Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 81–90 of 111

81

ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَٰفِظِينَ

Return to your father and say, "O our father, indeed your son has stolen, and we did not testify except to what we knew. And we were not witnesses of the unseen,

﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا﴾ لَهُ ﴿يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ كَبِيرِهِمْ وقِيلَ: هو مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ بُعْدٌ كَما أنَّ الظّاهِرَ أنَّهم أرادُوا أنَّهُ سَرَقَ في نَفْسِ الأمْرِ.

﴿وما شَهِدْنا﴾ عَلَيْهِ ﴿إلا بِما عَلِمْنا﴾ مِن سَرِقَتِهِ وتَبَقَّيْناهُ حَيْثُ اسْتُخْرِجَ صُواعُ المَلِكِ مِن رَحْلِهِ.

﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ . (81) . وما عَلِمْنا أنَّهُ سَيَسْرِقُ حِينَ أعْطَيْناكَ المِيثاقَ أوْ ما عَلِمْنا أنَّكَ سَتُصابُ بِهِ كَما أُصِبْتَ بِيُوسُفَ وقَرَأ الضَّحّاكُ ( سارِقٌ ) بِاسْمِ الفاعِلِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رُزَيْنٍ والكِسائِيُّ في رِوايَةٍ ( سُرِّقَ ) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ فَمَعْنى ﴿وما شَهِدْنا﴾ .. إلَخْ وما شَهِدْنا إلّا بِقَدْرِ ما عَلِمْنا مِنَ التَّسْرِيقِ وما كُنّا لِلْأمْرِ الخَفِيِّ بِحافِظِينَ أسَرَقَ بِالصِّحَّةِ أمْ دُسَّ الصُّواعُ في رَحْلِهِ ولَمْ يَشْعُرْ واسْتُحْسِنَتْ هَذِهِ القِراءَةُ لِما فِيها مِنَ التَّنْزِيهِ كَذا قالُوا والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ بِاسْتِفادَةِ اليَقِينِ مِنَ اسْتِخْراجِ الصُّواعِ مِن رَحْلِهِ مِمّا لا يَصِحُّ فَكَيْفَ يُوجِبُ اليَقِينَ واحْتِمالُ أنَّهُ دُسَّ فِيهِ مِن غَيْرِ شُعُورٍ قائِمٌ جَعَلَ مُجَرَّدَ وُجُودِ الشَّيْءِ في يَدِ المُدَّعى عَلَيْهِ بَعْدَ إنْكارِهِ مُوجِبًا لِلسَّرْقِ في شَرْعِهِمْ أوَّلًا قِيلَ: فالوَجْهُ أنَّ الظَّنَّ البَيِّنَ قائِمٌ مَقامَ العِلْمِ ألا تَرى أنَّ الشَّهادَةَ تَجُوزُ بِناءً عَلى الِاسْتِصْحابِ ويُسَمّى عِلْمًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾ وإنَّما جَزَمُوا بِذَلِكَ لِبُعْدِ الِاحْتِمالاتِ المُعارِضَةِ عِنْدَهم وإذْ جُعِلَ الحُكْمُ بِالسَّرِقَةِ وكَذا عِلْمُهم أيْضًا مَبْنِيًّا عَلى ما شاهَدُوا مِن ظاهِرِ الأمْرِ اتَّحَدَتِ القِراءَتانِ ويُفَسَّرُ ﴿وما كُنّا﴾ .. إلَخْ بِما فُسِّرَ بِهِ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ وقِيلَ: مَعْنى ﴿ما شَهِدْنا﴾ .. إلَخْ ما كانَتْ شَهادَتُنا في عُمْرِنا عَلى شَيْءٍ إلّا بِما عَلِمْنا ولَيْسَتْ هَذِهِ شَهادَةً مِنّا إنَّما هي خَبَرٌ عَنْ صَنِيعِ ابْنِكَ بِزَعْمِهِمْ ﴿وما كُنّا﴾ .. إلَخْ كَما هو وهو ذَهابٌ أيْضًا إلى أنَّهم غَيْرُ جازِمِينَ وفي الكَشْفِ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الذَّوْقُ إنَّهم كانُوا جازِمِينَ وقَوْلُهم: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ﴾ تَمْهِيدٌ بَيِّنٌ وادِّعاءُ العِلْمِ لا يُلْزِمُ العِلْمَ فَإنْ كانَ لِبُعْدِ الِاحْتِمالاتِ المُعارِضَةِ فَلا يَكُونُ كَذِبًا مُحَرَّمًا وإلّا فَغايَتُهُ الكَذِبُ في دَعْوى العِلْمِ ولَيْسَ بِأوَّلِ كِذْباتِهِمْ وكانَ قَبْلَ أنْ تَنَبَّؤُوا ولِهَذا خَوَّنَهُمُ الأبُ في هَذِهِ أيْضًا عَلى أنَّ قَوْلَهم: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ التَّأْكِيدَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم جَعَلُوا الوُجْدانَ في الرَّحْلِ قاطِعًا وإلّا كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَقُولُوا: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ مُتَعَدِّيًا أوْ سارِقًا ونَحْوَهُ فَإنَّ يُحْتَمَلُ عَنْهُمُ الحَزْمُ هُنالِكَ فَلِمَ لا يُحْتَمَلُ ها هُنا. اهَـ. وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِبَعْضِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ وكَذا لِما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ ( جَزاؤُهُ ) .. إلَخْ ولَعَلَّ الأمْرَ في هَذا هَيِّنٌ: ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿لِلْغَيْبِ﴾ لِلَّيْلِ وهو بِهَذا المَعْنى في لُغَةِ حِمْيَرٍ وكَأنَّهم قالُوا: وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا مِن ظاهِرِ حالِهِ وما كُنّا لِلَّيْلِ حافِظِينَ أيْلا نَدْرِي ما يَقَعُ فِيهِ فَلَعَلَّهُ سَرَقَ فِيهِ أوْ دُلِّسَ …

82

وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ

And ask the city in which we were and the caravan in which we came - and indeed, we are truthful,"

﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ يَعْنُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ مِصْرَ وقِيلَ: قَرْيَةٌ بِقُرْبِها لِحَقَهُمُ المُنادِي بِها والأوَّلُ ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُفَتِّشَ لَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ والثّانِي الظّاهِرُ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ المُؤَذِّنُ وسُؤالُ القَرْيَةِ عِبارَةٌ عَنْ سُؤالِ أهْلِها إمّا مَجازًا في القَرْيَةِ لْإطْلاقِها عَلَيْها بِعَلاقَةِ الحالِيَّةِ والمَحَلِّيَّةِ أوْ في النِّسْبَةِ أوْ يُقَدَّرُ فِيهِ مُضافٌ وهو مَجازٌ أيْضًا عِنْدَسِيبَوَيْهِ وجَماعَةٍ وفي المَحْصُولِ وغَيْرِهِ أنَّ الإضْمارَ والمَجازَ مُتَبايِنانِ لَيْسَ أحَدُهُما قِسْمًا مِنَ الآخَرِ والأكْثَرُونَ عَلى المُقابَلَةِ بَيْنَهُما وأيًّا ما كانَ فالمَسْؤُولُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ وحاصِلُ المَعْنى أرْسِلْ مَن تَثِقُ بِهِ إلى أهْلِ القَرْيَةِ واسْألْهم عَنِ القِصَّةِ ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ أيْ أصْحابَها الَّذِينَ تَوَجَّهْنا فِيهِمْ وكُنّا مَعَهم فَإنَّ القِصَّةَ مَعْرُوفَةٌ فِيما بَيْنَهم وكانُوا قَوْمًا مِن كَنْعانَ مِن جِيرانِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: مِن أهْلِ صَنْعاءَ والكَلامُ هُنا في التَّجَوُّزِ والإضْمارِ كالكَلامِ سابِقًا.

وقِيلَ: لا تَجَوُّزَ ولا إضْمارَ في المَوْضِعَيْنِ والمَقْصُودُ إحالَةُ تَحْقِيقِ الحالِ والِاطِّلاعِ عَلى كُنْهِ القِصَّةِ عَلى السُّؤالِ مِنَ الجَماداتِ والبَهائِمِ أنْفُسِها بِناءً عَلى أنَّهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ نَبِيٌّ فَلا يَبْعُدُ أنْ تَنْطِقَ وتُخْبِرَهُ بِذَلِكَ عَلى خَرْقِ العادَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُرادًا ولا يَقْتَضِيهِ المَقامُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِصَدَدِ إظْهارِ المُعْجِزَةِ وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الأوْلى إبْقاءُ القَرْيَةِ والعِيرِ عَلى ظاهِرِهِما وعَدَمُ إضْمارِ مُضافٍ إلَيْهِما ويَكُونُ الكَلامُ مَبْنِيًّا عَلى دَعْوى ظُهُورِ الأمْرِ بِحَيْثُ أنَّ الجَماداتِ والبَهائِمَ قَدْ عَلِمَتْ بِهِ وقَدْ شاعَ مِثْلُ ذَلِكَ في الكَلامِ قَدِيمًا وحَدِيثًا ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ:

سَلِ القاعَةَ الوَعْسا مِنَ الأجْرَعِ الَّذِي بِهِ البانُ هَلْ حَيِيَتْ أطْلالُ دارِكَ

وقَوْلُهُ:

سَلُوا مَضْجَعِيَ عَنِّي وعَنْها فَإنَّنا ∗∗∗ رَضِينا بِما يُخْبِرْنَ عَنّا المَضاجِعُ

وقَوْلُهُ:

واسْألْ نُجُومَ اللَّيْلِ هَلْ زارَ الكَرى ∗∗∗ جَفْنِيَ وكَيْفَ يَزُورُ مَن لَمْ يَعْرِفِ

ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا لا يَخْلُو عَنِ ارْتِكابِ مَجازٍ نَعَمْ هو مَعْنًى لَطِيفٌ بَيْدَ أنَّ الجُمْهُورَ عَلى خِلافِهِ وأكْثَرُهم عَلى اعْتِبارِ مَجازِ الحَذْفِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ . (82) . فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ ولَيْسَ المُرادُ إثْباتَ صِدَقِهِمْ بِما ذُكِرَ حَتّى يَكُونَ مُصادَرَةً بَلْ تَأْكِيدُ صِدْقِهِمْ بِما يُفِيدُ ذَلِكَ مِنَ الِاسْمِيَّةِ وإنَّ واللّامِ وهو مُرادُ مَن قالَ: إنَّهُ تَأْكِيدٌ في مَحَلِّ القَسَمِ ويُحْتَمَلُ عَلى ما قِيلَ أنْ يُرِيدَ أنَّ هُنا قَسَمًا مُقَدَّرًا وقِيلَ: المُرادُ الإثْباتُ ولا مُصادَرَةَ عَلى مَعْنى أنّا قَوْمٌ عادَتُنا الصِّدْقُ فَلا يَكُونُ ما أخْبَرْناكَ بِهِ كَذِبًا ولا نَظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن عَدَمِ قَبُولِهِ

83

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

[Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. Perhaps Allah will bring them to me all together. Indeed it is He who is the Knowing, the Wise."

﴿قالَ﴾ أيْ أبُوهم عَلَيْهِ السَّلامُ وهو اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا سَبَقَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ عِنْدَ قَوْلِ ذَلِكَ القائِلِ لِلْإخْوَةِ ما قالَ فَقِيلَ: قالَ أبُوهم عِنْدَما رَجَعُوا إلَيْهِ فَقالُوا لَهُ ما قالُوا: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِأنَّ مُسارَعَتَهم إلى قَبُولِ كَلامِ ذَلِكَ القائِلِ ورُجُوعَهم بِهِ إلى أبِيهِمْ أمْرٌ مُسَلَّمٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ وإنَّما المُحْتاجُ إلَيْهِ جَوابُهُ يُرْوى أنَّهم لَمّا عَزَمُوا عَلى الرُّجُوعِ إلى أبِيهِمْ قالَ لَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إذا أتَيْتُمْ أباكم فاقْرَؤُوا عَلَيْهِ السَّلامَ وقُولُوا لَهُ: إنَّ مَلِكَ مِصْرَ يَدْعُو لَكَ أنْ لا تَمُوتَ حَتّى تَرى ولَدَكَ يُوسُفَ لِيَعْلَمَ أنَّ في أرْضِ مِصْرَ صِدِّيقِينَ مِثْلَهُ فَسارُوا حَتّى وصَلُوا إلَيْهِ فَأخْبَرُوهُ بِجَمِيعِ ما كانَ فَبَكى وقالَ ما قالَ ( وبَلْ ) لِلْأضْرابِ

صفحة 39

وهُوَ عَلى ما قِيلَ إضْرابٌ لا عَنْ صَرِيحِ كَلامِهِمْ فَإنَّهم صادِقُونَ فِيهِ بَلْ عَمّا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ ادِّعاءِ البَراءَةِ عَنِ التَّسَبُّبِ فِيما نَزَلَ بِهِ وإنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم ما أدّى إلى ذَلِكَ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ زَيَّنَتْ وسَهَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَأتَيْتُمُوهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ فُتْياهم بِأخْذِ السّارِقِ بِسَرِقَتِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن دِينِ المَلِكِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ إنَّ هُنا كَلامًا مَحْذُوفًا وقَعَ الإضْرابُ عَنْهُ والتَّقْدِيرُ لَيْسَ حَقِيقَةً كَما أخْبَرْتُمْ بَلْ سَوَّلَتْ .. إلَخْ وهو عِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ وادَّعى أنَّهُ الظّاهِرُ عَلى حَدِّ ما قالَ في قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَنَّ سُوءًا بِهِمْ خَلا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَدَقَ ظَنُّهُ هُناكَ ولَمْ يَتَحَقَّقْ هُنا وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ في تَوْجِيهِ هَذا القَوْلِ ها هُنا مَعَ أنَّهم لَمْ يَعْتَمِدُوا في حَقِّ بِنْيامِينَ سُوءًا ولا أخْبَرُوا أباهم إلّا بِالواقِعِ عَلى جَلِيَّتِهِ وما تَرَكُوهُ بِمِصْرَ إلّا مَغْلُوبِينَ عَنِ اسْتِصْحابِهِ إنَّهم كانُوا عِنْدَ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ مُتَّهَمِينَ وهم قَمِنٌ بِاتِّهامِهِ لِما أسْلَفُوهُ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقامَتْ عِنْدَهُ قَرِينَةٌ تُؤَكِّدُ التُّهْمَةُ وتُقَوِّيها وهو أخْذُ المَلِكِ لَهُ في السَّرِقَةِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّا مِن دِينِهِ لا مِن دِينِهِ ولا مِن دِينِ غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ فَظَنَّ أنَّهُمُ الَّذِينَ أفْتَوْهُ بِذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِ السَّرِقَةِ الَّتِي ذَكَرُوها تَعَمُّدًا لِيَتَخَلَّفَ دُونَهم واتِّهامُ مَن هو بِحَيْثُ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التُّهْمَةُ لا جَرْحَ فِيهِ لا سِيَّما فِيما يَرْجِعُ إلى الوالِدِ مَعَ الوَلَدِ ثُمَّ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوَجْهُ الَّذِي سَوَّغَ لَهُ هَذا القَوْلَ في حَقِّهِمْ أنَّهم جَعَلُوا مُجَرَّدَ وُجُودِ الصُّواعِ في رَحْلِ مَن يُوجَدُ في رَحْلِهِ سَرِقَةً مِن غَيْرِ أنْ يُحِيلُوا الحُكْمَ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ سارِقًا بِوَجْهٍ مَعْلُومٍ وهَذا في شَرْعِنا لا يُثْبِتُ السَّرِقَةَ عَلى مَنِ ادُّعِيَتْ عَلَيْهِ فَإنْ كانَ في شَرْعِهِمْ أيْضًا كَذَلِكَ فَفي عَدَمِ تَحْرِيرِ الفَتْوى إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا حُرّاصًا عَلى أخْذِهِ وهو مِنَ التَّسْوِيلِ وإنِ اقْتَضى ذَلِكَ في شَرْعِهِمْ فالعُمْدَةُ عَلى الجَوابِ الأوَّلِ هَذا والتَّنْوِينُ في ﴿أمْرًا﴾ لِلتَّعْظِيمِ أيْ أمْرًا عَظِيمًا ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أيْ فَأمْرِي ذَلِكَ أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ فِيهِ …

84

وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌۭ

And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white from grief, for he was [of that] a suppressor.

﴿وتَوَلّى﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم كَراهَةً لِما جاءُوا بِهِ ﴿وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ الأسَفُ أشَدُّ الحُزْنِ عَلى ما فاتَ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ والألِفُ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ لِلتَّخْفِيفِ والمَعْنى يا أسَفى تَعالَ فَهَذا أوانُكَ وقِيلَ: الألِفُ ألِفُ النُّدْبَةِ والهاءُ مَحْذُوفَةٌ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ وإنَّما تَأسَّفَ عَلى يُوسُفَ مَعَ أنَّ الحادِثَ مُصِيبَةُ أخَوَيْهِ لِأنَّ رُزْأهُ كانَ قاعِدَةَ الأرْزاءِ عِنْدَهُ وإنْ تَقادَمَ عَهْدُهُ أخْذًا بِمَجامِعِ قَلْبِهِ لا يَنْساهُ ولا يَزُولُ عَنْ فِكْرِهِ أبَدًا ولَمْ تُنْسِنِي أوْفى المُصِيباتِ بُعْدَهُ ولَكِنَّ نَكاءَ القُرْحِ بِالقُرْحِ أوْجَعُ

ولا يَرُدُّ أنَّ هَذا مُنافٍ لِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ إذْ يَقْتَضِي ذَلِكَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى ومَن عَرَفَهُ سُبْحانَهُ أحَبَّهُ ومَن أحَبَّهُ لَمْ يَتَفَرَّغْ قَلْبُهُ لِحُبِّ ما سِواهُ لِما قِيلَ: إنَّ هَذِهِ مَحَبَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ ولا تَأْبى الِاجْتِماعَ مَعَ حُبِّهِ تَعالى وقالَ الإمامُ: إنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَحَبَّةِ الشَّدِيدَةِ تُزِيلُ عَنِ القَلْبِ الخَواطِرَ ويَكُونُ صاحِبُها كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ تَعالى كَثِيرَ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ

صفحة 40

فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَمالِ الِاسْتِغْراقِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما لِلصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم في هَذا المَقامِ في بابِ الإشارَةِ وقِيلَ: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ واثِقًا بِحَياتِهِما عالِمًا بِمَكانِهِما طامِعًا بِإيابِهِما وأمّا يُوسُفُ فَلَمْ يَكُنْ في شَأْنِهِ ما يُحَرِّكُ سِلْسِلَةَ رَجائِهِ سِوى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ وفِيهِ بَحْثٌ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لَمْ تُعْطَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ إلّا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أيْ لَمْ يُعَلَّمُوهُ ولَمْ يُوَفَّقُوا لَهُ عِنْدَ نُزُولِ المُصِيبَةِ بِهِمْ ألا يَرى إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أصابَهُ ما أصابَهُ لَمْ يَسْتَرْجِعْ وقالَ ما قالَ وفي ﴿أسَفى﴾ .

﴿ويُوسُفَ﴾ تَجْنِيسٌ نَفِيسٌ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ وهو مِمّا يَزِيدُ الكَلامَ الجَلِيلَ بَهْجَةً ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ وهو في الحَقِيقَةِ سَبَبٌ لِلْبُكاءِ والبُكاءُ سَبَبٌ لِابْيِضاضِ عَيْنِهِ فَإنَّ العَبْرَةَ إذا كَثُرَتْ مَحَقَتْ سَوادَ العَيْنِ وقَلَبَتْهُ إلى بَياضٍ كَدِرٍ فَأُقِيمَ سَبَبُ السَّبَبِ مَقامَهُ لِظُهُورِهِ والِابْيِضاضُ قِيلَ إنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ العَمى فَيَكُونُ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكُلِّيَّةِ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ وهو يُقابَلُ بِالأعْمى وقِيلَ: لَيْسَ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صارَتْ في عَيْنَيْهِ غِشاوَةٌ بَيْضَتْهُما وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في حُكْمِ العَمى بِالنِّسْبَةِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكانَ الحَسَنُ مِمَّنْ يَرى جَوازَهُ.

فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: كانَ مُنْذُ خَرَجَ يُوسُفُ مِن عِنْدِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى يَوْمَ رَجَعَ ثَمانُونَ سَنَةً لَمْ يُفارِقِ الحُزْنُ قَلْبَهُ ودُمُوعُهُ تَجْرِي عَلى خَدَّيْهِ ولَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتّى ذَهَبَ بَصَرُهُ وما عَلى الأرْضِ يَوْمَئِذٍ واللَّهِ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ والظّاهِرُ أنَّهُ …

85

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَٰلِكِينَ

They said, "By Allah, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."

﴿قالُوا﴾ أيِ الإخْوَةُ وقِيلَ غَيْرُهم مِن أتْباعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿تاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ أيْ لا تَفْتَأُ ولا تَزالُ ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ تَفَجُّعًا عَلَيْهِ فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ كَما في قَوْلِهِ:

فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِيَ لَدَيْكَ وأوْصالِيَ

لِأنَّ القَسَمَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَلامَةُ الإثْباتِ كانَ عَلى النَّفْيِ وعَلامَةُ الإثْباتِ هي اللّامُ ونُونُ التَّأْكِيدِ وهُما يَلْزَمانِ جَوابَ القَسَمِ المُثْبَتَ فَإذا لَمْ يُذْكَرا دَلَّ عَلى أنَّهُ مَنفِيٌّ لِأنَّ المَنفِيَّ لا يُقارِنُهُما ولَوْ كانَ المَقْصُودُ ها هُنا الإثْباتَ لَقِيلَ لَتَفْتَأنَّ ولُزُومُ اللّامِ والنُّونِ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ وقالَ الكُوفِيُّونَ والفارِسِيُّ: يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما وجاءَ الحَذْفُ فِيما إذا كانَ الفِعْلُ حالًا كَقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ( لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ) وقَوْلِهِ:

لَأبْغَضُ كُلَّ امْرِئٍ يُزَخْرِفُ قَوْلًا ولا يَفْعَلُ

ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذا مَسْألَةٌ فِقْهِيَّةٌ وهي أنَّهُ إذا قالَ: واللَّهِ أقُومُ يَحْنَثُ إذا قامَ وإنْ لَمْ يَقُمْ لا ولا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ القائِلِ عالِمًا بِالعَرَبِيَّةِ أوْ لا عَلى ما أفْتى بِهِ خَيْرُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ وذَكَرَ أنَّ الحَلِفَ بِالطَّلاقِ كَذَلِكَ فَلَوْ قالَ: عَلَيَّ الطَّلاقُ بِالثَّلاثِ تَقُومِينَ الآنَ تُطَلَّقُ إنْ قامَتْ ولا تُطَلَّقُ إنْ لَمْ تَقُمْ وهَذِهِ المَسْألَةُ مُهِمَّةٌ لا بَأْسَ بِتَحْقِيقِ الحَقِّ فِيها وإنْ أدّى إلى الخُرُوجِ عَمّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَنَقُولُ: قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ العَوامَّ لَوْ أسْقَطُوا اللّامَ والنُّونَ في جَوابِ القَسَمِ المُثْبَتِ المُسْتَقْبَلِ فَقالَ أحَدُهم: واللَّهِ أقُومُ مَثَلًا لا يَحْنَثُ بِعَدَمِ القِيامِ فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ وتَعَقَّبَهُ المَقْدِسِيُّ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تَلْزَمَهُمُ الكَفّارَةُ لِتَعارُفِهِمُ الحَلِفَ كَذَلِكَ ويُؤَيِّدُهُ ما في الظَّهِيرِيَّةِ أنَّهُ لَوْ سَكَّنَ الهاءَ أوْ نَصَبَ في بِاللَّهِ يَكُونُ يَمِينًا مَعَ أنَّ العَرَبَ ما نَطَقَتْ بِغَيْرِ الجَرِّ وقالَ أيْضًا: إنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَمِينًا وإنْ خَلا مِنَ اللّامِ والنُّونِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الوَلْوالَجِيَّةِ: سُبْحانَ اللَّهِ أفْعَلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أفْعَلُ كَذا لَيْسَ بِيَمِينٍ إلّا أنْ يَنْوِيَهُ واعْتَرَضَهُ الخَيْرُ الرَّمْلِيُّ بِأنَّ ما نَقَلَهُ لا يَدُلُّ لِمُدَّعاهُ أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ تَغْيِيرُ إعْرابٍ لا يَمْنَعُ المَعْنى المَوْضُوعَ فَلا يَضُرُّ التَّسْكِينُ والرَّفْعُ والنَّصْبُ لَمّا تَقَرَّرَ مِن أنَّ اللَّحْنَ لا يَمْنَعُ الِانْعِقادَ وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُتَنازَعِ فِيهِ إذْ هو الإثْباتُ والنَّفْيُ لا أنَّهُ يَمِينٌ وقَدْ نُقِلَ ما ذَكَرْناهُ عَنِ المَذْهَبِ والنَّقْلُ يَجِبُ اتِّباعُهُ ونَظَرُ فِيهِ.

أمّا أوَّلًا فَبِأنَّ اللَّحْنَ كَما في المِصْباحِ وغَيْرِهِ الخَطَأُ في العَرَبِيَّةِ وأمّا ثانِيًا فَبِأنَّ ما في الوَلْوالَجِيَّةِ مِنَ المُتَنازَعِ فِيهِ فَإنَّهُ أتى بِالفِعْلِ المُضارِعِ مُجَرَّدًا مِنَ اللّامِ والنُّونِ وجَعَلَهُ يَمِينًا مَعَ النِّيَّةِ ولَوْ كانَ عَلى النَّفْيِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مَعَ النِّيَّةِ يَمِينٌ عَلى عَدَمِ الفِعْلِ كَما لا يَخْفى وإنَّما اشْتَرَطَ في ذَلِكَ النِّيَّةَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَعارَفٍ.

وقالَ الفاضِلُ الحَلَبِيُّ: إنَّ بَحْثَ المَقْدِسِيَّ وجِيهٌ والقَوْلُ بِأنَّهُ يُصادِمُ المَنقُولَ يُجابُ عَنْهُ بِأنَّ المَنقُولَ في

صفحة 42

المَذْهَبِ كانَ عَلى عُرْفِ صَدْرِ …

86

قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

He said, "I only complain of my suffering and my grief to Allah, and I know from Allah that which you do not know.

﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي﴾ البَثُّ في الأصْلِ إثارَةُ الشَّيْءِ وتَفْرِيقُهُ كَبَثَّ الرِّيحُ التُّرابَ واسْتُعْمِلَ في الغَمِّ الَّذِي لا يُطِيقُ صاحِبُهُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ فَلا يُطِيقُ حَمْلَهُ وحْدَهُ فَيُفَرِّقُهُ عَلى مَن يُعِينُهُ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفاعِلِ أيِ الغَمُّ الَّذِي بَثَّ الفِكْرَ وفَرَّقَهُ وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ القَوْمَ قالُوا ما قالُوا بِطَرِيقِ التَّسْلِيَةِ والإشْكاءِ فَقالَ في جَوابِهِمْ: إنِّي لا أشْكُو ما بِي إلَيْكم أوْ إلى غَيْرِكم حَتّى تَتَصَدَّوْا لِتَسْلِيَتِي وإنَّما أشْكُو غَمِّي ﴿وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ تَعالى مُتَلَجِّئًا إلى جَنابِهِ مُتَضَرِّعًا في دَفْعِهِ لَدى بابِهِ فَإنَّهُ القادِرُ عَلى ذَلِكَ وفي الخَبَرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مِن كُنُوزِ البِرِّ إخْفاءُ الصَّدَقَةِ وكِتْمانُ المَصائِبِ والأمْراضِ ومَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ» وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى ( حَزَنِي ) بِفَتْحَتَيْنِ وقَرَأ قَتادَةُ بِضَمَّتَيْنِ.

صفحة 44

﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ مِن لُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ . (86) . فَأرْجُو أنْ يَرْحَمَنِي ويَلْطُفَ بِي ولا يُخَيِّبَ رَجائِيَ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ و( مِن ) بَيانِيَّةٌ قُدِّمَتْ عَلى المُبَيَّنِ وقَدْ جَوَّزَهُ النُّحاةُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً أيْ أعْلَمُ وحْيًا أوْ إلْهامًا أوْ بِسَبَبٍ مِن أسْبابِ العِلْمِ مِن جِهَتِهِ تَعالى ما تَعْلَمُونَ مِن حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ ذَلِكَ مِنَ الرُّؤْيا حَسْبَما تَقَدَّمَ وقِيلَ إنَّهُ رَأى مَلَكَ المَوْتِ في المَنامِ فَأخْبَرَهُ أنَّ يُوسُفَ حَيُّ ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ ولَمْ يَذْكُرُوا لَهُ سَنَدًا والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ النَّضْرِ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ عامًا لا يَدْرِي يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيٌّ أمْ مَيِّتٌ حَتّى تَمَثَّلَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهُ: مَن أنْتَ قالَ: أنا مَلَكُ المَوْتِ فَقالَ: أنْشُدُكَ بِإلَهِ يَعْقُوبَ هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ يُوسُفَ قالَ: لا فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ:

87

يَٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَٰفِرُونَ

O my sons, go and find out about Joseph and his brother and despair not of relief from Allah. Indeed, no one despairs of relief from Allah except the disbelieving people."

﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾ أيْ فَتَعَرَّفُوا وهو تَفَعَّلَ مِنَ الحِسِّ وهو في الأصْلِ الإدْراكُ بِالحاسَّةِ وكَذا أصْلُ التَّحَسُّسِ طَلَبُ الإحْساسِ واسْتِعْمالُهُ في التَّعَرُّفِ اسْتِعْمالٌ لَهُ في لازِمِ مَعْناهُ وقَرِيبٌ مِنهُ التَّجَسُّسُ بِالجِيمِ وقِيلَ: إنَّهُ بِهِ في الشَّرِّ وبِالحاءِ في الخَيْرِ ورُدَّ بِأنَّهُ قُرِئَ هُنا ( فَتَجَسَّسُوا ) بِالجِيمِ أيْضًا وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُ الجَسِّ مَسُّ العِرْقِ وتَعَرُّفُ نَبْضِهِ لِلْحُكْمِ بِهِ عَلى الصِّحَّةِ والمَرَضِ وهو أخَصُّ مِنَ الحِسِّ فَإنَّهُ تَعَرُّفُ ما يُدْرِكُهُ الحِسُّ والجَسُّ تَعَرُّفُ حالِ ما مِن ذَلِكَ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ أيْ مِن خَبَرِهِما ولَمْ يُذْكَرِ الثّالِثُ لِأنَّ غَيْبَتَهُ اخْتِيارِيَّةٌ لا يَعْسُرُ إزالَتُها وعَلى فَرْضِ ذَلِكَ الدّاعِيَةِ فِيهِمْ لِلتَّحَسُّسِ مِنهُ لِكَوْنِهِ أخاهم قَوِيَّةً فَلا حاجَةَ لِأمْرِهِمْ بِذَلِكَ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ وهو بِمَعْنى عَنْ بِناءٍ عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّهُ لا يُقالُ: تَحَسَّسْتُ مِن فُلانٍ وإنَّما يُقالُ: تَحَسَّسْتُ عَنْهُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ عَلى مَعْنى تَحَسُّوا خَبَرًا مِن أخْبارِ يُوسُفَ وأخِيهِ.

﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ أيْ لا تَقْنَطُوا مِن فَرَجِهِ سُبْحانَهُ وتَنْفِيسِهِ وأصْلُ مَعْنى الرَّوْحِ بِالفَتْحِ كَما قالَ الرّاغِبُ التَّنَفُّسُ يُقالُ: أراحَ الإنْسانُ إذا تَنَفَّسَ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْفَرَجِ كَما قِيلَ: لَهُ تَنْفِيسٌ مِنَ النَّفَسِ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والحَسَنُ وقَتادَةُ ( رُوحِ ) بِالضَّمِّ وفُسِّرَ بِالرَّحْمَةِ عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مِن مَعْناها المَعْرُوفِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ سَبَبُ الحَياةِ كالرُّوحِ وإضافَتُها إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّها مِنهُ سُبْحانَهُ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَأنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ لا تَيْأسُوا مِن حَيٍّ مَعَهُ رُوحُ اللَّهِ الَّذِي وهَبَهُ فَإنَّ كُلَّ مَن بَقِيَتْ رُوحُهُ يُرْجى ومِن هَذا قَوْلُهُ:

وفِي غَيْرِ مَن قَدْ وارَتِ الأرْضُ فاطْمَعْ

وقَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ:

وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ

وقَرَأ أُبَيٌّ ( مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ) وعَبْدُ اللَّهِ ( مِن فَضْلِ اللَّهِ ) وكِلاهُما عِنْدَ أبِي حَيّانَ تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ وقُرِئَ ( تَأْيَسُوا ) وقَرَأ الأعْرَجُ ( تِيئَسُوا ) بِكَسْرِ التّاءِ والأمْرُ والنَّهْيُ عَلى ما قِيلَ إرْشادٌ لَهم إلى بَعْضِ ما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَذَّرَهم عَنْ تَرْكِ العَمَلِ بِمُوجِبِ نَهْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ . (87) . لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ فَإنَّ العارِفَ لا يَقْنَطُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ تَأْكِيدًا لِما يَعْلَمُونَهُ مِن ذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُؤْمِنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَيْرٍ يَرْجُوهُ

صفحة 45

فِي البَلاءِ ويَحْمَدُهُ في الرَّخاءِ.

وذَكَرَ الإمامُ أنَّ اليَأْسَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا اعْتَقَدَ الإنْسانُ أنَّ الإلَهَ غَيْرُ قادِرٍ عَلى الكَمالِ أوْ غَيْرُ عالِمٍ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ أوْ لَيَسَ بِكَرِيمٍ واعْتِقادُ كُلٍّ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ يُوجِبُ الكُفْرَ فَإذا كانَ اليَأْسُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ أحَدِها وكُلٌّ مِنها كُفْرٌ ثَبَتَ أنَّ اليَأْسَ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن كانَ كافِرًا واسْتَدَلَّ بَعْضُ أصْحابِنا بِالآيَةِ عَلى أنَّ اليَأْسَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ وادَّعى أنَّها ظاهِرَةٌ في …

88

فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَٰعَةٍۢ مُّزْجَىٰةٍۢ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ

So when they entered upon Joseph, they said, "O 'Azeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allah rewards the charitable."

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما رَجَعُوا إلى مِصْرَ بِمُوجِبِ أمْرِ أبِيهِمْ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ إيذانًا بِمُسارَعَتِهِمْ إلى ما أُمِرُوا بِهِ وإشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ لا يَفْتَقِرُ إلى الذِّكْرِ والبَيانِ وأنْكَرَ اليَهُودُ رُجُوعَهم بَعْدَ أخْذِ بِنْيامِينَ إلى أبِيهِمْ ثُمَّ عَوْدَهم إلى مِصْرَ وزَعَمُوا أنَّهم لَمّا جاءُوا أوَّلًا لِلْمِيرَةِ اتَّهَمَهم بِأنَّهم جَواسِيسُ فاعْتَذَرُوا وذَكَرُوا أنَّهم أوْلادُ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى يَعْقُوبَ وأنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ولَدًا هَلَكَ واحِدٌ مِنهم وتَخَلَّفَ أخُوهُ عِنْدَ أبِيهِمْ يَتَسَلّى بِهِ عَنِ الهالِكِ حَيْثُ أنَّهُ كانَ يُحِبُّهُ كَثِيرًا فَقالَ: ائْتُونِي بِهِ لِأتَحَقَّقَ صِدْقَكم وحُبِسَ شَمْعُونُ عِنْدَهُ حَتّى يَجِيئُوا فَلَمّا أتَوْا بِهِ ووَقَعَ ما وقَعَ مِن أمْرِ السَّرِقَةِ أظْهَرُوا الخُضُوعَ والِانْكِسارَ فَلَمْ يَمْلِكْ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسَهُ حَتّى تَعَرَّفَ إلَيْهِمْ ثُمَّ أمَرَهم بِالعَوْدِ إلى أبِيهِمْ لِيُخْبِرُوهُ الخَبَرَ ويَأْتُوا بِهِ وهو الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ تَوْراتُهُمُ اليَوْمَ وما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ﴾ خاطَبُوهُ بِذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهُ عَلى حَدِّ خِطابِهِمُ السّابِقِ بِهِ عَلى ما هو ظاهِرٌ وهَلْ كانُوا يَعْرِفُونَ اسْمَهُ أمْ لا لَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ

صفحة 46

لِذَلِكَ فَإنْ كانُوا يَعْرِفُونَهُ ازْدادَ أمْرُ جَهالَتِهِمْ غَرابَةً والمُرادُ عَلى ما قالَ الإمامُ وغَيْرُهُ يا أيُّها المَلِكُ القادِرُ المَنِيعُ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ الهُزالُ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والمُرادُ بِالأهْلِ ما يَشْمَلُ الزَّوْجَةَ وغَيْرَها ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ مَدْفُوعَةٍ يَدْفَعُها كُلُّ تاجِرٍ رَغْبَةً عَنْها واحْتِقارًا مِن أزْجَيْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ وطَرَدْتُهُ والرِّيحُ تُزْجِي السَّحابَ وأنْشَدُوا لِحاتِمٍ:

لِيَبْكِ عَلى مُلْحانَ ضَيْفٌ مُدْفَعٌ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا

وكُنِّيَ بِها عَنِ القَلِيلِ أوِ الرَّدِيءِ لِأنَّهُ لِعَدَمِ الِاعْتِناءِ يُرْمى ويُطْرَحُ قِيلَ: كانَتْ بِضاعَتُهم مِن مَتاعِ الأعْرابِ صُوفًا وسَمْنًا وقِيلَ: الصَّنَوْبَرُ وحَبَّةُ الخَضْراءِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وقِيلَ: سَوِيقُ المَقْلِ والأقْطُ وقِيلَ: قَدِيدٌ وحَشٌّ وقِيلَ: حِبالًا وأعْدالًا وأحْقابًا وقِيلَ: كانَتْ دَراهِمَ زُيُوفًا لا تُؤْخَذُ إلّا بِوَضِيعَةٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والمَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ تَفْسِيرُها بِقَلِيلَةٍ لا غَيْرَ وعَلى كُلٍّ فَمُزْجاةٌ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِلْبِضاعَةِ وقالَ الزَّجّاجُ: هي مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ أيْ يَدْفَعُ الزَّمانَ بِالقَلِيلِ والمَعْنى إنّا جِئْنا بِبِضاعَةٍ يُدْفَعُ بِها الزَّمانُ ولَيْسَتْ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ بِها الأيّامُ أيْ تُدْفَعُ بِها ويُصَبَّرُ عَلَيْها حَتّى تَنْقَضِيَ كَما قِيلَ:

دَرِّجِ الأيّامَ تَنْدَرِجْ ∗∗∗ وبُيُوتُ الهَمِّ لا تُلَجْ

وما ذُكِرَ أوَّلًا هو الأوْلى وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مُزْجاةً مِن لُغَةِ العَجَمِ وقِيلَ: مِن لُغَةِ القِبْطِ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ لَفْظٌ مَعْرُوفُ الِاشْتِقاقِ والتَّصْرِيفِ مَنسُوبًا إلى غَيْرِ لُغَةِ العَرَبِ فالنِّسْبَةُ إلى ذَلِكَ مُزْجاةٌ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( مُزْجِيةٍ ) بِالإمالَةِ لِأنَّ أصْلَها الياءُ والظّاهِرُ أنَّهم إنَّما قَدَّمُوا هَذا الكَلامَ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى …

89

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَٰهِلُونَ

He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"

قالَ مُجِيبًا عَمّا عَرَّضُوا بِهِ وضَمَّنُوهُ كَلامَهم مِن ذَلِكَ ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ وكانَ الظّاهِرُ عَلى هَذا الِاقْتِصارَ عَلى التَّعَرُّضِ بِما فَعَلَ مَعَ الأخِ إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعَرَّضَ لِما فُعِلَ بِهِ أيْضًا لِاشْتِراكِهِما في وُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِما فَإنَّ المُرادَ بِذَلِكَ إفْرادُهم لَهُ عَنْهُ وإذْلالُهُ بِذَلِكَ حَتّى كانَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَهم إلّا بِعَجْزٍ وذِلَّةٍ والِاسْتِفْهامُ لَيْسَ عَنِ العِلْمِ بِنَفْسِ ما فَعَلُوهُ لِأنَّ الفِعْلَ الإرادِيَّ مَسْبُوقٌ بِالشُّعُورِ لا مَحالَةَ بَلْ هو عَمّا فِيهِ مِنَ القُبْحِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ . (89) . أيْ هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَ ما فَعَلْتُمُوهُ زَمانَ جَهْلِكم قُبْحَهُ وزالَ ذَلِكَ الجَهْلُ أمْ لا وفِيهِ مِن إبْداءِ عُذْرِهِمْ وتَلْقِينِهِمْ إيّاهُ ما فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ والظّاهِرُ لِهَذا أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَشَفِّيًا بَلْ حَثٌّ عَلى الإقْلاعِ ونُصْحٌ لَهم لَمّا رَأى مِن عَجْزِهِمْ وتَمَسْكُنِهِمْ ما رَأى مَعَ خَفِيِّ مُعاتَبَةٍ عَلى وُجُودِ الجَهْلِ وأنَّهُ حَقِيقُ الِانْتِفاءِ في مِثْلِهِمْ فَلِلَّهِ تَعالى هَذا الخُلُقُ الكَرِيمُ كَيْفَ تَرَكَ حَظَّهُ مِنَ التَّشَفِّي إلى حَقِّ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ حَقَّ الأُخُوَّتَيْنِ أيْضًا والتَّلَطُّفَ في إسْماعِهِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ هَذا الضُّرَّ أوْلى بِالكَشْفِ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنْقَطِعًا عَنْ كَلامِهِمْ وتَنْبِيهًا لَهم عَمّا حَقُّهم ووَظِيفَتُهم مِنَ الإعْراضِ عَنْ جَمِيعِ المَطالِبِ والتَّمَخُّضِ لِطَلَبِ بِنْيامِينَ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَقِفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ أوِ الإلْهامِ عَلى وصِيَّةِ أبِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإرْسالِهِ إيّاهم لِلتَّحَسُّسِ مِنهُ ومِن أخِيهِ فَلَمّا رَآهم قَدِ اشْتَغَلُوا عَنْ ذَلِكَ قالَ ما قالَ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى ما رَأى مِنهم وهو مِن أرَقِّ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى قَلْبًا وكانَ قَدْ بَلَغَ الكِتابُ أجَلَهُ شَرَعَ في كَشْفِ أمْرِهِ فَقالَ ما قالَ.

رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهم لَمّا اسْتَعْطَفُوهُ رَقَّ لَهم ورَحِمَهم حَتّى أنَّهُ ارْفَضَّ دَمْعُهُ باكِيًا ولَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ فَشَرَعَ في التَّعَرُّفِ لَهم وأرادَ بِما فَعَلُوهُ بِهِ جَمِيعَ ما جَرى وبِما فَعَلُوهُ بِأخِيهِ أذاهم لَهُ وجَفاءَهم إيّاهُ وسُوءَ مُعامَلَتِهِمْ لَهُ وإفْرادَهم كَما سَمِعْتَ ولَمْ يَذْكُرْ لَهم ما آذَوْا بِهِ أباهم عَلى ما قِيلَ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ أنْ يَذْكُرَهُ مَعَ نَفْسِهِ وأخِيهِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مِن فُرُوعِ ما ذُكِرَ وقِيلَ: إنَّهم أدَّوْا إلَيْهِ كِتابًا مِن أبِيهِمْ وصُورَتَهُ كَما في الكَشّافِ مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ بْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ إلى عَزِيزِ مِصْرَ أمّا بَعْدُ فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُوَكَّلٍ بِنا البَلاءُ أمّا جَدِّي فَشُدَّتْ يَداهُ ورِجْلاهُ ورُمِيَ بِهِ في النّارِ لِيُحْرَقَ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى وجُعِلَتِ النّارُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا وأمّا

صفحة 48

أبِي فَوُضِعَ عَلى قَفاهُ السِّكِّينُ لِيُقْتَلَ فَفَداهُ اللَّهُ تَعالى وأمّا أنا فَكانِ لِي ابْنٌ وكانَ أحَبَّ الأوْلادِ إلَيَّ فَذَهَبَ بِهِ إخْوَتُهُ إلى البَرِيَّةِ ثُمَّ أتَوْنِي بِقَمِيصِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ وقالُوا: قَدْ أكَلَهُ الذِّئْبُ فَذَهَبَتْ عَيْنايَ مِن بُكائِي عَلَيْهِ ثُمَّ كانَ لِي ابْنٌ كانَ أخاهُ مِن أُمِّهِ …

90

قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

They said, "Are you indeed Joseph?" He said "I am Joseph, and this is my brother. Allah has certainly favored us. Indeed, he who fears Allah and is patient, then indeed, Allah does not allow to be lost the reward of those who do good."

﴿قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِإنَّ واللّامِ لِأنَّ التَّأْكِيدَ يَقْتَضِي التَّحَقُّقَ المُنافِيَ لِلِاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ ولَعَلَّهم قالُوهُ اسْتِغْرابًا وتَعَجُّبًا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وقَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( إنَّكَ ) بِغَيْرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ قالَ في البَحْرِ: والظّاهِرُ أنَّها مُرادَةٌ ويَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى الخَبَرِ المَحْضِ وقَدْ قالَهُ بَعْضُهم لِتَعارُضِ الِاسْتِفْهامِ والخَبَرِ إنِ اتَّحَدَ القائِلُونَ وهو الظّاهِرُ فَإنْ قُدِّرَ أنَّ بَعْضًا اسْتَفْهَمَ وبَعْضًا أخْبَرَ ونُسِبَ كُلٌّ إلى المَجْمُوعِ أمْكَنَ وهو مَعَ ذَلِكَ بِعِيدٌ و( أنْتَ ) في القِراءَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ و( يُوسُفُ ) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ خَبَرُ ( إنَّ ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْتَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي هو اسْمُ إنَّ لِحَيْلُولَةِ اللّامِ وقَرَأ أُبَيٌّ أإنَّكَ أوْ أنْتَ يُوسُفُ وخَرَّجَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ في كِتابِ المُحْتَسِبِ عَلى حَذْفِ خَبَرِ إنَّ وقَدَّرَهُ أإنَّكَ لَغَيْرُ يُوسُفَ أوْ أنْتَ يُوسُفُ وكَذا الزَّمَخْشَرِيُّ إلّا أنَّهُ قَدَّرَهُ أإنَّكَ يُوسُفُ أوْ أنْتَ يُوسُفُ ثُمَّ قالَ: وهَذا كَلامٌ مُتَعَجَّبٌ مُسْتَغْرَبٌ لِما يُسْمَعُ فَهو يُكَرِّرُ الِاسْتِيثاقَ قالَ في الكَشْفِ: وما قَدَّرَهُ أوْلى لِقِلَّةِ الإضْمارِ وقُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى المَحْذُوفِ وإنْ كانَ الأوَّلُ أجْرى عَلى قانُونِ الِاسْتِفْهامِ ولَعَلَّ الأنْسَبَ أنْ يُقَدَّرَ أإنَّكَ أنْتَ أوْ أنْتَ يُوسُفُ تَجْهِيلًا لِنَفْسِهِ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةُ يُوسُفَ أيْ أإنَّكَ المَعْرُوفُ عَزِيزُ مِصْرَ أوْ أنْتَ يُوسُفُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ العَزِيزُ يُوسُفَ أوْ يُوسُفَ عَزِيزًا وفِيهِ قِلَّةُ الإضْمارِ أيْضًا مَعَ تَغايُرِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وقُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى المَحْذُوفِ والجَرْيِ عَلى قانُونِ الِاسْتِفْهامِ مَعَ زِيادَةِ الفائِدَةِ مِن إيهامِ البُعْدِ بَيْنَ الحالَتَيْنِ.

فَإنْ قِيلَ: ذاكَ أوْفَقُ لِلْمَشْهُورِ لِقُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ هو يُجابُ بِأنَّهُ يَكْفِي في الدَّلالَةِ عَلى الأوْجُهِ كُلِّها أنَّ الِاسْتِفْهامَ غَيْرُ جارٍ عَلى الحَقِيقَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ التَّنافِي بَيْنَ كَوْنِهِ مُخاطِبَهُمُ المَعْرُوفَ وكَوْنِهِ يُوسُفَ شَدِيدُ الدَّلالَةِ أيْضًا مَعَ زِيادَةِ إفادَةِ ذِكْرِ مُوجِبِ اسْتِبْعادِهِمْ وهو كَلامٌ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ واخْتَلَفُوا في

صفحة 49

تَعْيِينِ سَبَبِ مَعْرِفَتِهِمُ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقِيلَ: عَرَفُوهُ بِرِوائِهِ وشَمائِلِهِ وكانَ قَدْ أدْناهم إلَيْهِ ولَمْ يُدْنِهِمْ مِن قَبْلُ وقِيلَ: كانَ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ فَلَمّا أرادَ التَّعَرُّفَ إلَيْهِمْ رَفَعَهُ فَعَرَفُوهُ وقِيلَ: تَبَسَّمَ فَعَرَفُوهُ بِثَناياهُ وكانَتْ كاللُّؤْلُؤِ المَنظُومِ وكانَ يُضِيءُ ما حَوالَيْهِ مِن نُورِ تَبَسُّمِهِ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَفَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَنَظَرُوا إلى عَلامَةٍ بِقَرْنِهِ كانَ لِيَعْقُوبَ وإسْحاقَ وسارَةَ مِثْلُها تُشْبِهُ الشّامَةَ البَيْضاءَ فَعَرَفُوهُ بِذَلِكَ ويَنْضَمُّ إلى كُلِّ ذَلِكَ عِلْمُهم أنَّ ما خاطَبَهم بِهِ لا يَصْدُرُ مِثْلُهُ إلّا عَنْ حَنِيفٍ مُسْلِمٍ مِن سِنْخِ إبْراهِيمَ لا عَنْ بَعْضِ أعِزّاءِ مِصْرَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُمُ إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى التَّوَهُّمِ ولَمْ يَعْرِفُوهُ حَتّى أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ وهَذا جَوابٌ عَنْ مُساءَلَتِهِمْ وزادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا أخِي﴾ أيْ مِن أبَوَيَّ مُبالَغَةً في …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.