Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 91–100 of 111

91

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ

They said, "By Allah, certainly has Allah preferred you over us, and indeed, we have been sinners."

﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ عَلَيْنا بِما ذَكَرْتَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿وَإنْ كُنّا﴾ وإنَّ الشَّأْنَ كُنّا ﴿لَخاطِئِينَ﴾ لَمُتَعَمِّدِينَ لِلذَّنْبِ إذْ فَعَلْنا بِكَ ما فَعَلْنا، ولِذَلِكَ أعَزَّكَ وأذَلَّنا، وفِيهِ إشْعارٌ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ ولِذَلِكَ.

92

قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ

He said, "No blame will there be upon you today. Allah will forgive you; and He is the most merciful of the merciful."

﴿قالَ لا تَثْرِيبَ﴾ أيْ: لا عَتْبَ ولا تَأْنِيبَ ﴿عَلَيْكُمُ﴾ وهو تَفْعِيلٌ مِنَ الثَّرْبِ، وهو الشَّحْمُ الغاشِي لِلْكَرِشِ، ومَعْناهُ إزالَتُهُ، كَما أنَّ التَّجْلِيدَ إزالَةُ الجَلْدِ، والتَّقْرِيعَ إزالَةُ القَرْعِ؛ لِأنَّهُ إذا ذَهَبَ كانَ ذَلِكَ غايَةَ الهُزالِ، فَضُرِبَ مَثَلًا لِلتَّقْرِيعِ الَّذِي يَذْهَبُ بِماءِ الوُجُوهِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿اليَوْمَ﴾ مَنصُوبٌ بِالتَّثْرِيبِ، أوْ بِالمُقَدَّرِ خَبَرًا لِـ(لا) أيْ: لا أثَرَ بِكُمْ، أوْ لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ الَّذِي هو مَظِنَّةٌ لَهُ فَما ظَنُّكم بِسائِرِ الأيّامِ، أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ صَفَحَ عَنْ جَرِيمَتِهِمْ وعَفا عَنْ جَرِيرَتِهِمْ بِما فَعَلُوا مِنَ التَّوْبَةِ ﴿وَهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ يَغْفِرُ الصَّغائِرَ والكَبائِرَ، ويَتَفَضَّلُ عَلى التّائِبِ بِالقَبُولِ، ومِن كَرَمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّ إخْوَتَهُ أرْسَلُوا إلَيْهِ: إنَّكَ تَدْعُونا إلى طَعامِكَ بُكْرَةً وعَشِيًّا، ونَحْنُ نَسْتَحْيِي مِنكَ بِما فَرَطَ مِنّا فِيكَ، فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: إنَّ أهْلَ مِصْرَ - وإنْ مَلَكْتُ فِيهِمْ - كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيَّ بِالعَيْنِ الأُولى، ويَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَّغَ عَبْدًا بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَّغَ، ولَقَدْ شَرُفَتْ بِكُمُ الآنَ، وعَظُمْتُ في العُيُونِ حَيْثُ عَلِمَ النّاسُ أنَّكم إخْوَتِي وأنِّي مِن حَفَدَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

93

ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًۭا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ

Take this, my shirt, and cast it over the face of my father; he will become seeing. And bring me your family, all together."

﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ قِيلَ: هو الَّذِي كانَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: هو القَمِيصُ المُتَوارَثُ الَّذِي كانَ في التَّعْوِيذِ، أمَرَهُ جِبْرِيلُ بِإرْسالِهِ إلَيْهِ، وأوْحى إلَيْهِ أنَّ فَيْحَ رِيحِ الجَنَّةِ لا يَقَعُ عَلى مُبْتَلًى إلّا عُوفِيَ ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ يَكُنْ بَصِيرًا، أوْ يَأْتِ إلَيَّ بَصِيرًا ويَنْصُرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ: بِأبِي وغَيْرِهِ مِمَّنْ يَنْتَظِمُهُ لَفْظُ الأهْلِ جَمِيعًا مِنَ النِّساءِ والذَّرارِيِّ.

قِيلَ: إنَّما حَمَلَ القَمِيصَ يَهُوذا، وقالَ: أنا أحْزَنْتُهُ بِحَمْلِ القَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ إلَيْهِ فَأُفْرِحُهُ كَما أحْزَنْتُهُ، وقِيلَ: حَمَلَهُ وهو حافٍ حاسِرٌ مِن مِصْرَ إلى كَنْعانَ وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ ثَمانِينَ فَرْسَخًا.

94

وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ

And when the caravan departed [from Egypt], their father said, "Indeed, I find the smell of Joseph [and would say that he was alive] if you did not think me weakened in mind."

﴿وَلَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ خَرَجَتْ مِن عَرِيشِ مِصْرَ، يُقالُ: فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا إذا انْفَصَلَ مِنهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: (انْفَصَلَ العِيرُ) ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِمَن عِنْدَهُ: ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أوْجَدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما عَبِقَ بِالقَمِيصِ مِن رِيحِ يُوسُفَ مِن ثَمانِينَ فَرْسَخًا حِينَ أقْبَلَ بِهِ يَهُوذا ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أيْ: تَنْسُبُونِي إلى الفَنَدِ، وهو الخَرَفُ وإنْكارُ العَقْلِ وفَسادُ الرَّأْيِ مِن هَرَمٍ، يُقالُ: شَيْخٌ مُفَنِّدٌ ولا يُقالُ عَجُوزٌ مُفَنِّدَةٌ؛ إذْ لَمْ تَكُنْ في شَبِيبَتِها ذاتَ رَأْيٍ فَتُفَنِّدُ في كِبَرِها، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ، أيْ: لَصَدَّقْتُمُونِي.

95

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ

They said, "By Allah, indeed you are in your [same] old error."

﴿قالُوا﴾ أيِ: الحاضِرُونَ عِنْدَهُ: ﴿تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ لَفي ذَهابِكَ عَنِ الصَّوابِ قِدَمًا في إفْراطِ مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ ولَهَجِكَ بِذِكْرِهِ ورَجائِكَ لِلِقائِهِ، وكانَ عِنْدَهم أنَّهُ قَدْ ماتَ.

96

فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًۭا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And when the bearer of good tidings arrived, he cast it over his face, and he returned [once again] seeing. He said, "Did I not tell you that I know from Allah that which you do not know?"

﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ وهو يَهُوذا ﴿ألْقاهُ﴾ أيْ: ألْقى البَشِيرُ القَمِيصَ ﴿عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ: وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ﴾ عادَ ﴿بَصِيرًا﴾ لِما انْتَعَشَ فِيهِ مِنَ القُوَّةِ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ فالخِطابُ لِمَن كانَ عِنْدَهُ بِكَنْعانَ، أوْ قَوْلَهُ: "وَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ" فالخِطابُ لِبَنِيهِ وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّ مَدارَ النَّهْيِ المَذْكُورِ إنَّما هو العِلْمُ الَّذِي أُوتِيَ يَعْقُوبُ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مَقُولَ القَوْلِ، أيْ: ألَمْ أقُلْ لَكم حِينَ أرْسَلْتُكم إلى مِصْرَ وأمَرْتُكم بِالتَّحَسُّسِ ونَهَيْتُكم عَنِ اليَأْسِ مِن رَوْحِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ (وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)﴾ مِن حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

رُوِيَ أنَّهُ سَألَ البَشِيرَ كَيْفَ يُوسُفُ؟ فَقالَ: هو مَلِكُ مِصْرَ، قالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ؟ عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ؟ قالَ: عَلى دِينِ الإسْلامِ، قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ.

97

قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ

They said, "O our father, ask for us forgiveness of our sins; indeed, we have been sinners."

﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ومِن حَقِّ مَنِ اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ أنْ يُصْفَحَ عَنْهُ ويُسْتَغْفَرَ لَهُ، فَكَأنَّهم كانُوا عَلى ثِقَةٍ مِن عَفْوِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولِذَلِكَ اقْتَصَرُوا عَلى اسْتِدْعاءِ الِاسْتِغْفارِ، وأدْرَجُوا ذَلِكَ في الِاسْتِغْفارِ.

98

قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

He said, "I will ask forgiveness for you from my Lord. Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وهَذا مُشْعِرٌ بِعَفْوِهِ، قِيلَ: أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ إلى وقْتِ السحر، وقِيلَ: إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ لِيَتَحَرّى بِهِ وقْتَ الإجابَةِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى أنْ يَسْتَحِلَّ لَهم مِن يُوسُفَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْ يَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ عَفا عَنْهُمْ، فَإنَّ عَفْوَ المَظْلُومِ شَرْطُ المَغْفِرَةِ، ويُعَضِّدُهُ أنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ قائِمًا يَدْعُو، وقامَ يُوسُفُ خَلْفَهُ يُؤَمِّنُ، وقامُوا خَلْفَهُما أذِلَّةً خاشِعِينَ عِشْرِينَ سَنَةً حَتّى بَلَغَ جُهْدُهُمْ، وظَنُّوا أنَّها الهَلَكَةُ نَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ، وعَقَدَ مَواثِيقَهم بَعْدَكَ عَلى النُّبُوَّةِ، فَإنْ صَحَّ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُمْ، وإنَّ ما صَدَرَ عَنْهم إنَّما صَدَرَ قَبْلَ الِاسْتِنْباءِ، وقِيلَ: المُرادُ الِاسْتِمْرارُ عَلى الدُّعاءِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَسْتَغْفِرُ كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: قامَ إلى الصَّلاةِ في وقْتِ السحر فَلَمّا فَرَغَ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَزَعِي عَلى يُوسُفَ، وقِلَّةَ صَبْرِي عَنْهُ، واغْفِرْ لِوَلَدِي ما أتَوْا إلى أخِيهِمْ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ولَهم أجْمَعِينَ.

99

فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ

And when they entered upon Joseph, he took his parents to himself and said, "Enter Egypt, Allah willing, safe [and secure]."

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ وجَّهَ يُوسُفُ إلى أبِيهِ جَهازًا ومِائَتَيْ راحِلَةٍ لِيَتَجَهَّزَ إلَيْهِ بِمَن مَعَهُ، فاسْتَقْبَلَهُ يُوسُفُ والمَلِكُ في أرْبَعَةِ آلافٍ مِنَ الجُنْدِ والعُظَماءِ وأهْلِ مِصْرَ بِأجْمَعِهِمْ، فَتَلَقَّوْا يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو يَمْشِي مُتَوَكِّئًا عَلى يَهُوذا، فَنَظَرَ إلى الخَيْلِ والنّاسِ فَقالَ: يا يَهُوذا، أهَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ ؟ قالَ: لا، بَلْ ولَدُكَ، فَلَمّا لَقِيَهُ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُذْهِبَ الأحْزانِ، وقِيلَ: قالَ لَهُ يُوسُفُ: يا أبَتِ، بَكَيْتَ عَلَيَّ حَتّى ذَهَبَ بَصَرُكَ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ القِيامَةَ تَجْمَعُنا؟ فَقالَ: بَلى، ولَكِنِّي خَشِيتُ أنْ يُسْلَبَ دِينُكَ فَيُحالَ بَيْنِي وبَيْنَكَ، وقِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ ووَلَدَهُ دَخَلُوا مِصْرَ وهُمُ اثْنانِ وسَبْعُونَ ما بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ، وكانُوا حِينَ خَرَجُوا مَعَ مُوسى سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وخَمْسَمِائَةٍ وبِضْعَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا سِوى الذُّرِّيَّةِ والهَرْمى، وكانَتِ الذَّرِّيَّةُ ألْفَ ألْفٍ ومِائَتَيْ ألْفٍ.

﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾ أيْ: أباهُ وخالَتَهُ، وتَنْزِيلُها مَنزِلَةَ الأُمِّ كَتَنْزِيلِ العَمِّ مَنزِلَةَ الأبِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ أوْ لِأنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَزَوَّجَها بَعْدَ أُمِّهِ، وقالَ: الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ أُمُّهُ في الحَياةِ فَلا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، ومَعْنى آوى إلَيْهِ: ضَمَّهُما إلَيْهِ واعْتَنَقَهُما، وكَأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ضَرَبَ في المُلْتَقى مَضْرَبًا فَنَزَلَ فِيهِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَآواهُما إلَيْهِ ﴿وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ مِنَ الشَّدائِدِ والمَكارِهِ قاطِبَةً، والمَشِيئَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالدُّخُولِ عَلى الأمْنِ.

100

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًۭا ۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّۭا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌۭ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

And he raised his parents upon the throne, and they bowed to him in prostration. And he said, "O my father, this is the explanation of my vision of before. My Lord has made it reality. And He was certainly good to me when He took me out of prison and brought you [here] from bedouin life after Satan had induced [estrangement] between me and my brothers. Indeed, my Lord is Subtle in what He wills. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise.

﴿وَرَفَعَ أبَوَيْهِ﴾ عِنْدَ نُزُولِهِمْ بِمِصْرَ ﴿عَلى العَرْشِ﴾ عَلى السَّرِيرِ؛ تَكْرِمَةً لَهُما فَوْقَ ما فَعَلَهُ لِإخْوَتِهِ ﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾ أيْ: أبَواهُ وإخْوَتُهُ ﴿سُجَّدًا﴾ تَحِيَّةً لَهُ، فَإنَّهُ كانَ السُّجُودُ عِنْدَهم جارِيًا مَجْرى التَّحِيَّةِ والتَّكْرِمَةِ كالقِيامَةِ والمُصافَحَةِ وتَقْبِيلِ اليَدِ ونَحْوِها مِن عاداتِ النّاسِ الفاشِيَّةِ في التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ، وقِيلَ: ما كانَ ذَلِكَ إلّا انْحِناءً دُونَ تَعْفِيرِ الجِباهِ ويَأْباهُ الخُرُورُ، وقِيلَ: خَرُّوا لِأجْلِهِ سُجَّدًا لِلَّهِ شُكْرًا، ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ الَّتِي رَأيْتُها وقَصَصْتُها عَلَيْكَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ في زَمَنِ الصِّبا ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ صِدْقًا واقِعًا بِعَيْنِهِ، والِاعْتِذارُ بِجَعْلِ يُوسُفَ بِمَنزِلَةِ القِبْلَةِ، وجَعْلِ اللّامِ كَما في قَوْلِهِ:

؎ ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكُمْ

تَعَسُّفٌ لا يَخْفى، وتَأْخِيرُهُ عَنِ الرَّفْعِ عَلى العَرْشِ لَيْسَ بِنَصٍّ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّرْتِيبَ الذِّكْرِيَّ لا يَجِبُ كَوْنُهُ عَلى وفْقِ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ، فَلَعَلَّ تَأْخِيرَهُ عَنْهُ لِيَصِلَ بِهِ ذِكْرُ كَوْنِهِ تَعْبِيرًا لِرُؤْياهُ وما يَتَّصِلُ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ أحْسَنَ بِي﴾ المَشْهُورُ اسْتِعْمالُ الإحْسانِ بِإلى، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِالباءِ أيْضًا،كَما في قَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿ (وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا)﴾، وقِيلَ: هَذا بِتَضْمِينِ (لَطَفَ) وهو الإحْسانُ الخَفِيُّ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ وفِيهِ فائِدَةٌ لا تَخْفى، أيْ: لَطَفَ بِي مُحْسِنًا إلَيَّ غَيْرَ هَذا الإحْسانِ ﴿إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ بَعْدَما ابْتُلِيَتْ بِهِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِقِصَّةِ الجُبِّ؛ حِذارًا مِن تَثْرِيبِ إخْوَتِهِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ حُضُورُهم لِوُقُوعِ الكَلامِ عَقِيبَ خُرُورِهِمْ سُجَّدًا واكْتِفاءً بِما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ أيِ: البادِيَةِ ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ أيْ: أفْسَدَ بَيْنَنا بِالإغْواءِ، وأصْلُهُ مِن نَخْسِ الرّائِضِ الدّابَّةَ وحَمْلِها عَلى الجَرْيِ، يُقالُ نَزَغَهُ ونَسَغَهُ إذا نَخَسَهُ، ولَقَدْ بالَغَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في الإحْسانِ حَيْثُ أسْنَدَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ أيْ: لَطِيفُ التَّدْبِيرِ لِأجْلِهِ رَفِيقٌ حَتّى يَجِيءَ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ، ما مِن صَعْبٍ إلّا وهو بِالنِّسْبَةِ إلى تَدْبِيرِهِ سَهْلٌ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِوُجُوهِ المَصالِحِ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ عَلى قَضِيَّةِ الحِكْمَةِ.

رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ أخَذَ بِيَدِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَطافَ بِهِ في خَزائِنِهِ فَأدْخَلَهُ في خَزائِنِ الوَرِقِ والذَّهَبِ، وخَزائِنِ الحُلِيِّ، وخَزائِنِ الثِّيابِ، وخَزائِنِ السِّلاحِ، وغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمّا أدْخَلَهُ خَزائِنَ القَراطِيسِ قالَ: يا بُنَيَّ، ما أعَقَّكَ! عِنْدَكَ هَذِهِ القَراطِيسُ وما كَتَبْتَ إلَيَّ عَلى ثَمانِي مَراحِلَ، قالَ: أمَرَنِي جِبْرِيلُ، قالَ: أوَما تَسْألُهُ؟ قالَ: أنْتَ أبْسَطُ إلَيْهِ مِنِّي، فَسَألَهُ، قالَ جِبْرِيلُ: اللَّهُ تَعالى أمَرَنِي بِذَلِكَ لِقَوْلِكَ: أخافَ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، قالَ فَهَلّا خِفْتَنِي.

وَرُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أقامَ مَعَهُ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ ماتَ، وأوْصى أنْ يَدْفِنَهُ بِالشّامِ إلى جَنْبِ أبِيهِ إسْحاقَ، فَمَضى بِنَفْسِهِ ودَفَنَهُ …

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.