Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 81–90 of 111

81

ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَٰفِظِينَ

Return to your father and say, "O our father, indeed your son has stolen, and we did not testify except to what we knew. And we were not witnesses of the unseen,

﴿ارْجِعُوا﴾ أنْتُمْ ﴿إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ عَلى ظاهِرِ الحالِ، وقُرِئَ سُرِقَ أيْ: نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ ﴿وَما شَهِدْنا﴾ عَلَيْهِ ﴿إلا بِما عَلِمْنا﴾ وشاهَدْنا أنَّ الصُّواعَ اسْتُخْرِجَتْ مِن وِعائِهِ ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ﴾ أيْ: باطِنِ الحالِ ﴿حافِظِينَ﴾ فَما نَدْرِي أنَّ حَقِيقَةَ الأمْرِ كَما شاهَدْنا أمْ بِخِلافِهِ، أوْ وما كُنّا عالِمِينَ حِينَ أعْطَيْناكَ المَوْثِقَ أنَّهُ سَيَسْرِقُ، أوْ أنّا نُلاقِي هَذا الأمْرَ، أوْ أنَّكَ تُصابُ بِهِ كَما أُصِبْتَ بِيُوسُفَ.

82

وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ

And ask the city in which we were and the caravan in which we came - and indeed, we are truthful,"

﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ أيْ: مِصْرَ، أوْ قَرْيَةً بِقُرْبِها لَحِقَهُمُ المُنادِي عِنْدَها، أيْ: أرْسِلْ إلى أهْلِها واسْألْهم عَنِ القِصَّةِ ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ أيْ: أصْحابَها فَإنَّ القِصَّةَ مَعْرُوفَةٌ فِيما بَيْنَهُمْ، وكانُوا قَوْمًا مِن كَنْعانَ مِن جِيرانِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ: مِن صَنْعاءَ ﴿وَإنّا لَصادِقُونَ﴾ تَأْكِيدٌ في مَحَلِّ القَسَمِ.

83

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

[Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. Perhaps Allah will bring them to me all together. Indeed it is He who is the Knowing, the Wise."

﴿قالَ﴾ أيْ: يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا سَبَقَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ عِنْدَ قَوْلِ المُتَوَقِّفِ لِإخْوَتِهِ ما قالَ؟ فَقِيلَ: قالَ يَعْقُوبُ عِنْدَما رَجَعُوا إلَيْهِ فَقالُوا لَهُ ما قالُوا، وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِأنَّ مُسارَعَتَهم إلى قَبُولِهِ ورُجُوعَهم بِهِ إلى أبِيهِمْ أمْرٌ مُسَلَّمٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلَيْهِ جَوابُ أبِيهِمْ.

﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ أيْ: زَيَّنَتْ وسَهَّلَتْ، وهو إضْرابٌ لا عَنْ صَرِيحِ كَلامِهِمْ - فَإنَّهم صادِقُونَ في ذَلِكَ - بَلْ عَمّا يَقْتَضِيهِ مِنِ ادِّعاءِ البَراءَةِ عَنِ التَّسَبُّبِ فِيما نَزَلَ بِهِ، وأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ زَيَّنَتْ ﴿لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ مِنَ الأُمُورِ فَأتَيْتُمُوهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ فُتْياهم بِأخْذِ السّارِقِ بِسَرِقَتِهِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ بِيُوسُفَ وأخِيهِ والمُتَوَقِّفِ بِمِصْرَ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي وحالِهِمْ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لَمْ يَبْتَلِنِي إلّا لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ.

84

وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌۭ

And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white from grief, for he was [of that] a suppressor.

﴿وَتَوَلّى﴾ أيْ: أعْرَضَ ﴿عَنْهُمْ﴾ كَراهَةً لِما سَمِعَ مِنهم ﴿وَقالَ يا أسَفي عَلى يُوسُفَ﴾ الأسَفُ أشَدُّ الحُزْنِ والحَسْرَةِ، أضافَهُ إلى نَفْسِهِ، والألِفُ بَدَلٌ مِنَ الياءِ فَناداهُ، أيْ: يا أسَفِي تَعالى فَهَذا أوانُكَ، وإنَّما أسِفَ عَلى يُوسُفَ - مَعَ أنَّ الحادِثَ مُصِيبَةٌ أخَوَيْهِ - لِأنَّ رُزْأهُ كانَ قاعِدَةَ الأرْزاءِ غَضًّا عِنْدَهُ - وإنْ تَقادَمَ عَهْدُهُ - آخِذًا بِمَجامِعِ قَلْبِهِ لا يَنْساهُ؛ ولِأنَّهُ كانَ واثِقًا بِحَياتِهِما، عالِمًا بِمَكانِهِما، طامِعًا في إيابِهِما.

وَأمّا يُوسُفُ فَلَمْ يَكُنْ في شَأْنِهِ ما يُحَرِّكُ سِلْسِلَةَ رَجائِهِ سِوى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ، وفي الخَبَرِ: ««لَمْ تُعْطَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ (إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ) إلّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ألا يُرى إلى يَعْقُوبَ حِينَ أصابَهُ ما أصابَهُ لَمْ يَسْتَرْجِعْ، بَلْ قالَ ما قالَ»» والتَّجانُسُ بَيْنَ لَفْظَيِ الأسَفِ ويُوسُفَ مِمّا يَزِيدُ النَّظْمَ الكَرِيمَ بَهْجَةً، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾، ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ونَظائِرِها.

﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ المُوجِبِ لِلْبُكاءِ، فَإنَّ العَبْرَةَ إذا كَثُرَتْ مَحَقَتْ سَوادَ العَيْنِ وقَلَبَتْهُ إلى بَياضٍ كَدِرٍ، قِيلَ: قَدْ عَمِيَ بَصَرُهُ، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا.

رُوِيَ أنَّهُ ما جَفَّتْ عَيْنا يَعْقُوبَ مِن يَوْمِ فِراقِ يُوسُفَ إلى حِينِ لِقائِهِ ثَمانِينَ عامًا، وما عَلى وجْهِ الأرْضِ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ سَألَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: "ما بَلَغَ مِن وجْدِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى يُوسُفَ ؟" قالَ: وجْدَ سَبْعِينَ ثَكْلى، قالَ: "فَما كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ؟" قالَ: أجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ، وما ساءَ ظَنُّهُ بِاللَّهِ ساعَةً قَطُّ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّأسُّفِ والبُكاءِ عِنْدَ النَّوائِبِ، فَإنَّ الكَفَّ عَنْ ذَلِكَ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، فَإنَّهُ قَلَّ مَن يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ، ولَقَدْ بَكى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى ولَدِهِ إبْراهِيمَ، وقالَ: ««القَلْبُ يَحْزَنُ والعَيْنُ تَدْمَعُ ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ»» وإنَّما الَّذِي لا يَجُوزُ ما يَفْعَلُهُ الجَهَلَةُ مِنَ الصِّياحِ والنِّياحَةِ، ولَطْمِ الخُدُودِ والصُّدُورِ، وشَقِّ الجُيُوبِ وتَمْزِيقِ الثِّيابِ.

«وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ بَكى عَلى ولَدِ بَعْضِ بَناتِهِ، وهو يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، تَبْكِي وقَدْ نَهَيْتَنا عَنِ البُكاءِ؟ فَقالَ: «ما نَهَيْتُكم عَنِ البُكاءِ وإنَّما نَهَيْتُكم عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ صَوْتٍ عِنْدَ الفَرَحِ وصَوْتٍ عِنْدَ التَّرَحِ».»

﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ، مُمْسِكٌ لَهُ في قَلْبِهِ، لا يُظْهِرُهُ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مِن كَظَمَ السِّقاءَ إذا شَدَّهُ عَلى مَلَئِهِ، أوْ بِمَعْنى فاعِلٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ مِن كَظَمَ الغَيْظَ إذا اجْتَرَعَهُ، وأصْلُهُ كَظَمَ البَعِيرُ جِرَّتَهُ إذا رَدَّها في جَوْفِهِ.

85

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَٰلِكِينَ

They said, "By Allah, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."

﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ أيْ: لا تَفْتَأُ ولا تَزالُ ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ تَفَجُّعًا عَلَيْهِ، فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ كَما في قَوْلِهِ:

؎ فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا

لِعَدَمِ الِالتِباسِ بِالإثْباتِ، فَإنَّ القَسَمَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَلامَةُ الإثْباتِ يَكُونُ عَلى النَّفْيِ البَتَّةَ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ مَرِيضًا مُشْفِيًا عَلى الهَلاكِ، وقِيلَ: الحَرَضُ مَن أذابَهُ هَمٌّ أوْ مَرَضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ لا يُؤَنَّثُ ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، والنَّعْتُ مِنهُ بِالكَسْرِ كَدَنِفٍ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ وبِضَمَّتَيْنِ كَجُنُبٍ وغُرُبٍ ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ أيِ: المَيِّتِينَ.

86

قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

He said, "I only complain of my suffering and my grief to Allah, and I know from Allah that which you do not know.

﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي﴾ البَثُّ أصْعَبُ الهَمِّ الَّذِي لا يَصْبِرُ عَلَيْهِ صاحِبُهُ فَيَبُثُّهُ إلى النّاسِ، أيْ: يَنْشُرُهُ فَكَأنَّهم قالُوا لَهُ ما قالُوا بِطَرِيقِ التَّسْلِيَةِ والإشْكاءِ، فَقالَ لَهُمْ: إنِّي لا أشْكُو ما بِي إلَيْكُمْ، أوْ إلى غَيْرِكم حَتّى تَتَصَدَّوْا لِتَسْلِيَتِي وإنَّما أشْكُو هَمِّي ﴿وَحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ تَعالى مُلْتَجِئًا إلى جَنابِهِ مُتَضَرِّعًا لَدى بابِهِ في دَفْعِهِ، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ وضَمَّتَيْنِ ﴿وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِن لُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ، فَأرْجُو أنْ يَرْحَمَنِي ويَلْطُفَ بِي ولا يُخَيِّبَ رَجائِي، أوْ أعْلَمُ وحْيًا أوْ إلْهامًا مِن جِهَتِهِ ما لا تَعْلَمُونَ مِن حَياةِ يُوسُفَ، قِيلَ: رَأى مَلَكَ المَوْتِ في المَنامِ فَسَألَهُ عَنْهُ، فَقالَ: هو حَيٌّ، وقِيلَ: عَلِمَ مِن رُؤْيا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ سَيَخِرُّ لَهُ أبَواهُ وإخْوَتُهُ سُجَّدًا.

87

يَٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَٰفِرُونَ

O my sons, go and find out about Joseph and his brother and despair not of relief from Allah. Indeed, no one despairs of relief from Allah except the disbelieving people."

﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾ أيْ: تَعَرَّفُوا وهو تَفَعُّلٌ مِنَ الحَسِّ، وقُرِئَ بِالجِيمِ مِنَ الجَسِّ وهو الطَّلَبُ أيْ: تَطَلَّبُوا ﴿مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أيْ: مِن خَبَرِهِما، ولَمْ يَذْكُرِ الثّالِثَ؛ لِأنَّ غَيْبَتَهُ اخْتِيارِيَّةٌ لا يَعْسُرُ إزالَتُها ﴿وَلا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ لا تَقْنَطُوا مِن فَرَجِهِ وتَنْفِيسِهِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ أيْ: مِن رَحْمَتِهِ الَّتِي يُحْيِي بِها العِبادَ، وهَذا إرْشادٌ لَهم إلى بَعْضِ ما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ: ﴿وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ حَذَّرَهم عَنْ تَرْكِ العَمَلِ بِمُوجِبِ نَهْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، فَإنَّ العارِفَ لا يَقْنَطُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ.

88

فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَٰعَةٍۢ مُّزْجَىٰةٍۢ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ

So when they entered upon Joseph, they said, "O 'Azeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allah rewards the charitable."

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى يُوسُفَ بَعْدَما رَجَعُوا إلى مِصْرَ بِمُوجِبِ أمْرِ أبِيهِمْ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ إيذانًا بِمُسارَعَتِهِمْ إلى ما أُمِرُوا بِهِ، وإشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ لا يَفْتَقِرُ إلى الذِّكْرِ والبَيانِ ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ﴾ أيِ: المَلِكُ القادِرُ المُتَمَنِّعُ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ الهُزالُ مِن شِدَّةِ الجُوعِ ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ مَدْفُوعَةٍ يَدْفَعُها كُلُّ تاجِرٍ رَغْبَةً عَنْها واحْتِقارًا لَها، مِن أزْجَيْتُهُ إذا دَفَعْتَهُ وطَرَدْتَهُ، والرِّيحُ تَزْجِي السَّحابَ، قِيلَ: كانَتْ بِضاعَتُهم مِن مَتاعِ الأعْرابِ صُوفًا وسَمْنًا، وقِيلَ: الصَّنَوْبَرَ وحَبَّةَ الخَضْراءِ، وقِيلَ: سَوِيقَ المُقْلِ والأقِطَ، وقِيلَ: دَراهِمَ زُيُوفًا لا تُؤْخَذُ إلّا بِوَضِيعَةٍ، وإنَّما قَدَّمُوا ذَلِكَ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى إسْعافِ مَرامِهِمْ بِبَعْثِ الشَّفَقَةِ وهَزِّ العَطْفِ والرَّأْفَةِ وتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ المَرْحَمَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتْمِمْهُ لَنا ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ بِرَدِّ أخِينا إلَيْنا - قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ - وهو الأنْسَبُ بِحالِهِمْ؛ نَظَرًا إلى أمْرِ أبِيهِمْ، أوْ بِالإيفاءِ، أوْ بِالمُسامَحَةِ وقَبُولِ المُزْجاةِ، أوْ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يُساوِيها تَفَضُّلًا، وإنَّما سَمَّوْهُ تَصَدُّقًا تَواضُعًا، أوْ أرادُوا التَّصَدُّقَ فَوْقَ ما يُعْطِيهِمْ بِالثَّمَنِ بِناءً عَلى اخْتِصاصِ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ بِنَبِيِّنا ﷺ وإنَّما لَمْ يَبْدَءُوا بِما أُمِرُوا بِهِ اسْتِجْلابًا لِلرَّأْفَةِ والشَّفَقَةِ لِيَبْعَثُوا بِما قَدَّمُوا مِن رِقَّةِ الحالِ رِقَّةَ القَلْبِ والحُنُوَّ، عَلى أنَّ ما ساقُوهُ كَلامٌ ذُو وجْهَيْنِ فَإنَّ قَوْلَهُمْ: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ يَحْتَمِلُ الحَمْلَ عَلى المَحْمَلَيْنِ، فَلَعَلَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَمَلَهُ عَلى المَحْمَلِ الأوَّلِ ولِذَلِكَ.

89

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَٰهِلُونَ

He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"

﴿قالَ﴾ مُجِيبًا عَمّا عَرَضُوا بِهِ وضَمَّنُوهُ كَلامَهم مِن طَلَبِ رَدِّ أخِيهِمْ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ وكانَ الظّاهِرُ أنْ يَتَعَرَّضَ لِما فَعَلُوا بِأخِيهِ فَقَطْ، وإنَّما تَعَرَّضَ لِما فَعَلُوا بِيُوسُفَ لِاشْتِراكِهِما في وُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِما، فَإنَّ المُرادَ بِذَلِكَ إفْرادُهم لَهُ عَنْ يُوسُفَ، وإذْلالُهُ بِذَلِكَ حَتّى كانَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَهم إلّا بِعَجْزٍ وذِلَّةٍ، أيْ: هَلْ تُبْتُمْ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ عِلْمِكم بِقُبْحِهِ، فَهو سُؤالٌ عَنِ المَلْزُومِ والمُرادُ لازِمُهُ ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ بِقُبْحِهِ فَلِذَلِكَ أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ، أوْ جاهِلُونَ عاقِبَتَهُ، وإنَّما قالَهُ نُصْحًا لَهم وتَحْرِيضًا عَلى التَّوْبَةِ، وشَفَقَةً عَلَيْهِمْ لَمّا رَأى عَجْزَهم وتَمَسْكُنَهم لا مُعاتَبَةً وتَثْرِيبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُنْقَطِعًا عَنْ كَلامِهِمْ، وتَنْبِيهًا لَهم عَلى ما هو حَقُّهم ووَظِيفَتُهم مِنَ الإعْراضِ عَنْ جَمِيعِ المَطالِبِ والتَّمَحُّضِ في طَلَبِ بِنْيامِينَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَقِفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِطَرِيقِ الوَحْيِ أوِ الإلْهامِ عَلى وصِيَّةِ أبِيهِ وإرْسالِهِ إيّاهم لِلتَّحَسُّسِ مِنهُ ومِن أخِيهِ، فَلَمّا رَآهم قَدِ اشْتَغَلُوا عَنْ ذَلِكَ قالَ ما قالَ.

وَقِيلَ: أعْطَوْهُ كِتابَ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ كَتَبَ فِيهِ: كِتابٌ مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ إلى عَزِيزِ مِصْرَ، أمّا بَعْدٌ: فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُوكَلٌ بِنا البَلاءُ، أمّا جَدِّي فَشُدَّتْ يَدُهُ ورِجْلاهُ فَرُمِيَ بِهِ في النّارِ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى، وجُعِلَتْ لَهُ بَرْدًا وسَلامًا، وأمّا أبِي فَوُضِعَ السِّكِّينُ عَلى قَفاهُ لِيُقْتَلَ فَفَداهُ اللَّهُ تَعالى، وأمّا أنا فَكانَ لِي ابْنٌ وكانَ أحَبَّ أوْلادِي إلَيَّ فَذَهَبَ بِهِ إخْوَتُهُ إلى البَرِّيَّةِ، ثُمَّ أتَوْنِي بِقَمِيصِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَقالُوا: قَدْ أكَلَهُ الذِّئْبُ فَذَهَبَتْ عَيْنايَ مِن بُكائِي عَلَيْهِ، ثُمَّ كانَ لِي ابْنٌ - وكانَ أخاهُ مِن أُمِّهِ - وكُنْتُ أتَسَلّى بِهِ فَذَهَبُوا بِهِ، ثُمَّ رَجَعُوا وقالُوا: إنَّهُ سَرَقَ، وأنَّكَ حَبَسْتَهُ، وإنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَسْرِقُ ولا نَلِدُ سارِقًا، فَإنْ رَدَدْتَهُ عَلَيَّ وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ، والسَّلامُ، فَلَمّا قَرَأهُ لَمْ يَتَمالَكْ وعِيلَ صَبْرُهُ، فَقالَ لَهم ما قالَ، وقِيلَ: لَمّا قَرَأهُ بَكى وكَتَبَ الجَوابَ: اصْبِرْ كَما صَبَرُوا تَظْفَرْ كَما ظَفِرُوا.

90

قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

They said, "Are you indeed Joseph?" He said "I am Joseph, and this is my brother. Allah has certainly favored us. Indeed, he who fears Allah and is patient, then indeed, Allah does not allow to be lost the reward of those who do good."

﴿قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، ولِذَلِكَ أكَّدُوهُ بِأنَّ واللّامِ قالُوهُ اسْتِغْرابًا وتَعَجُّبًا، وقُرِئَ (إنَّكَ) بِالإيجابِ، قِيلَ: عَرَفُوهُ بِرِوائِهِ وشَمائِلِهِ حِينَ كَلَّمَهم بِهِ، وقِيلَ: تَبَسَّمَ فَعَرَفُوهُ بِثَناياهُ، وقِيلَ: رَفَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَرَأوْا عَلامَةً بِقَرْنِهِ تُشْبِهُ الشّامَةَ البَيْضاءَ، وكانَ لِسارَّةَ ويَعْقُوبَ مِثْلُها، وقُرِئَ (أئِنَّكَ) أوْ أنْتَ يُوسُفَ عَلى مَعْنى أئِنَّكَ يُوسُفُ، أوْ أنْتَ يُوسُفُ فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، وفِيهِ زِيادَةُ اسْتِغْرابٍ.

﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ جَوابًا عَنْ مَسْألَتِهِمْ، وقَدْ زادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وَهَذا أخِي﴾ أيْ: مِن أبَوَيَّ مُبالَغَةً في تَعْرِيفِ نَفْسِهِ، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِ أخِيهِ، وتَكْمِلَةً لِما أفادَهُ قَوْلُهُ: " ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ " حَسْبَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِنا مِنَ التَّفْرِيقِ والإذْلالِ، فَأنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بِالخَلاصِ عَمّا ابْتُلِينا بِهِ، والِاجْتِماعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ، والعِزَّةِ بَعْدَ الذِّلَّةِ، والأُنْسِ بَعْدَ الوَحْشَةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إشارَةٌ إلى الجَوابِ عَنْ طَلَبِهِمْ لَرَدِّ بِنْيامِينَ بِأنَّهُ أخِي لا أخُوكم فَلا وجْهَ لِطَلَبِكُمْ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ التَّعْلِيلِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ أيْ: يَفْعَلُ التَّقْوى في جَمِيعِ أحْوالِهِ أوْ يَقِ نَفْسَهُ عَمّا يُوجِبُ سُخْطَ اللَّهِ تَعالى وعَذابَهُ ﴿وَيَصْبِرْ﴾ عَلى المِحَنِ، أوْ عَلى مَشَقَّةِ الطّاعاتِ، أوْ عَنِ المَعاصِي الَّتِي تَسْتَلِذُّها النَّفْسُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: أجْرَهُمْ، وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَنعُوتِينَ بِالتَّقْوى والصَّبْرِ مَوْصُوفُونَ بِالإحْسانِ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.