Muslim99Muslim99
← Tafsir library

12. Yusuf

Joseph · Meccan · 111 ayahs

سُورَةُ يُوسُفَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 81–90 of 111

81

ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَٰفِظِينَ

Return to your father and say, "O our father, indeed your son has stolen, and we did not testify except to what we knew. And we were not witnesses of the unseen,

فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَذا ما رَأى أنْ يَفْعَلَ في نَفْسِهِ، فَماذا رَأى لِإخْوَتِهِ؟ فَقِيلَ: أمَرَهم بِالرُّجُوعِ لِيَعْلَمُوا أباهم لِإمْكانِ أنْ يُرِيدَ القُدُومَ إلى مِصْرَ لِيَرى ابْنَهُ أوْ يَكُونُ عِنْدَهُ رَأْيٌ فِيهِ فَرَجٌ، فَقالَ: ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكُمْ﴾ أيْ دُونِي ”فَقُولُوا“ أيْ لَهُ مُتَلَطِّفِينَ في خِطابِكم ﴿يا أبانا﴾ وأكَّدُوا مَقالَتَكم فَإنَّهُ يُنْكِرُها [لَكُمْ] فَقُولُوا: ﴿إنَّ ابْنَكَ﴾ أيْ شَقِيقُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي هو أكْمَلُنا في البُنُوَّةِ عِنْدَكَ ﴿سَرَقَ﴾

ولَمّا كانُوا في غايَةِ الثِّقَةِ مِن أنَّ أحَدًا مِنهم لا يُلِمُّ بِمِثْلِ ذَلِكَ، أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما شَهِدْنا﴾ أيْ في ذَلِكَ ﴿إلا بِما عَلِمْنا﴾ ظاهِرًا مِن رُؤْيَتِنا الصُّواعُ يَخْرُجُ مِن وِعائِهِ؛ والشَّهادَةُ: الخَبَرُ عَنْ إحْساسِ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وتَجُوزُ الشَّهادَةُ بِما أدّى إلَيْهِ الدَّلِيلُ القَطْعِيُّ ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ﴾ أيِ الأمْرُ الَّذِي غابَ عَنّا ﴿حافِظِينَ﴾ فَلَعَلَّ حِيلَةً دُبِّرَتْ في ذَلِكَ غابَ عَنّا عِلْمُها كَما صَنَعَ في رَدِّ بِضاعَتِنا

82

وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ

And ask the city in which we were and the caravan in which we came - and indeed, we are truthful,"

﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ أيْ أهْلَها وجُدْرانَها إنْ كانَتْ تَنْطِقُ ﴿الَّتِي كُنّا فِيها﴾ وهي مِصْرُ، عَمّا أخْبَرْناكَ بِهِ يُخْبِرُوكَ بِصِدْقِنا، فَإنَّ الأمْرَ قَدِ اشْتَهَرَ عِنْدَهم ”و“ اسْألِ ”العِيرَ“ أيْ أصْحابَها وهم قَوْمٌ مِن كَنْعانَ جِيرانُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ والسُّؤالُ: طَلَبُ الإخْبارِ بِأداتِهِ مِنَ الهَمْزَةِ وهَلْ ونَحْوُهُما، والقَرْيَةُ: الأرْضُ الجامِعَةُ لِحُدُودٍ فاصِلَةٍ، وأصْلُها مَن قَرَيْتُ الماءَ، أيْ جَمَعْتُهُ، وسَيَأْتِي شَرْحُ لَفْظِها آخِرَ السُّورَةِ، والعِيرُ: قافِلَةُ الحَمِيرِ، مِنَ العِيرِ - بِالفَتْحِ، وهو الحِمارُ، هَذا الأصْلُ - كَما تَقَدَّمَ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في غَيْرِ الحَمِيرِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ جَدِيرًا بِالإنْكارِ لِما يَتَحَقَّقُ مِن كَرَمِ أخِيهِمْ، أكَّدُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وإنّا﴾ أيْ واللَّهِ ﴿لَصادِقُونَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَرَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وقالُوا ما قالَ لَهم كَبِيرُهُمْ،

83

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًۭا ۖ فَصَبْرٌۭ جَمِيلٌ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

[Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. Perhaps Allah will bring them to me all together. Indeed it is He who is the Knowing, the Wise."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ بَلْ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لَمْ تَصِحَّ نِسْبَةُ ابْنِي إلى السَّرِقَةِ ظاهِرًا ولا باطِنًا، أيْ [لَمْ] يَأْخُذُ شَيْئًا مِن صاحِبِهِ في خَفاءٍ بَلْ ﴿سَوَّلَتْ﴾ أيْ زَيَّنَتْ تَزْيِينًا فِيهِ غَيٌّ ﴿لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ حَدَّثْتُكم بِأمْرٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، والأمْرُ: الشَّيْءُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ تَأْمُرَ النَّفْسُ بِهِ، وكِلا الأمْرَيْنِ صَحِيحٌ، أمّا النَّفْيُ فَواضِحٌ، لِأنَّ بِنْيامِينَ لَمْ يَسْرِقِ الصُّواعَ ولا هَمَّ بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْسُبُهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا مُنادِيهِ إلى ذَلِكَ بِمُفْرَدِهِ، وأمّا الإثْباتُ فَأوْضَحُ، لِأنَّهُ لَوْلا فِعْلُهم بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَما سَوَّلَتْ لَهم فِيهِ أنْفُسُهم لَمْ يَقَعْ هَذا الأمْرُ لِبِنْيامِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ مِنِّي، لِأنَّ ظَنِّي في اللَّهِ جَمِيلٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ﴾ أيْ بِيُوسُفَ وشَقِيقِهِ بِنْيامِينَ ورُوبِيلَ ﴿جَمِيعًا﴾ ما يَدُلُّ الفَطِنُ عَلى أنَّهُ تَفَرَّسَ أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ نَشَأتْ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ الأمْرَ إلى سَلامَةٍ واجْتِماعٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ البَلِيغُ العِلْمِ بِما خَفِيَ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ، فَيَعْلَمُ أسْبابَهُ المُوصِلَةَ إلى المَقاصِدِ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ البَلِيغُ في إحْكامِ الأُمُورِ في تَرْتِيبِ الأسْبابِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِ ما أبْرَمَهُ مِنها، وتَرْتِيبِ الوَصْفَيْنِ عَلى غايَةِ الإحْكامِ - كَما تَرى - لِأنَّ الحالَ داعٍ إلى العِلْمِ بِما غابَ مِنَ الأسْبابِ أكْثَرُ مِن دُعائِهِ إلى مَعْرِفَةِ حِكْمَتِها؛ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ

84

وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌۭ

And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white from grief, for he was [of that] a suppressor.

﴿وتَوَلّى﴾ أيِ انْصَرَفَ بِوَجْهِهِ ﴿عَنْهُمْ﴾ لِما تَفاقَمَ عَلَيْهِ مِنَ الحُزْنِ، وبَلَغَ بِهِ مِنَ الجُهْدِ، وهاجَ [بِهِ] بِاجْتِماعِ حُزْنٍ إلى حُزْنٍ مِنَ الحَرْقِ [كَراهِيَةً] لِما جاءُوا بِهِ وإقْبالًا عَلى مَن إلَيْهِ الأمْرُ ﴿وقالَ﴾ مُشْتَكِيًا إلى اللَّهِ لا غَيْرِهِ، فَهو تَعْرِيضٌ بِأشَدِّ التَّصْرِيحِ والدُّعاءِ: ﴿يا أسَفى﴾ أيْ يا أشَدَّ حُزْنِي، والألِفُ بَدَلٌ عَنْ ياءِ الإضافَةِ لِتَدُلَّ عَلى بُلُوغِ الأسَفِ إلى ما لا حَدَّ لَهُ، وجِناسُ ”الأسَفِ“ مَعَ ”يُوسُفَ“ مِمّا لَمْ يُتَعَمَّدْ، فَيَكُونُ مَطْبُوعًا، فَيْصَلُ إلى نِهايَةِ الإبْداعِ، وأمْثالُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ ﴿عَلى يُوسُفَ﴾ هَذا أوانُكَ الَّذِي مَلَأنِي بِكَ فَنادِمْنِي كَما أُنادِمُكَ /، وخَصَّهُ لِأنَّهُ قاعِدَةُ إخْوانِهِ، انْبَنى عَلَيْها وتَفَرَّعَ مِنها ما بَعْدَها ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ﴾ أيِ انْقَلَبَ سَوادُهُما إلى حالِ البَياضِ كَثْرَةَ الِاسْتِعْبارِ، فَعَمى البَصَرُ ﴿مِنَ الحُزْنِ﴾ الَّذِي هو سَبَبُ البُكاءِ الدّائِمِ الَّذِي هو سَبَبُ البَياضِ، فَذَكَرَ السَّبَبَ الأوَّلَ، يُقالُ: بَلَغَ حُزْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حُزْنَ سَبْعِينَ ثَكْلى وما ساءَ ظَنُّهُ قَطُّ.

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ﴾ أيْ بِسَبَبِ الحُزْنِ ﴿كَظِيمٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الكَظْمِ لِامْتِلائِهِ مِنَ الكَرْبِ، مانِعٌ نَفْسَهُ مِن عَمَلِ ما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ مِنَ الرَّعُوناتِ بِما آتاهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ، وذَلِكَ أشَدُّ ما يَكُونُ عَلى النَّفْسِ وأقْوى ما يَكُونُ لِلْحُزْنِ، فَهو فَعِيلٌ ”بِمَعْنى مَفْعُولٌ“، وهو أبْلَغُ مِنهُ، مِن كَظْمِ السِّقاءِ - إذا شَدَّهُ عَلى مَلَئِهِ.

ومادَّةُ ”كَظَمَ“ تَدُورُ عَلى المَنعِ مِنَ الإظْهارِ، يَلْزَمُهُ الكَرْبُ - لِأنَّهُ مِن شَأْنِ المَمْنُوعِ مِمّا قَدِ امْتَلَأ مِنهُ، ويَلْزَمُهُ الِامْتِلاءُ، لِأنَّ ما دَوَّنَهُ لَيْسَ فِيهِ قُوَّةُ الظُّهُورِ، كَظَمَ غَيْظَهُ -إذا سَكَتَ بَعْدَ امْتِلائِهِ مِنهُ، وكَظَمَتِ السِّقاءُ - إذا مَلَأْتَهُ وسَدَدْتَهُ، وكَظَمَ البَعِيرُ جَرَّتَهُ - إذا رَدَّها وكَفَّ، والكَظْمُ: مَخْرَجُ النَّفْسِ، لِأنَّهُ بِهِ يَمْنَعُ مِنَ الجَرْيِ في هَواهُ؛ والكَظامَةُ: حَبَلٌ يُشَدُّ بِهِ خُرْطُومُ البَعِيرِ، لِمَنعِهِ مِمّا يُرِيدُ، وأيْضًا يُوصِلُ بِوَتَرِ القَوْسِ العَرَبِيَّةِ ثُمَّ يُدارُ بِطَرَفِ السِّيَةِ العُلْيا، مَنعًا لَهُ مِنَ الِانْحِلالِ وأيْضًا قَناةٌ في باطِنِ الأرْضِ يَجْرِي فِيهِما الماءُ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ الماءَ مِن أنْ يَأْخُذَ في هَواهُ فَيَرْتَفِعَ في مَوْضِعِ النَّبْعِ فَيَظْهَرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وخَرْقٌ يَجْرِي فِيهِ الماءُ مِن بِئْرٍ إلى بِئْرٍ، لِأنَّهُ لا يَصْنَعُ إلّا عِنْدَ ضِعْفِ إحْدى البِئْرَيْنِ، فَلَوْلاهُ لَفاضَتِ القَوِيَّةُ، فَهو تَصْرِيفٌ لِمائِها في غَيْرِ وجْهِهِ، وكَظامَةُ المِيزانِ: المِسْمارُ الَّذِي يَدُورُ فِيهِ اللِّسانُ، لِأنَّهُ يَرْبُطُهُ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الِانْفِكاكِ، ويُقالُ: ما زِلْتُ كاظِمًا يَوْمِي كُلِّهِ، أيْ مُمْسِكًا عَنِ الأكْلِ وقَدِ امْتَلَأتْ جُوعًا، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ المَنبَعِ، [ومِنهُ] كاظِمَةٌ - لِقَرْيَةٍ عَلى شاطِئِ البَحْرِ، لِأنَّ البَحْرَ قَدْ كَظَمَها عَنِ الِانْفِساحِ وكَذا هي مَنعَتُهُ عَنِ الِانْسِياحِ.

85

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَٰلِكِينَ

They said, "By Allah, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."

فَلَمّا رَأوْا أنَّهُ قَدْ فاتَهم ما ظَنُّوا أنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ ذَهابِ يُوسُفَ مِن صَلاحِ الحالِ مَعَ أبِيهِمْ بِقَصْرِ الإقْبالِ عَلَيْهِمْ، ووَقَعَ لِأبِيهِمْ هَذا الفادِحُ العَظِيمُ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى قَوْلِهِمْ لَهُ، فاسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ”قالُوا“ أيْ حَنَقًا مِن ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ، يَمِينًا فِيها تَعَجُّبٌ ﴿تَفْتَأُ﴾ أيْ ما تَزالُ ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ حَرِيصًا عَلى ذِكْرِهِ قَوِيًّا عَلَيْهِ حِرْصَ الفَتى الشّابِّ الجِلْدِ الصَّبُورِ عَلى مُرادِهِ ”حَتّى“ أيْ إلى أنْ ﴿تَكُونَ حَرَضًا﴾ أيْ حاضِرُ الهَلاكِ مُشْرِفًا عَلَيْهِ مُتَهِيِّئًا لَهُ بِدَنَفِ الجِسْمِ وخَبَلِ العَقْلِ - كَما مَضى بَيانُهُ في الأنْفالِ عِنْدَ ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ﴿أوْ تَكُونَ﴾ أيْ كَوْنًا لازِمًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿مِنَ الهالِكِينَ﴾

86

قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

He said, "I only complain of my suffering and my grief to Allah, and I know from Allah that which you do not know.

ولَمّا تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما كانَ عَنْهُ بَعْدَ ما رَأى مِن غَلْطَةِ بَنِيهِ، شَفى عِيَّها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ إنَّما﴾ أيْ نَعَمْ لا أزالُ كَذَلِكَ لِأنَّهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ لِلْإنْسانِ، لِدَلالَتِهِ عَلى الرِّقَّةِ والوَفاءِ، وإنَّما يَكُونُ مَذْمُومًا إذا كانَ عَلى وجْهِ الشِّكايَةَ إلى الخَلْقِ وأنا لا أشْكُو إلى مَخْلُوقٍ، إنَّما ﴿أشْكُو بَثِّي﴾ والبَثُّ أشَدُّ الحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مِن صُعُوبَتِهِ لا يُطاقُ حَمْلُهُ فَيُباحُ بِهِ ويُنْشَرُ ﴿وحُزْنِي﴾ مُطْلَقًا وإنْ كانَ سَبَبُهُ خَفِيفًا يَقْدِرُ الخُلُقُ عَلى إزالَتِهِ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً تَعَرُّضًا لِنَفَحاتِ كَرَمِهِ، لا إلى أحَدٍ غَيْرِهِ، وهَذا - الَّذِي سَمِعْتُوهُ مِنِّي فَقَلِقْتُمْ لَهُ - قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ.

ولَمّا كانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا صادِقِينَ في أنَّهم لَمْ يَجِدُوا إلّا قَمِيصَ يُوسُفَ مُلَطَّخًا دَمًا، وأنْ يَكُونَ قَطْعُهم بِأكْلِ الذِّئْبِ لَهُ مُسْتَنِدًا إلى ذَلِكَ، وكانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيٌّ ويُظَنُّ في اللَّهِ أنْ يَجْمَعَ شَمْلَهُ بِهِ، قالَ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى مِنَ اللُّطْفِ بِنا أهْلَ هَذا البَيْتِ ومِنَ التَّفْرِيجِ عَنِ المَكْرُوبِينَ والتَّفْرِيحِ لِلْمَغْمُومِينَ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ومادَّةُ ”فَتا“ يائِيَّةٌ وواوِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ ومَهْمُوزَةٍ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ وهي فَتَأ، وفَأتْ وتَفَأ وأفَتَ، وفَتى وفَوَتَ وتَوَفَ [وتَفَوُ] تَدُورُ عَلى الشَّبابِ، وتَلْزَمُهُ القُوَّةُ وشِدَّةُ العَزِيمَةِ وسَلامَةُ الِانْقِيادِ: ما فَتَأ يَفْعَلُ كَذا - مُثَلَّثَةَ العَيْنِ: ما زالَ كَما أفَتا، أيْ إنَّهُ ما زالَ فاعِلًا في ذَلِكَ فِعْلَ الشّابِّ الجَلْدِ الماضِي العَزْمِ، وما فَتِئَ أنْ فَعَلَ، ما بَرِحَ أيْ أنَّهُ بادَرَ إلى ذَلِكَ بِسُهُولَةِ انْقِيادٍ وشِدَّةِ عَزِيمَةٍ، وحَقِيقَتُهُ: ما فَتِئَ عَنْ فِعْلِ كَذا، أيْ ما تَجاوَزَهُ إلى غَيْرِهِ وما نَسِيَهُ بَلْ قَصَرَ فِتاءَهُ وهِمَّتَهُ وجَلْدَهُ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ مالِكٍ في جَمْعِ اللُّغاتِ المُشَكَّلَةِ وعَزاهُ لِلْفَرّاءِ - وصَحَّحَهُ في القامُوسِ: فَتَأ - كَمَنَعَ: كَسَرَ وأطْفَأ، وهو واضِحٌ في القُوَّةِ، وفَتِئَ عَنْهُ - كَسَمِعَ: نَسِيَهُ وانْقَذَعَ عَنْهُ، أيِ انْكَفَّ أوْ خاصَّ بِالجَحْدِ، أيْ بِأنْ يَكُونَ قَبْلَهُ حَرْفُ نَفْيٍ، ومَعْناهُ أنَّ قُوَّتَهُ تَجاوَزَتْهُ فَلَمْ تُخالِطْهُ؛ ومِن يائِيِّهِ: الفِتاءُ - كَسَماءٍ: الشَّبابُ، وكَأنَّهُ أصْلُ المادَّةِ، والفَتِيُّ - بِالقَصْرِ؛ السَّخِيُّ والكَرِيمُ، أيِ الجَوادُ الشَّرِيفُ النَّفْسِ، والفَتى: السَّيِّدُ الشُّجاعُ - لِأنَّ ذَلِكَ يُلْزِمُ الشَّبابَ غالِبًا، والفَتى: المَمْلُوكُ وإنْ كانَ بَخِيلًا أوْ شَيْخًا - لِأنَّهُ غالِبًا لا يَشْتَرِي إلّا الشَّبابَ، والفَتى: التِّلْمِيذُ، والتّابِعُ كَذَلِكَ، والفَتى - كَغِنى: الشّابِّ أيْضًا، والفُتُوَّةُ: الكَرَمُ، وقَدْ تُفْتى وتَفاتى، وفُتُوَّتُهُمْ: غَلَبَتْهم فِيها، وأفْتاهُ في الأمْرِ: أبانَهُ لَهُ، والفُتْيا - بِالضَّمِّ والفَتْوى - ويَفْتَحُ: ما أفْتى بِهِ الفَقِيهُ، وهو يَرْجِعُ إلى الجُودِ وحُسْنِ الخُلُقِ، والفَتَيانِ: اللَّيْلُ والنَّهارُ، ولِذَلِكَ يُسَمَّيانِ الجَدِيدَيْنِ، وفَتِيَتِ البِنْتُ تَفْتِيَةً: مَنَعَتِ اللَّعِبَ مَعَ الصِّبْيانِ، فَهو مِن سَلْبِ الشَّبابِ، أيْ فِعْلِهِ ومِن مَقْلُوبِهِ مَهْمُوزًا: افْتَأتَ عَلَيَّ الباطِلَ: اخْتَلَقَهُ، وبِرَأْيِهِ: اسْتَبَدَّ، وكِلاهُما يَدُلُّ عَلى جُرْأةٍ وطَيْشٍ، وهو بِالشّابِّ …

87

يَٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَٰفِرُونَ

O my sons, go and find out about Joseph and his brother and despair not of relief from Allah. Indeed, no one despairs of relief from Allah except the disbelieving people."

ولَمّا أخْبَرَهم عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ عِلْمَهُ فَوْقَ عِلْمِهِمْ، أتْبَعَهُ اسْتِئْنافًا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا﴾ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ [هَذا] الذَّهابِ وعَقَّبَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾ أيْ بِجَمِيعِ جُهْدِكم ﴿مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أيِ اطْلُبُوا مِن أخْبارِهِما بِحَواسِّكم لَعَلَّكم تَظْفَرُونَ بِهِما، وهَذا يُؤَكِّدُ ما تَقَدَّمَ مِنَ احْتِمالِ ظَنِّهِ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَيُوسُفُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ما عِنْدَهُ، قالَ: ﴿ولا تَيْأسُوا﴾ أيْ تَقْنَطُوا ﴿مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ والرُّوحُ - قالَ الرُّمّانِيُّ - يَقَعُ بِرِيحٍ تَلَذُّ، وكَأنَّ هَذا أصْلُهُ فالمُرادُ: مِن رَحْمَتِهِ وفَرَجِهِ وتَيْسِيرِهِ ولُطْفِهِ في جَمْعِ الشَّتاتِ وتَيْسِيرِ المُرادِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ هَذا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ﴾ أيْ لا يَقْنَطُ ﴿مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿إلا القَوْمُ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم قُوَّةُ المُحاوَلَةِ ﴿الكافِرُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في الكُفْرِ،

88

فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَٰعَةٍۢ مُّزْجَىٰةٍۢ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ

So when they entered upon Joseph, they said, "O 'Azeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allah rewards the charitable."

فَأجابُوهُ إلى ما أرادَ.

فَتَوَجَّهُوا إلى مِصْرَ لِذَلِكَ ولِقَصْدِ المِيرَةِ لَمّا كانَ اشْتَدَّ بِهِمْ مِنَ القَحْطِ، وقَصَدُوا العَزِيزَ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِالفاءِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أسْرَعُوا الكَرَّةَ في هَذِهِ المَرَّةِ ”قالُوا“ مُنادِينَ بِالأداةِ الَّتِي تُنَبِّهُ عَلى أنَّ ما بَعْدَها لَهُ وقْعٌ عَظِيمٌ ﴿يا أيُّها العَزِيزُ﴾

ولَمّا تَلَطَّفُوا بِتَعْظِيمِهِ، تَرَقَّقُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَسَّنا﴾ أيْ أيَّتُها العِصابَةُ الَّتِي تَراها ﴿وأهْلَنا﴾ أيِ الَّذِينَ تَرَكْناهم في بِلادِنا ﴿الضُّرُّ﴾ أيْ لابَسَنا مُلابَسَةً نُحِسُّها ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ أيْ تافِهَةً غَيْرَ مَرْغُوبٍ فِيها بِوَجْهٍ، ثُمَّ سَبَّبُوا عَنْ هَذا الِاعْتِرافِ - لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى رَحْمَةِ أهْلِ الكَرَمِ - قَوْلُهُمْ: ﴿فَأوْفِ لَنا﴾ أيْ شَفَقَةً عَلَيْنا بِسَبَبِ ضَعْفِنا ﴿الكَيْلَ وتَصَدَّقْ﴾ أيْ تَفْضِيلُ ﴿عَلَيْنا﴾ زِيادَةٌ عَلى الوَفاءِ كَما عَوَّدْتَنا بِفَضْلٍ تَرْجُو ثَوابَهُ.

ولَمّا رَأوْا أفْعالَهُ تَدُلُّ عَلى تَمَسُّكِهِ بِدِينِ اللَّهِ، عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ أيْ مُطْلَقًا وإنْ أظْهَرْتَ - بِما أفادَ الإظْهارَ - وإنْ كانَتْ عَلى غَنِيٍّ قَوِيٍّ، فَكَيْفَ إذا كانَتْ عَلى أهْلِ الحاجَةِ والضَّعْفِ.

89

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَٰهِلُونَ

He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"

فَلَمّا رَأى أنَّ الأمْرَ بَلَغَ الغايَةَ ولَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَتَخَوَّفُهُ، عَرَّفَهم بِنَفْسِهِ فاسْتَأْنَفَ تَعالى الإخْبارَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ حِكايَةً: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ مُقَرَّرًا لَهم بَعْدَ أنِ اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ واسْتَأْنَسُوا بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا كانَ بِغَيْرِ تُرْجُمانِ ”ما“ أيْ قُبْحِ الَّذِي ﴿فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ أيْ أخِيكُمُ الَّذِي حِلْتُمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ ﴿وأخِيهِ﴾ في جَعْلِكم إيّاهُ فَرِيدًا مِنهُ ذَلِيلًا بَيْنَكُمْ، ثُمَّ [فِي] قَوْلِكم لَهُ لَمّا وجَدُوا الصُّواعَ في رَحْلِهِ: لا يَزالُ يَأْتِينا البَلاءُ مِن قَبْلِكم يا بَنِي راحِيلَ! وأعْلَمَهم بِأنَّ ظَنَّهُ فِيهِمُ الآنَ جَمِيلٌ تَسْكِينًا لَهم فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ أيْ فاعِلُونَ فِعْلَهم - تَلْوِيحًا [لَهُمْ] إلى مَعْرِفَتِهِ وتَذْكِيرًا بِالذَّنْبِ لِيَتُوبُوا، [و] تَلَطُّفًا مَعَهم في ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي يَتَنَفَّسُ فِيهِ المَكْرُوبُ، ويَنْفُثُ فِيهِ المَصْدُورُ، ويَشْتَفِي فِيهِ المُغِيظُ المُحْنَقُ، ويُدْرِكُ ثَأْرَهُ المَوْتُورُ، بِتَخْصِيصِ جَهْلِهِمْ - بِمُقْتَضى ”إذا“ - بِذَلِكَ الزَّمانِ إفْهامًا لَهم أنَّهُمُ الآنَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ،

90

قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِى ۖ قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

They said, "Are you indeed Joseph?" He said "I am Joseph, and this is my brother. Allah has certainly favored us. Indeed, he who fears Allah and is patient, then indeed, Allah does not allow to be lost the reward of those who do good."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ قَدْ قَرَّبَ لَهُمُ الكَشْفَ عَنْ أمْرِهِ، لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ مَلِكٌ مِثْلُهُ - لَمْ يَنْشَأْ بَيْنَهم ولا تَتْبَّعَ أحْوالَهم ولَيْسَ مِنهم - هَذا الِاسْتِفْهامُ ولا سِيَّما وقَدْ رَوى أنَّهُ لَمّا قالَ هَذا تَبَسَّمَ، وكانَ في تَبَسُّمِهِ أمْرٌ مِنَ الحُسْنِ لا يَجْهَلُهُ مَعَهُ مَن رَآهُ ولَوْ مَرَّةً واحِدَةً، فَهَلْ عَرَفُوهُ؟ فَقِيلَ: ظَنُّوهُ ظَنًّا غالِبًا، ولِذَلِكَ ﴿قالُوا﴾ مُسْتَفْهِمِينَ ﴿أإنَّكَ﴾ وأكَّدُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿لأنْتَ يُوسُفُ﴾

ولَمّا كانَ المُتَوَقَّعُ مِن مِثْلِهِ فِيما هو فِيهِ مِنَ العَظَمَةِ أنْ يُجازِيَهم عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ إلَيْهِ، اسْتَأْنَفَ بَيانَ كَرَمِهِ فَقالَ: ﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ وزادَهم قَوْلَهُ: ﴿وهَذا أخِي﴾ أيْ بِنْيامِينَ شَقِيقِي لِذِكْرِهِ لَهم في قَوْلِهِ ﴿وأخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩] ولِيَزِيدَهم ذَلِكَ مَعْرِفَةً لَهُ، وثْبَتَها في أمْرِهِ بِتَصْدِيقِهِ لَهُ مَعَ مُكْثِهِ عِنْدَهُ مُدَّةَ ذَهابِهِمْ وإيابِهِمْ، ولِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿عَلَيْنا﴾ بِأنْ جَمَعَ بَيْنِنا عَلى خَيْرٍ حالَ تَكُونُ؛ ثُمَّ تَعْلِيلِيَّةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ وهو مَجْزُومٌ لِأنَّهُ فِعْلُ الشَّرْطِ، وأثْبَتَ قَنْبَلٌ - بِخِلافِهِ عَنْهُ - ياءَهُ في الحالَيْنِ مُعامِلًا لَهُ مُعامَلَةً الصَّحِيحِ إشارَةً إلى وصْفِ التَّقْوى بِالصِّحَّةِ الكامِلَةِ والمُكْنَةِ الزّائِدَةِ والمُلازِمَةِ لَها في كُلِّ حالٍ ﴿ويَصْبِرْ﴾ أيْ يُوفِهِ اللَّهُ أجَرَهُ لِإحْسانِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿لا يُضِيعُ﴾ أيْ أدْنى إضاعَةً - أجْرَهُ، هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِما يَعْرِفُ أنَّ التَّقْوى والصَّبْرَ مِنَ الإحْسانِ، فَقالَ: ﴿أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ والتَّقْوى: دَفْعُ البَلاءِ بِسُلُوكِ طَرِيقِ الهُدى؛ والصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْسِ بِتَجَرُّعِ مَرارَةِ المَنعِ عَمّا يَشْتَهِي، ولَعَلَّهُ إنَّما سَتَرَ أمْرَهُ عَنْهم إلى هَذا الحَدِّ لِأنَّهُ لَوْ أرْسَلَ إلى أبِيهِ يُخْبِرُهُ قَبْلَ المَلِكِ لَمْ يَأْمَن كَيْدَ إخْوَتِهِ، ولَوْ تَعَرَّفَ إلَيْهِمْ بَعْدَهُ أوْ أوَّلَ ما رَآهم لَمْ يَأْمَن مِن أنْ تَقْطَعَ أفْئِدَتُهم عِنْدَ مُفاجَأتِهِمْ بِانْكِشافِ الأمْرِ وهو فِيما هو [فِيهِ] مِنَ العِزِّ، فَإنَّهم فَعَلُوا بِهِ فِعْلَ القاتِلِ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ قَدَّمَهُ إلَيْهِمْ، فَهم لا يَشُكُّونَ في أنَّهُ إذا قَدَرَ عَلَيْهِمْ يُهْلِكُهم لِما تَقَدَّمَ لَهم إلَيْهِ مِن سُوءِ الصَّنِيعَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ سَلامَتِهِمْ لا يَأْمَنُونَهُ وإنَّ بالِغَ في إكْرامِهِمْ، فَإنَّ الأُمُورَ العِظامَ - إنْ لَمْ تَكُنْ بِالتَّدْرِيجِ - عَظُمَ خَطَرُها، وتَعَدّى ضَرَرُها، فَإنْ أرْسَلَهم لِيَأْتُوا بِأبِيهِمْ خِيفَ أنْ يَخْتَلُوا أباهُما مِن مَلِكِ مِصْرَ ويُحْسِنُوا لَهُ الإبْعادَ عَنْ بِلادِهِ، فَيَذْهَبُوا إلى حَيْثُ لا يَعْلَمُهُ، وإنْ أرْسَلَ مَعَهم ثِقاتٍ مِن عِنْدِهِ لَمْ يُؤْمَن أنْ يَكُونَ بَيْنَهم شَرٌّ، وإنْ سَجَنَهم وأرْسَلَ إلى أبِيهِ مَن يَأْتِي بِهِ لَمْ يَحْسُنْ مَوْقِعُ ذَلِكَ مِن أبِيهِ، ويَحْصُلْ لَهُ وحْشَةٌ بِحَبْسِ أوْلادِهِ، وتَعْظُمُ القالَةُ بَيْنَ النّاسِ مِن أهْلِ مِصْرَ وغَيْرِهِمْ في ذَلِكَ، فَفَعَلَ مَعَهم ما تَقَدَّمَ لِيَظْهَرَ لَهم إحْسانُهُ وعَدْلُهُ ودِينُهُ وخَيْرُهُ، وكَفُّهُ عَنْهم وعَفْوُهُ عَنْ فِعْلِهِمْ بِالتَّدْرِيجِ، ويَقِفُوا عَلى ذَلِكَ مِنهُ قَوْلًا وفِعْلًا مِن أخِيهِ الَّذِي رَبّى مَعَهم وهم بِهِ آنِسُونَ ولَهُ ألِفُونِ، فَتَسْكُنُ رَوْعَتُهُمْ، وتَهُونُ زَلَّتُهُمْ، …

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.