Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 81–90 of 111

81

ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَٰفِظِينَ

Return to your father and say, "O our father, indeed your son has stolen, and we did not testify except to what we knew. And we were not witnesses of the unseen,

﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِيَ أبِيَ أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهْوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾

صفحة ٣٩

اسْتَيْأسُوا بِمَعْنى يَئِسُوا فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ، ومِثْلُها (﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ [يوسف: ٣٤]) و(اسْتَعْصَمَ) .

واليَأْسُ مِنهُ: اليَأْسُ مِن إطْلاقِهِ أخاهم، فَهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ. والمُرادُ بَعْضُ أحْوالِها بِقَرِينَةِ المَقامِ لِلْمُبالَغَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿اسْتَيْأسُوا﴾) بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَ الفَوْقِيَّةِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ عَلى أصْلِ التَّصْرِيفِ. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخُلْفٍ عَنْهُ بِألِفٍ بَعْدَ الفَوْقِيَّةِ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ عَلى اعْتِبارِ القَلْبِ في المَكانِ ثُمَّ إبْدالِ الهَمْزَةِ.

و(خَلَصُوا) بِمَعْنى اعْتَزَلُوا وانْفَرَدُوا. وأصْلُهُ مِنَ الخُلُوصِ وهو الصَّفاءُ مِنَ الأخْلاطِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّها حَيْثُ عَزَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى أنْ يَخْطُبَ في النّاسِ فَيُحَذِّرَهم مِن قَوْمٍ يُرِيدُونَ المُزاحَمَةَ في الخِلافَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رِعاعَ النّاسِ فَأمْهِلْ حَتّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ فَتَخْلُصَ بِأهْلِ الفِقْهِ. . . إلَخْ.

والنَّجِيُّ: اسْمٌ مِنَ المُناجاةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. كانَ الوَصْفُ بِالمَصْدَرِ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ كَقَوْلِهِ تَعالى وإذْ هم نَجْوى، والمَعْنى: انْفَرَدُوا تَناجِيًا. والتَّناجِي: المُحادَثَةُ سِرًّا، أيْ مُتَناجِينَ.

وجُمْلَةُ (﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾) بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ (﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾) وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ المُناجاةَ تَشْتَمِلُ عَلى أقْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها قَوْلُ كَبِيرِهِمْ هَذا، وكَبِيرُهم هو أكْبَرُهم سَنًّا وهو رُوبِينُ بِكْرُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والِاسْتِفْهامُ في (﴿ألَمْ تَعْلَمُوا﴾) تَقْرِيرِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذْكِيرِ بِعَدَمِ اطْمِئْنانِ أبِيهِمْ بِحِفْظِهِمْ لِابْنِهِ.

وجُمْلَةُ (ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن قِبَلِ المَوْثِقِ، أيْ فَهو غَيْرُ مُصَدِّقِكم فِيما

صفحة ٤٠

تُخْبِرُونَ بِهِ مِن أخْذِ بِنْيامِينَ في سَرِقَةِ الصُّواعِ. وفَرَّعَ عَلَيْهِ كَبِيرُهم أنَّهُ يَبْقى في مِصْرَ لِيَكُونَ بَقاؤُهُ عَلامَةً عِنْدَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْرِفُ بِها صِدْقَهم في سَبَبِ تَخَلُّفِ بِنْيامِينَ، إذْ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ أنْ يَبْقى غَرِيبًا لَوْلا خَوْفُهُ مِن أبِيهِ، ولا يَرْضى بَقِيَّةُ أشِقّائِهِ أنْ يَكِيدُوا لَهُ كَما يَكِيدُونَ لِغَيْرِ الشَّقِيقِ.

وقَوْلُهُ (﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾) تَرْدِيدٌ بَيْنَ ما رَسَمَهُ هو لِنَفْسِهِ وبَيْنَ ما عَسى أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ مِمّا لا قِبَلَ لَهُ بِدَفْعِهِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (يَحْكُمَ) المَجْرُورُ بِالباءِ لِتَنْزِيلِ فِعْلِ (يَحْكُمَ) مَنزِلَةَ ما لا يَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا.

واللّامُ لِلْأجْلِ، أيْ يَحْكُمَ …

82

وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ

And ask the city in which we were and the caravan in which we came - and indeed, we are truthful,"

﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِيَ أبِيَ أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهْوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾

صفحة ٣٩

اسْتَيْأسُوا بِمَعْنى يَئِسُوا فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ، ومِثْلُها (﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ [يوسف: ٣٤]) و(اسْتَعْصَمَ) .

واليَأْسُ مِنهُ: اليَأْسُ مِن إطْلاقِهِ أخاهم، فَهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ. والمُرادُ بَعْضُ أحْوالِها بِقَرِينَةِ المَقامِ لِلْمُبالَغَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿اسْتَيْأسُوا﴾) بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَ الفَوْقِيَّةِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ عَلى أصْلِ التَّصْرِيفِ. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخُلْفٍ عَنْهُ بِألِفٍ بَعْدَ الفَوْقِيَّةِ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ عَلى اعْتِبارِ القَلْبِ في المَكانِ ثُمَّ إبْدالِ الهَمْزَةِ.

و(خَلَصُوا) بِمَعْنى اعْتَزَلُوا وانْفَرَدُوا. وأصْلُهُ مِنَ الخُلُوصِ وهو الصَّفاءُ مِنَ الأخْلاطِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّها حَيْثُ عَزَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى أنْ يَخْطُبَ في النّاسِ فَيُحَذِّرَهم مِن قَوْمٍ يُرِيدُونَ المُزاحَمَةَ في الخِلافَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رِعاعَ النّاسِ فَأمْهِلْ حَتّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ فَتَخْلُصَ بِأهْلِ الفِقْهِ. . . إلَخْ.

والنَّجِيُّ: اسْمٌ مِنَ المُناجاةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. كانَ الوَصْفُ بِالمَصْدَرِ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ كَقَوْلِهِ تَعالى وإذْ هم نَجْوى، والمَعْنى: انْفَرَدُوا تَناجِيًا. والتَّناجِي: المُحادَثَةُ سِرًّا، أيْ مُتَناجِينَ.

وجُمْلَةُ (﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾) بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ (﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾) وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ المُناجاةَ تَشْتَمِلُ عَلى أقْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها قَوْلُ كَبِيرِهِمْ هَذا، وكَبِيرُهم هو أكْبَرُهم سَنًّا وهو رُوبِينُ بِكْرُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والِاسْتِفْهامُ في (﴿ألَمْ تَعْلَمُوا﴾) تَقْرِيرِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذْكِيرِ بِعَدَمِ اطْمِئْنانِ أبِيهِمْ بِحِفْظِهِمْ لِابْنِهِ.

وجُمْلَةُ (ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن قِبَلِ المَوْثِقِ، أيْ فَهو غَيْرُ مُصَدِّقِكم فِيما

صفحة ٤٠

تُخْبِرُونَ بِهِ مِن أخْذِ بِنْيامِينَ في سَرِقَةِ الصُّواعِ. وفَرَّعَ عَلَيْهِ كَبِيرُهم أنَّهُ يَبْقى في مِصْرَ لِيَكُونَ بَقاؤُهُ عَلامَةً عِنْدَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْرِفُ بِها صِدْقَهم في سَبَبِ تَخَلُّفِ بِنْيامِينَ، إذْ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ أنْ يَبْقى غَرِيبًا لَوْلا خَوْفُهُ مِن أبِيهِ، ولا يَرْضى بَقِيَّةُ أشِقّائِهِ أنْ يَكِيدُوا لَهُ كَما يَكِيدُونَ لِغَيْرِ الشَّقِيقِ.

وقَوْلُهُ (﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾) تَرْدِيدٌ بَيْنَ ما رَسَمَهُ هو لِنَفْسِهِ وبَيْنَ ما عَسى أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ مِمّا لا قِبَلَ لَهُ بِدَفْعِهِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (يَحْكُمَ) المَجْرُورُ بِالباءِ لِتَنْزِيلِ فِعْلِ (يَحْكُمَ) مَنزِلَةَ ما لا يَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا.

واللّامُ لِلْأجْلِ، أيْ يَحْكُمَ …

83

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

[Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. Perhaps Allah will bring them to me all together. Indeed it is He who is the Knowing, the Wise."

﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ جُعِلَتْ جُمْلَةُ (﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾) في صُورَةِ الجَوابِ عَنِ الكَلامِ الَّذِي لَقَّنَهُ أخُوهم عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَرَجَعُوا إلى أبِيهِمْ فَقالُوا ذَلِكَ الكَلامَ الَّذِي لَقَّنَهُ إيّاهم رُوبِينُ قالَ أبُوهم: بَلْ سَوَّلَتْ. . . إلَخَّ.

وقَوْلُهُ هُنا كَقَوْلِهِ لَهم حِينَ زَعَمُوا أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أكَلَهُ الذِّئْبُ، فَهو تُهْمَةٌ لَهم بِالتَّغْرِيرِ بِأخِيهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ظَنَّ بِهِمْ سُوءًا فَصَدَقَ ظَنُّهُ في زَعْمِهِمْ في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَتَحَقَّقْ ما ظَنَّهُ في أمْرِ بِنْيامِينَ، أيْ أخْطَأ في ظَنِّهِ بِهِمْ في قَضِيَّةِ بِنْيامِينَ، ومُسْتَنَدُهُ في هَذا الظَّنِّ عِلْمُهُ أنَّ ابْنَهُ لا يَسْرِقُ، فَعَلِمَ أنَّ في دَعْوى السَّرِقَةِ مَكِيدَةً. فَظَنُّهُ صادِقٌ عَلى الجُمْلَةِ لا عَلى التَّفْصِيلِ. وأمّا تُهْمَتُهُ أبْناءَهُ بِأنْ يَكُونُوا تَمالَئُوا عَلى أخِيهِمْ بِنْيامِينَ فَهو ظَنٌّ مُسْتَنِدٌ إلى القِياسِ عَلى ما سَبَقَ مِن أمْرِهِمْ في قَضِيَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ قالَ لَهم هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ، ويَجُوزُ عَلى النَّبِيءِ الخَطَأُ في الظَّنِّ في أُمُورِ العاداتِ كَما جاءَ في حَدِيثِ تَرْكِ إبّارِ النَّخْلِ.

ولَعَلَّهُ اتَّهَمَ رُوبِينَ أنْ يَكُونَ قَدِ اخْتَفى لِتَرْوِيجِ دَعْوى إخْوَتِهِ. وضَمِيرُ (بِهِمْ) لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِنْيامِينَ ورُوبِينَ. وهَذا كَشْفٌ مِنهُ إذْ لَمْ يَيْأسْ مِن حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِرَجائِهِ مِنَ اللَّهِ بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ فَلا تَخْفى عَلَيْهِ مَواقِعُهُمُ المُتَفَرِّقَةُ. حَكِيمٌ فَهو قادِرٌ عَلى إيجادِ أسْبابِ جَمْعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ.

84

وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌۭ

And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white from grief, for he was [of that] a suppressor.

صفحة ٤٢

﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهْوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِيَ إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾

انْتِقالٌ إلى حِكايَةِ حالِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في انْفِرادِهِ عَنْ أبْنائِهِ ومُناجاتِهِ نَفْسَهُ، فالتَّوَلِّي حاصِلٌ عَقِبَ المُحاوَرَةِ. وتَوَلّى: انْصَرَفَ، وهو انْصِرافُ غَضَبٍ.

ولَمّا كانَ التَّوَلِّي يَقْتَضِي الِاخْتِلاءَ بِنَفْسِهِ ذَكَرَ مِن أحْوالِهِ تَجَدُّدَ أسَفِهِ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾)، والأسَفُ: أشَدُّ الحُزْنِ، أسِفَ كَحَزِنَ.

ونِداءُ الأسَفِ مَجازٌ. نَزَّلَ الأسَفَ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ فَيَقُولُ لَهُ: احْضُرْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وأضافَ الأسَفَ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ هَذا الأسَفَ جُزْئِيٌّ مُخْتَصٌّ بِهِ مِن بَيْنِ جُزْئِيّاتِ جِنْسِ الأسَفِ.

والألِفُ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ فَإنَّها في النِّداءِ تُبْدَلُ ألِفًا.

وإنَّما ذَكَرَ القُرْآنُ تَحَسُّرَهُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَذْكُرْ تَحَسُّرَهُ عَلى ابْنَيْهِ الآخَرَيْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحَسُّرَ هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ القِصَّةِ فَلا يَقْتَضِي ذِكْرُهُ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَحَسَّرْ قَطُّ إلّا عَلى يُوسُفَ، مَعَ أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبَ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ بِها.

صفحة ٤٣

وكَذَلِكَ عَطْفُ جُمْلَةِ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ إذْ لَمْ يَكُنِ ابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ إلّا في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. فَكُلٌّ مِنَ التَّوَلِّي والتَّحَسُّرِ وابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ مِن أحْوالِهِ إلّا أنَّها مُخْتَلِفَةُ الأزْمانِ.

وابْيِضاضُ العَيْنَيْنِ: ضَعْفُ البَصَرِ. وظاهِرَةٌ أنَّهُ تَبَدَّلَ لَوْنُ سَوادِهِما مِنَ الهُزالِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِـ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ دُونَ عَمِيَتْ عَيْناهُ.

و(مِنَ) في قَوْلِهِ (﴿مِنَ الحُزْنِ﴾) سَبَبِيَّةٌ. والحُزْنُ سَبَبُ البُكاءِ الكَثِيرِ الَّذِي هو سَبَبُ ابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ. وعِنْدِي أنَّ ابْيِضاضَ العَيْنَيْنِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإبْصارِ كَما قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ.

قَبْلَ ما اليَوْمِ بَيَّضَتْ بِعُيُونِ النَّـ ـاسِ فِيها تَغَيُّضٌ وإباءُ

وأنَّ الحُزْنَ هو السَّبَبُ لِعَدَمِ الإبْصارِ كَما هو الظّاهِرُ، فَإنَّ تَوالِيَ إحْساسِ الحُزْنِ عَلى الدِّماغِ قَدْ أفْضى إلى تَعْطِيلِ عَمَلِ عَصَبِ الإبْصارِ؛ عَلى أنَّ البُكاءَ مِنَ الحُزْنِ أمْرٌ جِبِلِّيٌّ فَلا يُسْتَغْرَبُ صُدُورُهُ مِن نَبِيٍّ، أوْ أنَّ التَّصَبُّرَ عِنْدَ المَصائِبِ لَمْ يَكُنْ مِن سُنَّةِ الشَّرِيعَةِ الإسْرائِيلِيَّةِ بَلْ كانَ مِن سُنَنِهِمْ إظْهارُ الحُزْنِ والجَزَعِ عِنْدَ المَصائِبِ. وقَدْ حَكَتِ التَّوْراةُ بُكاءَ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وحَكَتْ تَمْزِيقَ بَعْضِ الأنْبِياءِ ثِيابَهم مِنَ الجَزَعِ. وإنَّما التَّصَبُّرُ في المُصِيبَةِ كَمالٌ بَلَغَتْ إلَيْهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ.

والكَظِيمُ: مُبالَغَةٌ لِلْكاظِمِ. والكَظْمُ: الإمْساكُ النَّفْسانِيُّ، أيْ كاظِمٌ لِلْحُزْنِ لا يُظْهِرُهُ بَيْنَ النّاسِ، ويَبْكِي في خَلْوَتِهِ، أوْ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَحْزُونٍ، كَقَوْلِهِ وهو مَكْظُومٌ.

وجُمْلَةُ (﴿قالُوا تاللَّهِ﴾) مُحاوَرَةُ بَنِيهِ إيّاهُ …

85

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَٰلِكِينَ

They said, "By Allah, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."

صفحة ٤٢

﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهْوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِيَ إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾

انْتِقالٌ إلى حِكايَةِ حالِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في انْفِرادِهِ عَنْ أبْنائِهِ ومُناجاتِهِ نَفْسَهُ، فالتَّوَلِّي حاصِلٌ عَقِبَ المُحاوَرَةِ. وتَوَلّى: انْصَرَفَ، وهو انْصِرافُ غَضَبٍ.

ولَمّا كانَ التَّوَلِّي يَقْتَضِي الِاخْتِلاءَ بِنَفْسِهِ ذَكَرَ مِن أحْوالِهِ تَجَدُّدَ أسَفِهِ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾)، والأسَفُ: أشَدُّ الحُزْنِ، أسِفَ كَحَزِنَ.

ونِداءُ الأسَفِ مَجازٌ. نَزَّلَ الأسَفَ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ فَيَقُولُ لَهُ: احْضُرْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وأضافَ الأسَفَ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ هَذا الأسَفَ جُزْئِيٌّ مُخْتَصٌّ بِهِ مِن بَيْنِ جُزْئِيّاتِ جِنْسِ الأسَفِ.

والألِفُ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ فَإنَّها في النِّداءِ تُبْدَلُ ألِفًا.

وإنَّما ذَكَرَ القُرْآنُ تَحَسُّرَهُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَذْكُرْ تَحَسُّرَهُ عَلى ابْنَيْهِ الآخَرَيْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحَسُّرَ هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ القِصَّةِ فَلا يَقْتَضِي ذِكْرُهُ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَحَسَّرْ قَطُّ إلّا عَلى يُوسُفَ، مَعَ أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبَ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ بِها.

صفحة ٤٣

وكَذَلِكَ عَطْفُ جُمْلَةِ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ إذْ لَمْ يَكُنِ ابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ إلّا في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. فَكُلٌّ مِنَ التَّوَلِّي والتَّحَسُّرِ وابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ مِن أحْوالِهِ إلّا أنَّها مُخْتَلِفَةُ الأزْمانِ.

وابْيِضاضُ العَيْنَيْنِ: ضَعْفُ البَصَرِ. وظاهِرَةٌ أنَّهُ تَبَدَّلَ لَوْنُ سَوادِهِما مِنَ الهُزالِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِـ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ دُونَ عَمِيَتْ عَيْناهُ.

و(مِنَ) في قَوْلِهِ (﴿مِنَ الحُزْنِ﴾) سَبَبِيَّةٌ. والحُزْنُ سَبَبُ البُكاءِ الكَثِيرِ الَّذِي هو سَبَبُ ابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ. وعِنْدِي أنَّ ابْيِضاضَ العَيْنَيْنِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإبْصارِ كَما قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ.

قَبْلَ ما اليَوْمِ بَيَّضَتْ بِعُيُونِ النَّـ ـاسِ فِيها تَغَيُّضٌ وإباءُ

وأنَّ الحُزْنَ هو السَّبَبُ لِعَدَمِ الإبْصارِ كَما هو الظّاهِرُ، فَإنَّ تَوالِيَ إحْساسِ الحُزْنِ عَلى الدِّماغِ قَدْ أفْضى إلى تَعْطِيلِ عَمَلِ عَصَبِ الإبْصارِ؛ عَلى أنَّ البُكاءَ مِنَ الحُزْنِ أمْرٌ جِبِلِّيٌّ فَلا يُسْتَغْرَبُ صُدُورُهُ مِن نَبِيٍّ، أوْ أنَّ التَّصَبُّرَ عِنْدَ المَصائِبِ لَمْ يَكُنْ مِن سُنَّةِ الشَّرِيعَةِ الإسْرائِيلِيَّةِ بَلْ كانَ مِن سُنَنِهِمْ إظْهارُ الحُزْنِ والجَزَعِ عِنْدَ المَصائِبِ. وقَدْ حَكَتِ التَّوْراةُ بُكاءَ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وحَكَتْ تَمْزِيقَ بَعْضِ الأنْبِياءِ ثِيابَهم مِنَ الجَزَعِ. وإنَّما التَّصَبُّرُ في المُصِيبَةِ كَمالٌ بَلَغَتْ إلَيْهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ.

والكَظِيمُ: مُبالَغَةٌ لِلْكاظِمِ. والكَظْمُ: الإمْساكُ النَّفْسانِيُّ، أيْ كاظِمٌ لِلْحُزْنِ لا يُظْهِرُهُ بَيْنَ النّاسِ، ويَبْكِي في خَلْوَتِهِ، أوْ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَحْزُونٍ، كَقَوْلِهِ وهو مَكْظُومٌ.

وجُمْلَةُ (﴿قالُوا تاللَّهِ﴾) مُحاوَرَةُ بَنِيهِ إيّاهُ …

86

قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

He said, "I only complain of my suffering and my grief to Allah, and I know from Allah that which you do not know.

صفحة ٤٢

﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهْوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِيَ إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾

انْتِقالٌ إلى حِكايَةِ حالِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في انْفِرادِهِ عَنْ أبْنائِهِ ومُناجاتِهِ نَفْسَهُ، فالتَّوَلِّي حاصِلٌ عَقِبَ المُحاوَرَةِ. وتَوَلّى: انْصَرَفَ، وهو انْصِرافُ غَضَبٍ.

ولَمّا كانَ التَّوَلِّي يَقْتَضِي الِاخْتِلاءَ بِنَفْسِهِ ذَكَرَ مِن أحْوالِهِ تَجَدُّدَ أسَفِهِ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾)، والأسَفُ: أشَدُّ الحُزْنِ، أسِفَ كَحَزِنَ.

ونِداءُ الأسَفِ مَجازٌ. نَزَّلَ الأسَفَ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ فَيَقُولُ لَهُ: احْضُرْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وأضافَ الأسَفَ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ هَذا الأسَفَ جُزْئِيٌّ مُخْتَصٌّ بِهِ مِن بَيْنِ جُزْئِيّاتِ جِنْسِ الأسَفِ.

والألِفُ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ فَإنَّها في النِّداءِ تُبْدَلُ ألِفًا.

وإنَّما ذَكَرَ القُرْآنُ تَحَسُّرَهُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَذْكُرْ تَحَسُّرَهُ عَلى ابْنَيْهِ الآخَرَيْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحَسُّرَ هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ القِصَّةِ فَلا يَقْتَضِي ذِكْرُهُ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَحَسَّرْ قَطُّ إلّا عَلى يُوسُفَ، مَعَ أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبَ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ بِها.

صفحة ٤٣

وكَذَلِكَ عَطْفُ جُمْلَةِ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ إذْ لَمْ يَكُنِ ابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ إلّا في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. فَكُلٌّ مِنَ التَّوَلِّي والتَّحَسُّرِ وابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ مِن أحْوالِهِ إلّا أنَّها مُخْتَلِفَةُ الأزْمانِ.

وابْيِضاضُ العَيْنَيْنِ: ضَعْفُ البَصَرِ. وظاهِرَةٌ أنَّهُ تَبَدَّلَ لَوْنُ سَوادِهِما مِنَ الهُزالِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِـ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ دُونَ عَمِيَتْ عَيْناهُ.

و(مِنَ) في قَوْلِهِ (﴿مِنَ الحُزْنِ﴾) سَبَبِيَّةٌ. والحُزْنُ سَبَبُ البُكاءِ الكَثِيرِ الَّذِي هو سَبَبُ ابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ. وعِنْدِي أنَّ ابْيِضاضَ العَيْنَيْنِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإبْصارِ كَما قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ.

قَبْلَ ما اليَوْمِ بَيَّضَتْ بِعُيُونِ النَّـ ـاسِ فِيها تَغَيُّضٌ وإباءُ

وأنَّ الحُزْنَ هو السَّبَبُ لِعَدَمِ الإبْصارِ كَما هو الظّاهِرُ، فَإنَّ تَوالِيَ إحْساسِ الحُزْنِ عَلى الدِّماغِ قَدْ أفْضى إلى تَعْطِيلِ عَمَلِ عَصَبِ الإبْصارِ؛ عَلى أنَّ البُكاءَ مِنَ الحُزْنِ أمْرٌ جِبِلِّيٌّ فَلا يُسْتَغْرَبُ صُدُورُهُ مِن نَبِيٍّ، أوْ أنَّ التَّصَبُّرَ عِنْدَ المَصائِبِ لَمْ يَكُنْ مِن سُنَّةِ الشَّرِيعَةِ الإسْرائِيلِيَّةِ بَلْ كانَ مِن سُنَنِهِمْ إظْهارُ الحُزْنِ والجَزَعِ عِنْدَ المَصائِبِ. وقَدْ حَكَتِ التَّوْراةُ بُكاءَ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وحَكَتْ تَمْزِيقَ بَعْضِ الأنْبِياءِ ثِيابَهم مِنَ الجَزَعِ. وإنَّما التَّصَبُّرُ في المُصِيبَةِ كَمالٌ بَلَغَتْ إلَيْهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ.

والكَظِيمُ: مُبالَغَةٌ لِلْكاظِمِ. والكَظْمُ: الإمْساكُ النَّفْسانِيُّ، أيْ كاظِمٌ لِلْحُزْنِ لا يُظْهِرُهُ بَيْنَ النّاسِ، ويَبْكِي في خَلْوَتِهِ، أوْ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَحْزُونٍ، كَقَوْلِهِ وهو مَكْظُومٌ.

وجُمْلَةُ (﴿قالُوا تاللَّهِ﴾) مُحاوَرَةُ بَنِيهِ إيّاهُ …

87

يَٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَٰفِرُونَ

O my sons, go and find out about Joseph and his brother and despair not of relief from Allah. Indeed, no one despairs of relief from Allah except the disbelieving people."

صفحة ٤٢

﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهْوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِيَ إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾

انْتِقالٌ إلى حِكايَةِ حالِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في انْفِرادِهِ عَنْ أبْنائِهِ ومُناجاتِهِ نَفْسَهُ، فالتَّوَلِّي حاصِلٌ عَقِبَ المُحاوَرَةِ. وتَوَلّى: انْصَرَفَ، وهو انْصِرافُ غَضَبٍ.

ولَمّا كانَ التَّوَلِّي يَقْتَضِي الِاخْتِلاءَ بِنَفْسِهِ ذَكَرَ مِن أحْوالِهِ تَجَدُّدَ أسَفِهِ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾)، والأسَفُ: أشَدُّ الحُزْنِ، أسِفَ كَحَزِنَ.

ونِداءُ الأسَفِ مَجازٌ. نَزَّلَ الأسَفَ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ فَيَقُولُ لَهُ: احْضُرْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وأضافَ الأسَفَ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ هَذا الأسَفَ جُزْئِيٌّ مُخْتَصٌّ بِهِ مِن بَيْنِ جُزْئِيّاتِ جِنْسِ الأسَفِ.

والألِفُ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ فَإنَّها في النِّداءِ تُبْدَلُ ألِفًا.

وإنَّما ذَكَرَ القُرْآنُ تَحَسُّرَهُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَذْكُرْ تَحَسُّرَهُ عَلى ابْنَيْهِ الآخَرَيْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحَسُّرَ هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ القِصَّةِ فَلا يَقْتَضِي ذِكْرُهُ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَحَسَّرْ قَطُّ إلّا عَلى يُوسُفَ، مَعَ أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبَ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ بِها.

صفحة ٤٣

وكَذَلِكَ عَطْفُ جُمْلَةِ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ إذْ لَمْ يَكُنِ ابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ إلّا في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. فَكُلٌّ مِنَ التَّوَلِّي والتَّحَسُّرِ وابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ مِن أحْوالِهِ إلّا أنَّها مُخْتَلِفَةُ الأزْمانِ.

وابْيِضاضُ العَيْنَيْنِ: ضَعْفُ البَصَرِ. وظاهِرَةٌ أنَّهُ تَبَدَّلَ لَوْنُ سَوادِهِما مِنَ الهُزالِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِـ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ دُونَ عَمِيَتْ عَيْناهُ.

و(مِنَ) في قَوْلِهِ (﴿مِنَ الحُزْنِ﴾) سَبَبِيَّةٌ. والحُزْنُ سَبَبُ البُكاءِ الكَثِيرِ الَّذِي هو سَبَبُ ابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ. وعِنْدِي أنَّ ابْيِضاضَ العَيْنَيْنِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإبْصارِ كَما قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ.

قَبْلَ ما اليَوْمِ بَيَّضَتْ بِعُيُونِ النَّـ ـاسِ فِيها تَغَيُّضٌ وإباءُ

وأنَّ الحُزْنَ هو السَّبَبُ لِعَدَمِ الإبْصارِ كَما هو الظّاهِرُ، فَإنَّ تَوالِيَ إحْساسِ الحُزْنِ عَلى الدِّماغِ قَدْ أفْضى إلى تَعْطِيلِ عَمَلِ عَصَبِ الإبْصارِ؛ عَلى أنَّ البُكاءَ مِنَ الحُزْنِ أمْرٌ جِبِلِّيٌّ فَلا يُسْتَغْرَبُ صُدُورُهُ مِن نَبِيٍّ، أوْ أنَّ التَّصَبُّرَ عِنْدَ المَصائِبِ لَمْ يَكُنْ مِن سُنَّةِ الشَّرِيعَةِ الإسْرائِيلِيَّةِ بَلْ كانَ مِن سُنَنِهِمْ إظْهارُ الحُزْنِ والجَزَعِ عِنْدَ المَصائِبِ. وقَدْ حَكَتِ التَّوْراةُ بُكاءَ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وحَكَتْ تَمْزِيقَ بَعْضِ الأنْبِياءِ ثِيابَهم مِنَ الجَزَعِ. وإنَّما التَّصَبُّرُ في المُصِيبَةِ كَمالٌ بَلَغَتْ إلَيْهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ.

والكَظِيمُ: مُبالَغَةٌ لِلْكاظِمِ. والكَظْمُ: الإمْساكُ النَّفْسانِيُّ، أيْ كاظِمٌ لِلْحُزْنِ لا يُظْهِرُهُ بَيْنَ النّاسِ، ويَبْكِي في خَلْوَتِهِ، أوْ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَحْزُونٍ، كَقَوْلِهِ وهو مَكْظُومٌ.

وجُمْلَةُ (﴿قالُوا تاللَّهِ﴾) مُحاوَرَةُ بَنِيهِ إيّاهُ …

88

فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَٰعَةٍۢ مُّزْجَىٰةٍۢ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ

So when they entered upon Joseph, they said, "O 'Azeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allah rewards the charitable."

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ الفاءُ عاطِفَةٌ عَلى كَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ فارْتَحَلُوا إلى مِصْرَ بِقَصْدِ اسْتِطْلاقِ بِنْيامِينَ مِن عَزِيزِ مِصْرَ ثُمَّ بِالتَّعَرُّضِ إلى التَّحَسُّسِ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَوَصَلُوا مِصْرَ، فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ إلَخْ. . .

وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا وجْهُ دُعائِهِمْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِوَصْفِ العَزِيزِ.

وأرادُوا بِمَسِّ الضُّرِّ إصابَتَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ إطْلاقُ مَسِّ الضُّرِّ عَلى الإصابَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الأنعام: ١٧]) في سُورَةِ الأنْعامِ.

والبِضاعَةُ تَقَدَّمَتْ آنِفًا. والمُزْجاةُ: القَلِيلَةُ الَّتِي لا يُرْغَبُ فِيها فَكَأنَّ صاحِبَها يُزْجِيها، أيْ يَدْفَعُها بِكُلْفَةٍ لِيَقْبَلَها المَدْفُوعَةُ إلَيْهِ. والمُرادُ بِها مالٌ

صفحة ٤٧

قَلِيلٌ لِلِامْتِيارِ، ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ (﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾)، وطَلَبُوا التَّصَدُّقَ مِنهُ تَعْرِيضًا بِإطْلاقِ أخِيهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنهُ إذْ صارَ مَمْلُوكًا لَهُ كَما تَقَدَّمَ.

وجُمْلَةُ إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ تَعْلِيلٌ لِاسْتِدْعائِهِمُ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ.

89

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَٰهِلُونَ

He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"

﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهْوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ.

و(هَلْ) مُفِيدَةٌ لِلتَّحْقِيقِ لِأنَّها بِمَعْنى (قَدْ) في الِاسْتِفْهامِ، فَهو تَوْبِيخٌ عَلى ما يَعْلَمُونَهُ مُحَقَّقًا مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخِيهِ، أيْ أفْعالَهُمُ الذَّمِيمَةَ بِقَرِينَةِ التَّوْبِيخِ، وهي بِالنِّسْبَةِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ واضِحَةٌ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى بِنْيامِينَ فَهي ما كانُوا يُعامِلُونَهُ بِهِ مَعَ أخِيهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الإهانَةِ الَّتِي تُنافِيها الأُخُوَّةُ، ولِذَلِكَ جَعَلَ ذَلِكَ الزَّمَنَ زَمَنَ جَهالَتِهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾) .

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم قَدْ صَلُحَ حالُهم مِن بَعْدُ، وذَلِكَ إمّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إنْ كانَ صارَ نَبِيًّا أوْ بِالفِراسَةِ لِأنَّهُ لَمّا رَآهم حَرِيصِينَ عَلى رَغَباتِ أبِيهِمْ في طَلَبِ

صفحة ٤٨

فِداءِ بِنْيامِينَ حِينَ أُخِذَ في حُكْمِ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ وفي طَلَبِ سَراحِهِ في هَذا المَوْقِفِ مَعَ الإلْحاحِ في ذَلِكَ وكانَ يَعْرِفُ مِنهم مُعاكَسَةَ أبِيهِمْ في شَأْنِ بِنْيامِينَ عَلِمَ أنَّهم ثابُوا إلى صَلاحٍ.

وإنَّما كاشَفَهم بِحالِهِ الآنَ؛ لِأنَّ الِاطِّلاعَ عَلى حالِهِ يَقْتَضِي اسْتِجْلابَ أبِيهِ وأهْلِهِ إلى السُّكْنى بِأرْضِ وِلايَتِهِ، وذَلِكَ كانَ مُتَوَقِّفًا عَلى أشْياءَ لَعَلَّها لَمْ تَتَهَيَّأْ إلّا حِينَئِذٍ. وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] فَقَدْ صارَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَدَّ مَكِينٍ عِنْدَ فِرْعَوْنَ.

وفِي الإصْحاحِ ٤٥ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِإخْوَتِهِ حِينَئِذٍ وهو أيِ اللَّهُ قَدْ جَعَلَنِي أبًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ ومُتَسَلِّطًا عَلى كُلِّ أرْضِ مِصْرَ. فالظّاهِرُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي أطْلَقَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السِّجْنِ وجَعَلَهُ عَزِيزَ مِصْرَ قَدْ تُوُفِّيَ وخَلَفَهُ ابْنٌ لَهُ فَحَجَبَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَ لِلْمَلِكِ الشّابِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ، وصارَ مُتَصَرِّفًا بِما يُرِيدُ، فَرَأى الحالَ مُساعِدًا لِجَلْبِ عَشِيرَتِهِ إلى أرْضِ مِصْرَ.

ولا تُعْرَفُ أسْماءُ مُلُوكِ مِصْرَ في هَذا الزَّمَنِ الَّذِي كانَ فِيهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ المَمْلَكَةَ أيّامَئِذٍ كانَتْ مُنْقَسِمَةً إلى مَمْلَكَتَيْنِ: إحْداهُما مُلُوكُها مِنَ القِبْطِ وهُمُ المُلُوكُ الَّذِينَ يُقَسِّمُهُمُ المُؤَرِّخُونَ الإفْرِنْجُ إلى العائِلاتِ الخامِسَةَ عَشْرَةَ، والسّادِسَةَ عَشْرَةَ، والسّابِعَةَ عَشْرَةَ، وبَعْضِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ.

والمَمْلَكَةُ الثّانِيَةُ مُلُوكُها مِنَ الهُكْسُوسِ. ويُقالُ لَهُمُ: العَمالِقَةُ أوِ الرُّعاةُ وهم عَرَبٌ.

ودامَ هَذا الِانْقِسامُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وإحْدى عَشْرَةَ سَنَةً ٢٢١٤ قَبْلَ المَسِيحِ إلى سَنَةِ ١٧٠٣ قَبْلَ المَسِيحِ.

وقَوْلُهم (﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَشْعَرُوا مِن كَلامِهِ ثُمَّ مِن مَلامِحِهِ …

90

قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

They said, "Are you indeed Joseph?" He said "I am Joseph, and this is my brother. Allah has certainly favored us. Indeed, he who fears Allah and is patient, then indeed, Allah does not allow to be lost the reward of those who do good."

﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهْوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ.

و(هَلْ) مُفِيدَةٌ لِلتَّحْقِيقِ لِأنَّها بِمَعْنى (قَدْ) في الِاسْتِفْهامِ، فَهو تَوْبِيخٌ عَلى ما يَعْلَمُونَهُ مُحَقَّقًا مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخِيهِ، أيْ أفْعالَهُمُ الذَّمِيمَةَ بِقَرِينَةِ التَّوْبِيخِ، وهي بِالنِّسْبَةِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ واضِحَةٌ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى بِنْيامِينَ فَهي ما كانُوا يُعامِلُونَهُ بِهِ مَعَ أخِيهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الإهانَةِ الَّتِي تُنافِيها الأُخُوَّةُ، ولِذَلِكَ جَعَلَ ذَلِكَ الزَّمَنَ زَمَنَ جَهالَتِهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾) .

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم قَدْ صَلُحَ حالُهم مِن بَعْدُ، وذَلِكَ إمّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إنْ كانَ صارَ نَبِيًّا أوْ بِالفِراسَةِ لِأنَّهُ لَمّا رَآهم حَرِيصِينَ عَلى رَغَباتِ أبِيهِمْ في طَلَبِ

صفحة ٤٨

فِداءِ بِنْيامِينَ حِينَ أُخِذَ في حُكْمِ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ وفي طَلَبِ سَراحِهِ في هَذا المَوْقِفِ مَعَ الإلْحاحِ في ذَلِكَ وكانَ يَعْرِفُ مِنهم مُعاكَسَةَ أبِيهِمْ في شَأْنِ بِنْيامِينَ عَلِمَ أنَّهم ثابُوا إلى صَلاحٍ.

وإنَّما كاشَفَهم بِحالِهِ الآنَ؛ لِأنَّ الِاطِّلاعَ عَلى حالِهِ يَقْتَضِي اسْتِجْلابَ أبِيهِ وأهْلِهِ إلى السُّكْنى بِأرْضِ وِلايَتِهِ، وذَلِكَ كانَ مُتَوَقِّفًا عَلى أشْياءَ لَعَلَّها لَمْ تَتَهَيَّأْ إلّا حِينَئِذٍ. وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] فَقَدْ صارَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَدَّ مَكِينٍ عِنْدَ فِرْعَوْنَ.

وفِي الإصْحاحِ ٤٥ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِإخْوَتِهِ حِينَئِذٍ وهو أيِ اللَّهُ قَدْ جَعَلَنِي أبًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ ومُتَسَلِّطًا عَلى كُلِّ أرْضِ مِصْرَ. فالظّاهِرُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي أطْلَقَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السِّجْنِ وجَعَلَهُ عَزِيزَ مِصْرَ قَدْ تُوُفِّيَ وخَلَفَهُ ابْنٌ لَهُ فَحَجَبَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَ لِلْمَلِكِ الشّابِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ، وصارَ مُتَصَرِّفًا بِما يُرِيدُ، فَرَأى الحالَ مُساعِدًا لِجَلْبِ عَشِيرَتِهِ إلى أرْضِ مِصْرَ.

ولا تُعْرَفُ أسْماءُ مُلُوكِ مِصْرَ في هَذا الزَّمَنِ الَّذِي كانَ فِيهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ المَمْلَكَةَ أيّامَئِذٍ كانَتْ مُنْقَسِمَةً إلى مَمْلَكَتَيْنِ: إحْداهُما مُلُوكُها مِنَ القِبْطِ وهُمُ المُلُوكُ الَّذِينَ يُقَسِّمُهُمُ المُؤَرِّخُونَ الإفْرِنْجُ إلى العائِلاتِ الخامِسَةَ عَشْرَةَ، والسّادِسَةَ عَشْرَةَ، والسّابِعَةَ عَشْرَةَ، وبَعْضِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ.

والمَمْلَكَةُ الثّانِيَةُ مُلُوكُها مِنَ الهُكْسُوسِ. ويُقالُ لَهُمُ: العَمالِقَةُ أوِ الرُّعاةُ وهم عَرَبٌ.

ودامَ هَذا الِانْقِسامُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وإحْدى عَشْرَةَ سَنَةً ٢٢١٤ قَبْلَ المَسِيحِ إلى سَنَةِ ١٧٠٣ قَبْلَ المَسِيحِ.

وقَوْلُهم (﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَشْعَرُوا مِن كَلامِهِ ثُمَّ مِن مَلامِحِهِ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.