْهُمُ اسْتَغْفَرَ لَهم وقِيلَ أخَّرَ لِيَعْلَمَ حالَهم في صِدْقِ التَّوْبَةِ وتَعَقَّبَ بَعْضُهم بَعْضَ هَذِهِ الأقْوالِ بِأنَّ سَوْفَ تَأْبى ذَلِكَ لِأنَّها أبْلَغُ مِنَ السِّينِ في التَّنْفِيسِ فَكانَ حَقُّهُ عَلى ذَلِكَ السِّينَ ورُدَّ بِما في المُغْنِي مِن أنَّ

صفحة 56

ما ذُكِرَ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ وغَيْرِهِمْ يُسَوِّي بَيْنَهُما وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: هَذا غَيْرُ وارِدٍ حَتّى يَحْتاجَ إلى الدَّفْعِ لِأنَّ التَّنْفِيسَ التَّأْخِيرُ مُطْلَقًا ولَوْ أقَلَّ مِن ساعَةٍ فَتَأْخِيرُهُ إلى السَّحَرِ مَثَلًا ومَضى ذَلِكَ اليَوْمَ مَحَلٌّ لِلتَّنْفِيسِ بِسَوْفَ وقِيلَ: أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ الدَّوامَ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهم وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ السِّينَ وسَوْفَ يَدُلّانِ عَلى الِاسْتِمْرارِ في المُسْتَقْبَلِ وفِيهِ كَلامٌ لِلنَّحْوِيِّينَ نَعَمْ جاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَمَرَّ بُرْهَةً مِنَ الزَّمانِ يَسْتَغْفِرُ لَهم أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا جَمَعَ شَمْلَهُ بِبَنِيهِ وأقَرَّ عَيْنَهُ خَلا ولَدُهُ نَجِيًّا فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لَسْتُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ ما صَنَعْتُمْ وما لَقِيَ مِنكُمُ الشَّيْخُ وما لَقِيَ مِنكم يُوسُفُ قالُوا بَلى قالَ فَيَغُرُّكم عَفْوُهُما عَنْكم فَكَيْفَ لَكم بِرَبِّكم واسْتَقامَ أمْرُهم عَلى أنْ أتَوُا الشَّيْخَ فَجَلَسُوا بَيْنَ يَدَيْهِ ويُوسُفُ إلى جَنْبِهِ فَقالُوا يا أبانا أتَيْناكَ في أمْرٍ لَمْ نَأْتِكَ في مِثْلِهِ قَطُّ ونَزَلَ بِنا أمْرٌ لَمْ يَنْزِلْ بِنا مِثْلُهُ حَتّى حَرَّكُوهُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أرْحَمُ البَرِيَّةِ فَقالَ: ما لَكَمَ يا بَنِيَّ قالُوا ألَسْتَ قَدْ عَلِمْتَ ما كانَ مِنّا إلَيْكَ وما كانَ مِنّا إلى أخِينا يُوسُفَ قالا بَلى قالُوا أفْلَسْتُما قَدْ عَفَوْتُما قالا بَلى قالُوا فَإنَّ عَفْوَكُما لا يُغْنِي عَنّا شَيْئًا إنْ كانَ اللَّهُ تَعالى لَمْ يَعْفُ عَنّا قالَ فَما تُرِيدُونَ يا بَنِيَّ قالُوا: نُرِيدُ أنْ تَدْعُوَ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَإذا جاءَكَ الوَحْيُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ قَدْ عَفا عَمّا صَنَعْنا قَرَّتْ أعْيُنُنا واطْمَأنَّتْ قُلُوبُنا وإلّا فَلا قُرَّةَ عَيْنٍ في الدُّنْيا لَنا أبَدًا قالَ فَقامَ الشَّيْخُ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وقامَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلْفَهُ وقامُوا خَلْفَهُما أذِلَّةً خاشِعِينَ فَدَعا وأمَّنَ يُوسُفُ فَلَمْ يُجَبْ فِيهِمْ عِشْرِينَ سَنَةً حَتّى إذا كانَ رَأْسُ العِشْرِينَ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَنِي أُبَشِّرُكَ بِأنَّهُ قَدْ أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ وأنَّهُ قَدْ عَفا عَمّا صَنَعُوا وأنَّهُ قَدْ عَقَدَ مَواثِيقَهم مِن بَعْدِكَ عَلى النُّبُوَّةِ قِيلَ: وهَذا إنْ صَحَّ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِمْ وإنَّ ما صَدَرَ مِنهم كانَ قَبْلَ اسْتِنْبائِهِمْ والحَقُّ عَدَمُ الصِّحَّةِ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقٌ بِما …

99

فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ

And when they entered upon Joseph, he took his parents to himself and said, "Enter Egypt, Allah willing, safe [and secure]."

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَهَّزَ إلى أبِيهِ جَهازًا ومِائَتَيْ راحِلَةٍ لِيَتَجَهَّزَ إلَيْهِ بِمَن مَعَهُ وفي التَّوْراةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أعْطى لِكُلٍّ مِن إخْوَتِهِ خُلْعَةً وأعْطى بِنْيامِينَ ثَلاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ وخَمْسَ خُلَعٍ وبَعَثَ لِأبِيهِ بِعَشْرَةِ حَمِيرٍ مُوقَرَةٍ بِالتُّحَفِ وبِعَشَرَةٍ أُخْرى مُوقَّرَةٍ بُرًّا وطَعامًا.

وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ هو والمَلِكُ في أرْبَعَةِ آلافٍ مِنَ الجُنْدِ والعُظَماءِ وأهْلِ مِصْرَ بِأجْمَعِهِمْ لِاسْتِقْبالِهِ فَتَلْقَّوْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو يَمْشِي يَتَوَكَّأُ عَلى يَهُوذا فَنَظَرَ إلى الخَيْلِ والنّاسِ فَقالَ: يا يَهُوذا أهَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ قالَ: لا يا أبَتِ ولَكِنْ هَذا ابْنُكَ يُوسُفُ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ قادِمٌ فَتَلَقّاكَ بِما تَرى فَلَمّا لَقِيَهُ ذَهَبَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَبْدَأهُ بِالسَّلامِ فَمُنِعَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنَّ يَعْقُوبَ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ فاعْتَنَقَهُ وقَبَّلَهُ وقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها الذّاهِبُ بِالأحْزانِ عَنِّي وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِأبِيهِ: يا أبَتِ بَكَيْتَ عَلَيَّ حَتّى ذَهَبَ بَصَرُكَ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ القِيامَةَ تَجْمَعُنا قالَ: بَلى ولَكِنْ خَشِيتُ أنْ تُسْلَبَ دِينَكَ فَيُحالُ بَيْنِي وبَيْنَكَ.

وفِي الكَلامِ إيجازٌ والتَّقْدِيرُ فَرَحَلَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأهْلِهِ وسارُوا حَتّى أتَوْا يُوسُفَ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ وكانَ ذَلِكَ فِيما قِيلَ يَوْمَ عاشُوراءَ ﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾ أيْ ضَمَّهُما إلَيْهِ واعْتَنَقَهُما والمُرادُ بِهِما أبُوهُ وخالَتُهُ لَيا وقِيلَ: راحِيلُ ولَيْسَ بِذاكَ والخالَةُ تُنَزَّلُ مَنزِلَةَ الأُمِّ لِشَفَقَتِها كَما يُنَزَّلُ العَمُّ مَنزِلَةَ الأبِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا تَزَوَّجَها بَعْدَ أُمِّهِ صارَتْ رابَّةً لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَزَلَتْ مَنزِلَةَ الأُمِّ لِكَوْنِها مِثْلَها في زَوْجِيَّةِ الأبِ وقِيامِها مَقامَها والرّابَّةُ تُدْعى أُمًّا وإنْ لَمْ تَكُنْ خالَةً ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ أبُوهُ وجَدَّتُهُ أُمُّ أُمِّهِ حَكاهُ الزَّهْراوِيُّ وقالَ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ: إنَّ أُمَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ بِالحَياةِ فَلا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ لَكِنَّ المَشْهُورَ أنَّها ماتَتْ في نِفاسِ بِنْيامِينَ وعَنِ الحَسَنِ وابْنِ إسْحاقَ القَوْلُ بِذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّهُما قالا: إنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياها لَهُ لِيَصْدُقَ رُؤْياهُ والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ولَوْ ثَبَتَ مِثْلُهُ لاشْتَهَرَ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ( آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ ) .

﴿وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ضَرَبَ في المُلْتَقى خارِجَ البَلَدِ مَضْرِبًا فَنَزَلَ فِيهِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِيهِ فَآواهُما إلَيْهِ ثُمَّ طَلَبَ مِنهُمُ الدُّخُولَ في البَلْدَةِ فَهُناكَ دُخُولانِ: أحَدُهُما دُخُولٌ عَلَيْهِ خارِجَ البَلْدَةِ والثّانِي دُخُولٌ في البَلْدَةِ وقِيلَ: إنَّهم إنَّما دَخَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مِصْرَ وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ تَمَكَّنُوا مِنها واسْتَقِرُّوا فِيها ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ . (99) . أيْ مِنَ القَحْطِ وسائِرِ المَكارِهِ والِاسْتِثْناءُ عَلى ما في التَّيْسِيرِ داخِلٌ في الأمْنِ لا في الأمْرِ بِالدُّخُولِ لِأنَّهُ إنَّما يَدْخُلُ في الوَعْدِ لا في الأمْرِ وفي الكَشّافِ أنَّ …

100

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًۭا ۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّۭا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌۭ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

And he raised his parents upon the throne, and they bowed to him in prostration. And he said, "O my father, this is the explanation of my vision of before. My Lord has made it reality. And He was certainly good to me when He took me out of prison and brought you [here] from bedouin life after Satan had induced [estrangement] between me and my brothers. Indeed, my Lord is Subtle in what He wills. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise.

﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ﴾ عِنْدَ نُزُولِهِمْ بِمِصْرَ ﴿عَلى العَرْشِ﴾ عَلى السَّرِيرِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما تَكَرُّمًا لَهُما فَوْقَ ما فَعَلَهُ بِالإخْوَةِ ﴿وخَرُّوا لَهُ﴾ أيْ أبَواهُ وإخْوَتُهُ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْإخْوَةِ فَقَطْ ولَيْسَ بِذاكَ فَإنَّ الرُّؤْيا تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الأبَوانِ والإخْوَةُ خَرُّوا لَهُ ﴿سُجَّدًا﴾ أيْ عَلى الجِباهِ كَما هو الظّاهِرُ وهو كَما قالَ أبُو البَقاءِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّ السُّجُودَ يَكُونُ بَعْدَ الخُرُورِ وكانَ ذَلِكَ جائِزًا عِنْدَهم وهو جارٍ مَجْرى التَّحِيَّةِ والتَّكْرِمَةُ كالقِيامِ والمُصافَحَةِ وتَقْبِيلِ اليَدِ ونَحْوِها مِن عاداتِ النّاسِ الفاشِيَةِ في التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ قالَ قَتادَةُ: كانَ السُّجُودُ تَحِيَّةَ المُلُوكِ عِنْدَهم وأعْطى اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ السَّلامَ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ كَرامَةً مِنهُ تَعالى عَجَّلَها لَهم وقِيلَ: ما كانَ ذَلِكَ إلّا إيماءً بِالرَّأْسِ وقِيلَ: كانَ كالرُّكُوعِ البالِغِ دُونَ وضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّواضُعُ ويُرادُ بِالخُرُورِ المُرُورُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ فَقَدْ قِيلَ: المُرادُ لَمْ يَمُرُّوا عَلَيْها كَذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اللَّفْظَ ظاهِرٌ في السُّقُوطِ وقِيلَ: ونُسِبَ لِابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى خَرُّوا لِأجْلِ يُوسُفَ سُجَّدًا لِلَّهِ شُكْرًا عَلى ما أوْزَعَهم مِنَ النِّعْمَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ إذْ فِيها ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ ودُفِعَ بِأنَّ القائِلَ بِهِ يَجْعَلُ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ فِيهِما وقِيلَ: اللّامُ فِيهِما بِمَعْنى إلى كَما في صَلّى لِلْكَعْبَةِ قالَ حَسّانُ:

ما كُنْتُ أعْرِفُ أنَّ الدَّهْرَ مُنْصَرِفٌ عَنْ هاشِمٍ ثُمَّ مِنها عَنْ أبِي حَسَنِ

ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم ∗∗∗ وأعْرَفَ النّاسِ بِالأشْياءِ والسُّنَنِ

وذَكَرَ الإمامُ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ السُّجُودَ كانَ لِلَّهِ تَعالى لا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسَنٌ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّهم صَعِدُوا ثُمَّ سَجَدُوا ولَوْ كانَ السُّجُودُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَبْلَ الصُّعُودِ والجُلُوسِ لِأنَّهُ أدْخَلُ في التَّواضُعِ بِخِلافِ سُجُودِ الشُّكْرِ لِلَّهِ تَعالى ومُخالَفَةُ ظاهِرِ التَّرْتِيبِ ظاهِرُ المُخالَفَةِ لِلظّاهِرِ ودَفَعَ ما يَرُدُّ عَلَيْهِ مِمّا عَلِمْتَ بِما عَلِمْتَ ثُمَّ قالَ: وهو مُتَعَيَّنٌ عِنْدِي لِأنَّهُ يَبْعُدُ مِن عَقْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ودِينِهِ أنْ يَرْضى بِأنْ يَسْجُدَ لَهُ أبُوهُ مَعَ سابِقَتِهِ في حُقُوقِ الوِلادَةِ والشَّيْخُوخَةِ والعِلْمِ والدِّينِ وكَمالِ النُّبُوَّةِ وأُجِيبَ بِأنَّ تَأْخِيرَ الخُرُورِ عَنِ الرَّفْعِ لَيْسَ بِنَصٍّ في المَقْصُودِ لِأنَّ التَّرْتِيبَ الذِّكْرِيَّ لا يَجِبُ كَوْنُهُ عَلى وفْقِ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ فَلَعَلَّ تَأْخِيرَهُ عَنْهُ لِيَتَّصِلَ بِهِ ذِكْرُ كَوْنِهِ تَعْبِيرًا لِرُؤْياهُ وما يَتَّصِلُ بِهِ وبِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَ يَعْقُوبَ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا هو وكانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِالأمْرِ فَلَمْ يَسَعْهُ إلّا السُّكُوتُ والتَّسْلِيمُ وكَأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿يا أبَتِ﴾ .. إلَخْ إشارَةً إلى ذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: يا أبَتِ لا يَلِيقُ بِمِثْلِكَ عَلى جَلالَتِكَ في العِلْمِ والدِّينِ …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.